Indexed OCR Text

Pages 461-480

رواه عمر بن أبي شيبة في كتاب قضاة البصرة . وكتب عمر إلى أبي
موسى (( واس بين الناس في وجهك ، ومجلسك وعدلك ، حتى لا ييأس
الضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك )) وجاء رجل إلى شريح
وعنده السري، فقال : اعدني على هذا الجالس إلى جنبك، فقال للسري:
قم فاجلس مع خصمك ، قال : إِني أسمعك من مكاني ، قال : قم فاجلس
مع خصمك ، فإن مجلسك يريبه ، وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر.
(إِلا المسلم مع الكافر : فيقدم دخولاً ، ويرفع جلوساً ) لحرمة الإسلام،
ولما روى إبراهيم التيمي ((أن علياً، رضي الله عنه ، حاكم يهودياً إلى
شريح ، فقام شريح من مجلسه ، وأجلس علياً فيه ، فقال علي ، رضي الله
عنه : لو كان خصمي مسلماً لجلست معه بين يديك ، ولكني سمعت
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: لا تساووهم في المجالس)).
(ويحرم عليه أخذ الرشوة ) لحديث ابن عمر، قال (( لعن رسول الله،
صلى الله عليه وسلم ، الراشي والمرتشي )) صححه الترمذي . ورواه أبو
هريرة ، وزاد (( في الحكم )) ورواه أبو بكر في زاد المسافر ، وزاد
(( والرائش)) وهو: السفير بينهما . وكذا الهدية، لحديث أبي حميد
الساعدي مرفوعاً (هدايا العمال غلول)) رواه أحمد . وقال عمر بن
عبد العزيز : كانت الهدية فيما مضى هدية ، وأما اليوم فهي رشوة . قال
في الفروع : وقال كعب الأحبار ((قرأت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه:
الهدية تفقأ عين الحكم)) وقال الشاعر :
تطايرت الأمانة من كواها
إذا أتت الهدية دار قوم
إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته بشرط أن لا يكون له حكومة فيباح
- ٤٦١ -

قبولها ، لانتفاء التهمة . واستحب القاضي التنزه عنها ، لأنه لا يأمن أن
تكون لحكومة منتظرة . ويكره أن يباشر البيع والشراء بنفسه ، لئلا
يحابى فيجري مجرى الهدية . وروى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن
جده مرفوعاً ( ما عدل وال اتجر في رعيته أبداً)) وقال شريح (( شرط
علي عمر حين ولاني القضاء أن لا أبيع ولا أبتاع ، ولا أرتشي ،
ولا أقضي وأنا غضبان)) فإن احتاج لم يكره ، لأن أبا بكر الصديق
قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه .
( ولا يسار أحد. الخصمين ، أو يضيفه، او يقوم له دون الآخر )
لأنه إعانة له على خصمه ، وكسر لقلبه . وروي عن علي ، رضي الله عنه
« أنه نزل به رجل ، فقال : ألك خصم؟ قال: نعم ، قال : تحول عنا،
فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يقول: لا تضيفوا أحد
الخصمين إِلا ومعه خصمه)) .
( ويحرم عليه الحكم ، وهو غضبان كثيراً ) لحديث أبي بكرة مرفوعاً
(( لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان)) متفق عليه.
( أو حاقن، أو في شدة جوع ، أو عطش ، او هم ، او ملل ، أو كسل،
أو نعاس، أو برد مؤلم ، أو حر مزعج ) قياساً على الغضب ، لأنه في
معناه ، لأن هذه الأمور تشغل قلبه ، ولا يتوفر على الاجتهاد في الحكم،
وتأمل الحادثة .
- - *
( فإن خالف وحكم) في حال من هذه الأحوال .
( صح إن أصاب الحقى) (( لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حكم
في حال غضبه في حديث مخاصمة الأنصاري والزبير في شراج الحرة ))
رواه الجماعة .
- ٤٦٢ -

( ویحرم عليه أن یحکم بالجهل ، او هو متردد ، فإن خالف وحكم : لم
يصح، ولو أصاب) الحق لحديث بريدة مرفوعاً ((القضاة ثلاثة: واحد
في الجنة ، واثنان في النار . فأما الذي في الجنة : فرجل عرف الحق
" فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم : فهو في النار ، ورجل
قضى للناس على جهل : فهو في النار )) رواه أبو داود وابن ماجه .
( ويوصي الوكلاء والأعوان ببابه بالرفق بالخصوم ، وقلة الطمع )
لئلا يضروا بالناس ،
( ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة )
ليكونوا أقل شراً فإن الشباب شعبة من الجنون .
( ويباح له أن يتخذ كانباً يكتب الوقائع) وقيل : يسن ، لأن النبي ،
صلى الله عليه وسلم (( استكتب زيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان
وغيرهما )) ولأن الحاكم يكثر اشتغاله ونظره في أمر الناس ، فيشق
عليه تولي الكتابة بنفسه .
(ويشترط كونه مسلماً مكلفاً عدلاً) لقوله تعالى (ياأيُّها الذينَ آمَنَوُ
لا تَتَخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ... ) الآية(١) وقال عمر (( لا تؤمنوهم
وقد خونهم الله ، ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله ، ولا تعزوهم وقد أذلهم
الله)) ولأن الكتابة موضع أمانة فاشترط لها العدالة .
(ويسن كونه حافظاً عالماً ) لأن فيه إِعانة على أمره ، وكونه جيد
الخط عارفاً ، لئلا يفسد ما يكتبه بجهله ، وكونه ورعاً نزهاً كيلا يستمال
بالطمع . وقال ابن المنذر : يكره للحاكم أن يفتي في الأحكام ، كان
شريح يقول : أنا أقضي ولا أفتي .
(١) آل عمران من الآية / ١١٨.
- ٤٦٣ -

بَابْطريق الحكم وصفته
( إذا حضر إلى الحاكم خصمان : فله أن يسكت حتى يبتدئًا ، وله أن
يقول : ايكما المدعي؟) لأنه لا تخصيص في ذلك لأحدهما .
( فإذا أدعى أحدهما : اشترط كون الدعوى معلومة) أي: بشيء
معلوم ، ليتمكن الحاكم من الإلزام به ، وكونها محررة لترتب الحكم
عليها، لقوله، صلى الله عليه وسلم ((إِنما أقضي على نحو ما أسمع)).
( وكونها منفكة عما يكذبها ) فلا يصح الدعوى على شخص بأنه قتل
أو سرق من عشرين سنة ، وسنه دونها .
( ثم إن كانت بدين : اشترط كونه حالاً ) فلا تصح بالمؤجل ، لأنه
لا يملك الطلب به قبل أجله .
( وإن كانت بعين : اشترط حضورها لمجلس الحكم لتعين بالإشارة )
نفياً لللبس .
. ( فإن كانت غائبة عن البلد: وصفها كصفات السلم ) بأن يذكر
ما يضبطها من الصفات . وإِن ادعى عقاراً غائباً عن البلد : ذكر موضعه
وحدوده ، وتكفي شهرته عندهما ، وعند حاكم عن تحديده ، لحديث
الحضرمي والكندي .
( فإذا أتم المدعي دعواه : فإن أقر خصمه بما ادعاه ، أو اعترف بسبب
الحق ، ثم ادعى البراءة: لم يلتفت لقوله، بل يحلف المدعي على نفي ماادعاه)
المدعى عليه من البراءة بالإِبراء أو الأداء ،
- ٤٦٤ --

(ويلزمه بالحق ، إلا أن يقيم ) المدعى عليه
(بينة ببراءته) فيبراً، فإن عجز عن إقامتها : حلف المدعى على بقاء
حقه ،
( وإن أنكر الخصم ابتداء : بأن قال لمدع قرضاً أو ثمناً : ما أقرضني ،
أو : ما بأعني ، أو لا يستحق علي شيئاً مما ادعاه ، أو لا حق له علي : صح
الجواب ) لنفيه عين ما ادعى به .
( فيقول الحاكم للمدعي : هل لك بينة؟) لما روي ((أن رجلين
اختصا إِلى النبي ، صلى الله عليه وسلم: حضرمي وكندي ، فقال
الحضرمي : يارسول الله : إِن هذا غلبني على أرض لي ، فقال الكندي :
هي أرضي وفي يدي ، ليس له فيها حق ، فقال النبي ، صلى الله عليه
وسلم، الحضرمي: ألك بينة ? فقال : لا . قال فلك يمينه)) صححه
الترمذي .
﴿ فإن قال: نعم ، قال له : إن شئت فأحضرها، فإذا أحضرها وشهدت
سمعها، وحرم ترديدها) ويكره تعنتها وانتهارها ، لئلا يكون وسيلة
إِلى الكتمان. وكان شريح يقول للشاهدين : ما أنا دعوتكما ، ولا أنها كما
أن ترجعا ، وما يقضي على هذا المسلم غيركما ، وإِني بكما أقضي اليوم،
وبكما أتقي يوم القيامة .
- ٤٦٥ -
ت (٣٠)

فصل
( ويعتبر في البيئة : العدالة ظاهراً وباطناً ) لقوله تعالى ( وَأَشْهدوا
ذَوِي عَدْلٍ مِنْكُمْ ... ) (١) وقوله ( ◌ِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ أَشُّهَدَاءِ ... )(٢)
إلا في عقد النكاح، فتكفي العدالة ظاهراً. وعنه: تقبل شهادة كل مسلم
لم تظهر منه ريبة. واختاره: الخرقي، وأبوبكر وصاحب الروضة ((لقبوله،
صلى الله عليه وسلم ، شهادة الأعرابي برؤية الهلال)) وقول عمر ، رضي
الله عنه (( المسلمون عدول بعضهم على بعض)) .
( وللحاكم أن يعمل بعمله فيما أقر به في مجلس حكمه ) وإِن لم يسمعه
غيره . نص عليه، لقوله، صلى الله عليه وسلم ((إِنكم تختصمون إلي ،
ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي على نحو
ما أسمع ... )) الحديث ، رواه الجماعة .
( وفي عدالة البيئة وفسقها) بغير خلاف ، لئلا يتسلل لاحتياجه إلى
معرفة عدالة المزكين أو جرحهم ، ثم يحتاجون أيضاً إلى مزكين .
( فإن ارتاب منها : فلا بد من المزكين لها) لتثبيت عدالتها .
( فإن طلب المدعي من الحاكم أن يحبس غريمه حتى يأتي بمن يزكي
بيئته : اجابه لما سأل، وانتظره ثلاثة أيام) لقول عمر في كتابه إِلى أبي
(١) الطلاق من الآية / ٢ .
(٢) البقرة من الآية / ٢٨٢ .
- ٤٦٦ -

موسى الأشعري (( واجعل لمن ادعى حقاً غائبا أمداً ينتهي إليه ، فإن
أحضر بينه أخذت له حقه ، وإلا استحللت القضية عليه ، فإنه أنفى
للشك ، وأجلى للغم)).
( فإذا أتى بالمزكين اعتبر معرفتهم لمن يزكونه بالصحبة والمعاملة )
لما روى سليمان بن حرب قال ((شهد رجل عند عمر بن الخطاب ، رضي
الله عنه ، فقال له عمر : إِني لست أعرفك ، ولا يضرك أني لا أعرفك ،
فأتني بمن يعرفك . فقال رجل : أنا أعرفه يا أمير المؤمنين ، قال : بأي
شيء تعرفه ؟ فقال : بالعدالة ، قال : هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره،
ومدخله ومخرجه ؟ قال : لا ، قال : فعاملك بالدرهم والدينار الذين
يستدل بهما على الورع ؟ قال : لا ، قال : فصاحبك في السفر الذي
يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ قال : لا ، قال : فلست تعرفه . ثم قال
للرجل : ائتني بمن يعرفك)).
( فإن أدعى الغريم فسق المزكين ، أو فسق البينة المزكاة ، وأقام
بذلك بينة : سمعت ، وبطلت الشهادة ) لأن الجرح مقدم على التعديل ،
لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على المعدل ، وشاهد العدالة يخبر بأمر
ظاهر ، ولأن الجارح مثبت ، والمعدل ناف ، فقدم الإثبات .
( ولا يقبل من النساء تعديل ولا تجريح ) لأنها شهادة بما ليس بمال ،
ولا المقصود منه المال . ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال ، أشبه
الحدود . قاله في الكافي . ولا يسمع جرح لم يبين سببه ، بذكر قادح
فيه عن رؤية ، أو سماع ، أو استفاضة عند الناس ، لأن ذلك شهادة عن
- ٤٦٧ -

علم ، لقوله تعالى ( إٍّ مَنْ شَهِدَ بالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١) لكن يعرض
جارح بزنى أو لواط ، لئلا يجب عليه الحد .
( وحيث ظهر فسقى بينة المدعي ، أو قال ابتداء : ليس لي بينة ، قال
له الحاكم : ليس لك على غريمك إلا اليمين ) لقوله ، صلى الله عليه وسلم.
في حديث: الحضرمي والكندي ((شاهداك أو يمينه، فقال: إِن
لا يتورع من شيء، قال: ليس لك إِلا ذلك)) رواه مسلم.
( فيحلف الغريم على صفة جوابه في الدعوى ، ويخلى سبيله )
لانقطاع الخصومة .
( ويحرم تحليفه بعد ذلك ) نص عليه ، لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك ،
لما تقدم .
( وإن كان للمدعي بيئة ، فله أن يقيمها بعد ذلك ) لما روي عن عمر أنه
قال (( البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة)) هذا إن لم يكن قال : لا بينة
لي ، فإن قال ذلك ، ثم أقامها : لم تسمع ، لأنه مكذب لها .
( وإن لم يحلف الفريم : قال له الحاكم : إن لم تحلف ، وإلا حكمت
عليك بالنكول ) نص عليه .
( ويسن تكراره ثلاثاً ) قطعاً لحجته ،
( فإن لم يحلف : قضى عليه بالنكول ، وألزمه الحق ) لحديث ابن عمر
(( أنه باع زيد بن ثابت عبداً فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالماً بعيبه ،
فأذكره ابن عمر ، فتحاكما إلى عثمان ، فقال عثمان لابن عمر : احلف
أنك ماعلمت به عيباً ، فأبى ابن عمر أن يحلف ، فرد عليه العبد )) رواه
(١) الزخرف من الآية / ٨٦ .
- ٤٦٨ -

أحمد. ولأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ((اليمين على المدعى
عليه)) فحصرها في جنبته ، فلم تشرع لغيره . وقيل : ترد اليمين على
الخصم ، اختاره أبو الخطاب ، وقال : قد صوبه أحمد ، وقال : ماهو
ببعيد يحلف ويستحق ، لحديث ابن عمر أن النبي ، صلى الله عليه وسلم
((رد اليمين على صاحب الحق)) رواه الدارقطني. وروي ((أن المقداد
اقترض من عثمان مالاً ، فتحاكما إلى عمر ، فقال عثمان : هو سبعة
آلاف ، وقال المقداد : هو أربعة آلاف ، فقال المقداد لعثمان: احلف
أنه سبعة آلاف ، فقال عمر: أنصفك. احلف أنها كما تقول، وخذها))
رواه أبو عبيد، وقال : فهذا عمر قد حكم برد اليمين ، ورأى ذلك
المقداد ، ولم ينكره عثمان . وروى أبو عبيد أيضاً عن شريح، وعبد الله
بن عقبة أنهما قضيا برد اليمين . وقال علي ((إِن رد اليمين له أصل في
الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى ( ... أوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ
أَيْمَانْ بَعْدَ أَيْمانَمْ) (١) وأما السنة (( فحديث القسامة)) انتهى .
فصل
( وحكم الحاكم يرفع الخلاف ، لكن لا يزيل الشيء عن صفته باطناً )
لحديث (( فمن قضيت له بشيء من حق أخيه : فلا يأخذ منه شيئاً ، فإنما
أقطع له قطعة من النار)) متفق عليه .
( فمتى حكم له ببينة زور بزوجية امرأة ووطءٍ مع العلم : فكالزنى )
فيجب عليه الحد بذلك ، وعليها الامتناع منه ما أمكنها ، فإن أكرهها
فالإثم عليه دونها .
(١) المائدة من الآية / ١٠٧ .
- ٤٦٩ --

( وإن باع حنبلي متروك التسمية ) عمداً من ذبيحة أو صيد ،
( فحكم بصحته شافعي : نفذ ) عند أصحابنا إلا أبا الخطاب . قاله
في الفروع . وكذا إِن حكم حنفي لحنبلي بشفعة جوار .
( ومن قلد ) مجتهداً ،
( في نكاح ) مختلف فيه ،
( صح ، ولم يفارق ) زوجته
( بتغير اجتهاده ) أي : المجتهد الذي قلده في صحته
( كالحكم بذلك ) أي : كما لو حكم له حاكم مجتهد بصحة نكاح ،
فتغير اجتهاده : فلا يفارق .
فصل
1
( وتصح الدعوى بحقوق الآدميين على الميت ، وعلى غير المكلف ، وعلى
الغائب مسافة قصر ، وكذا دونها إن كان مستتراً بشرط البينة في الكل )
لحديث هند (( قالت : يارسول الله: إِن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس
يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي ، فقال : خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف)) متفق عليه . فقضى لها، ولم يكن أبو سفيان حاضراً.
ويحمل حديث علي على ما إذا كانا حاضرين . وعنه : لا يجوز القضاء
على الغائب ، وهو اختيار ابن أبي موسى ، لحديث علي مرفوعاً ((إِذا
تقاضى إِليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنك إذا
فعلت ذلك تبين لك القضاء )) حسنه الترمذي . والميت وغير المكلف
كالغائب ، لأن كلاً منهم لا يعبر عن نفسه. وأما المستتر فلتعذر حضوره
- ٤٧٠ -

لالغائب بل أولى، لأن الغائب قد يكون له عذر بخلاف المتواري . ولئلا
يجعل الاستتار وسيلة إلى تضييع الحقوق فإن أمكن إحضاره أحضر، بعدت
المسافة أو قربت، لما روي أن أبا بكر، رضي الله عنه ((كتب إلى المهاجر
بن أبي أمية أن : ابعث إِلي بقيس بن المكشوح في وثاق ، فأحلفه خمسين
يميناً على منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم : إِنه ما قتل دادويه))
ولأنا لو لم نلزمه الحضور جعل البعد طريقاً إلى إِبطال الحقوق . قاله
في الكافي .
( ويصح أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق ) أي: كل حق لآدمي
لا في حد ، لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر ، والدرء بالشبهات .
( إلى قاض آخر معين ، أو غير معين ) كأن يكتب إِلى من يصل إليه
كتابه من قضاة المسلمين من غير تعيين بما ثبت عنده، ليحكم به، وبماحكم
لینفذه ، ويكتب
٠
( بصورة الدعوى الواقعة على الغائب بشرط أن يقرأ ذلك على عدلين ،
ثم يدفعه لهما ) لأن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على
الظاهر ، كالعقود . قاله في الكافي . وقال في الشرح: وحكي عن
الحسن وسوار والعنبري أنهم قالوا : إِذا عرف خطه وختمه : قبله .
وهو قول : أبي ثور .
( ويقول فيه : وإن ذلك قد ثبت عندي ، وإنك تأخذ الحق للمستحق )
لما روى الضحاك بن سفيان قال «كتب إلي رسول الله، صلى الله عليه
وسلم ، أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها )) رواه أبو داود
والترمذي .
- ٤٧١ -

١
( فيلزم القاضي الواصل إليه ذلك العمل به) لإجماع الأمة على قبو له؛
لقوله تعالى ( ... إِنّي أَلْقِىَ إِليَّ كِتابُ كَرِيمٌ) (١) ولأنه، صلى الله
عليه وسلم (( كتب إلى ملوك الأطراف وإِلى عماله وسعاته)).
بَابُ القَّمَة
أجمعوا عليها ، لقوله تعالى ( وَإِذا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبِىُّ
وَالْيَتَامِى .. ) الآية (٢) وقوله (وَنَبِّثْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةُ بَيْنَهُمْ ... ) (٣)
وحديث ((إِنما الشفعة فيما لم يقسم)) ((وقسم النبي ، صلى الله عليه
وسلم ، الغنائم بين أصحابه)) ولحاجة الشركاء إِليها ليتخلصوا من سوء
المشاركة . وذكرت في القضاء ، لأن منها ما يقع بإجبار الحاكم عليه .
( وهي نوعان · قسمة تراض ) وهي : ما فيه ضرر أو رد عوض .
( وقسمة إجبار ) وهي : مالا ضرر فيه ولا رد عوض .
( فلا قسمة في مشترك إلا برضى الشركاء كلهم ، حيث كان في القسمة
ضرر ينقص القيمة ) لحديث ( لا ضرر ولا ضرار)) رواه أحمد ومالك
في الموطأ .
( كحمام ، ودور صغار ) بحيث يتعطل الانتفاع بها ، أو يقل إِذا
قسمت ،
( وشجر مفرد ، وحيوان ) وأرض ببعضها بئر أو بناء ، ولا تتعدل
(١) النمل من الآية / ٢٩.
(٢) النساء من الآية / ٧ .
(٣) القمر من الآية / ٢٨ .
- ٤٧٢ -
:

بأجزاء ولا قيبة ، لأن فيها إِما ضرراً أو رد عوض ، وكلاهما لا يجبر
الإِنسان عليه .
( وحيث تراضيا صحت ، وكانت بيعاً يثبت فيها ما يثبت فيه من
الأحكام) من خيار مجلس ، وشرط ، وغبن ، ورد بعيب، لأنها معاوضة .
( وإن لم يتراضيا ودعا أحدهما شريكه إلى البيع في ذلك ، أو إلى
بيع عبد أو بهيمة أو سيف ونحوه مما هو شركة بينهما : أجبر إن امتنع )
دفعاً للضرر .
( فإن أبى: بيع عليهما) أي : باعه الحاكم ،
( وقسم الثمن ) بينهما على قدر حصصهما . نص عليه في رواية
الميموني وحنبل .
( ولا إِجبار في قسمة المنافع) بأن ينتفع أحدهما بمكان ، والآخر
بآخر ، أو كل منهما ينتفع شهراً ونحوه ، لأنها معاوضة فلا يجبر عليها
الممتنع كالبيع ، ولأن القسمة بالزمان يأخذ أحدهما قبل الآخر فلا تسوية
لتأخر حق الآخر .
( فإن اقتسماها بالزمن : كهذا شهراً، والآخر مثله ، أو بالمكان : كهذا
في بيت ، والآخر في بيت: صح جائزاً ولكل الرجوع ) متى شاء، فلو رجع
أحدهما بعد استيفاء نوبته : غرم ما انفرد به ، أي : أجرة مثل حصة
شريكه مدة انتفاعه . وقال الشيخ تقي الدين : لا تنفسخ حتى ينقضي
الدور ، ويستوفي كل واحد حقه .
- ٤٧٣ -

.
فصل
( النوع الثاني : قسمة إجبار ، وهي : ما لا ضرر فيها، ولا رد عوض )
سميت بذلك لإجبار الممتنع منها إذا كملت الشروط .
( وتنأتى في كل مكيل وموزون ، وفي دار كبيرة ، وأرض واسعة ،
ويدخل الشجر تبعاً) للأرض ، كالأخذ بالشفعة .
( وهذا النوع ليس بيعاً ) لمخالفته له في الأحكام والأسباب كسائر
العقود ، فلو كانت بيعاً لم تصح بغير رضى الشريك ، ولوجبت فيها.
الشفعة ، ولما لزمت بالقرعة ، بل إِفراز للنصيبين ، وتمييز للحقين .
فيصح قسم لحم هدي وأضحية ، مع أنه لا يصح بيع شيء منهما .
( فيجبر الحاكم أحد الشريكين إذا امتنع ) ويشترط لذلك ثبوت ملك
الشركاء وثبوت أن لا ضرر فيها ، وثبوت إِمكان تعديل السهام في
المقسوم، فإذا اجتمعت أجبر الممتنع ، لأن طالبها يطلب إزالة ضرر الشركة
عنه وعن شريكه ، وحصول النفع لكل منهما بتصرفه في ملكه بحسب
اختياره من غير ضرر بأحد ، فوجبت إجابته . ويقسم عن غير مكلف
وليه ، فإن امتنع أجبر ، ويقسم حاكم على غائب بطلب شريكه أو وليه ،
لأنها حق عليه ، فجاز الحكم به كسائر الحقوق .
( ويصح أن يتقاسما بانفسهما ، وأن ينصبا قاسماً بينهما ) لأن الحق
لا يعدوهما ، أو يسألا الحاكم نصبه ، لأنه أعلم بمن يصلح للقسمة ،
فإذا سألاه وجبت إجابتهما لقطع التراع .
- ٤٧٤ -

( ويشترط إسلامه وعدالته وتكليفه ) ليقبل قوله في القسمة ،
( ومعرفته بالقسمة ) ليحصل منه المقصود ، ويكفي واحد إن لم
يكن في القسمة تقويم ، لأنه كالحاكم .
( وأجرته بينهما على قدر املاكهما ) نص عليه ، ولو شرط خلافه .
( وإن تقاسما بالقرعة جاز ، ولزمت القسمة بمجرد خروج القرعة )
لأن القاسم ، كحاكم ، وقرعته حكم . نص عليه .
( ولو فيما فيه رداءة وضرر ) إذا تراضيا عليها ، وخرجت القرعة ،
إِذ القاسم يجتهد في تعديل السهام ، كاجتهاد الحاكم في طلب الحق ،
فوجب أن تلزم قرعته ، كفسمة الإجبار .
(وإن خير أحدهما الآخر بلا قرعة، وتراضيا: لزمت بالتفرق )
بأبدانهما كالبيع .
( وإن خرج في نصيب احدهما عيب جهله : خير بين فسخ وإمساك ،
ويأخذ الأرش ) كالمشتري ، لوجود النقص .
(وإن غبن غبناً فاحشاً : بطلت ) لتبين فساد الإفراز .
( وإن أدعى كل أن هذا من سهمه ) وأنكره الآخر ،
( تحالفا ، ونقضت ) القسمة ، لأن المدعى لا يخرج عن ملكهما ،
ولا سبيل لدفعه إلى مستحقه منهما بدون نقض القسمة .
( وإن حصلت الطريق في حصة أحدهما، ولا منفذ للآخر: بطلت )
لعدم تمكن الداخل من الانتفاع بما حصل له بالقسمة ، فلا تكون
السهام معدلة ، والتعديل واجب في جميع الحقوق . وقال ابن قندس :
فإن أخذه راضياً عالماً أنه لا طريق له جاز ، لأن قسمة التراضي بيع ،
وشراؤه على هذا الوجه جائز .
- ٤٧٥ -

باب الدعاوى والبينات
الدعوى لغة : الطلب ، واصطلاحاً : إِضافة الإنسان إلى نفسه
استحقاق شيء في يد غيره ، أو في ذمته . والمدعي : من يطالب غيره
بحق . والمدعى عليه : المطالب، ويقال أيضاً: المدعي: من إِذا ترك ترك،
والمدعى عليه : من إذا ترك لا يترك. والبينة: العلامة، كالشاهد فأكثر .
وأصل هذا الباب حديث ابن عباس مرفوعاً ((لو يعطى الناس بدعواهم
لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه )) رواه
أحمد ومسلم .
( لا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف ) أي : حر مكلف رشيد .
( وإن تداعيا عيناً لم تخل من أربعة أحوال : )
(١ - أن لا تكون بيد أحد ، ولا ثم ظاهر ) يعمل به.
( ولا بينة ) لأحدهما ،
( فيتحالفان ويتناصفانها ) لاستوائهما في الدعوى ، وليس أحدهما
أولى بها من الآخر ، لعدم المرجح .
( وإن وجد ظاهر ) يرجح أنها
(لأحدهما عمل به ) فيحلف ويأخذها . فلو تنازع الزوجان في قماش
البيت ونحوه : فما يصلح لرجل فهو له ، وما يصلح لها فلها ، ولهما
فلهما .
- ٤٧٦ -

(٢ - أن تكون بيد احدهما فهي له بيمينه) لما تقدم، ولحديث
(( شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك)) ولأن الظاهر من اليد الملك ،
فإن كان للمدعي بينة حكم له بها .
( فإن لم يحلف قضي عليه بالنكول واو اقام بينة ) لجواز أن يكون
مستند بينته رؤية التصرف ، ومشاهدة اليد ، ولعدم حاجته إِليها . وفي
شرح المنتهى ، قلت : بل هو محتاج إِليها لدفع التهمة ، واليمين عنه .
انتهى . وقال في الشرح وإِن كان لأحدهما بينة حكم له بها ، ولم
يحلف ، وهو قول أهل الفتيا. وقال شريح والنخعي: يحلف . انتهى .
ولأن البينة حجة صريحة في إثبات الملك لا تهمة فيها ، فكانت أولى من
اليمين التي يتهم فيها . قاله في الكافي .
(٣ - أن تكون بيديهما كشيء: كل (١) ممسك ببعضه فيتحالفان ،
ويتناصفانه) لا نعلم فيه خلافاً . قاله في الشرح ، لحديث أبي موسى
(( أن رجلين اختصما إِلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، في دابة
ليس لأحدهما بينة: فجعلها بينهما نصفين)) رواه الخمسة إلا الترمذي.
( فإن قوبت يد أحدهما ، كحيوان: واحد سائقه، والآخر راكبه )
فللثاني بيمينه ، لأن تصرفه أقوى ، ويده آكد ، وهو المستوفي لمنفعة
الحيوان .
( أو قميص : واحد آخذ بكمه ، والثاني لابسه : فالثاني بيمينه )
لما تقدم .
(١) قوله كل: بتشديد اللام وضمها لأنها مبتدا، وممسك خبر والجملة
صفة لشيء .
- ٤٧٧ -

( وإن تنازع صانعان في آلة دكانهما : فآلة كل صنعة لصانعها )
كنجار وحداد بدكان ، فآلة النجارة للنجار ، وآلة الحدادة للحداد
بيمينه حيث لا بينة عملاً بالظاهر .
"( ومتى كان لأحدهما بينة فالعين له) لحديث الحضرمي والكندي(١)
( فإن كان لكل منهما بينة به وتساوتا من كل وجه تعارضتا وتساقطتا)
لأن كلا منهما تنفي ما تثبته الأخرى
( فيتحالفان ويتناصفان ما بأيديهما ) لحديث أبي موسى ((أن رجلين
ادعيا بعيراً على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فبعث كل منهما
بشاهدين ، فقسمه النبي، صلى الله عليه وسلم ، بينهما )) رواه أبوداود.
( ويقترعان فيما عداه ) أي : فيما ليس بيديهما ، أو بيد ثالث
لا يدعيه .
( فمن خرجت له القرعة فهو له بيمينه ) روي عن ابن عمر وابن
الزبير ، وبه قال إسحاق وأبو عبيد: ذكره في الشرح . كما لو لم يكن
لواحد منهما بينة، لحديث أبي هريرة ((أن رجلين تداعيا عيناً لم يكن
(١) ونصه: عن وائل بن حجر، قال ((جاء رجل من حضرموت، ورجل
من كندة إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال الحضرمي : يا رسول الله :
إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي ، قال الكندي : هي أرضي في يدي
أزرعها ليس له فيها حق ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، للحضرمي :
الك بينة ؟ قال : لا ، قال : فلك يمينه، فقال : يا رسول الله : الرجل فاجر
لا يبالي على ما حلف عليه ، وليس يتورع من شيء، قال : ليس لك منه
إلا ذلك ، فانطلق ليحلف ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لما أدبر
الرجل : أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلماً : ليلقين الله وهو عنه معرض))
رواه مسلم والترمذي وصححه .
- ٤٧٨ -

لواحد منهما بينة ، فأمرهما رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن
يستهما على اليمين أحبا أم كرها )) رواه أبو داود . وروى الشافعي عن
ابن المسيب (( أن رجلين اختصما إِلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
في أمر ، فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة ، فأسهم
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بينهما)).
( وإن كانت العين بيد أحدهما: فهو داخل ، والآخر خارج ، وبينة
الخارج مقدمة على بينة الداخل ) لحديث (« البينة على المدعي ، واليمين
على المدعى عليه)) وفي لفظ (( واليمين على من أنكر)) رواه الترمذي.
وحديث ((شاهداك أو يمينه)) وعن ابن عباس (( أن النبي، صلى الله
عليه وسلم ، قضى باليمين على المدعى عليه )) متفق عليه .
( لكن لو أقام الخارج بينة أنها ملكه ، والداخل بينة أنه اشتراها منه :
قدمت بينته ) أي : الداخل ،
(هنا ، لما معها من زيادة العلم ) لشهادتها بأمر حدث على الملك خفي
على الأولى، كما لو ادعى بدين وأقام به بينة ، فقال المدعى عليه: أبرأني،
وأقام بينة بذلك : قدمت ، لما معها من زيادة العلم ،
( أو أقام أحدهما بينة أنه اشتراها من فلان ، وأقام الآخر بينة كذلك :
عمل بأسبقهما تاريخاً ) لإثباتها أنه اشتراها من مالكها ، ولمصادفة
التصرف الثاني ملك غيره فوجب بطلانه ، فإن لم يعلم التاريخ ، أو اتفق:
تساقطتا ، لتعارضهما وعدم المرجح .
(٤ - أن تكون بيد ثالث، فإن ادعاها لنفسه حلف لكل واحد يميناً)
لأنهما اثنان ، كلاهما يدعيها .
- ٤٧٩ -

( فإن نكل أخذاها منه مع بدلها ) أي : مثلها إن كانت مثلية ، وقيمتها
إن كانت متقومة ، لتلف العين بتفريطه ، وهو ترك اليمين للأول ، أشبه
مالو أتلفها .
( واقترعا عليهما ) أي: العين وبدلها، لأن المحكوم له بالعين غير معين.
( وإن أقر بها لهما اقتسماها ) نصفين ،
( وحلف لكل واحد يميناً ) بالنسبة إلى النصف الذي أقر به، لصاحبه،
لأنه يدعيه له ، كما لو أقر بها ، لأحدهما فإنه يحلف للآخر .
( وحلف كل واحد لصاحبه على النصف المحكوم له به ) كما لو كانت
العين بيديهما ابتداء .
( وإن قال : هي لأحدهما، وأجهله ، فصدقاه) على جهله به ،
( لم يحلف ) لتصديقهما له في دعواه ،
( وإلا ) يصدقاه
( حلف يميناً واحدة ) لأن صاحب الحق منهما واحد غير معين ،
(ويقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها) نص عليه ، لحديث أبي
هريرة السابق .
- ٤٨٥ -