Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ ١ - باب في الإِيمان بالله عز وجل / فصل في حدوث العالم - قلنا: لسنا نقول إنَّ الله ذو علم على التنكير، وإنما نقول أنه ذو العلم على التعريف. كما نقول أنه ذو الجلال والإِكرام، على التعريف ولا نقول أنه ذو جلال وإكرام على التنكير. فمعنى الآية إذاً ((وفوق كل ذي علم محدث من هو أعلم منه)). فإن قالوا: فیقولون ان علمه قدیم وهو قدیم. قيل: من أصحابنا من لا يقول ذلك مع إثباته له أزلياً. ومنهم من يقول ذلك ولا يجب به الاشتباه، لأن القديم هو المتقدم في وجوده بشرط المبالغة، والمتقدم في الوجود هو الوجود، والوجود لا يوجب الاشتباه عند أحد فكذلك المتقدم في الوجود لا يوجب الاشتباه ولأن القدم وصف مشترك. يقال «شيخ قديمٌ)) و((بناء قديم)) و((عُرْجُونٌ قديم)) . فالاشتباه لا يقع بالاشتراك في الوصف المشترك. ولأنه لو كان الاشتباهُ يقع بالاشتراك في القدم، لكان يقع بالاشتراك في الحدث. فلما لم يقع بالاشتراك في الحدث، لم يقع بالاشتراك في القدم. ولأن عندنا حقيقة المشتبهين هما الغيران اللذان يجوز على أحدهما جميع ما يجوز على صاحبه وينُوبُ منابه، وصفات الله تعالی لیست باغيار له. فإن قالوا: لو كان له علم لم يخل من أن يكون هو أو غيره أو بعضه؟ قيل: هذه دعوى بل ما ينكر من علم لا يجوز أن يقال هو هو لاستحالة أن يكون العلم عالماً، ولا يجوز أن يقال غيره لاستحالة مفارقته له ومعنى الغيرين ما "لا يستحيل مفارقة أحدهما لصاحبه بوجه . ولا يجوز أن يقال بعضه إذ ليس الموصوف به متبعضاً. فإن قال: لو كان له علم لكان عرضاً مكتسباً أو مضطراً إليه، وكان اعتقاداً من جنس علومنا لأن ذلك حكم العلم المعقود. قيل: ليس الأمر كذلك لأن العلم لم يكن علماً لأنه عرض أو بصفة مما ذكرتم وإنما كان علماً، لأنّ العلم به يعلم ثم يضطر فإن كان العلم مُحدَثاً، كان علمه غرضاً مكتسباً أو مضطراً إليه. ١٤٢ ١ - باب في الإِيمان بالله عز وجل / فصل في حدوث العالم وإن لم يكن محدثاً لم يصحّ وصفُه بما يوجب الحدث ، ولما وجب أن یکون عالماً غير معتقد ولا مكتسب ولا مضطر ، وجب أن يكون له علم لا يصح وصفه بشيء مما ذكرتم. فإن قالوا: لو كان عالماً بعلم لكان محتاجاً إلى علمه. قيل: لا يجوز عليه الحاجة لأنه غنيٌّ، ليس علمُه ولا سائر صفاته الذاتية أغياراً له، ولا ابعاضاً حتّى يصحّ وصفُه بالحاجة إلى غيره أو إلی بعضه. فإن قالوا: فيقولون إن علمه علم بكل ما يصحّ أن يعْلم. قيل: كذلك نقول، ولذلك وصف الله تعالى علمه فقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمً﴾ [الطلاق: ١٢]. وأما غير الله عزّ وجلّ فإنّه لا يصح أن يكون عالماً بكل معلوم، فلم يصحّ أن يكون له علم بذلك. فالله سبحانه وتعالى يجبُ كونه عالماً بكل معلوم، فكذلك يجب أن يكون علمه علماً بكل ما يصح أن يعلم . والكلام في سائر الصفات الذاتية كالكلام في العلم، ولا يجوز في شيء من ذلك أن يقال إنه يجاوره لأن المجاورَة تقتضي المماسة أو المقاربة في المكان وذلك صفة الأجسام التي هي محل الحوادث ولا يقال إنها تحلُّه، لأنّ الحلول يقتضي المجاورة، وقد قامت الدلالة على بطلانها. ولا يقال إنها تخالفه أو تفارقه، لأن المفارقة والمخالفة فرع للغيرية والتغاير بينه وبين صفاته محال . ولا يقال إنه ملكُه لأن ما يملك يصحُّ أن يفعل، وصفاته أزلية لا يصح أن تفعل، ولا يقال في صفات ذاته إنها في أنفسها مختلفة ولا متفقة لأنها ليست بمتغايرة . ولا يقال إنها مع الله أو في الله، بل هي مختصَّةٌ بذاته قائمة به لم يزل موصوفاً بها ولا يزال هو موصوفاً بها. ولله تعالى صفات خبرية منها الوجه واليد . طريق إثباتها ورود خبر الصادق بها فُثبتها ولا نُكيّفها. 1 ١٤٣ ١ - باب في الإِيمان بالله عز وجل / فصل في حدوث العالم وأما صفات الفعل كالخلق والرزق فإنها أغيار وهي فيما لا يزال، ولا يصح وصفه بها في الأزل. وأبى المحققون من أصحابنا أن يقولوا في الله جلّ ثناؤه أنَّه لم يَزَلْ خالقاً ورازقاً، ولكن يقولون خالقُنا لم يَزلْ، ورازقُنا لم يَزَلْ، قادراً على الخلق والرزق. لأنه لم يخلق في الأزل ثم خلق، وإذا سُمّي خالقاً بعد وجود الخلق، لم يوجب ذلك تغيُّراً في ذاته، كما أن الرجل إذا سُمّي أباً بعد أن لم يُسَمَّ أباً، لم يُوجب ذلك تغيُّراً في نفسه . ومن أصحابنا من قال: يجوز القولُ لم يزلْ خالقاً، رازقاً على معنى أنه سَيَخْلُقُ وسيرزُقُ، وبالله التوفيق. ١٢٢ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنبا أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياً﴾ [مريم: ٦٥]. هل تعلم للرب عزّ وجلّ مثلاً أو شبهاً. ١٢٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو العباس محمد بن يعقوب (ح)) ١٢٢ - معاوية بن صالح الحضرمي هو: أبو عمرو (ت ١٥٨) تقريب. علي بن أبي طلحة، أرسل عن ابن عباس ولم يره (تقريب). أخرجه ابن جرير في التفسير (١٦ / ٨٠) عن علي عن عبد الله عن معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢٧٩/٤) لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. ١٢٣ - أبو الحسين بن الفضل هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل أبو الحسين الأزرق القطان سبق برقم ٨٤، وخالد بن يزيد هو الكاهلي أخرجه الحاكم (٢ /٣٧٥) عن أبي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السلام عن إسحاق بن إبراهيم عن وكيع ويحيى بن آدم قالا: ثنا إسرائیل به . وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤ /٢٧٩) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والمصنف في الشعب. ١٤٤ ١ - باب في الإيمان بالله عز وجل / فصل في حدوث العالم وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ثنا علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن ماتي، قالا ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغفاري، حدثنا خالد بن يزيد، ثنا اسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عزّ وجلّ : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥]. قال: ليس أحد يُسَمَّى الرحمنَ غيره. ٥ ٢ - بابٌّ في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم (٢) الثاني من شعب الإِيمان وهو باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم عامةً اعتقاداً، وإقراراً إلا أنّ الإِيمان بمن عدا نبيّنا ◌َّ هو الإِيمان بأنهم كانوا مرسَلين إلى الذين ذَكَرُوا لهم أنَّهم رسلُ الله إليهم. وكانوا في ذلك صادقين محقین . والإِيمانُ بالمصطفی نبينا پێ هو التصدیقُ بأنه نبیُّه ورسوله إلی الذین بُعِثَ فيهم، وإلى مَنْ بعدهم من الجنّ والإِنس إلى قيام الساعة . قال الله تعالى : ﴿آَمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧]. فقرن الإِيمان برسوله بالإِيمان به. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلِّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ .... ﴾ [النساء: ١٥٠] الآية إلى آخرها. وفي هذه الآية أن الله جل وعز جعل الكفر ببعض رسله كفراً بجميعهم ثم جعل الكفر بجميعهم كفراً به. وقال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢] الآية. فثبتَ أن حُسنَ المَآب إنّما يكونُ لمن لم يُفَرِّقْ بين رسل الله عز وجل وآمن بجماعتهم. وقد روينا في حديث ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي ◌َ ﴾ حين سئل عن الإِيمان فقال: ((أَنْ تُؤْمِنَ بالله وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبْهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوم الآخر ، وَتُؤْمِن بِالقَدر كُلِّهِ ، خَيرِه وشرّه)) . ١٤٦ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم ١٢٤ - أخبرناه أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرزاز، ثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي، ثنا أبو عبد الرحمن المقرىء، ثنا كهمس بن الحسن قال سمعت عبد الله بن بريدة يحدث عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما بذلك. أخرجه مسلم في الصحيح من حدیث کھمس. ١٢٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد ءُ العنبري، ثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَليوم قال: (أُمرتُ أن أُقَاتَلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهِدُوا أَن لَا إِلهَ إلّ الله، وَيُؤْمِنُوا بِي وبما جئتُ به، فإذا فَعَلُوا ذلك، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَ أَمْوَالِهِمْ إلا بِحَقُّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلى الله، عزّ وجلّ)). رواه مسلم في الصحيح عن أمية بن بسطام . ١٢٦ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه، ثنا عبد الله بن محمد بن الليث، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبيّ اللّه ◌َلّ - ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل - فقال: ((يا مُعاذُ! قال: لَبَيْكَ يا رَسُول الله، وسَعدَيك!)). ١٢٤ - عيسى بن عبد الله الطيالسي (ت ٢٧٧) (تذكرة الحفاظ ٢ /٦١٠) أخرجه مسلم (ص ٣٧). ١٢٥ - يحيى بن محمد العنبري أبو زكريا (ت ٣٤٤) (سير ٥٣٣/١٥)، وأمية بن بسطام (ت ٢٣١) تقريب، يزيد بن زريع هو أبو معاوية (تقريب). أخرجه مسلم (ص ٥٢). ١٢٦ - علي بن محمد بن سختويه أبو الحسن (ت ٣٣٨) (شذرات ٣٤٨/٢)، وإسحاق بن منصور هو: أبو يعقوب التميمي (ت ٢٥١) ومعاذ بن هشام هو: ابن أبي عبد الله الدستوائي (ت ٢٠٠) (تقريب). أخرجه مسلم (ص ٦١). ٠ ۔ ١٤٧ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم قَالَ: مَا مِنْ عبدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلّ الله، وإنّ محمداً عبدهُ ورسوله إلا حَرَّمَهُ الله على النَّار. قال: يا رسولَ الله! أفَلا أُخْبِر بها الناسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قال: إذاً يَتَّكِلُوا . قال فأخبر بها معاذ عند موته تأثّماً. رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن منصور. ١٢٧ - أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد، ثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك، ثنا عبد الله بن روح المدائني، ثنا عثمان بن عمر بن فارس، ثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله وسلّم قال: ((مَنْ شَهِدَ أَن لَا إِلهَ إلّ الله مُخْلِصاً مِنْ قَلْبِهِ، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، دَخَلَ الجنَّة)». ١٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا أبو قلابة / ح - وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي، ثنا عبد الملك بن محمد - يعني أبا قلابة - ثنا قريش بن أنس، ثنا حبيب بن الشهيد، عن حميد بن هلال، عن هصّان بن كاهل، عن ١٢٧ - علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي أبو الحسن (سير ٣٢١/١٧)، وعثمان بن أحمد بن السماك أبو عمرو (ت ٣٤٤) (سير ٤٤٤/١٥)، وعبد الله بن روح المدائني (ت ٢٧٧) (سير ٥/١٣)، وعثمان بن عمر بن فارس (ت ١٩٩) (تقريب). والحديث سبق برقم (٧). ١٢٨ - أحمد بن كامل بن خلف أبو بكر القاضي (ت ٣٥٠) (خط ٤ /٣٥٧) تحفة الاشراف (٨ /٤٠٥). أخرجه النسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة (٣٧٩٦) كلاهما من طريق يونس عن حميد بن هلال به.، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة من طريق ابن أبي عدي عن حبيب بن الشهيد به . ١٤٨ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم عبد الرحمن بن سمرة، عن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) قال: ٠٠. قال رسول الله ◌َالتر : ((من ماتَ يَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وأنِّي رسولُ الله، يرجع ذلِك إلَى قَلب مُؤْقٍ، دَخَلَ الجَنَّةَ)). ١٢٩ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، ثنا قريش بن أنس .... فذكره بإسناده نحوه . غير أنه قال عن عبد الرحمن بن سمرة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي وَّة . ١٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا وكيع، عن المسعودي، قال أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر. «قال: قلت يا رسول الله! کم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جمّاً غفيراً. قال: قلت آدمُ نَبِيِّ كان؟ قال: نَعَمْ، نبِيٌّ مُكَلَّمٌ)). ١٣١ - قال وحدثنا وکیع، عن موسی بن عبیدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة قال قال رسول الله وَاليقول : ١٣٠ - أحمد بن عبد الجبار (سير ٥٥/١٣)، المسعودي هو: عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي (ت ١٦٥) (تقريب) عبيد بن الخشخاش هو أبو عمرو الدمشقي أخرجه أحمد (١٧٨/٥) عن وکیع به. ١٣١ - موسى بن عبيدة بن نشيط أبو عبد العزيز (ت ١٥٣) محمد بن ثابت عن أبي هريرة مجهول (تقريب). أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٠٥/٨ من طريق أبي عاصم عن موسى بن عبيدة به . = : ١٤٩ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم. ((صَلُوا على أنبياءِ الله وَرُسُلِهِ فَإِنَّ اللّه بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي)) . وروى يحيى بن سعيد السعدي البصري - وهو ضعيف - عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي، عن أبي ذر رضي الله عنه: ((قال: قلت : يا رَسُولَ الله! كم النِبُّون؟ قال: مائة ألفِ نَِّيٍ ، وأربعةٌ وعشرون ألفَ نبيّ . قال: قلت: كم المُرْسَلُونَ منهم؟ قال: ثلاثمائةٍ وَثَلَاثَةً عشر)) . ١٣٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الحسن علي بن الفضل السامري ببغداد، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا يحيى بن سعيد السعدي البصري فذكره . وروي ذلك من وجه آخر غير قوي عن أبي ذر. ١٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكريا العنبري، ثنا محمد بن - المطالب العالية (٣٣٢٧) وعزاه الحافظ (لابن أبي عمر) وزاد البوصيري في عزوه لأحمد بن منيع وقال البوصيري : في إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف. والحديث ضعفه الحافظ في فتح الباري ١٦٩/١١ وعزاه للقاضي إسماعيل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٢٠/٥ لعبد الرزاق والقاضي إسماعيل وابن مردويه والمصنف في الشعب. ١٣٢ - علي بن الفضل السامري الستوري أبو الحسن، الحسن بن عرفة (ت ٢٥٧) (تقريب). أخرجه المصنف في السنن الكبرى ٤/٩ وقال: تفرد به يحيى بن سعيد السعيدي. وقال الذهبي في الميزان ٣٧٧/٤ : يحيى بن سعيد القرشي العبشمي السعدي وقيل السعيدي الشهيد عن ابن جريج عن عطاء عن عُبيد بن عُمير عن أبي ذر بحديثه الطويل قال العقيلي لا يتابع عليه، وقال ابن حبان يروي المقلوبات، والملزقات لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. ١٥٠ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عمرو بن محمد، ثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة. عن ابن عباس في قوله عز وجل : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّ كَانَ صِدِّيقً نَبِيّاً﴾ [مريم: ٤١]. قال: كان الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نُوحٍ، وصالح، وهُود، ولُوط، وشُعَيْب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإِسْحَاقَ، ويَعْقوب، ومحمد وٍَّ . ولم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا إسرائيل وعيسَى، فإسرائيل يعقُوبُ، وعيسى : المسيح . قال البيهقي - رحمه الله - والإِيمان برسول الله ◌َّ يتضمَّنُ الإِيمانَ له، وهو قبول ما جاء به من عند الله عنه والعزمُ على العمل به، لأنَّ تصديقَه في أنَّه رسول الله إلزام لطاعته، وهو راجع إلى الإِيمان بالله، والإِيمان له. لأنه من تصديق الرسل وفي طاعة الرسول طاعة المرسل. لأنه بأمره اطاعه . قال الله تعالى : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠]. قال: والنبوة اسم مشتق من النبأ، وهو الخبر إلا أنَّ المرادَ به في هذا الموضع خبرٌ خاصٌ وهو الذي يُكرمُ الله عزّ وجلّ به أحداً من عباده فيُمَيِّزُه عن غيره بإلقائه إليه، ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر، ونهي، ووعظ، وإرشاد، ووعد، ووعيد. فتكون النُوَّةُ على هذا الخبر والمعرفة بالمخبرات الموصوفة فالنبي وم هو المخبر بها. فإن انضاف إلى هذا التوقيف أمر بتبليغه الناس ودعائهم إليه كان نبياً رسولاً . وإن أُلْقِي إليه ليعمل به في خاصَّته، ولم يُؤمّرْ بتبليغه والدعاء إليه، كان نبيّاً ولم يكن رسولاً فكل رسول نبيٌّ، وليس كل نبيّ رسولاً. قال(١): وقد أرشد الله تعالى إلى أعلام النبوة في القرآن، كما أرشد إلى آيات الحدث الدالة على الخالق والخلق فقال عزّ اسمه: (١) انظر المنهاج (١ / ٢٥٥، ٢٥٦). ! : ---- ١٥١ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالِمِيزَانَ ليقومَ النَّاسُ بالقِسْطِ﴾ [ الحديد: ٢٥]. وقال: ﴿رُسُلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئِلَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرَّسَل ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَبَعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. فأخبر تعالى انه بَعَثَ الرُّسُلَ لقطع حُجَّةِ العباد. وقيل في ذلك وجوه: أحدها: ان الحجة التي قطعت على العباد هي أن يقولوا أن الله جلّ ثناؤه إن كان خَلَقَنَا لَنَعْبُدَه، فقدْ كان ينبغي أن يُبَيِّنَ لنا العبادَةَ التي يريدها منّا ويرضاها لنا، ما هي؟ وكيف هي؟ فإنه وإن كان في عقولنا الاستجداء له، والشكر على نعمه التي أنعمها علينا فلم يكن فيها أن التّذَلِّلُ والعبودية منا بماذا ينبغي أن تكون وعلى أي وجه ينبغي أن تظهر فقُطعت حَجَّتُهم بأن أمروا ونُهُوا وشُرعت لهم الشرائع، ونُهجت لهم المناهجُ فعرفُوا ما يرادُ منهم وزالت الشبهة عنهم. والآخر: ان الحجة التي قطعت هي ألّ يقولوا إنا رُكَّبْنَا تركيب شهوة وغفلة وسلط علينا الهوى، ووضعت فينا الشهوات فلو أمْدِدْنَا بمن إذا سهونا نبّهنا، وإذا مال بنا الهوى إلى وجه قوّمنا لما كان منا إلا الطاعة. ولكن لما خُلِّينا ونُفُوسنا، ووُكِلْنَا إليها وكانت أحوالنا ما ذَكَرنا، غلبتِ الأهواءُ علينا، ولم نَمْلِكْ قهرها وكانت المَعاصي منَّا لذلك. والثالث: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يقولوا قد كان في عقولنا حُسنُ الإِيمان والصدق والعدل وشكر المنعم، وقبح الكذب والكفر والظلم ولكن لم يكن فيها أنَّ مَنْ تَرَكَ الحسنَ إلى القبيح عُذِّبَ بالنار خالداً مُخَلَّداً فيها وأن من ترك القبيح إلى الحسن اثيب بالجنة خالداً مخلداً فيها لأنه إذا كان لا يدرك بالعقل أن الله جلّ جلالُه خلقاً هو الجنة أو خلقاً هو النار الغائبة. ١٥٢ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم فكيف يدرك أن أحدهما معدّ للعصاة والآخر لأهل طاعته . ولو علمنا أنا نُعَذَّب على معاصٍ وذنوب متناهية عذاباً متناهياً أو غير متناه، أو نُثاب بالطاعات المتناهية ثواباً غير متناه لما كان منا إلا الطاعة. فقطع الله تبارك وتعالى هذه الحجج كلها ببعثة الرسل وبالله التوفيق. ثم إن الحليمي(١) - رحمه الله تعالى - احتج في صحة بعث الرسل بما عرف من بروج الكواكب وعددها وسيرها، ثم بما في الأرض مما يكون قوتاً، وما يكون دواء لداء بعينه، وما يكون سُمّاً وما يختصّ بدفع ضرر السُّم، وما يختص بجبر الكسر وغير ذلك من المنافع والمضار التي لا تدرك إلا بخبر. ثم بوجود الكلام من الناس، فإن من وُلد أصمَّ لم ينطق أبداً ومن سمع لغة ونشأ عليها تكلم بها . فبانَ بهذا أنّ أصل الكلام سمع ، وأن أول من تكلّم من البشر تكلم عن تعليم ووحي كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. وقال تعالى : ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤]. ثم إن كُلَّ رسول أرسَلَه الله تعالى إلى قوم فلم يُخَلِّه من آية أَيَّدَه بها، وحُجَّةٍ آتاها إِيَّاه، وجعلَ تلك الآية مخالفةً للعادات، إذ كان ما يريد الرسول إثباته بها من رسالة الله عز وجل أمراً خارجاً عن العادات ليستدل باقتران تلك الآية بدعواه انه رسول الله . وبسط الحليمي - رحمه الله تعالى - الكلام في ذلك إلى أن قال: والكذب على الله تعالى والافتراء عليه بدعوى الرسالة من عنده من أعظم الجنايات فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يُظهر على من تعاطَى ذلك آية ناقضة للعادات فيفتتن العباد به. وقد تبرأ الله عز وجل من هذا الصنيع نصاً في كتابه فقال يعني نبيه :- (驚) (١) المنهاج ١ /٢٥٦ - ٢٦٠ . ...--- ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم ١٥٣ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيْلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. قال(١): وكلُّ آيَةٍ آتاها الله رسولاً، فإنَّه يُقَرِّر بها عند الرسول أولاً أنه رسوله حقاً، ثم عند غيره، وقد يجوز أن يخصه بآية يعلم بها نبوة نفسه ثم يجعل له علی قومه دلالة سواها . ومعجزات الرُّسُل كانت أصنافاً كثيرة. وقد أخبر الله عزّ وجلّ أنه أعطى موسى عليه أفضل الصلاة والسلام تسع آيات بينات: العَصا، واليد، والدم، والطوفان، والجَراد، والقُمَّل، والضفادع والطمس، والبحر. فأما العصا فكانت حُجَّتَه على الملحدين والسحرة جميعاً، وكان السحر في ذلك الوقت فاشياً. فلما انقلبت عصاه حية تسعى وتلقفت حبال السحرة وعصيّهم، علموا أن حركتها عن حياة حادثة فيها بالحقيقة وليست من جنس ما يتخيَّلُ بالحِيل، فجمع ذلك الدلالة على الصانع وعلى نبوته جميعاً. وأما سائرُ الآيات التي لم يحتج إليها مع السحرة، فكانت دلالاتٍ على فرعون وقومه القائلين بالدهر، فأظهر الله تعالى بها صحة ما أخبرهم به موسى عليه أفضل الصلاة والسلام من أن له ولهم ربًا وخالقاً . وألان الله عزَّ وجَلَّ الحديدَ لداود وسَخَّر له الجبالَ والطّيرَ وكانت تُسَبِّح معه بالعَشِيِّ والإِشراق. واقدر عيسى بن مريم عليه أفضل الصلاة والسلام على الكلام في المهد، وكان يتكلم فيه كلام الحكماء، وكان يحيي له الموتى ويُبْرِىء - بدعائه أو بيده إذا مسحَ الأكمه والأبرصَ، وجعل له أن يجعلَ من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، فيكون طيراً بإذن الله ثم أنه رفعه من بين اليهود لما أن أرادوا قتله وصلبه، فعصمه الله تعالى بذلك من أن يخلص ألَمُ القتل والصلب إلى بدنه، وكان الطب عاماً غالباً في زمانه. فأظهر الله تعالى بما أجْرَاه على يديه وعجز الحذاق من الأطباء عما هو أقل من ذلك بدرجاتٍ كثيرةٍ، أن التعويل على الطبائع (١) المنهاج ١ /٢٦٠ - ٢٦٥. ١٥٤ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم وإمكان ما خرج عنها باطل بأن للعالم خالقاً ومدبراً، ودل بإظهاره ذلك له وبدعائه على صدقه . وبالله التوفيق . وأما المصطفى نبينا وَّ خاتم النبيين صلوات الله عليهم وعليه وعلى آله الطيبين وصحبه أجمعين، فإنه أكثر الرسل آيات بينات. وذكر بعضُ أهل العلم أنَّ أعلام نُبِوَته تبلُغُ ألفاً. فأما العَلَم الذي اقترن بدعوته، ولم يَزَلْ يتزايدُ أَيَّامَ حياته، ودامَ في أمته بعد وفاته فهو القرآن المعجز المبين وحبل الله المتين الذي هو کما وصفه به من أنزله فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]. وقال تعالى : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّ المُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]. وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارُكُ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأنعام: ١٥٥]. وقال: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ سَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لَاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَو كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨]. فأبان - جلّ ثناؤه - أنه أنزَلَه على وصف مباين لأوصاف كلام البشر لأنه منظوم وليس بمنثور، ونظمه ليس نظم الرسائل ولا نظم الخُطب، ولا نظم الأشعار، ولا هو كأسجاع الكُهَّان. وأعلمه أن أحداً لا يستطيع أن يأتي بمثله، ثم أمره أن يتحدّاهم على الإِتيان بمثله إن ادعوا أنهم يقدرون عليه أو ظَنُّوه. فقال تعالى : ١٥٥ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم ﴿قُل فَأَتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] . ثم نقصهم تسعاً فقال: ﴿فَأَتُوْا بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. فكان من الأمر ما نصفه غير أن من قبل ذلك دلالة: وهي أن النبي _چ كان غير مدفوع عند الموافق والمخالف عن الحصافة والمتانة وقوّة العَقل والرأي . ومن كان بهذه المنزلة، وكان مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه، لم يجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس: أنْ ائتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن ولن تستطيعوه. إن أتيتم به فأنا كاذب وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه، وإن ذلك إن كان بطلت دعواه. فهذا إلى إن يذكر ما بعده دليل قاطع على أنه لم يقُل للعرب: أَنْ أئتوا بمثله إن استطعتموه، ولن تستطيعوه إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه، ولا يجوز أن یکون هذا الیقین وقع له إلا من قبل ربّه الذي أوحی إلیه به، فوثق بخبره - وبالله التوفيق . وأما ما بعد هذا فهو أنَّ النبيَّ وَّ قال لهم اثْتُوا بسورة من مثله إن كنتُم صادقين، فطالت المهلةُ والنظرة لهم في ذلك، وتواترتْ الوقائعُ والحروبُ بينه وبينهم فقُتلت صَناديدُهم، وسُبِيت ذراريهم ونساؤهم، وانْتُهِبَت أموالُهم، ولم يتعرَّض أحدٌ لمعارضته. فلو قدَرُوا عليها لافتَدَوا بها أنفسهم وأولادهم وأهاليهم وأموالهم، ولكان الأمرُ في ذلك قريباً سهلاً عليهم إذ كانوا أهل لسان وفصاحة وشعر وخطابة، فلمّا لم يأتوا بذلك ولا ادعوه صحّ أنهم كانوا عاجزين عنه. وفي ظهور عجزهم بيان أنه في العجز مثلهم إذ كان بشراً مثلهم، لسانه لسانهم، وعادته عادتهم ، وطباعه طباعهم، وزمانه زمانهم ، وإذا كان كذلك ، وقد جاء القرآن فوجب القطع بأنه من عند الله تعالى جدّه لا من عنده، وبالله التوفيق . فإن ذكروا سَجع مُسَيلمة، فكُلُّ ما جاء به مُسَيلمة لا يعدو أن يكون بعضه محاكاةً وسرقةً، وبعضه كأساجيع الكهّان وأراجيز العرب، وقد كان النبي ◌َّ يقول ما هو أحسن لفظاً، وأقومُ معنى، وأبْيَنُ فائدة، ثم لم تقل له العرب ها أنت تتحدَّانا على الإِتيان بمثل القرآن وتزعم أن الإِنس والجن لو اجتمعوا على أن i ١٥٦ ٢ - باب في الإيمان برسل الله صلوات الله عليهم يأتوا بمثله لم يقدروا عليه ثم قد جئت بمثله مُفْتَرى بأنه ليس من عند الله، وذلك قوله . أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب وقوله : ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّنَا تَالله لولا الله ما اهْتَدَينَا وثَبِّتِ الأقدَامَ إِن لاقَينَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وقوله : إن العيش عيشُ الآخرَه فارحمِ الأنصارَ والمهاجره وقوله : («تَعِسَ عبدُ الدِّينار والدِّرْهم، وعبدُ الخَميصة، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا رَضِيَ وإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِس وانْتَكسَ (وإن شيك) فلا انتقش)). فلم يدَّع أحد من العرب أن شيئاً من هذا يشبه القرآن وأن فيه كثيراً کقوله(١). وحكى الأستاذ أبو منصور الأشعري - رحمه الله - فيما كتبَ إليَّ عن بعض أصحابنا أنه قال: يجوزُ أن یکون هذا النظمُ قد کان فیما بینھم فعجزوا عنه عند التحدّي، فصارَ معجزةً لأنَّ إخراج ما في العادة عن العادة نقضٌ للعادة كما أن إدخال ما ليس في العادة في الفعل نقض للعادة. وبسط الكلام في شرحه. وأيُّهما كان فقد ظهرت بذلك معجزته، واعترفت العرب بقصورهم عنه وعجزهم عن الإِتيان بمثله . ١٣٤ - حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني (١) انظر المنهاج (١ / ٢٦٥) . ١٣٤ - أخرجه الحاكم في المستدرك (٢ /٥٠٦ و٥٠٧) عن أبي عبد الله محمد بن علي الصنعاني به وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي . : ١٥٧ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم. بمكة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ◌َّ فقرأ عليه القرآن فكأنْ رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل - فذكر ما جرى بينهما - إلى أن قال الوليد: ((والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إنَّ لقوله الذي يقول حلاوةً، وإن عليه لطلاوةً، وإنه لمُثمر أعلاه مُغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته)) وذكر الحديث . قال البيهقي - رحمه الله - هكذا حدثناه موصولاً . ورواه حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة مرسلاً، وذكر الآية التي قرأها : ﴿إِنَّ اللّه يأمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسَان﴾ [النحل: ٩٠]. وروينا من وجه آخر عن ابن عباس أتمّ من ذلك حين اجتمع الوليد بن المغيرة ونفر من قريش، وقد حضرّ الموسم ليجتمعوا على رأي واحد فيما يقولون في محمد رَّ لوفود العرب فقالوا : ((فأنت يا أبا عبد شمس! فقُلْ وأَقِمْ رأياً نقوم به)). فقال: بل أنتم فقولوا، أسمع . فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن. لقد رأيت الكُهَّانَ، فما هو بزمزمة الكاهن وسحره. فقالوا : نقول: هو مجنون. فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجُنونَ وعَرَفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . فقالوا : نقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، ولقد عرفنا الشِّعْرَ برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. ١٥٨ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم قالوا: فنقول: هو ساحرٌ. قال: فما هو بساحر لقد رأينا السُّحَّار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده. فقالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنَّ لقوله لحلاوةً، وإن أصْلَهُ لَمُغْدِقٌ، وإن فَرعه لَجَنَّى فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول أن تقولوا: ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وبين زوجه، وبين المرء وبين عشيرته فتفرَّقُوا عنه بذلك. فأنزل الله عزّ وجلّ في الوليد بن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. إلى قوله ﴿سأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦ ]. ١٣٥ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش ... فذكره ... . وقد ذكرناه في كتاب ((دلائل النبوة)) في الجزء الثامن منه مع سائر ما ورد عن النضر بن الحارث وعتبة بن ربيعة وغيرهما فيما قالوا عند سماع القرآن واعترفوا به من أنهم لم يسمعوا بمثله . وفي القرآن وجهان من الإِعجاز: أحدهما: ما فيه من الخبر عن الغيب وذلك في قوله عز وجل : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣، والصف: ٩]. وقوله : ﴿لَيَسْتَخْلِفَنْهُمْ فِي الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. ١٣٥ - محمد بن أبي محمد هو: مولی زيد بن ثابت . أخرجه المصنف في دلائل النبوة (١٩٩/٢ - ٢٠١) عن أبي عبد الله الحافظ به . 1 ١٥٩ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم. وقوله في الروم : [الآيتان: ٣ و٤]. ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ . وغير ذلك من وعده إياه بالفتوح في زمانه وبعده، ثم كان كما أخبر. ومعلومٌ أنه وَِّ كان لا يعلمُ النجومَ ولا الكهانة ولا يجالس أهلها . والآخر: ما فيه من الخبر عن قصص الأولين من غير خلاف ادعي عليه فيها فيما وقع الخبر عنه ممن كان من أهل تلك الكتب. ومعلوم أنه مَثّ كان أُمِّاً لا يقرأ كتاباً ولا يخُطُّه ولا يجالس أهل الكتاب للأخذ عنهم . وحين زعم بعضهم أنه يعلّمه بشر ردّ الله تعالى ذلك عليه فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٍّ وَهَذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣ ]. ١٣٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التفسير، أنبا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي اياس، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت قريش: إنما يُعَلَّم محمداً عبدٌ لآل الحضرمي روميٌّ. وكان صاحب كتب. يقول الله عز وجل : ﴿لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ - أي يتكلم بالرومية - ﴿وهذا لسَانٌ عربيٌّ مُبِينٌ﴾ . ١٣٧ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في ((كتاب المستدرك)) وقال عن مجاهد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما . ١٣٨ - وبهذا الإِسناد ثنا ورقاء، عن حصين بن عبد الرحمن، عن ١٣٦ - إبراهيم بن الحسين (سير ١٨٤/١٣)، ورقاء هو: ابن عمر بن كليب أبو بشر الكوفي، وابن أبي نجيح هو عبد الله . ١٣٧ - أخرجه الحاكم في المستدرك (٢ /٣٥٧) عن عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسدي به. ١٣٨ - أخرجه الطبري في التفسير (١٤ / ١٢٠) من طريق هشيم عن حصين به . ١٦٠ ٢ - باب في الإِيمان برسل الله صلوات الله عليهم عبيد الله بن مسلم بن الحضرمي، قال: كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر يسمى أحدهما يسار والآخر جبر وكانا يقرآن كتاباً لهما فربما مرّ رسول اللّه ◌َلّ فقام عليهما فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما . فأنزل الله عز وجل هذه الآية . وزعم الكلبي فيما روى عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما كانا أسلما فكان رسول الله وَلل يأتيهما فيحدثهما ويعلمهما، وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية . قال البيهقي - رحمه الله - ومن تعلق بهذا الضعيف لم يسكت عن شيء يتهمه به فدل على أنهم لو اتهموه بشيء مما نفيناه عنه لذكروه ولم يسكتوا عنه. وبالله التوفيق . وبسط الحليمي (١) - رحمه الله تعالى - كلامه في الإِشارة إلى ما في كتاب الله عز وجل من أنواع العلوم وما في ذلك من الإِعجاز. ثم إن له وَل# وراء القرآن من الآيات الباهرة إجابة الشجرة إياه لما دعاها، وتكلم الذراع المسمومة إياه. وازدياد الطعام لأجله حتى أصاب منه ناس کثیر، وخروج الماء من بين أصابعه في المخضب حتى توضأ منه ناس كثير، وحنين الجذع، وظهور صدقه في مغيبات كثيرة أخبر عنها، وغير هذه مما قد ذكر ودوّن، وفي الواحد منها كفاية غير أن الله - جل ثناؤه - لما جمع له بين أمرين: أحدهما: بعثه إلى الجن والإِنس عامة . والآخر: ختمه النبوة به، ظاهر له بين الحجج حتى إن شذّت واحدة عن فريق ، بلغتهم أخرى . وإن لم تنجع واحدة نجعت أخرى ، وإن درست على الأيام واحدة بقيت أخرى . ولله في كل حال الحجة البالغة، وله الحمد على نظره لخلقه ورحمته إياهم کما يستحقه . وذكر الحليمي (٢) - رحمه الله - فصولاً في الكهنة ومسترقي السمع. (١) المنهاج (٢٧٢/١ - ٢٧٦). (٢) المنهاج (١ / ٢٧٦ - (٢٨١) . 1