Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
. ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم
:
عبد الله محمد بن يزيد (الجَوزي)(١)، ثنا زكريا بن يحيى البزاز، ثنا زيد بن
أخزم الطائي، ثنا عامر بن مدرك، ثنا عتبة بن يقظان، عن قيس بن مسلم، عن
طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَالآتى:
(«مَا أحسَنَ من مُحسنٍ، كافٍ أو مسلمٍ ، إلّ أثابَهُ الله عزّ وجلّ)).
قُلْنَا يا رسول الله! وَمَا إثابةُ الله الكَافر؟ قال: ((إن كان وَصَلَ رحماً، أو
تصدّق بصدقةٍ، أو عمل حسنةً أثابه الله تعالى وإثابته إيّاه المالُ والولدُ والصحة
وأشباه ذلك)). قَال قُلنا: وما أثابته في الآخرة؟ قال: ((عذابٌ دون العذاب))،
وقرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
قال البيهقي رحمه الله: وهذا أنْ ثبت ففيه الحجّة، وإن لم يَثْبُتْ لأنّ في
إسناده من لا يُحتَجّ به ۔
- وحديث أبي طالب صحيح، ولا معنى لإِنكار الحليمي رحمه الله
الحديث ولا أدري كيف ذهب عنه صحة ذلك، فقد روي من أوجه عن
عبد الملك بن عمير، وروي من وجه آخر صحيح عن أبي سعيد الخدري عن
النبي ◌َّ بمعناه.
وقد أخرجه صاحب الصحيح وغيرهما من الأئمة في كتبهم الصحاح وإنما
يصحّ لمن ذهب المذهب الثاني في خيرات الكافر أن يقول حديث أبي طالب
خاصّ في التخفيف عن عذابه بما صنع إلى النبي وَلَّ، خصّ به أبو طالب لأجل
النبي ◌َليل تطبيباً لقلبه وثواباً له في نفسه لا لأبي طالب، فإنّ حسنات أبي طالب
صارت بموته على كفره هباءً منثوراً.
ومثل هذا حديث عروة بن الزبير في أعتاق أبي لهب ثُوَّيْبة وإرضاعها
رسولَ اللهِ وََّ، فلما مات أبو لهبٍ أرِيّه بعضُ أهله في النّوم بشرّ خيبة فقال له:
ما لقيتَ؟ فقال أبو لهب: لم نر بعدكم رجاء غير أنّي سُقيت في هذه منّي بعتاقتي
ثويبة وأشار إلى النقيرة التي بين الإِبهام والتي تليها.
وهذا أيضاً لأنّ الإِحسان كان مرجعه إلى صاحب النبوة فلم يضيّع. والله
أعلم.
(١) في نسخة (الجزري).

٢٦٢
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم
وأما المؤمنون يُحاسبون فإنّ أعمالهم توزن وهم فريقان: أحدهما
المؤمنون المتقون لكبائر الذنوب فهؤلاء تُوضع حسناتهم في الكفة النيرة
وصغائرهم - إن كانت لهم - في الكفة الأخرى، فلا يَجعل الله لتلك الصغائر
وزناً، وتثقُل الكفّة النّرةُ، وترتفعُ الكفَّة الأخرى ارتفاع الفارغ الخالي، فيؤمر
بهم إلى الجنّة ويثابُ كل واحد منهم على قدر حسناته وطاعاته، كما تلونا في
الآيات التي ذكرناها في الموازين.
والآخر: المؤمنون المخطئون: وهم الذين يُوافُون القيامةَ بالكبائر
والفواحش غير أنّهم لم يُشِرِكوا بالله شيئاً، فحسناتُهم توضع في الكفّة النّرة،
وآثامُهم وسيِّئاتهم في الكفَّة المُظْلمة، فيكون يومئذ لكبائرهم التي جاؤوا بها
ثقلٌ، ولحسناتهم ثقل إلّ أنّ الحسنات تكون بكل حال أثقلَ لأنّ معها أصلُ
الإِيمان، وليس مع السيئات كفرٌ، ويستحيلُ وجودُ الإِيمان والكفر معاً لشخص
واحد، ولأنّ الحسنات لم يُرد بها إلا وجه الله تعالى، والسيئات لم يُقصد بها
مخالفةُ الله وعنادُه، بل كان تعاطيها لداعية الهوى وعلى خوف من الله عز وجل
وإشفاق من غضبه. فاستحال أن توازي السيئات، - وإن کَثُرَتْ - حسناتِ
المؤمن، ولكنها عند الوزن لا تَخْلُو من تثقيل ويقع بها الميزان حتى يكون ثقلُها
كبعض ثقل الحسنات، فيجري أمر هؤلاء على ما ورد به الكتاب جملةً، ودلّتْ
سنةُ المصطفى وَل ◌َ على تفصيلها وهو قوله عز وجل:
﴿إِنَّ اللّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣].
وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذلِكَ لِمَنْ يَّشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦].
فيغفر لمن يشاء بفضله، ويُشَفِّعُ فيمن شاء منهم بإذنه، ويُعذّب من شاء
منهم بمقدار ذنبه ثم يُخرِجه من النار إلى الجنة برحمته كما ورد به خبر الصادق.
وقد دلّ الكتاب على وزن أعمال المخلّطين من المؤمنين وهو قوله
عز وجل :
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ
حَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وإنما أراد - والله أعلم - أنه لا يُترك له حسنةٌ إلّ تُوزن، وهذا بالمؤمن

٢٦٣
٨ - باب في حشر الناس بعدمايبعثون من قبورهم
المخلّط لأنّه لو تُركت له حسنةٌ لم تُوزَن، لزاد ذلك في ثقل سيئاته فأوجبَ ذلك
زیادً في عذابه .
فأما أنّ الوزن کیف یکون؟ ففيه وجهان :
أحدهما أنّ صحف الحسنات توضع في الكفّة النّرة، وصحف السيئاتْ
في الكفّة المُظلمة، لأن الأعمال لا تُنسخ في صحيفة واحدة. ولا كاتبها يكون
واحداً، لكن المَلَك الذي يكون عن اليمين، يكتب الحسنات، والملكَ الذي
يكون على الشمال يكتب السيئات، فيتفَرَّدُ كل واحد منهما بما ينسخ، فإذا جاء
وقت الوزن وضعت الصحف في الموازين، فيُثْقَّل الله عز وجل ما يحقُّ تثقيله،
ويُحَقِّفُ ما يحقُّ تخفيفه .
والوجه الآخر أنه يجوز أن يحدث الله تبارك وتعالى أجساماً مقدرةً بعدد
الحسنات والسيئات، ويُميّز إحداهما عن الأخرى بصفات تُعرفُ بها فتُوزن، كما
توزن الأجسامُ بعضها ببعض في الدنيا، والله أعلم، ويعتبر في وزن الأعمال
مواقعها من رضى الله عز وجل وسخطه .
وذهب أهل التفسير إلى إثبات هذا الميزان بكفّتَيْه وجاء في الأخبار ما دلّ
عليه. وقد روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال:
الميزانُ لَه لِسَانٌ وَكِقَّتَانِ، يُوزَنُ فيه الحسناتُ والسيئاتُ، فيؤتى بالحسنات
في أحسن صورة فتُوضع في كفّة الميزان، فيثقل على السيئات، قال: فيؤخذ
فيُوضع في الجنّة عند منازله، ثمّ يُقالُ للمؤمن: الحقْ بعملك قال فينطلق إلى
الجنّة، فيعرفُ منازله بعمله، قال: ويُؤتى بالسيئات في أقبح صورة، فتوضع في
كفّة الميزان فتخفّف، - والباطل خفيف - فيُطرح في جهنم إلى منازله منها ويُقال
له: الحَقْ بعملك إلى النار، قال: فيأتي النّار فيعرفُ منازله بعمله، وما أعد الله
فيها من ألوان العذاب، قال ابن عباس: فَلَهُم أعرفُ بمنازلهم في الجنة والنار
بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمع راجعين إلى منازلهم.
٢٨٢ - أخبرنا أبو عبد الرحمن الدهان، أنا الحسين بن محمد بن هارون،
ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان عن
الكلبي فذكره.

٢٦٤
٨ -باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في بیان كبائر الذنوب وصغائرها
٢٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد الله بن الحسين القاضي، ثنا
الحارث بن أبي أسامة، ثنا يونس بن محمد، ثنا الليث بن سعد، حدثني
عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي قال: سمعت
عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَ لاته :
((إن الله سَيُخلّصِ رجلاً من أمّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فَيَنْشُر
عليه تسعةً وتسعين سِجِلاً كُلُّ سجلّ مثل مدّ البصر، ثم يقول أتْكر من هذا
شيئاً؟ أَظَلَمَك كَتَبَتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ فيقول ألك عذر؟ فيقول لا يا
ربّ، فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنةً، وإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج بطاقة
فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، فيقول يا ربّ ما هذه
البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال إنك لا تُظلم؛ قال: فتُوضع السجِلاَت في كِفّة
والبطاقة في كِفّة، فطاشت السجلاتُ وثقُلت البطاقة ولا يثقلُ مع اسم الله تعالى
شيءٌ)).
ورواه عبد الله بن صالح عن الليث بهذا الإسناد وقال: قال رسول
الله عَلَر:
(«سيُصاح يوم القيامة برجل من أمتي على رؤوس الخلائق ينشر عليه تسعة
وتسعين سجلاً)) فذكر الحديث.
فصل
«في بیان كبائر الذنوب وصغائرها وفواحشها)»
قال الله عز وجل :
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٧].
وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهِ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:
٣١].
٢٨٣ - أخرجه الحاكم (٦/١) بنفس الإسناد وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وأخرجه الترمذي (٢٦٣٩) من طريق اللیث - به.
وقال حسن غريب.
:

٢٦٥
٨ -باب في حشر الناس بعدما یبعثون من قبورهم/ فصل في بیان کبائر الذنوب وصغائرها
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنُونَّ كَبَائِرَ الإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إلّ اللَمَمْ﴾ [النجم:
٣٢].
وقد ورد النبي مَلآله في عدد الكبائر ما:
٢٨٤ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنا أبو الحسين أحمد بن
عثمان الآدمي، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا الأويسي، ثنا سليمان بن بلال،
عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة أنّ رسول الله وَِّ قال:
((اجْتَنِبُوا السَّبَعَ الْمُوبِقَاتِ قالوا: يا رسول الله وَمَا هُنَّ؟ قال: الشِّرْك بالله،
والسحر، وقَتْلُ النَّفْس الَّتي حرّم الله إلّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مال الْيَتِيم،
والتَّولّي يَومَ الزَّحفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْمُؤمِناتِ الْغَافلات)).
رواه البخاري في الصحيح عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي.
وأخرجه مسلم من وجهٍ آخر عن سليمان.
قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى: وليس في تقييده ذلك بالسبع منع
الزيادة عليهن وإنما فيه تأكيد اجتنابهن ثم قد ضمّ إليهن غيرهن.
روينا عن عبيد بن عمير عن أبيه عن النبي ◌َلّى :
((الكبائر تسع)).
فذکرهن وذکر معهن :
((عقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام)).
وفي الحديث الثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي وَّ سئل
عن الكبائر فقال :
((الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال أَلاَ أَنْبِّئُكُمْ بأكبر
الكبائر: قوله الزُّور - أو قال - شهادة الزُّور بدل ((قول الزور)))).
وروي في الحديث الثابت عن عبد الله بن عمرو قال:
٢٨٤ - أخرجه البخاري (٤ /١٢) عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي - به.
وأخرجه مسلم (٩٢/١) من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال - به.

٢٦٦
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في بیان كبائر الذنوب وصغائرها
((جاء اعرابيٌّ إلى رسول الله وَ لّل فقال: ما الكبائر؟ قال: ((الإِشراك بالله))
قال: ثم ماذا؟ قال: ((عقوق الوالدين). قال: ثم ماذا؟ قال: ((اليمين
الغموس)» .
وفي الحديث الثابت عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ قال:
((من الكبائر شتمُ الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتمُ الرجلُ
والدَيه؟ قال: ((نعم، يسُبّ أبا الرجل فيسُبّ أباه، ويسُبّ أمّه فيسُبّ أمّه)).
وفي الحديث الثابت عن عبد الله بن مسعود قال:
قلتُ يا رسول الله أيّ الذنب أعظم عند الله عز وجل؟ قال: ((أن تجعلَ لله
نِدّاً وهو خلقَك، قلتُ: ثم ماذا؟ قال: ((أن تقتل وَلدَكَ خشية أنْ يطعم، قلت: ثم
ماذا؟ قال: أَنْ تزاني حليلة جارك)).
وفي الحديث الثابت عن عبادة بن الصامت أن رسول الله وَله قال وحوله
عُصبةٌ من أصحابه :
(بَايِعُوني على أنْ لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تَسرقوا، ولا تَزْنوا ولا تَقْتُلُوا
أولادكم، ولا تأتوا مُهتان، ولا تعصوا في معروف)».
وقد ورد في الكتاب تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما ذكر
معهما، وورد فيه تحريم الخمر والميسر، وورد فيه تحريم أكل مال اليتيم،
وتحريم أكل الأموال بالباطل، وتحريم قتل النفس، وتحريم الزنا والسرقة، وغير
ذلك. وهو في مواضعه مذکور.
وورد فى السنة حديث جابر بن عبد اللّه عن النبي
((ليس بين العبد وبين الشرك إلّ ترك الصلاة)).
وإنما أراد والله أعلم تخصيص الصلاة لوجوب القتل بتركها.
وقد أورد الحليمي رحمه الله ما أوردناه ثم قال: وإذا تُتبع ما في الكتاب
والسنة من المحرمات كثر وإنما أوردنا هذا لِنُبَيّنَ الصغائر والكبائر بياناً حاوياً
نأتي به على ما نحتاج إليه في هذا الباب بإذن الله .
فنقول: قتل النفس بغير حق كبيرة فإن كان المقتول أبا أو ابناً أوذا رحم في
١

٢٦٧
٨ -باب في حشر الناس بعدما یبعثون من قبورهم/ فصل في بیان كبائر الذنوب وصغائرها
الجملة أو أجنبياً متحرماً بالحرمة وبالشهر الحرام فهو فاحشة. وأما الخدشة
والضربة بالعصا مرة أو مرتين فمن الصغائر.
والزنا كبيرة فإن كان بحليلة الجار أوبذات محرم أو لا بواحدة من هاتين
لكن بأنه في شهر رمضان أو في البلد الحرام فهو فاحشة. قال الله عز وجل :
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيه ◌ِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وأما ما دون الزنا الموجب للحد فإنه من الصغائر فإن كان مع امرأة الأب أو
حليلة الابن أو مع أجنبيةً ايم، لكن على سبيل القهر والإِكراه كان كبيرة.
وقذف المحصنات كبيرة وإن كانت المقذوفة أمّاً أو أختاً أو امرأة زانية كان
فاحشة .
وقذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر، وكذلك القذف
بالخيانة والكذب والسرقة .
والفرار من الزحف كبيرة فإن كان من واحد أواثنين ضعيفين وهو أقوى
منهما، أو اثنين حملا عليه بلا سلاح وهو شاك السلاح فذلك فاحشة .
وعقوق الوالدين كبيرة فإن كان مع العقوق سبّ أو شتم أو ضرب فهو
فاحشة، وإن كان العقوق بالاستثقال لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجوههما
والتبرم بهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فهذا من الصغائر فإن كان ما يأتيه من
ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا عنه فلا يأمرانه ولا ينهيانه، ويلحقهما من ذلك
ضررٌ، فهذا كبيرة.
والسرقة من الكبائر، وأمّا أخذ المال في قطع الطريق فاحشة، ولذلك
تقطع يد السارق وتقطع يد المحارب ورِجْله من خلاف.
وقتل النفس في قطع الطريق فاحشة، ولذلك لا يَعمل عفو الوالي عنه إذا
قدر عليه قبل التوبة .
وسرقة الشيء التافه الحقير صغيرةٌ، فإن كان المسروق منه مسكيناً لا غنى
به عما أخذ منه فذلك كبيرة، وإن لم يكن على السارق الحدّ.
وأخذ أموال الناس بغير حق كبيرة فإن كان المأخوذ ماله يفتقر، أو كان أبا .

٢٦٨
٨ -باب في حشر الناس بعدما یبعثون من قبورهم/ فصل في بیان کبائر الذنوب وصغائرها
الآخذ أو أمّه، أو كان الآخذ بالاستكراه والقهر فهو فاحشة، وكذلك إن كان على
سبيل القمار فإن كان المأخوذ شيئاً تافهاً والمأخوذ منه غنياً لا بأس عليه من ذلك
فذلك صغيرة .
وشرب الخمر من الكبائر، فإن استكثر الشارب منه حتى سكر أو جاهر به
فذلك من الفواحش فإن مزج خمراً بمثلها من الماء، فذهبت شرّتها وشدتها
فذلك من الصغائر.
وترك الصلاة من الكبائر فإن صار عادة فهو من الفواحش، فإن كان أقامها
ولم يؤتها حقها من الخشوع لكنه التفت فيها، أو فرقع أصابعه، أو استمع إلى
حديث الناس، أو سوّى الحصى أو أكثر من مسّ الحصى من غير عذر فذلك من
الكبائر، فإن اتخذه عادة فهو من الفواحش.
وإن ترك إتيان الجماعة لغيرها فهو من الصغائر فإن اتخذ ذلك عادة وقصد
به مُباينة الجماعة والانفراد عنهم فذلك كبيرة، وإن اتفق على ذلك أهل قرية أو
أهل بلد فهو من الفواحش.
ومنع الزكاة كبيرة وردّ السائل صغيرة، فإن اجتمع على منعه، أو كان
المنع من واحد إلّ أنّه زاد على المنع الانتهار والاغلاظ فذلك كبيرة، وهكذا إن
رأى محتاجٌ رجلاً موسعاً على الطعام فرآه فتاقت إليه نفسه فسأله منه فردّه فذلك
كبيرة.
قال والأصل في هذا الباب أنّ كل محرمٍ بعينه مَنهيٌّ عنه لمعنى في نفسه
فإنّ تعاطيه على وجهٍ يجمع وجهين أو أوجهاً من التحريم فاحشة، وتعاطيه
على وجه يقصر به عن رتبة المنصوص أو تعاطي ما دون المنصوص الّذي لا
يستوفي معنى المنصوص أو تعاطي المنصوص الّذي نهى عنه لأن لا يكون ذريعة
إلی غیره فهذا کله من الصغائر.
وتعاطي الصغير على وجهٍ يجمع وجهين أو أوجهاً من التحريم كبيرة ومثال
ذلك موجود فيما مضى ذكره وأعاده ها هنا وزاد فيما ذكره من الذريعة أن يدلّ
رجلاً على مطلوب ليقتل ظلماً أو يحضره سكيناً وهذا يحرم لقوله :
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
i
١

٢٦٩
٨ -باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في بیان كبائر الذنوب وصغائرها
لكنّه من الصغائر لأنّ النهي عنه لئلا يكون ذريعةً للظالم للتمكن من ظلمه
وكذلك سُؤال الرجل لغيره الّذي لا يلزمه طاعة أن يقتل آخر ليس من الكبائر لأنّه
ليس فيه إلّ إرادة هلاكه من غير أن يكون معها فعل والله أعلم.
قال البيهقي رحمه الله: وقد نجد اسم الفاحشة واقعاً على الزنا وإن لم
ينضمّ إليه زيادة حرمة لكنه لمّا رأى الله عز وجل فرق بين الكبائر والفواحش في
الذكر فرق هو أيضاً بينهما فكلّ ما كان أفحش ذكراً جعله زائداً على الكبيرة والله
أعلم .
وقد فسّر مقاتل بن سليمان : الكبائر بكل ذنب ختم بالنار، والفواحش ما
يقام فيه الحد في الدنيا وقد دلّ كلام الحليمي رحمه الله وغيره من الأئمة على أن
الإصرار على الصغيرة كبيرة .
وقد وردت أخبار وحكايات على التحريض على اجتناب الصغائر خوفاً من
الإِصرار عليها فتصير من الكبائر.
٢٨٥ - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك رحمه الله، ثنا
عبد الله بن جعفر الأصبهاني، ثنا يونس بن حبيب، أنا أبو داود، ثنا عمران
القطان، عن قتادة، عن عبد ربّه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود أنّ
رسول الله قال# قال :
((إياكم ومحقرات الأعمال إنّهُنَّ ليجتمعن على الرَّجُلِ حتّى يهلكنه وأنّ
رسول الله وَل﴿ل ضرب لهنَّ مثلاً كمثل قومٍ نزلُوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم
فجعل الرجل يجيء بالعود والرجل يجيء بالعويد حتّى جمعوا من ذلك سواداً ثم
أججوا ناراً فأنضجت ما قذف فيها)).
٢٨٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا دعلج بن أحمد بن دعلج، ثنا
محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي ثنا عمرو بن عثمان، ثنا الوليد بن
مسلم، عن الأوزاعي، قال؛ سمعت بلال بن سعد يقول:
(لا تَنظر إلى صِغَر الخطيئة، ولكن انظرْ مَنْ عَصَيتَ).
٢٨٥ - أخرجه البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي في مسنده (٤٠٠).

٢٧٠
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في بيان كبائر الذنوب وصغائرها
٢٨٧ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت منصور بن
عبد الله، يقوله: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول:
تَولّدَ ورعُ المتورّعين من ذكر الذرّة والخَردلة وأنّ ربّنا الذي يحاسب على
اللحظة والهَمْزَة والّلِمْزَة لمستقص في المحاسبة، وأشدُّ منه أن يُحاسِبه على
مقادير الذَّرَّة وأوزان الخردلة ومن يكن هكذا حسابه لحرُّ أن يُتّقى .
٢٨٨ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان. ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا
يعقوب بن سفيان، ثنا زيد بن بشر، أنا ابن وهب، ثنا ابن زيد وذكر عمر وأبا بكر
ابني المنكدر قال :
فلمّا حضر أحدهما الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك لهذا
اليوم! قال: أما والله ما أبكي أن أكون أتيت شيئاً ركبته من معاصي الله اجتراء
على الله، ولكني أخاف أن أكون أتيت شيئاً أحسبه هيّناً وهو عند الله عظيمٌ.
قال: وبكى الآخر عند الموت فقيل له مثل ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول
لقوم: ﴿وَبَدا لَهُم مِّنَ اللّه مَالَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون﴾ [الزمر: ٤٧].
فأنا أنظر ما ترون والله ما أدري ما يبدو لي، قال: وكان يقال محمد
أخوهم أدناهم في العبادة وأيّ شيء كان محمد في زمانه!
٢٨٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق
الطيبي، ثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني، ثنا آدم بن أبي أياس، ثنا ضمرة بن
ربيعة، عن سفيان الثوري في قوله عز وجل :
﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَّشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قال: يغفر لمن يشاء العظيم، ويعذب من يشاء على الصغير.
وروي عن ابن عباس الفرق بين الصغائر والكبائر ويروى عنه أنه لم
یفرق بينهما
٢٩٠ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، ثنا أبو الحسن
٢٨٩ - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٣٧٦/١) لابن أبي حاتم عن مجاهد.
٢٩٠ - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢ / ١٤٦) لابن أبي حاتم عن ابن عباس.

٢٧١
٨ -باب في حشر الناس بعدما یبعثون من قبورهم/ فصل في بیان کبائر الذنوب وصغائرها
الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن
صالح عن علي بن أبي طلحة. عن ابن عباس في قوله:
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَونَ عَنْهِ﴾ [النساء: ٣١].
قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو عذاب أو لعنة.
٢٩١ - وبهذا الإِسناد عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الشرك بالله لأنّ الله
يقول :
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنّةِ ﴾ [المائدة: ٧٢].
واليأس من روح الله لأنّ الله يقول:
﴿لَا يَبّْأْسُ مِنْ رَوْحِ الله إلّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
والأمن من مكر الله لأنّ الله يقول:
﴿فَلَا يَأمَنُ مَكْرَ اللهِ إلّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
ومنها عقوق الوالدين لأنّ الله تعالى جعل العاقَّ جبّاراً شقياً عصياً.
وقتل النفس التي حرم الله بغير حق لأنّ الله سبحانه يقول:
﴿جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٢].
وقذف المحصنات لأنّ الله يقول:
﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وأكل مال اليتيم لأنّ الله يقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامِى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطونِهِمْ نَاراً
وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠].
والفرار من الزحف لأن الله تعالى يقول:
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَه إلّ مُتَحَرّفاً لِقِتَالٍ أو مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ فقد باء بغضب
من الله﴾ [الأنفال: ١٦].
٢٩١ - عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٤٨/٢) لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني
وابن مردویه عن ابن عباس.

٢٧٢
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في بيان كبائر الذنوب وصغائرها .
ومنها أكل الربا لأنّ الله يقول:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرَبْوَا لَا يَقُومُونَ إِلّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبُّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْمَسّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
والسحر لأنّ الله يقول:
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَه فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَقِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
والزنا لأنّ الله يقول:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ اثَّامَاً يُضَاعَفْ لَه الْعَذَابُ يَومَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهَا
مُهَانَا﴾ [الفرقان: ٦٩].
واليمين الغموس الفاجرة لأنّ الله تعالى يقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَاً قَلِيلاً أولئكَ لَ خَلَاقَ لَهُمْ فِي
الآخرة﴾ [آل عمران: ٧٧].
والغلول لأنّ الله يقول:
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].
ومنع الزكاة المفروضة لأنّ الله يقول:
﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥].
وشهادة الزور وكتمان الشهادة فإن الله يقول :
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنّهَ آئِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وشرب الخمر لأنّ الله عدل بها الأوثان، وترك الصلاة متعمداً، أو أشياء
مما فرض الله تعالى لأنّ رسول الله وَلَو قال:
((ومَنْ تَرك الصلاة مُتْعَمِّداً فقدْ برىء مِنْ ذمَّة الله ورسوله)).
ونقض العهد، وقطيعة الرحم لأنّ الله تعالى يقول:
﴿لَهُمُ الّلِعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
قال البيهقي رحمه الله: وأما ترك الفرق بينهما ففيما:
:

٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة - ٢٧٣
٢٩٢ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأ أبو عمرو بن نجيد، أنا أبو مسلم
الكجي، أنا عبد الرحمن بن حماد الشعيني، ثنا ابن عون، عن محمد، عن ابن
عباس قال :
كل ما نهى الله عنه كبيرة.
هكذا قال: وكذا قال يحيى بن عتيق وهشام، عن محمد بن سيرين، عن
ابن عباس.
٢٩٣ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفّار، ثنا
أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن
عبيدة قال :
كلّ ما عصي الله به فهو كبيرة.
:
وقد ذكر الطرفة فقال تعالى :
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].
٢٩٤ - وبإسناده ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال:
قيل لابن عباس: الكبائر سبع قال: هي إلى السبعين أقرب.
قال البيهقي رحمه الله فيحتمل أن يكون هذا في تعظيم حرمات الله
والترهيب عن ارتكابها، فأما الفرق بين الصغائر والكبائر فلا بدّ منه في أحكام
الدنيا والآخرة على ما جاء به الكتاب والسنة .
فصل
(في أصحاب الكبائر من أهل القبلة إذا وافوا
القيامة بلا توبة قدموها)»
قال أصحابنا رضي الله عنهم أمرهم إلی الله - تعالی جده - فإن شاء عفا
عنهم مبتدياً وإن شاء شفّع فيهم نبيهم وَّرَ، وإن شاء أمر بإدخالهم النار فكانوا
٢٩٢ - عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٤٦/٢) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني
والمصنف من طرق عن ابن عباس.
٢٩٤ - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢ /١٤٦) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم والمصنف من طرق عن ابن عباس.

٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة
٢٧٤ __
معذّبين مدةً ثم أمر بإخراجهم منها إلى الجنة، إما بشفاعة وإمّا بغير شفاعة، ولا
يُخلّد في النار إلا الكفار، واستدلّوا بقول الله عز وجل:
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئته﴾ [البقرة: ٨١].
وأخبر أن التخليد في النار إنّما هو لمن أحاطَتْ به خطيئته والمؤمن
صاحب الكبيرة أو الكبائر لم تُحطّ به خطيئته، لأنّ رأسَ الخطايا هو الكفر، وهو
غير موجود منه، فصحّ أنّه لا يُخّد في النار.
فإن قيل هذا معارض بقوله عز وجل :
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولِئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢].
فوعد الجنة مَن جمع بين أصل الإِيمان وفروعه. وصاحب الكبيرة أو
الكبائر تارُكُ الصالحات فصحّ أنّ وعد الجنة ليس له.
قيل له: المتعاطي لها إذا تاب منها ووافى القيامة تائباً تاركاً للصالحات
غيرُ جامع بين الإِيمان وفروعه، ومع ذلك فإنه يدخل الجنّة، وتوبته لا تقوم مقام
ما ترك من الصالحات ، لأنّه كان عليه أن يكون نازعاً عن الشرّ أبداً. فإذا أقدم
عليه وقتاً، ثم نزع عنه وقتاً، كان بذلك الفرد مبعضاً وبعض الفرض لا يجوز أن
يكون بدلاً عن جميعه، وإذا جاز أنْ يَمُنَّ الله تعالى على التائب فيُكَفّر بتوبته
خطاياه، لم لا يجوز أنْ يَمُنّ على المصرّ فيُكفّر بإيمانه الذي هو أحسن
الحسنات خطاياه؟ ويكفّر بصلواته وما يأتي بِه الحسنات ما فرط منه مدّة من
سيئاته؟ كما قال تعالى :
﴿إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيئات﴾ [هود: ١١٤].
ذلك وإنما افترقا في أنّ التائب مغفور له من غير تعذيب، والمصرّ قد
يعذّب بذنبه مدةً، ثم يدخل الجنة، لأنّ خبر الصادق بذلك ورد. واستدل
أصحابنا بقوله تعالى :
﴿إِنّ الله لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:
٤٨ و ١١٦].

٠
٨٠ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة - ٢٧٥ .
ولا يجوز أن يفرض في خبر الله خُلِفٌ وبذلك وردت السنة أيضاً عن
النبي ێڑ .
٢٩٥ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا يحيى بن الربيع
المكي، ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت أنّ
رسول الله وَير قال لهم في بيعة النساء:
(تُبَايعوني على أن لا تُشْركوا بالله شيئاً ولا تَسْرقوا ولا تَزْنوا - يعني الآية
كلّها - فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فهو
كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى الله عز وجل إن شاء
غَفَر له وإن شاء عذَّبه)).
أخرجاه في الصحيح من حديث سفيان بن عيينة .
قال البيهقي رحمه الله: قوله ((في بيعة النساء)) أراد كما في بيعة النساء وهو
قوله عز وجل :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤمِنَاتُ يُبَابِعْنَكَ على أنْ لا يُشْرِكْنَ بِالله شيئاً وَلَا
يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أوْلاَدُهُنّ وَلاَ يَأْتِينَ بِيُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيِهِنَّ وَأرْجُلِهِنَّ
وَلَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ [ الممتحنة: ١٢] .
وقوله: ((مَن أصابَ مِنْ ذلك شيئاً فسَتَره الله عليه)) أراد به ما خلا الشرك
كما أراد بقوله: ((فعوقب به)) ما خلا الشرك، فجعل الحدّ كفارة لما أصاب من
الذنب بعد الشرك، وجعل مالم يُحدّ فيه موكولاً إلى مشيئة الله عز وجل، إن شاءَ
غفر له، وإنْ شاء عَذَّبه. ثم التعذيب لا يكون مؤيداً لدليل أخبار الشفاعة وما ورد
في معناها من كتاب الله عز وجل.
فإن قيل: المعنى أنه يَغفر الصغائر لُمجتنب الكبائر، ولا يغفرها لمن لا
يجتنب الكبائر كما قال في آية أخرى:
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيََّاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً
كَرِيماً﴾ [النساء: ٣١].
٢٩٥ - أخرجه البخاري (٨٤/١٢ فتح) ومسلم (١٣٣٣/٣) من طريق ابن عيينة - به.

٢٧٦
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة
-
قيل: المراد بالكبائر التي شُرطَ في المغفرة اجتنابُها هي الشرك فهي في
هذه الآية مطلقة، وتكفير السيئات بها مطلقة، وهما في الآية التي احتججنا بها
في الموضعين مقيدتان فوجب الجمع بينهما وحمل المطلق على المقيد.
فإن قيل قد تَوعّد أصحاب الكبائر بالنار والخلود فيها، ولم يستثن منهم إلا
التائبين فقال :
﴿وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَمَ الله إلّا بِالْحَقِّ﴾ إلى أن قال: ﴿إلّ من
تَاب﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
قيل: هذا الوعيد ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره فإن الله جلّ ثناؤه افتتح
هذه الآية بذكر الشرك فقال:
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إلهاً آخر﴾ [الفرقان: ٦٨].
فانصرف قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلكَ﴾ إلى جميع ما تقدم ذكره ومن جمع بين
هذه الكبائر هذا الوعيد. والذي يدل على هذا أنّه قال: ﴿يُضَاعَفْ له العذاب﴾
وإنّما أراد - والله أعلم - أنّ مَنْ جَمَع بين الشرك وغيره من الكبائر، جُمِعَ عليه مع
عذاب الشرك عذاب الكبائر فيصير العذاب مضاعفاً عليه ثم قال: ﴿إِلّ مَنْ تَابَ
وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالحاً﴾ فذكر في التوبة الإِيمان والعمل الصالح وذلك ليحبط
الإِيمان كفره ويحبط إصلاحه في الإِيمان ما تقدم من إفساده في الكفر كما روينا
فيه عن النبي
فإن قيل: وقد قال:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُهُ جَهَنَّمُ خَالداً فِيها﴾ [النساء: ٩٣].
قيل: قد ذهب أهل التفسير إلى أنّ هذه الآية نزلت فيمن قتل، وارتدّ عن
الإِسلام، وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ الآية مقصورة على سببها.
٢٩٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محبوب الدّهان، ثنا الحسين بن
٢٩٦ - قال الذهبي في التجريد (١٢٠/٢) هشام بن ضبابة الكناني الليثي أخو مقيس. أسلم ووجد
قتيلاً من بني النجار وقال ابن إسحاق وغيره قتل في غزوة المريسيع قتله أنصاري وظنه من
العدو . والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢ / ١٩٥) للمصنف .

٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة - ٢٧٧
محمد بن هارون، ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا
محمد بن مروان، حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: أنّ
مقيس بن ضبابة وجدَ أخاه هشام بن ضبابة مقتولاً في بني النجار، وكان مسلماً
فأتى رسول اللّه ◌َ ﴿ فذكر ذلك له، فأرسل إليهم رسول الله وَليل رسولاً من بني
فهر وقال له :
ائت بني النجار فأقرئهم منّي السلام، وقل لهم: إنّ رسول الله وَلـ
يأمركم إن عَلِمتم قاتلَ هشام أنْ تدفَعوه إلى أخيه فيقتصَّ منه، وإن لم تعلموا له
قاتلاً أن تدفعوا إلیه دیته)) .
فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي ◌َّهِ فقالوا سمعاً وطاعةً لله ولرسوله. والله
ما نعلم له قاتلاً، ولكنا نُؤدّي إليه ديته، قال: فأعطوه مائة من الإِبل ثم انصرفا
راجعين نحو المدينة، وبينهما وبين المدينة قريب فأتى الشيطان مقيس بن ضبابة
فوسوس إليه فقال: أيّ شيء صنعتَ؟ تقبل دية أخيك فيكون عليك سُبّة، أقتُل
الذي معك فيكون نفسٌ مكان نفس، وفضلٌ بالدية قال: فرمى إلى الفهري
بصخرة، فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها، وساق بقيتها راجعاً مكة كافراً فجعل
يقول في شعره.
سراةً بني النجار أرباب قارع
قتلتُ به فهراً وحَمَّلْتُ عقله
وأدركت ثاري واضطجعت موسداً
وكنت إلى الأوثان أول راجع
قال فنزلت فيه هذه الآية :
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخر الآية.
قال البيهقي رحمه الله: وجواب آخر وهو ما روينا عن أبي مجلز لاحق بن
حميد وهو من كبار التابعين أنه قال في قوله:
﴿وَمَنْ يَّقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَّاءهُ جَهَنْم ﴾
قال: هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل.
٢٩٧ - أخبرناه أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، أنا محمد بن بكر،
٢٩٧ - أخرجه أبو داود (٤٢٧٦) عن أحمد بن يونس - به وأخرجه المصنف في البعث (٤٥).

٢٧٨ - ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة
ثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو شهاب، عن سليمان التيمي، عن أبي
مجلز، لاحق بن حميد فذكره.
وقد روي هذا عن النبي ◌َّ ولم يثبت إسناده .
قال البيهقي رحمه الله وبلغني عن أبي سليمان الخطابي البستي رحمه الله
أنه قال: القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب
العمل به سواء ما لم يقع بين الأول والآخر منافاة ولو جمع بين قوله: ﴿وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَاء﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ يَّقْتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُهُ جَهَنَّمُ خَالداً
فِيهَا﴾ [النساء: ١٩٣]. وألحق به قوله: ﴿لِمَنْ يَّشَاء﴾ لم يكن متناقضاً، فشرطُ
المشيئة قائم في الذنوب كلّها ما عدا الشرك.
وأيضاً فإن قوله: ﴿فَجَزَاءُهُ جَهَنّم﴾ يحتمل أن يكون معناه ﴿فَجَزَاءُهُ
إن جازاه الله ولم يعفُ عنه. فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخُلْفُ والآية
الأخرى وعدٌ يُرجى فيه العفو. والله أعلم.
٢٩٨ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال:
سمعت عمر بن محمد الوكيل يقول: حدثني معاذ بن المثنى، ثنا سوار بن
عبد الله، ثنا الأصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن أبي العلاء
فقال له :
يا أبا عمرو! الله يخلف وعده؟ قال: لن يخلف الله وعده، قال عمرو:
فقد قال: قال أين؟ فذكر آية وعيد لم يحفظها عمرو فقال أبو عمرو: من
العجمة أُتْتَ، الوعدُ غيرُ الإِيعاد، ثم أنشد أبو عمرو:
وإنّي وإِنْ أَوعدتُه أو وَعَدته سأُخلفُ إيعادي وأُنْجِزُ مَوعدي
قال البيهقي رحمه الله فإن قيل: فقد قال الله سبحانه:
﴿وَمَنْ يَّعْصِ الله وَرَسُولَه وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء:
١٤ ].
قيل هكذا نقول الحدود اسم جمع وإنما يصير متعدياً لحدود الله تعالى
اجمع بترك الإِيمان وتارك الإِيمان يخلد في النار.

٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة - ٢٧٩
فإن قيل: قد قال:
﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينَ وَمَا هُمْ عَنها بغَائبِين﴾
[الانفطار: ١٤ - ١٦ ].
قیل: وقد قال :
﴿إِنّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣].
والفاسق المؤمن برِّ بإيمانه،
فإن قيل ليس برّاً مطلقاً.
قيل: وكذلك ليس بفاجر مطلقاً.
فإن قيل : فجوره أحبط إيمانه.
قيل: ليس الفصل بين هذا القول وبين مَنْ يقول من المرجئة انّ إيمانه
أحبط فجوره، فدلّ أنّه أراد بالفجّار الذين قابل بينهم وبين الأبرار الكفّار، لأنّ
رأس البرّ الإِيمان، وكذلك رأس الفجور الكفر، والذي يدل على صحة ما ذهبنا
إليه قوله الله عز وجل :
﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
وقوله: ﴿لَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقوله: ﴿إِنَّ اللّه لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِنْ
لِّدُنْه أجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠].
وقوله: ﴿فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَّرَهِ﴾ [الزلزلة: ٧].
وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ مُحْضَراً﴾ [آل عمران:
٣٠].
وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧].
وقوله: ﴿وَعَدَ اللهِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جنات﴾ [التوبة: ٧٢],
وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَان إلّ الإِحْسَان﴾ [الرحمن: ٦٠].
فهذه الآيات وما ورد منها في معناها كلها تدلّ على أن الله تعالى لا يضيع

٨ -باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في أصحاب الكبائر إذا وافوا القيامة بلا توبة
٢٨٠ -
أجر من أحسن عملاً، وأحسن الأعمال الإِيمان بالله وبرسوله.
ومن قال: بتخليد المؤمن في النار كان قد أضاع أجر عمله، ولم يجعل له
عوضاً. ولأنا وجدنا الله عز وجل وعد على الطاعات ثواباً، وعلى المعاصي عقاباً
فليس لأحد أن يقول يَرى ما عمل من المعاصي دون ما عمل من الطاعات، وقد
عملهما جميعاً إلّ ولآخر أن يعكس ذلك فلا يجد القائل بذلك فضلاً ولأنّا قد
أجمعنا على حصول طاعاته، واختلفنا في زوال حكمها فلا يرفع حكم ما تيَقَنّاه
من حصول الطاعات بمعصية لا تنفيها ولا تضادها.
واحتجوا في إبطال الشفاعة بقوله عز وجل :
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
فالظالمون ها هنا هم الكافرون، ويشهد لذلك مفتتح الآية إذ هي في ذكر
الكافرين فإن احتجوا بقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
قيل: هذا دليلنا لأنّ الفاسق مرتضى بإيمانه قال الله عز وجل :
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢].
واصطفينا وارتضينا واحد في اللسان ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي
من المصطفين ظالم لنفسه، والظلم هو الفسق فأخبر أنّ فيهم ظالماً، وقال في
قصّة يونس: ﴿إِنّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقد روينا من أوجه عن النبي ◌َّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ قال: كلهم في الجنة وهو في الجزء السابع من كتاب البعث
مذکور بشواهده.
وقيل معناه: ﴿إِلّ مَنِ ارْتَضَى﴾ أن يشفعوا له كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي
يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
قال الحليمي رحمه الله: ولا تحتمل الآية غير ذلك لأنّ المرتضين عند الله
لا يحتاجون إلى شفاعة مَلَكِ ولا نبيٍ، فصحّ أنّ المعنى ما قلناه. ولا يجوز أن
يُقال إن الله عز وجل لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأنّ المذنب الذي
يحتاج إلى الشفاعة، فكلّما كان ذنبه أكبر، كان إلى الشفاعة أحوجَ، فكيف