Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
مقدمة التحقيق
الرؤى التي رآها الناس:
قال ورّاق البخاريُّ: سمعتُ نجم بن فُضيل يقولُ: رأيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في
الثّوم، والبخاريُّ يمشي خلفه، فكلما رفع قدمًا وضع البخاريُّ قدمه في مكان قدمه صلى الله
عليه وسلم(١).
سعة علمه :
قال ورّاق البخاري: وبلغني أنّ البخاريَّ شرب بلاذُر، فقلتُ له خلوة: هل من دواء
للحفظ؟ قال: لا أعلمُ. ثمّ أقبلَ عليَّ، وقال: لا أعلمُ شيئًا أنفعُ للحفظ من نهمة الرّجلِ،
ومداومة النّظر (٢).
قال عباس الدُّوريّ: ما رأيتُ أحسنَ طلبًا للحديث من البخاريّ؛ كان لا يدعُ أصلاً ولا
فرعًا إلا قلعه(٣).
وعن بعضهم قال: رأيتُ أبا زرعة بين يديّ البخاريّ يسألهُ عن علل الحديث (٤).
وعن البخاريّ قال: ما عندي حديثٌ إلا وأنا أذكر إسناده(٥).
قال ورّاق البخاريّ: سمعتُ حاشد بن إسماعيل وآخر، يقولان: كان البخاري يختلف
معنا إلى المشايخ بالبصرة، وهو غلامٌ، فلا يكتبُ، حتّى أتى على ذلك أيامًا فلمناهُ، فقال لنا
بعد ست عشرة يومًا : قد كثّرتما عليّ فاعرضا عليّ ما كتبتما، فأخرجناهُ، فزاد على خمسة
عشر ألف حديثٍ، فقرأها كلّها على ظهر قلب، حتّى جعلنا نُحكُ كُتبنا من حفظه، فعلمنا أنّه
لا يتقدمه أحدٌ، فكان أهل المعرفة بالبصرة يغدون خلفه في طلب الحديث، ويكتبون عنه(٦).
قال البخاري: ذكرتُ أصحاب أنس، فحضرني في ساعةٍ ثلاثمئة نفس (٧) .
قال البخاري: ربَّ حديثٍ سمعتُه بالبصرة وكتبتُه بالشّام، ورُبَّ حديثٍ سمعتُه بالشّام
وكتبتُه بمصر، فقلتُ: يا أبا عبد الله بكماله؟ فسكت(٨).
(١) تاريخ بغداد (١٠/٢).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٠٦).
(٣) سير أعلام النُّبلاء (١٢ /٤٠٦).
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٠٧).
(٤)
(٥) سير أعلام النُّبلاء (١٢/ ٤٠٧).
(٦) تاريخ بغداد (١٥/٢).
(٧) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤١١).
(٨) تاريخ بغداد (١١/٢).

٤٢
مقدمة التحقيق
قال البخاريُّ: لو قيل لي ما قمتُ حتّى أروي عشرة آلاف حديثٍ في الصّلاة خاصّة(١).
وعنه قال: أحفظُ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح (٢).
وقيل: كان يحفظ الشيء من مرّة، وهذا أرفع الذّكاء(٣).
وقيل للبخاريّ: سمعتُ ابن راهويه يقولُ: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي.
فقال: لعلّ في هذا الوقت من ينظر إلى مئتي ألف حديث من كتابه، وهي معه.
وإنما عنى نفسه (٤).
وقيل: إن شيخه محمد بن سلام قال مرّة: كلّما دخل عليّ هذا الصَّبيّ تحيّرتُ، والتبس
عليّ أمري، ولا أزال خائفاً(٥).
وقال سُليم بن مجاهد: سمعتُ ابن سلام يقولُ: لو جئتَ قبلُ لرأيتَ صبيًّا يحفظُ سبعين
ألف حديثٍ. قال: فخرجتُ، فلحقتُه، فقلتُ أنتَ الذي تقولُ: أحفظ سبعين ألف حديثٍ؟
قال: نعم. وأكثرَ، ولا أجىء بحديث عن الصّحابة والتّابعين إلا عرفتُ مولد أكثرهم ووفاتهم
(٦)
ومساكنهم(٦).
مجالسه للتحديث:
وقيل: كان يحضر مجلسه ألوف بالبصرة، فحدّثهم يومًا بأحاديث بصريّة، وقال: هذه
لیست عندكم (٧).
ثناء العلماء عليه:
قال ابن سعيد: سمعتُ أهل المعرفة يقولون: البخاريُّ أفقه من إسحاق بن راهويه (٨).
وعن نُعيم بن حمّاد، قال: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة(٩).
(١) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤١٢).
(٢) تاريخ بغداد (٢٥/٢).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤١٦).
(٤) تاريخ بغداد (٢٥/٢)، سير أعلام النبلاء (٤١٦/١٢).
(٥)
سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤١٧).
(٦) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤١٧).
تاريخ بغداد (١٥/٢-١٦) اختصر الحكاية الذهبي، وتمامها في تاريخ بغداد.
(٧)
(٨) سير أعلام الُّبلاء (٤١٨/١٢).
(٩) تاريخ بغداد (٢٤/٢).

٤٣
مقدمة التحقيق
وقال سُليمان بن حربٍ، ونظر إلى البخاريّ فقال: هذا يكونُ له يومًا صيتٌ(١).
وقال أحمد بن عبد السلام: ذكرنا لعلي بن المديني قول البخاريّ فيه: ما استصغرتُ
نفسي إلا بين يدي علي، فقال عليٍّ: دعوا هذا؛ فإنّ محمد بن إسماعيل لم يرَ مثل نفسه (٢).
وقال أبو حفص الفلاس: كلُّ حديثٍ لا يعرفه ابن إسماعيل، فليس بحديث (٣).
وقال حاشد بن عبد الله: قال لي أبومصعب الزهريّ: البخاريّ أفقه عندنا، وأبصر من
أحمد بن حنبل (٤).
وقال علي بن حُجر: أخرجت خراسان ثلاثة: البخاريُّ، وأبوزرعة، والدارميُّ عبد الله،
ثمّ قال: ومحمد أبصرهم وأعلمهم وأفقههم(٥).
وعنه قال: لا أعلم مثله(٦).
وقال أحمد بن الضوء: سمعتُ ابن نمير، وأبابكر بن أبي شيبة يقولان: ما رأينا مثل
محمد بن إسماعيل (٧).
وقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله(٨).
وقال بُندار: ما قدم علينا مثله؛ هو سيّد الفقهاء(٩).
وقال أبو عمار الحسين بن حُريث: لا أعلم أني رأيت مثله، كأنه لم يخلق إلا للحديث(١٠).
وقال بُندار: حُفاظ الدّنيا أربعةٌ: أبوزرعة، والدارميّ، والبخاريّ، ومسلمٌ (١١).
وقال يعقوب الدّورقيّ: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة (١٢).
(١) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢٠).
(٢) تاريخ بغداد (١٨/٢).
(٣) سير أعلام النُّبلاء (١٢/ ٤٢٠).
سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٢٠).
(٤)
(٥)
تاريخ بغداد (٢٨/٢).
(٦)
تاريخ بغداد (٢٨/٢).
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢١).
(٧)
(٨) تاريخ بغداد (٢/ ٢١).
(٩) تاريخ بغداد (١٦/٢-١٧).
(١٠) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٢٢).
(١١) تاريخ بغداد (١٦/٢).
(١٢) تاريخ بغداد (٢/ ٢٢).

٤٤
مقدمة التحقيق
وعن قُتيبة قال: قد جالستُ الفقهاء، والزُّهادَ، والعُبّادَ، وما رأيتُ منذ عقلتُ كمحمد
ابن إسماعيل، وهو في زمانه كما كان عمر في الصّحابة(١).
وعن أبي حاتم: هو أعلمُ من دخل العراق(٢).
وقال ابن خُزيمة: ما رأيتُ تحت أديم السَّماء أعلم بالحديث من البخاريّ (٣).
وقال أحمد بن حمدون الحافظ: رأيتُ البخاريّ في جنازةٍ، والذهليُّ يسأله عن الأسماء
والعلل، والبخاريُّ يمرُّ فيه مثل السّهم، كأنه يقرأ: قل هو الله أحد (٤).
وقال الترمذيُّ: لم أرَ أعلم بالعلل ومعرفة الأسانيد من البخاريّ(٥) .
وقال صالح جزرة: كنتُ أستملي للبخاري ببغداد، فيجتمع عنده أكثر من عشرين ألفاً(٦).
وقال أحمد بن حمدون: سمعتُ مسلمَ بن الحجّاج يقولُ للبخاريّ: دعني أقبَلُ رِجْلَيك يا
أستاذُ، لا يُبغِضك إلا حاسدٌ، وأشهدُ أنّه ليس في الدّنيا مثلك(٧).
وقال عبد الله بن حمّاد الآمليّ: وددتُ أني شعرةٌ في جسد البخاريّ (٨).
وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف: حدّثنا محمد بن إسماعيل التَّقيُّ، النَّقيُّ، الَّذي
لم أرَ مثلَه (٩).
وقال سُليم بن مجاهد: ما رأيتُ من سِتين سنةً أحدًا أفقه ولا أورعَ، ولا أزهدَ في الدّنيا
من محمد بن إسماعيل البخاريّ(١٠).
وقال الَّذهبيُّ: وقد ورد عن عدد من الأئمة الثَّناء على البخاريّ، ووصفه بسَعة العلم،
والحفظ، والأمانة، ولا ريبَ أنّ كلّ عالمٍ نظرَ في تصانيف هذا الإمام، عرفَ رتبته في العِلم
(١) سير أعلام النبلاء (٤٣١/١٢).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣١).
(٣)
تاريخ بغداد (٢ / ٢٧).
سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣٢).
(٤)
تاريخ بغداد (٢ / ٢٧).
(٥)
سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣٣).
(٦)
(٧) تاريخ بغداد (٢٩/٢).
(٨) تاريخ بغداد (٢٨/٢).
(٩) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٢٢).
(١٠) سير أعلام النبلاء (٤٤٩/١٢).

٤٥
مقدمة التحقيق
والاجتهادِ، مع ما كانَ عليه من الوَرعِ الّام، والتّعبد، والإخلاص رحمةُ الله عليه(١).
خُبّه للجهاد :
قال ورّاقُ البخاري: وكان يركبُ إلى الرَّمي كثيرًا، فما أعلَمني رأيتُه في طول ما صحبتُه
أخطأ سهمُه الهدفَ إلا مرّتين، فكان يصيبُ في كلّ ذلك، ولا يسبق(٢).
قال الذهبيُّ: وقد كان رحمه اللهُ مجاهدًا يقولُ بتَحبيذ الرّمي(٣) .
وفاته :
بَلَغنا أنّ البُخاريّ نزل قريةً خَرْتَنك على فَرسخين من سمرقند، فنزلَ على غالبٍ بن
جبريل، فمرضَ واشتدّ مرضُه، ثمّ أرادَ الرُّكوب فعجِز، فقالَ: قد ضعفتُ. فدعا بدعوات، ثمّ
اضطجعَ، فقُضي رحمه اللهُ تعالى، وسالَ منه عرقٌ عظيمٌ (٤).
قال مُهيب بن سليم: مات البخاريّ عندنا ليلة عيد الفطر من سنة ست وخمسين ومئتين،
وقد بلغ اثنتين وستين سنة (٥).
الدّراسات التي تناولت البخاري وحياته العلمية:
مثل الإمام البخاريّ لا يمكن لأحدٍ أن يستقصي مناقبه وفضائله، أو يستوعب سيرته؛ فقد
كتب المتقدمون عشرات المؤلفات في ترجمته وسيرته، وعلمه وفضله، وتبعهم المعاصرون،
فألّفوا الكتب النافعة الماتعة في سيرته وأثره العظيم في الحياة الفكرية الإسلامية، وإليك هذه
الکتب، لا على سبيل الحصر:
١- ((شمائل البخاري)) لأبي جعفر محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري، قال الذهبي: جمعه،
وجزء ضخم، وقد نقل منه الذهبي كثيرًا، وأورد إسناده في السير في أول رواية من هذا الكتاب.
٢- ((ترجمة البخاري)) لهبة الله بن جعفر المصري (ت٦٠٨هـ).
٣- ((أخبار البخاري)) لأبي الربيع الكلاعيّ (ت٦٣٤هـ).
٤- (جزء فيه ترجمة البخاري)) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبيّ (ت٧٤٨هـ)، مطبوع
في (٧٢) صفحة.
(١) جزء فيه ترجمة البخاري (ص: ٥٠).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٤٤).
(٣) جزء فيه ترجمة البخاري (ص: ٥٤).
(٤)
تاريخ بغداد (٢/ ٣٤):
(٥) تاريخ بغداد (٣٤/٢).

٤٦
مقدمة التحقيق
٥- ((مناقب البخاري)) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبيّ (ت٧٤٨هـ)، ذكره في كتابه
((تذكرة الحفاظ)) (٥٥٦/٢) وقال: ((قد أفردتُ مناقب هذا الإمام في جزء ضخم فيه العجب)».
٦- ((ترجمة البخاري)) للإمام ابن الملقن (ت٨٠٤هـ).
٧- ((ترجمة الإمام البخاري)) للحافظ العلائي الگیگلديّ (ت٨٠٩هـ)، رسالة الدكتور
عبد الباري البدخشي للدكتوراه: الحافظ العلائي وجهوده في الحديث وعلومه (ص: ٢٣٩)
نقلاً عن مخطوطة: ترجمة العلائي (ق١١٨/أ).
٨- ((تحفة الإخباري بترجمة البخاري)) للحافظ محمد بن عبد الله بن محمد الشھیر بابن
ناصر الدين الدمشقيّ (ت٨٤٢هـ)، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، دار البشائر
الإسلامية، بيروت، عام ١٤١٣ هـ.
٩- ((هدي أو هداية الساري لسيرة البخاري)) للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ).
١٠ - ((ترجمة البخاري)) لمحمد بن عبد الرحمن السخاويّ (ت٩٠٢هـ).
١١ - ((ترجمة البخاري)) لعفيف الدين علي بن عبد المحسن بن الدواليبي، البغدادي،
الشاميّ، الحنبليّ.
١٢ - ((إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين)) الإسماعيل بن محمد العجلوني (ت١١٦٢هـ).
١٣ - ((الفوائد الدراري)) لمحمد بن إسماعيل العجلوني أيضًا.
١٤ - ((رسالة في مناقب البخاري)) لأحمد بن علي بن محمد بن علي البسكريّ، تلميذ
العجلوني.
١٥- ((المسك الدراريّ في شرح ترجمة البخاري)) لعبد القادر الكوهن، الهندي
(ت١٢٥٤ هـ).
١٦- ((حياة البخاري)) لجمال الدين القاسميّ (ت١٣٢٢هـ).
١٧ - ((سيرة الإمام البخاري)) لعبد السلام المباركفوري (ت١٣٤٢ هـ).
١٨ - ((مواهب الباري في ترجمة مسلم والبخاري)) للسيد محمد النجاري، العقبي،
الجزائريّ.
١٩ - (الإمام البخاريّ وصحيحه)) لعبد الغني عبد الخالق.
٢٠ - ((الإمام البخاري محدثًا وفقيهًا)) للدكتور الحسيني عبد المجيد هاشم.

٤٧
مقدمة التحقيق
٢١ - ((الإمام البخاريّ إمام الحفاظ والمحدثين)) لتقي الدين الندويّ المظاهري.
٢٢ - ((البخاري والجامع الصحيح)) لحسين بن عيسى عبد الظاهر.
٢٣- ((الإمام البخاري فقيه المحدثين ومحدث الفقهاء)» للدكتور نزار عبد الكريم
الحمداني، نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة، عام ١٤١٢ هـ.
٢٤- ((إتحاف القارئ بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري)) لمحمد عصام
عرار الحسيني.
٢٥ - ((الإمام البخاري، وجامعه الصحيح)) ليوسف الكتاني، جمعية الإمام البخاري،
الرباط، (١٦٥) صفحة، عام ١٤١٠ هـ.

1

ترجمة الحافظ ابن حجر العسقلاني
وتشتمل على:
- اسمه، ولقبه، ونسبه.
- مولده.
- نشأته العلميّة.
- رحلاته في طلب العلم.
- شيوخه.
- تلامذته.
- مؤلفاته.
- وفاته.
.

٥١
مقدمة التحقيق
الحافظ ابن حجر العسقلاني(١)
اسمه، ولقبه، ونسبه:
هو شِهابُ الدِّين أبوالفضل(٢)، أحمدُ بنُ علي بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن
محمود بن أحمد بن حجر(٣) الكِنانيُّ، العَسْقلانيُّ، المصريُّ المولد والمنشأ والدَّار والوفاة،
نَزِيلُ القاهرة.
مولده:
وُلد في شعبان سنة (٧٧٣هـ) على شاطئ النِّيل بمصر القديمة ((الفسطاط)) في منزلٍ
بالقرب من دار النّحاس، والجامع الجديد (٤).
وقد اختلف مترجموه في تحديد يوم ولادته؛ فبعضهم يذكر أنه وُلد في الثاني من
شعبان(٥) وبعضهم يذكرُ أنّه وُلد في الثاني عشر منه(٦) وبعضهم يذكر أنه وُلد في الثالث عشر
(١) ترجمته في: الجواهر والدرر، للسخاوي (٦٥/١ وما بعدها)، وابن حجر العسقلاني مصنفاته،
ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة، للدكتور شاكر محمود عبد المنعم، وابن حجر
العسقلاني مؤرخا، للدكتور محمد كمال الدين عزّالدين، والحافظ ابن حجر العسقلاني أمير
المؤمنين في الحديث، لعبد الستار الشيخ، والحافظ ابن حجر حياته وشعره، لمحمد يوسف
أيوب، ومقدمة الشيخ فيصل البعداني لكتابه: تفسير ابن حجر في الفتح من أول سورة الفاتحة، إلى
آخر سورة الأنفال.
(٢) كنّاه بذلك والده، كما في إنباء الغمر (١/ ١٧٥)، وهذه الكنية هي التي ثبتت، وصار الحافظ معروفًا
بها. وقال السخاوي في الجواهر (١/ ١٠٢): وُني بذلك تشبيهًا بقاضي مكّة أبي الفضل محمد بن
أحمد بن عبد العزيز، العقيلي، النُّویريّ جدّ صاحبنا خطیب مگّة الآن، كان الله له، إذ كان مع أبيه
وهو طفلٌ هناك.
(٣) بابن حجر، اشتهر الحافظُ، وقد اختلف في اعتباره لقبًا لأحمد الأعلى في نسبه، أو اسمًا لوالد
أحمد المشار إليه، وقد أشار الحافظُ إلى ذلك كما في الجواهر والدرر (١٠٥/١) في جواب
استدعاء منظوم بقوله :
من أحمد بن علي بن محمد
ولجدّ جدّ أبيه أحمد لقبوا
بن محمد بن علي الكناني المحتد
حَجَرًا وقيل بل اسم والد أحمد
(٤) انظر: رفع الإصر (ص: ٦٢).
(٥) كما ذكره الشوكاني في البدر الطالع (٨٨/١).
(٦) انظر: الضوء اللامع (٣٦/٢)، نظم العُقيان (ص: ٤٥).

٥٢.
__
مقدمة التحقيق
منه(١) وبعضهم يذكر أنّه وُلد في الثاني والعشرين منه (٢) وعلى ذلك فيوم مولده في مصادر
ترجمته حُصر بين الثاني من شعبان، والثاني والعشرين منه، والأخير هو الأظهرُ، لاعتماد
صاحب الجواهر والدرر له، وهو من أقرب الناس له وأكثرهم عناية بترجمته.
نشأته العلمية:
هيّأ اللهُ للحافظ في صغره من يعتني بتعليمه، ويوفّرُ له الجوّ الملائم لطلب العلم، إذ دخل
المكتب لحفظ القرآن وعمره خمس سنين، وأتمّ حفظه وله تسع سنين(٣).
وفي سنة (٧٨٥هـ) حينما كان مُجاورًا بمكّة مع وصِيّه زكِي الدِّين الخَروبيّ(٤) سمع هناك
غالب صحيح البخاريّ على أحد كبار مسندي الحجاز(٥) وشارك في البحث في الأحكام من
خلال كتاب: عمدة الأحكام، على أحد الحفاظ المكيين(٦).
وأما عن توجهه إلى علم الحديث، وحبّه إليه، وبداية طلبه بنفسه، ففي سنة (٧٩٣هـ)
لكنه لم يكثر من ذلك إلا في سنة (٧٩٦هـ)؛ فإنه كما كتبه بخطه: (رفع الحجاب، وفتح
البابُ، وأقبل العزمُ المُصممُ على التحصيل، ووُفّق للهداية إلى سواء السبيل)(٧) فأخذ عن
مشايخ ذلك العصر، وواصل الغدوّ والرواح إليهم، واجتمع بحافظ العصر زين الدين
العراقي، فلازمه عشرة أعوام، وتخرج به في علوم الحديث، وانتفع بملازمته، وقرأ عليه
الألفية، وشرحها لهُ بحثًا، ثمّ قرأ عليه نُكته على ابن الصلاح، وبعض الكُتب والأجزاء،
وهو أول من أذنَ لهُ بالتّدريس في علوم الحديث، وذلك في سنة سبع وتسعين.
رحلاته في طلب العلم:
لم يكتف ابن حَجَر بتحصيل العلم، وجمع شتات المعرفة في موطنه الصغير - مصر
القديمة، والقاهرة- أضف إلى ذلك أنّ انصرافه إلى الحديث النّبويّ كان يُلزمه الإكثار من
الشيوخ، والسّماع، والتّجوال للحصول على الإجازات، وعلو الإسناد، فشدّ الرحالَ،
(١) انظر: لحظ الألحاظ (ص: ٣٢٦)، القلائد الجوهرية (٤٥٤/٢).
(٢) الجواهر والدرر (١٠٤/١)، المنهل الصافي (١٩/٢).
(٣) انظر: رفع الإصر (ص: ٦٢)، الجواهر والدرر (١٢١/١).
(٤) هو أبوبكر بن علي بن محمد بن علي التاجر الكارميّ، زكي الدين الخروبيّ. ترجمته في: الدرر
الكامنة (١/ ٤٥٠، رقم ١٢٠٥).
(٥) انظر: رفع الإصر (ص: ٦٢-٦٣)، الجواهر والدرر (١٢٢/١).
(٦) الجواهر والدرر (١/ ١٢٣).
(٧) الجواهر والدرر (١٢٦/١).

٥٣
مقدمة التحقيق -
وتنقل في البدان حتّى إنه وفدَ على أكثر من خمسين بلدًا (١).
وقد كانت أولى رحلاته في سنة (٧٩٣هـ) إلى بلاد الصعيد، ولم يستفد فيها شيئًا من
المسموعات الحديثية، بل لقي جماعةً من أهل العلم، وآخرين من أهل الأدب سمع من
نظمهم.
ثمّ رحل إلى الإسكندرية في أواخر سنة (٧٩٧هـ)، وإلى اليمن عن طريق البحر سنة
(٧٩٩هـ)، ثمّ حجّ مع موكب اليمن، ثمّ عاد إلى القاهرة بعد ذلك. ثمّ رحل إلى اليمن ثانية
سنة (٨٠٦هـ) بعد أن جاور بمكّة وحجّ، وهذه الرحلة هي التي غرقت فيها كُتبه، وأمتعتهُ،
وواجه فيها محنًا، ثمّ تكرر قدومه إلى الحجاز للحجّ والمجاورة والزيارة بين سنة (٨٠٠هـ)،
وسنة (٨٢٤هـ) عدّة مرات، وكان ذلك فرصة عظيمةً للالتقاء بعلماء الحجاز، ومن يصادف
قدومه من علماء ومسندي الأمصار في مكّة ومنى، والمدينة، حيث أخذ عنهم، وأخذوا
عنه، وحملوا منه بعض تصانيفه.
وقد كان لبلاد الشام نصيب في رحلاته؛ إذ قدم إليها سنة (٨٠٢هـ) بتحريض من شيخه
ابن الجزري (ت٨٣٣هـ)، ثمّ رحل إليها ثانيةً سنة (٨٣٦هـ)، وكان يُقيم في بعض مدارس
الشام، فأفاد واستفاد (٢).
شيوخه:
اجتمع لابن حجر - رحمه الله - عددٌ وفيرٌ من الشيوخ الذين تلقى عنهم العلمَ؛ سواءً في
مصر، أم في البلدان التي رحل إليها، ولقد اعتنى بذكر شيوخه في الكثير من كُتبه، بل إنه
أفردهم في کتابین :
الكتاب الأول: المجمع المؤسس للمعجم المفهرس، وترجم فيه لشيوخه، وذکر فیه
مروياته عنهم بالسّماع أو الإجازة، أو الإفادة، وجعله على قسمين:
الأول: من حمل عنهم عن طريق الرواية.
والثاني: من أخذ عنهم شيئًا من طريق الدراية، وأضاف إلى الثاني من أخذ عنه شيئًا
بالمذاكرة من الأقران ونحوهم، وقد بلغ جملة من ترجم لهم في كتابه هذا: (٧٣٠) نفسًا.
الكتاب الثاني: المعجم المفهرس؛ وهو عبارة عن فهرسٍ للكتب والمرويات التي
(١) مقدمة فيصل البعداني (١/ ٩٢-٩٣).
(٢) المعجم المؤسس (٢٢٧/٣)، إنباء الغمر (٧٣/٤).

٥٤
مقدمة التحقيق
تلقاها، وذكر فيه شيوخه من خلال ذكره لأسانيده في الكتب والمسانيد والمرويات (١).
كما أن السخاويَّ في الجواهر والدرر(٢) اعتنى بذكر شيوخ شيخه، وزاد فيهم طائفةً قليلةً
لم يذكرهم شيخه في مشيخته، وكان جملة من ذكر (٦٣٠) نفسًا، وبيّن السخاويُّ أنّ من بين
هؤلاء الشيوخ من يُعدّون من تلامذة الحافظ، ولكن جاء ذكرهم على جاري العادة بين
الحفاظ والنقاد.
تلامذته:
اشتهر ذكر ابن حجر في وقته، وبَعُدَ صِیته، وارتحل إليه الأئمةُ، وکثر طلبتهُ حتّی کان
رؤوس العلماء من كلّ مذهب وبكلّ قطرٍ من تلامذته، وأخذ النّاسُ عنه طبقة بعد أخرى،
وألحق الأبناء بالآباء، والأحفاد بل وأبناءهم بالأجداد، ولم يجتمع عند أحد مجموعهم،
وقهرهم بذكائه، وتفوق تصوره، وسرعة إدراكه، واتساع نظره، ووفور آدابه(٣) ومما زاد من
كثرة طلبته حسن خُلقه معهم، وعظم رفقه بهم؛ حيث كان: ((يبسطُ لهم وجهه، ولا يغلق
دونهم بابه، ويوسّعُ عليهم من ماله، ويسعى بجاهه لقضاء حوائجهم العلمية والدنيوية، وكان
معهم هيّنًا ليّنًا، رفيقًا رقيقًا، حلیمًا مَهِيبًا، لطيفًا ودودا، لا ينصرف عن أحدهم بوجهه حتى
يكون هو المنصرفُ ... وإذا قصدهُ أحدهم- بعد فراغ الدّرس- وقد همّ بدخول بيته، وقف له
طويلاً لا يفارقهُ، حتّى يكون الطالبُ هو المنصرف، ويُعِيرهم كُتُبُهُ حتّى ضاع منها زيادةً على
مئة وخمسين سِفرًا، التمسها في السُّوق فلم يحصل مُعظمها ... ، وكثيرًا ما يتفقدُ الطلبة -
سيّماً الغرباء والوافدین علیه - مُنفقًا علیھم، ويُعِینھم بگُتبِه، ويُعدِقُ علیھم من هداياه، وما
شاكلها، وعندما يطلبون منه الإجازات يكتب لهم بها، ويُشجّعهم خلالها بالانكباب على
طلب العلم وتحصيله، ويعود مرضاهم، بل ويصبرُ عليهم في اشتغالهم عليه في مرضه)) (٤).
ولقد عدّد السّخاوي أسماء جماعة من الآخذين عنه دراية وروايةً، فذكر (٦٢٦)
شخصًا(٥).
(١) ابن حجر العسقلاني، لشاكر (٩٢/١)، والحافظ ابن حجر العسقلاني، للشيخ (ص: ١١٠)،
ومقدمة فيصل البعداني (١/ ٩٥).
(٢) الجواهر والدّرر (١/ ٢٠٠-٢٤٠).
(٣) الضوء اللامع (٣٩/٢).
(٤) الحافظ ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث (ص: ٣٤٧-٣٤٨).
(٥) الجواهر والدُّرر (١٠٦٤/٣ - ١١٧٩).

٥٥
مقدمة التحقيق
مؤلفاته:
ابتدأ الحافظ رحمه الله، التّأليفَ في وقتٍ مبكرٍ من حياته العلمية؛ إذ فرغ من مصنَّفَيْه:
مختصر تلبيس إبليس، لابن الجوزيّ(١) ومقدمة في العروض سنة (٧٩٥هـ)(٢) على أن
السَّخاوي(٣) وآخرين ذكروا أنّ أول تصانيفه هو: مشيخة برهان الدين التنوخيّ، المئة
العشاريات(٤) والموسومة بـ(نظم اللآلي بالمئة العوالي) والتي ألّفها سنة (٧٩٦هـ)، واستمرّ
رحمه الله يتعاطى التأليف إلى آخر عهده بالدنيا سنة (٨٥٢هـ).
ترك الحافظ - رحمه الله - وراءهُ ثروة علميةٌ ضخمةً أثرى بها المكتبة الإسلامية في
جوانب كثيرةٍ من جوانب العلم والمعرفة، وقد اختلف في عدد مصنفاته، فذكر السخاويُّ له
ما يزيد على (٢٧٣) عنوانًا (٥).
وقال ابن تغري بردي: وأما مصنفاته، فنذكر ما نعرفه منها؛ فإنّ أسماء مصنفاته مجلدٌ
كاملٌ، صغير الحجم(٦).
(١) قال السخاوي في الجواهر (٢/ ٦٩٠، رقم ٢٢٣): في مجلد، فرغه في سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
(٢) قال السخاوي في الجواهر (٦٩٣/٢، رقم ٢٥٩): شرح فيها الأبيات العروضية، علّقها سنة خمس
و تسعین.
(٣) قال السخاويّ في الجواهر (٢/ ٦٧٠، رقم ٩٣): وهي أول ما خرّجها، وذلك في سنة ست وتسعين.
(٤) هي عبارةٌ عن مئة حديثٍ عشاريّة الإسناد، قال عنه شيخه العراقي: نظرتُ هذه الأحاديث العشاریات
المئة المخرجة عن الشيوخ العوالي، أحسن تخريج وأضواء، ممّن أسمع الشيخُ المخرّجة له لفظًا أو
عرضًا، أو إجازةً، أو أنبأَهُ من الأحاديث الصحاح، والحسان، والغرائب، التي هي عن النكارة
مبرأةٌ، عن الثقات الأثبات وأهل الصدق، والستر والصيانة المجزئة، غير المتهمين والمجروحين،
والدُّعاة من الغُلّة والمرجئة، وأثنى على مخرجها (الجواهر والدرر (٢٦٩/١).
وقال برهان الدين الأبنوسي: خرّج له من مروياته، وقراءاته، ومناولاته، ووجاداته، وسماعاته،
والكتابة إليه وإجازاته، عُشاريات لم يُنسج مثلُها على منوال، ولا ضرب لها ماثلٌ بمثال، وَسَمَها:
بنظم اللآلي بالمئة العوالي. ولما تصفحتُ هذا التأليف، ونظرتُ فيه ألفيتُه غُنية للمحدث والفقيه، يا
له مِنْ تصنيفٍ ما أبدعه، ومن تأليف ما أنفعه. جمع من الحديث فنونه، وأتقن ألفاظه ومتونه، دلّ ذلك
على تضلّع بعلوم زاخرة، وفوائد جمّة متواترة، وأعرب عن كلِّ غريبةٍ ونادرة، لو سمعها أحمدُ، وابن
معين، والمدينيّ، وابن سيرين، لقضوا من ذلك العجب، وسلكوا معه الأدب، وقالوا بعد إمعان
النظر: سبحانكَ مَنْ أعطاك يا ابن حجر. زاده اللهُ فضلاً وعلمًا، وذكاءً وحرصًا وفهمًا، وصیّره من
العلماء العاملین، وحشرنا وإيّاه في زُمرة سيّد المرسلین، محمد خاتم النبیین صلی الله عليه وسلم،
وعلى آله وصحبه أجمعين. (الجواهر والدرر ١/ ٢٦٤).
(٥) الجواهر والدرر (٦٥٩/٢ -٦٩٥).
(٦) المنهل الصافي (٢٣/٢).

٥٦
مقدمة التحقيق
وعدّد عبد الستار الشيخ مصنفاته فأوصلها إلى (٢٨٩) مصنفًا(١).
وأما الدكتور شاكر، فقد ذكر بأن عددها (٢٨٢) مصنّفًا (٢) وأضاف (٣٨) مصنّفاً تحت
عنوان: الكتب المنسوبة إليه حتى لا ينسب إلى الحافظ مؤلف لم يعمله(٣) حيث لم يوجد ما
يعضد نسبة هذه المصنفات إليه، ومع هذا قال: على أن ذلك لا يعني بحالٍ نفي نسبة مصنّف
ما إلى الحافظ ابن حجر، فهو موسوعيٍّ، ولا نستبعدُ منه المزيد(٤).
وفاته :
ابتدأ المرضُ بالحافظ - رحمه الله - في ذي القعدة سنة (٨٥٢هـ)، واستمرّ في درسه مع
مرضه الذي حرص على إخفائه إلى أنْ اشتدّ به المرضُ جدًّا، وصار يحسُّ شيئًا ثقيلاً على
معدته، ثمّ حصل له إسهال مع رمي دمٌّ، فتخلف عن صلاة عيد الأضحى، وهو الذي لم يكن
يترك جمعةً، ولا جماعةً، وتزايد المرضُ عليه، واشتدّ به، وتردد الأطباءُ إليه، وعجز في
آخر أيامه عن التوضأ، وصار يصلي الفرائض وهو جالسٌ، وترك قيام الليل، وانتابهُ الصّرعُ،
وتكرر منه ذلك، وهرع النّاسُ لعيادته أفواجًا من الأمراء، والقضاة، والعلماء والطلبة.
وفي ليلة السبت الثامن عشر من ذي الحجّة سنة (٨٥٢هـ) بعد صلاة العشاء بنحو ساعة
انتقل إلى ربّه، وشغل أهله بتجهيزه وغسله، وصُلي عليه من الغد، قبيل صلاة الظهر بمصلى
سبيل المنوني خارج القاهرة، وصلى عليه الخليفة، وحمل نعشه، وحضر الصلاة عليه
السلطان فمن دونه، وكان له مشهدٌ عظيمٌ، لم ير مثله في كثرة من حضر من الشيوخ فضلاً
عمّن دونهم، وقدّر بعض الأذكياء من حضر جنازته بأكثر من خمسين ألف إنسان، وكان دفنه
بالقرافة، وحصل من البكاء، والانتحاب أسفًا على فقده الشيء الكثير، وصُلي عليه صلاة
الغائب في مگّة، وبيت المقدس، والخليل، وحلب، ودمشق وغيرها.
وتبارى الشعراء في رثائه وذكر مآثره وفضائله، رحمه الله رحمة واسعة، وغفر لهُ مغفرة
جامعةً (٥).
(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث (٣٧٥-٤٨٩).
(٢) ابن حجر العسقلاني مصنفاته (١/ ١٧٣ - ٣٨٦).
(٣) ابن حجر العسقلاني مصنفاته (ص: ٣٨٦- ٣٩٨).
(٤) ابن حجر العسقلاني مصنفاته (ص: ٣٨٧).
(٥) الجواهر والدرر (١١٨٥/٣)، ابن حجر العسقلاني ومصنفاته (١١٩/١-١٢٦)، ابن حجر
العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث (ص: ٦١٥-٦٢١)، مقدمة فيصل البعداني (١٢٥/١-١٢٦).

التعريف بكتاب: فتح الباري بشرح صحيح البخاريّ
ويشتمل على:
- اسم الكتاب.
- بداية تأليفه، والانتهاء منه.
- مراحل تأليفه.
- المصادر الأساسيّة لشرح هذا الكتاب.
- ثناء العلماء على فتح الباريّ.
- الناسخون لكتاب فتح الباريّ.
- الَّذين كتبوا غالب الكتاب بخط يدهم.
- الَّذین کتبوا عنه الکثیر.
- القارئون على الحافظ ابن حجر كتابه: الفتح.
- نسخ الكتاب المُتْقَنة وأماكن وجودها.
- جهود العلماء في خدمة فتح الباريّ.
- جهود الحافظ ابن حجر في خدمة صحيح البخاريّ.

1

٥٩
مقدمة التحقيق
التعريف بكتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاريّ
اسم الكتاب:
لم يختلف أحدٌ من العلماء، فيمن ترجمَ للحافظ ابن حجر رحمه الله، أو ذكر شرحه
للبخاريّ، في اسم الكتاب؛ فهو باتفاق من ترجموا له:
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
كما أنّ الحافظ ابن حجر - رحمه الله - نفسه قال في افتتاحية كتابه(١): وسمّيتُه:
فتح الباري بشرح صحيح البخاريّ
فهل سبقه أحدٌ في تسمية شرحه على الجامع الصحيح بهذا الاسم؟
٠٠٠
قال السّخاوي (ت٩٠٢هـ) رحمه الله (٢): وقد سبقه شيخه: المجد اللغوي (ت٨١٧هـ)
صاحب القاموس، فرأيتُ في أسماء تصانيفه:
منح الباري بالسيح الفسيح المجاري في شرح صحيح البخاري(٣). وأنّه کمَّل منه رُبع
العبادات في عشرين مجلدة.
وقال الحافظ ابن حجر(٤) كان يدخل في شرحه للبخاري من كلام ابن عربي في
الفتوحات المكيّة، ما كان سببًا لشين الكتاب، لم أكن أتّهم الشيخ المذكور بمقالته في ابن
عربي، إلا أنّه كان يحب المداراة.
وأضاف السّخاوي: وكذا سبقه - فيما قيل- إلى التسمية بفتح الباري، الحافظ ابن رجب
الحنبلي، لكن سمعتُ صاحب الترجمة يذكر أنّه لم يطّلع على ذلك(٥).
قلتُ: لعلّ الحافظ ابن حَجر اطّلع عليه فيما بعدُ، حيث نقل عدّة نصوصٍ منه في مواضع
متعددة(٦) وهذا يؤكد لنا اطلاعه عليه، والاستفادة منه.
(١) فتح الباري (٥/١).
(٢) الجواهر والدّرر (٢/ ٦٧٥).
(٣) تحرّف اسمه في: شذرات الذهب (١٢٨/٧) الطبعة القديمة، ونبّهوا على هذا الخطأ في طبعته
الجديدة المحققة (٩/ ١٨٧)، كما تحرّف أيضاً في البدر الطالع، للشوكاني (٨٩/١) إلى: فتح
الباري، والصواب: منح الباري كما ذكرناه.
(٤) ذيل الدّرر الكامنة (ص: ٢٣٩).
(٥) الجواهر والدّرر (٦٧٥/٢).
(٦) انظر على سبيل المثال: (١٧٦/١) عند شرحه لحديث رقم (٧٩)، حيث قال: ثمّ قرأت في شرح =
،

٦٠
مقدمة التحقيق
بداية تأليفه، والانتهاء منه:
وكان الابتداء في تأليفه في أوائل سنة (٨١٧هـ) على طريق الإملاء، ثمّ صار يكتب من
خطه مداولة بين الطلبة شيئًا فشيئًا، والاجتماع في يوم الأسبوع للمقابلة والمباحثة، وذلك
بقراءة الشيخ العلامة ابن خضر، إلى أن انتهى في أول يوم من رجب سنة (٨٤٢هـ)، سوى
ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينته، إلا قُبيل وفاة المؤلف بيسير، وجاء بخط مؤلفه في ثلاثة عشر
سفرًا، وبيِّض في عشرٍ، وعشرين، وثلاثين، وأزيد، وأقلّ.
وقال السخاوي(١) وكان عقب فراغ المقدمة شرع في شرح أطال فيه النَّفَس، وكتب منه
قطعةً تكونُ قدر مجلدٍ، ثمّ خشي الفُتورَ عن تكميله على تلك الصِّفة، فابتدأ في شرح
متوسط، وهو: فتح الباري، الماضي شرحه.
قال شيخنا(٢) فلمّا كانَ بعدَ خمس سنينَ أو نَحوِها، وقد بيِّض منه مقدار الرّبع على طريق
مُثلى، اجتمع عندي مِنْ طلبة العلمِ المَهَرة جماعةٌ، ووافقوني على تحرير هذا الشّرح، بأنْ
أكتبَ الكرّاس، ثمّ يُحصله كلُّ منَهم نُسخًا، ثمّ يقرؤهم أحدهم، ويعارض معه رفيقه مع
البحث في ذلك والتّحرير، فصار السِّفرُ لا يكمل منه إلا وقد قُوبِل وحُرّر، ولَزِم مِنْ ذلك
البُطءُ في السّير لهذه المصلحةِ، إلى أنْ يسرّ الله تعالى إكماله في شهر رجب سنة (٨٤٢هـ).
مراحل تأليفه:
كما تقدم آنفاً استغرق تأليف الكتاب (٢٦) سنة، وخلال هذه الفترة كان الحافظ ابن
حجر يضيف المعلومات التي تستجد له، ولهذا تختلف النسخ التي توجد للكتاب؛ حيث
لدى اللاحق من الإضافات ما ليس عند السابق؛ ولأجل ذلك ظن الّذين اطلعوا على هذا
الكتاب قبل أن يكتمل أنّه ناقصٌّ؛ قال السخاوي في الجواهر والدّرر(٣) فرأيت بخط - سبط
= ابن رجب أنّ في رواية: بالموحدة، بدل النون، قال: والمراد بها القطعة الطيبة، كما يقال: فلان
بقية الناس، وهذا في القسم المفقود من شرح ابن رجب على الجامع الصحيح.
وفي (١٧٨/١) عند شرحه لحديث رقم (٨٠) قال: وحكى ابن رجب عن بعضهم: وينث، بنون،
ومثلثة، من: النثّ، وهو الإشاعة.
وفي (١١/ ٣٤٠) عند شرحه لحديث (٦٥٠٠)، قال: قال ابن رجب في شرحه لأوائل البخاري: قال
العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس، لئلا يتكلوا، أنّ أحاديث الرخص لا تشاع في عموم
الناس، لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ، إلخ.
(١) الجواهر والدَّرر (٦٧٥/٢).
(٢) الجواهر والدَّرر (٦٧٦/٢).
(٣) الجواهر والدُّرر (٢٩٦/١-٢٩٧، الباب الثالث: في ثناء الأئمة عليه).