Indexed OCR Text

Pages 381-400

وبقي ثلثه)) رواه النسائي ، وله مثله عن عمر وأبي الدرداء . وقال
البخاري ((رأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث ، وشرب
البراء وأبو جحيفة على النصف)) وقال أبو داود : سألت أحمد عن شرب
الطلاء إذا ذهب ثلثاه ، فقال : لا بأس به قلت : إِنهم يقولون : يسكر .
قال : لا يسكر ، لو كان يسكر ما أحله عمر ، رضي الله عنه .
بأبس التعزيز
يجب التعزير على كل مكفن، . نص عليه كالحد . وقال الشيخ
تقي الدين : لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف كالصبي المميز يعاقب
على الفاحشة تعزيراً بليغاً .
( يجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) كمباشرة الأجنبية
فيما دون الفرج ، وإِتيان المرأة المرأة ، وسرقة ما لا قطع فيه ، والجناية
بما لا يوجب القصاص ، ونحوها ، لما روي عن علي ، رضي الله عنه
(( أنه سئل عن قول الرجل للرجل : يا فاسق، يا خبيث قال : هن فواحش
فيهن تعزير ، وليس فيهن حد)).
( وهو من حقوق الله تعالى لا يحتاج في إقامته إلى مطالبة ) لأنه شرع
للتأديب ، فللإِمام إقامته إذا رآه ، وله تركه إِن جاء تائباً معترفاً يظهر منه
الندم والإقلاع، لما روى ابن مسعود ((أن رجلاً أتى النبي، صلى الله
عليه وسلم ، فقال . إِني لقيت امرأة فأسبت منها ما دون أن أطأها ،
فقال : أصليت معنا ? قال نعم . فتلا عليه: إِن الحسنات يذهبن السيئات))
متفق عليه .
- ٣٨١ - ٠

( إلا إذا شتم الولد والده فلا يعزر إلا بمطالبة والده ) نقله في الإقناع
عن الأحكام السلطانية .
(ولا يعزر الوالد بحقوق ولده) لحديث (( أنت ومالك لأبيك)).
( ولا يزاد في جلد التعزير على عشرة أسواط ) نص عليه ، لحديث
أبي بردة مرفوعاً (( لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود
الله)) متفق عليه . فقدر أكثره، ولم يقدر أقله فيرجع فيه إِلى اجتهاد
الحاكم . ويكون التعزير أيضاً بالحبس ، والصفع ، والتوبيخ ، والعزل
عن الولاية ، وإِقامته من المجلس حسبما يراه الحاكم ، لأنه ، صلى الله
عليه وسلم ((حبس رجلاً في تهمة، ثم خلى عنه)) رواه أحمد وأبو داود.
( إِلا إِذا وطىء أمة له فيها شرك : فيعزر بمائة سوط إِلا سوطاً)
لما روى سعيد بن المسيب عن عمر (( في أمة بين رجلين وطئها أحدهما
يجلد الحد إِلا سوطاً)) رواه الأثرم. واحتج به أحمد . ولينقص عن
حد الزنى .
( وإذا شرب مسكراً نهار رمضان: فيعزر بعشرين مع الحد ) لما روى
أحمد (( أن علياً، رضي الله عنه ، أتى بالنجاشي قد شرب خمراً في
رمضان ، فجلده الحد وعشرين سوطاً ، لفطره في رمضان)).
( ولا بأس بتسويد وجه من يستحق التعزير ، والمناداة عليه بذنبه )
قال أحمد في شاهد الزور : فيه عن عمر (( يضرب ظهره ، ويحلق رأسه ،
ويسخم وجهه ، ويطاف به، ويطال حبسه)) (١) .
(١) وجد بهامش الأصل ما يلي: ذكر عن الشعبي كان عمر فمن بعده
إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس ، ونزعوا عمامته ، فلما كان زياد ضرب في
الجنايات بالسياط ، ثم زاد مصعب ابن الزبير حلق اللحية ، فلما كان بشر
بن مروان سمر كف الجاني بمسمار فلما قدم الحجاج قال : هذا كله
لعب فقتل بالسيف . انتهى . علقمي .
- ٣٨٢-

( ويحرم حلق لحيته، وأخذ ماله ) وقطع طرفه ، لأن الشرع لم يرد
بشيء من ذلك .
( ويحرم ) الاستمناء باليد على الرجال والنساء لقوله تعالى
( وَاْلّينَ هُمْ لِفِرُوجِهِمْ حافِظُونَ) (١) ولحديث رواه الحسن
بن عرفة في جزئه ، ولأنه مباشرة تفضي إلى قطع النسل ، ويعزر فاعله ،
قال في الكافي : ولا حد فيه ، لأنه لا إِيلاج فيه ، فإن خشي الزنى أبيح
له ، لأنه يروى عن جماعة من الصحابة . انتهى . يعني: إِن لم يقدر على
نكاح . قال مجاهد : كانوا يأمرون فتيانهم يستغنوا به .
فصل
( ومن الألفاظ الموجبة للتعزير قوله لغيره : یا کافر یا فاسق يا فاجر
یا شقي یا کلب یا حمار یا تیس یا رافضي یا خبیت یا کناب یا خائن )
ياعدو الله يا شارب الخمر يا مخنث . نص عليه .
( يا قرنان يا قواد يا ديوث يا علق) قال إبراهيم الحربي : الديوث :
الذي يدخل الرجال على امرأته . وقال ثعلب : القرنان : لم أره في كلام
العرب ، ومعناه عند العامة : مثل معنى الديوث ، أو قريباً منه . والقواد
عند العامة : السمسار في الزنى . وعند الشيخ تقي الدين أن قوله :
(١) المؤمنون من الآية / ٥ . ووجه الاستدلال أن الله تعالى أباح للإنسان
أن يتمتع بالزوجة وبالأمة ، وحظر عليه خلاف ذلك بقوله ( فمن ابتغى وراء.
ذلك فأولئك هم العادون ) . المؤمنون / ٧ .
- ٣٨٣ -

٠
يا علق : تعريض ، ودليل ذلك ما تقدم عن علي ، رضي الله عنه ، ولأن
ذلك معصية لا حد فيها .
( ويعزر من قال لذمي: يا حاج ) لما فيه من تشبيههم في قصد
كنائسهم بقصاد بيت الله الحرام .
( أو لعنه بغير موجب ) لأنه ليس له ذلك إِلا إِن صدر منه ما يقتضيه.
بَابُ القطّع في الشرقَّة
أجمعو عليه، لقوله تعالى (وَأُلسارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا
أَيْدِيَهُما ... ) الآية(١) وعن عائشة مرفوعاً ((تقطع اليد في ربع دينار
فصاعداً )) متفق عليه .
( ويجب بثمانية شروط : )
(١ - السرقة، وهي: أخذ مال الغير من مالكه أو نائبه على وجه
الاختفاء، فلا قطع على منتهب ) يأخذ المال على وجه الغنيمة ، لحديث
جابر مرفوعاً (( ليس على المنتهب قطع)) رواه أبو داود.
( ومختطف) وهو : الذي يختلس الشيء ويمر به ، وغاصب
(وخائن في وديعة) لحديث (( ليس على الخائن والمختلس قطع))
رواه أبو داود والترمذي وقد تكلم فيه . ولعدم دخولهم في اسم
السارق .
( لكن يقطع جاحد العارية ) لحديث ابن عمر (( كانت مخزومية
تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بقطع يدها»
(١) المائدة من الآية / ٤١ .
-- ٣٨٤ -

رواه أحمد وأبو داود والنسائي مطولاً . قال الإمام أحمد : لا أعرف
شيئاً يدفعه . وعنه : لا قطع عليه . قدمه في الكافي والمقنع ، لأنه
خائن فلا يقطع للخبر ، كجاحد الوديعة . وهذا اختيار أبي إسحاق
بن شأقلا ، وأبي الخطاب .
(٢ - كون السارق مكلفاً) لأن غيره مرفوع عنه القلم.
( مختاراً ) لأن المكره معذور .
( عالماً بأن ماسرقه يساوي نصاباً ) فلا قطع بسرقة منديل بطرفه
نصاب مشدود لم يعلمه ، ولا بسرقة جوهر يظن قيمته دون نصاب ،
لقول عمر (( لا حد إلا على من علمه)).
(٣ - كون المسروق مالاً) لأن القطع شرع لصيانة الأموال،
فلا يجب في غيرها ، والأخبار مقيدة للآية . فإِن سرق حراً صغيراً
فلا قطع ، لأنه ليس بمال . وعنه : يقطع ، لحديث هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة (( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أتي برجل يسرق
الصبيان ، ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى، فأمر بيده فقطعت))
رواه الدارقطني .
( لكن لا قطع بسرقة الماء ) لأنه لا يتمول عادة ،
( ولا بإناء فيه خمر أو ماء ) لاتصاله بما لا قطع فيه .
( ولا بسرقة مصحف ) لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى ،
ولا يحل أخذ العوض عنه . وبه قال: أبو بكر ، والقاضي .
( ولا بما عليه من حلي ) لأنه تابع لما لا قطع فيه . وقال أبو الخطاب:
ت (٢٥)
- ٣٨٥ -

عليه القطع بسرقة المصحف للآية ، ولأنه متقوم يبلغ نصاباً ، أشبه كتب
الفقه . قاله في الكافي . وهو قول: مالك والشافعي .
( ولا بكتب بدعة وتصاوير ) لوجوب إِتلافها ، لأنها محرمة ، أشبهت
المزامير ، ومثل ذلك سائر الكتب المحرمة .
( ولا بآلة لهو ) كالطنبور ، والمزمار ، والطبل لغير الحرب ونحوها ،
لأنها آلة معصية كالخمر ، ومثله : فرد ، وشطرنج .
( ولا بصليب ، أو صنم ) من ذهب أو فضة ، لأنه مجمع على تحريمه،
أشبه الطنبور .
(٤ - كون المسروق نصاباً، وهو: ثلاثة دراهم، أو ربع دينار)
فلا قطع بسرقة ما دون ذلك ، لحديث عائشة مرفوعاً (( لا تقطع اليد
إِلا في ربع دينار فصاعداً)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه .
وعنها مرفوعاً (( اقطعوا في ربع دينار ، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من
ذلك . وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهماً))
رواه أحمد . وهذان يخصان عموم الآية . وأما حديث أبي هريرة
(( لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ، ويسرق البيضة فتقطع يده))
متفق عليه . فيحمل على حبل يساوي ذلك ، وكذا البيضة ، ويحتمل أن
يراد بها بيضة السلاح ، وهي تساوي ذلك ، جمعاً بين الأخبار ، كما
حكى البخاري عن الأعمش . ويحتمل أن سرقة القليل ذريعة إِلى سرقة
النصاب بالتدريج . ذكر معناه ابن القيم في الهدي .
( أو ما يساوي أحدهما ) لحديث ابن عمر أن النبي ، صلى الله عليه
- ٣٨٦ -

وسلم ((قطع يد سارق سرق برنساً من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم (١)))
رواه أحمد وأبو داود والنسائي . وعنه أيضاً مرفوعاً ((قطع في مجن
قيمته ثلاثة دراهم )) رواه الجماعة .
( وتعتبر القيمة حال الإخراج ) من الحرز ، لأنه وقت الوجوب ،
لوجود السبب فيه .
(٥ - إخراجه من حرز) في قول أكثر أهل العلم ، منهم : مالك ،
والشافعي ، وأصحاب الرأي ، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده (( أن رجلاً من مزينة سأل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن الثمار،
فقال : ما أخذ من غير أكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه ، وما أخذ
من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن )) رواه أبو داود وابن ماجه .
وفي لفظ ((ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن :
فعليه القطع)) (٢) رواه أبو داود والنسائي وزاد ((وما لم يبلغ ثمن
المجن ففيه غرامة مثليه ، وجلدات نكال )) وعن رافع بن خديج مرفوعاً
(( لا قطع في ثمر ولا كثر)) (٣) رواه الخمسة.
( فلو سرق من غير حرز فلا قطع ) لفوات شرطه ، كما لو أتلفه داخل
الحرز بأكل أو غيره ، وعليه ضمانه .
( وحرز كل مال : ما حفظ فيه عادة ) لأن معناه الحفظ ، ولأن
(١) البرنس : بضم الباء والنون : قلنسوة طويلة، كان النساء يلبسونها
في صدر الإسلام .
(٢) الجرين : الموضع الذي يجفف فيه التمر .
(٣) الكثر : جمار النخل أو طلعها . قاموس .
- ٣٨٧ -
:

الشرع لما اعتبر الحرز ، ولم يبينه علمنا أنه رده إِلى العرف ، كالقبض
والتفرق وإِحياء الموات . قاله في الكافي .
( فنعل برجل ، وعمامة على رأس : حرز ) ونوم على متاع أو رداء :
حرز (( لأن صفوان بن أمية نام في المسجد ، وتوسد رداءه ، فأخذ من
تحت رأسه ، فأمر النبي ، صلى الله عليه وسلم، أن يقطع سارقه))
الحديث ، رواه الخمسة إلا الترمذي . وحرز الكفن : كونه على الميت
في القبر، لقول عائشة، رضي الله عنها (سارق أمواتنا كسارق أحيائنا))
وروي عن ابن الزبير ((أنه قطع نباشاً)).
(ويختلف الحرز بالبلدان والسلاطين ) لخفاء السارق بالبلد الكبير ،
لسعة أقطاره أكثر من خفائه في البلد الصغير . وكذا السلطان إِن كان
عدلاً يقيم الحدود قل السراق ، فلا يحتاج الإنسان إلى زيادة حرز .
وإِن كان جائراً يشارك من التجأ إِليه ، ويذب عنهم قويت صولتهم فيحتاج
أرباب الأموال إلى زيادة التحفظ ، وكذا الحال مع قوته وضعفه .
( ولو اشترك جماعة فيهتك الحرز ، وإخراج النصاب: قطعوا جميعاً)
نص عليه ، لوجود سبب القطع منهم ، كالقتل ، وكما لو كان ثقيلاً
فحملوه . ويقطع سارق نصاب لجماعة .
( وإن هتك الحرز أحدهما ، ودخل الآخر فأخرج المال : فلا قطع
عليهما، ولو تواطأ ) لأن الأول لم يسرق ، والثاني لم يهتك الحرز . قال
في الكافي : ويحتمل أن يقطع إِذا كانا شريكين .
(٦ - انتفاء الشبهة: فلا قطع بسرقته من مال فروعه وأصوله )
أما ولده: فلحديث ((أنت ومالك لأبيك)) وأما أصوله : فلوجوب نفقة
- ٣٨٨ -

أحدهم على الآخر ، ولأن بينهم قرابة تمنع من قبول شهادة بعضهم
لبعض : فلا يقطع به ، لأن الحدود تدرأ بالشبهات .
(وزوجته) أي: (( لا يقطع أحد الزوجين بسرقته من مال الآخر))
رواه سعيد عن عمر بإسناد جيد . ولأن كلاً منهما يرث صاحبه بغير
حجب ، وينبسط في ماله ، أشبه الولد مع الوالد . ولا يقطع العبد
بسرقته من مال سيده لما روى مالك (( أن عبد الله بن عمرو الحضرمي
قال لعمر : إِن عبدي سرق مرآة امرأتي ، ثمنها : ستون درهماً ، فقال :
أرسله ، لاقطع عليه ، غلامك أخذ متاعكم )) . وكان ذلك بمحضر من
الصحابة ، ولم ينكر فكان إِجماعاً. وقال ابن مسعود (( لا قطع. مالك
سرق مالَك)).
( ولا بسرقة من مال له فيه شرك، أو لأحد ممن ذكر ) كأصوله
وفروعه ونحوهم ، نقيام الشبهة فيه بالبعض الذي لا يجب بسرقته قطع.
ولا قطع على مسلم سرق من بيت المال ، لذلك، ولقول عمر وابن مسعود
(( من سرق من بيت المال فلا قطع ما من أحد إلا وله في هذا المال حق))
وروى سعيد عن علي (( ليس على من سرق من بيت المال قطع)) وروى
ابن ماجه عن ابن عباس (( أن عبداً من رقيق الخمس سرق من الخمس
فرفع إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يقطعه ، وقال : مال الله سرق
بعضه بعضاً )) .
(٧ - ثبوتها إِما بشهادة عدلين) لقوله تعالى ( .. وَأُسْتَشْهِدِوا شَهِيدَيْنِ
مِنْ رِجَالِكُمْ ... ) (١) والأصل عمومه لكن خولف فيما فيه دليل خاص
المدليل ، فبقي فيما عداه على عمومه .
(١) البقرة من الآية / ٢٨٢.
- ٣٨٩ -

( ويصفاتها ) أي : السرقة .
( ولا تسمع قبل الدعوى ) من المالك ، أو من يقوم مقامه .
( أو بإقرار ) السارق
( مرتين ) ويصفيا في كل مرة ، لاحتمال ظنه وجوب القطع مع فقد
بعض شروطه . وعن القاسم بن عبد الرحمن (( أن علياً، رضي الله عنه،
أتاه رجل ، فقال : إِني سرقت ، فطرده ، ثم عاد مرة أخرى ، فقال : إِني
سرقت ، فأمر به أن يقطع)) رواه الجوزجاني . وفي لفظ (( لا يقطع
السارق حتى يشهد على نفسه مرتين )» حكاه أحمد في رواية مهنا
واحتج به .
(ولا يرجع حتى يقطع) ولا بأس بتلقينه الإنكار ، لحديث أبي أمية
المخزومي (( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أتي بلص قد اعترف ،
فقال : ما إِخالك سرقت ؟ قال بلى ، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً ، قال : بلى
فأمر به فقطع)) رواه أحمد وأبو داود . ولو وجب القطع بأول مرة لم
يؤخره ، ولم يلقنه الإنكار . وكذا ما تقدم عن علي . وروي عن عمر ،
رضي الله عنه ((أنه أتي برجل، فقال: أسرقت? قل: لا فقال: لا فتركه)).
(٨ - مطالبة المسروق منه بماله ) أو مطالبة وكيله أو وليه إن كان
محجوراً عليه لحظه ، لأن المال يباح بالبذل والإباحة ، فيحتمل إِباحة
مالكه إياه أو إِذنه له في دخول حرزه ونحوه مما يسقط القطع فاعتبر
الطلب ، لنفي هذا الاحتمال ، وانتفاء الشبهة .
( ولا قطع عام مجاعة غلاء) إِن لم يجد ما يشتريه أو ما يشتري به .
نص عليه، لقول عمر (( لا قطع في عام سنة)) قيل لأحمد : تقول به !
- ٣٩٠ -

قال: إِي لعمري لا أقطعه إِذا حملته الحاجة ، والناس في شدة ومجاعة.
( فمتى توفرت الشروط قطعت يده اليمنى من مفصل كفه )
لأن في قراءة عبد الله بن مسعود (( فاقطعوا أيمانهما)) وروي عن أبي
بكر وعمر ، رضي الله عنهما (( أنهما قالا إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه
من مفصل الكوع )) ولا مخالف لهما في الصحابة .
( وغمست وجوباً في زيت مغلي ) لتنسد أفواه العروق ، لئلا ينزفه
الدم فيؤدي إلى موته . ولقوله، صلى الله عليه وسلم في سارق ((اقطعوه
واحسموه)) رواه الدارقطني. وقال ابن المنذر : في إِسناده مقال.
( وسن تعليقها في عنقه ثلاثة أيام إن رآه الإمام ) لحديث فضالة بن
عبيد (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، أتي بسارق فقطعت يده ، ثم
أمر بها فعلقت في عنقه)) رواه الخمسة إلا أحمد . وفي إسناده الحجاج
بن أرطاة ، وهو: ضعيف ((وفعل ذلك علي ، رضي الله عنه ، بالذي
قطعه )) ولأنه أبلغ في الزجر .
(فإن عاد قطعت رجله) لحديث أبي هريرة مرفوعاً في السارق ((إِن
سرق فاقطعوا يده ، ثم إِن سرق فاقطعوا رجله )) ولأنه قول أبي بكر
وعمر ، ولا مخالف لهما من الصحابة
(اليسرى ) قياساً على القطع في المحاربة ، ولأنه أرفق به ليتمكن من
المشي على خشبة ، ولو قطعت يمناه لم يمكنه ذلك . قاله في الكافي .
( من مفصل كعبه بترك عقبه) لما روي عن علي ((أنه كان يقطع من
شطر القدم ، ويترك له عقباً يمشي عليها)).
( فإن عاد لم يقطع ، وحبس حتى يموت ، أو يتوب ) لأن عمر ، رضي
- ٣٩١ -

الله عنه (( أتي برجل أقطع الزند والرجل قد سرق ، فأمر به عمر: أن تقطع
رجله ، فقال علي: إِنما قال الله تعالى ( إِنَّمَا جَزَاءِ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ
وَرَسُولَهُ ... ) الآية(١). وقد قطعت يد هذا ورجله، فلا ينبغي أن
تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها . إما أن تعزره ، وإما أن
تستودعه السجن. فاستودعه السجن)) رواه سعيد. وعن سعيد المقبري
(( قال : حضرت علي بن أبي طالب أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد
سرق ، فقال لأصحابه : ما ترون في هذا ؟ قالوا : اقطعه يا أمير المؤمنين ،
قال : قتله إِذاً وما عليه القتل ، بأي شيء يأكل الطعام ؟! بأي شيء يتوضأ
للصلاة ?! بأي شيء يغتسل من جنابته ؟! بأي شيء يقوم لحاجته ؟!
فرده إِلى السجن أياما ، ثم أخرجه فاستشار أصحابه، فقالوا: مثل قولهم
الأول ، وقال لهم: مثل ماقال أولاً ، فجلده جلداً شديداً، ثم أرسله))
رواه سعيد . وعنه : تقطع يده اليسرى فإن عاد فسرق رابعة قطعت رجله
اليمنى . وهو قول: مالك والشافعي وابن المنذر . قاله في الشرح،
لحديث أبي هريرة مرفوعاً)) من سرق فاقطعوا يده ، ثم إِن سرق فاقطعوا
رجله)) ((ولأن أبا بكر وعمر قطعا اليد اليسرى في المرة الثالثة)) قاله
في الكافي .
( ويجتمع القطع والضمان) نص عليه ، لأنهما حقان لمستحقين فجاز
اجتماعهما ، كالدية والكفارة في قتل الخطأ .
( فيرد ما أخذ لمالكه ) إِن كان باقياً ، لأنه عين ماله، وإن كان تالفاً فعليه
ضمانه ، لأنه مال آدمي تلف تحت يد عادية فوجب ضمانه .
(١) المائدة من الآية / ٣٣ .
- ٣٩٢ -

( ويعيد ما خرب من الحرز )لأنه متعد .
( وعليه أجرة القاطع وثمن الزيت ) لأن القطع حق وجب عليه الخروج
منه ، فكانت مؤنته عليه كسائر الحقوق ، ولأن الحسم حفظ لنفسه عن
التلف . وقال في الكافي وغيره : ثمن الزيت ، وأجرة القاطع من بيت
المال ، لأنهما من المصالح العامة .
باب حَقطَّاع الطَّريق
( وهم : المكلفون الملتزمون ) من المسلمين وأهل الذمة ، وينقض به
عهدهم .
( الذين يخرجون على الناس ، فيأخذون أموالهم مجاهرة ) فإِن أخذوا
مختفين فسراق ، وإن اختطفوا وهربوا فمنتهبون لا قطع عليهم ، لأن عادة
قطاع الطريق القهر ، فاعتبر ذلك فيهم .
( ويعتبر ثبوته ببينة ، أو إقرار مرتين ) كالسرقة .
( والحرز) بأن يأخذه من يد مستحقه ، وهو بالقافلة .
( والنصاب ) قياساً على القطع في السرقة .
( ولهم أربعة أحكام : )
(١ - إِن قتلوا ولم يأخذوا مالاً: حتم قتلهم جميعاً) وحكم الردء
كالمباشر . وبه قال مالك .
(٢ - إِن قتلوا وأخذوا مالاً: حتم قتلهم وصلبهم حتى يشتهروا)
ليرتدع غيرهم، ثم يغسلوا ، ويكفنوا ، ويصلى عليهم ، ويدفنوا.
- ٣٩٣ -

(٣ - إن أخذوا مالاً، ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف
حتماً ) لوجوبه لحق الله تعالى
( في آن واحد) فلاينتظر بقطع أحدهما اندمال الآخر، لأنه تعالى أمر
بقطعهما ، والأمر للفور ، فتقطع يده اليمنى ، ورجله اليسرى ، لقوله
( ... مِنْ خِلافٍ ... )(١)
( ٤ - إن أخافوا الناس، ولم يأخذوا مالاً : نفوا من الأرض، فلا يتركون
يأوون إلى بلد حتى تظهر توبتهم ) لقوله تعالى ( إِنَّمَا جَزَاءُ أُلَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقْتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا
أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْنْقَوْا مِنَ الْأَرْضِ )
الآية(١) قال ابن عباس، وأكثر المفسرين ((نزلت في قطاع الطريق
من المسلمين)) قال في الشرح: وحكي عن ابن عمر (( أنها نزلت في
المرتدين)) وقال أنس (( نزلت في العرنيين الذين استاقوا إِبل الصدقة ،
وارتدوا)) ولنا قوله تعالى ( ... إِلَّ الَّينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا
عَلَيْهِمْ ... )(٢) والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم . انتهى . وروى
الشافعي بإسناده عن ابن عباس ((إِذا قتلوا، وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا،
وإِذا قتلوا ، ولم يأخذوا المال: قتلوا ، ولم يصلبوا، وإِذا أخذوا المال ،
ولم يقتلوا : قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ،
ولم يأخذوا مالاً: نفوا من الأرض )» وروي نحوه مرفوعاً . وروى أبو
داود بإسناده عن ابن عباس قال (( وادع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم،
(١) المائدة من الآية / ٣٣.
(٢) المائدة من الآية / ٣٤.
- ٣٩٤ -

أبا برزة الأسلمي ، فجاء ناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحابه ،
فنزل جبريل ، عليه السلام ، بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال : قتل
وصلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال : قتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل :
قطعت يده ورجله من خلاف )) وعلم منه أن : أو ، في الآية ليست
للتخيير ، ولا للشك بل للتنويع . وتنفى الجماعة متفرقة كل إلى جهة ،
لئلا يجتمعوا على المحاربة ثانياً. وعنه: النفي: التعزير بما يردع . وقيل:
الحبس في غير بلدهم . وقال ابن عباس ((نفيهم إِذا هربوا : أن يطلبوا
حتى يؤخذوا فتقام عليهم الحدود )) ولأن تشريدهم يفضي إلى إغرائهم
بقطع الطريق .
( ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى )
من نفي ، وقطع يد، ورجل وتحتم قتل ، وصلب ، لقوله تعالى ( .. إِلاّ
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلٍ أَنْ نَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٍ)(١)
( وأخذ بحقوق الآدميين ) من نفس وطرف ومال ، إِلا أن يعفى له عنها
من مستحقها ، لأنه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة ، كالضمان .
فصل
( ومن أريد بأذى في نفسه ، أو ماله ، أو حريمه فله دفعه بالأسهل
فالأسهل ) فإِن اندفع بالأسهل حرم الأصعب ، لعدم الحاجة إليه .
( فإن لم يندفع إِلا بالقتل قتله ولا شيء عليه) وإِن قتل كان شهيداً ،
لحديث أبي هريرة ((جاء رجل ، فقال: يا رسول الله: أرأيت إن جاء رجل
(١) المائدة من الآية / ٣٤.
- ٣٩٥ -

يريد أخذ مالي ؟ قال: فلا تعطه ، قال: أرأيت إِن قاتلني ؟ قال : قاتله ،
قال : أرأيت إِن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد ، قال: أرأيت إن قتلته ? قال :
هو في النار)) رواه أحمد ومسلم . وفي لفظ لأحمد (( أنه قال له أولاً:
أنشده الله، قال: فإن أبى؟ قال: قاتله)) وعن ابن عمر مرفوعاً ((من
أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد )) رواه الخلال بإسناده . وهل
يلزمه الدفع : على روايتين . قال ابن سيرين : ما أعلم أحداً ترك قتال
الحرورية واللصوص تأثماً إلا أن يجبن . ذكره في الشرح .
( ویجب أن یدفع عن حریمه ) کأمه وأخته وزوجته ونحوهن إِذا
أريدت بفاحشة أو قتل . نص عليه ، لأنه يؤدي بذلك حق الله من الكف
عن الفاحشة والعدوان ، وحق نفسه بالمنع عن أهله ، فلا يسعه إضاعة
الحقين .
(وحريم غيره ) لئلا تذهب الأنفس ، وتستباح الحرم، ويسقط وجوب
الدفع بإياسه من فائدته . وكره أحمد الخروج إلى صيحة ليلاً ، لأنه
لا يدري ما يكون . وظاهر كلام الأصحاب خلافه، وهو أظهر . قاله
في الفروع، لقول أنس (( فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق أناس قبل
الصوت ، فتلقاهم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، راجعاً وقد سبقهم إِلى
الصوت ، وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف ، وهو يقول :
لم تراعوا، لم تراعوا)) (١) متفق عليه.
( وكذا في غير الفتنة عن نفسه) لقوله تعالى ( ... وَلا تَلْقُوا بِأَيْدِيَكُم.
إلى اُلْتَّهْلُكَةِ ) (٣) فكما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إِباحة قتلها.
(١) الروع : الفزع .
(٢) البقرة من الآية / ١٩٥ .
- ٣٩٦ -

(ونفس غيره وماله ) لأنه لا يتحقق منه إيثار الشهادة ، وكإحيائه
ببذل طعامه . ذكره القاضي ، وغيره . وأطلق الشيخ تقي الدين لزومه
عن مال غيره ، وقال في جند قاتلوا عرباً نهبوا أموال تجار ليردوه إليهم :
هم مجاهدون في سبيل الله ، ولا ضمان عليهم بقود ، ولا دية، ولا كفارة.
ذكره في الفروع . وقال في المغني والشرح : لغيره معونته بالدفع ،
لقوله ، صلى الله عليه وسلم (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) وقد روى
أحمد وغيره (( النهي عن خذلان المسلم ، والأمر بنصر المظلوم)» فإن كان
ثم فتنة لم يجب الدفع عن نفسه ، ولا نفس غيره ، لقصة عثمان ، رضي
الله عنه . ولما روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال في الفتنة
(( اجلس في بيتك، فإِن خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك))
وفي لفظ (( فكن كخير ابني آدم)) وفي لفظ (( فكن عبد الله المقتول ،
ولا تكن عبد الله القاتل )) .
( لا مال نفسه ) أي : لا يجب عليه أن يدفع عن ماله ، وله بذله لمن
أراده منه ظلماً . وذكر القاضي أنه أفضل من الدفع عنه . قال أحمد
في رواية حنبل : أرى دفعه إِليه ، ولا يأتي على نفسه ، لأنها لا عوض
لها .
( ولا يلزمه حفظه من الضياع والهلاك ) ذكره القاضي وغيره .
-- ٣٩٧ -

بَابُ قَال البغَاة
( وهم : الخارجون على الإمام بتأويل سائغ ، ولهم شوكة ) ولو لم يكن
فيهم مطاع . سموا بغاة ، لعدولهم عن الحق ، وما عليه أئمة المسلمين .
والأصل في قتالهم قوله تعالى ( ... فَقَاتِلُوا أُلَّي تَبْغِي حَتّى تَفَىَ إِلى أَمْرِ
اللهِ .. )(١) وحديث (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن
يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم فاقتلوه)) رواه أحمد ومسلم . وعن
ابن عباس مرفوعاً (( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه ، فإِنه
من فارق الجماعة شبراً فمينته جاهلية )) متفق عليه ((وقاتل علي ، رضي
الله عنه ، أهل النهروان فلم ينكره أحد)).
( فإن اختل شرط من ذلك ) بأن لم يخرجوا على إِمام ، أو خرجوا
عليه بلا تأويل أو بتأويل غير سائغ ، أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكة لهم :
( فقطاع طريق ) وتقدم حكمهم .
( ونصب الإمام فرض كفاية ) لحاجة الناس لذلك ، لحماية البيضة ،
والذب عن الحوزة ، وإقامة الحدود ، واستيفاء الحقوق ، والأمر
بالمعروف ، والنهي عن المنكر . وقال الشيخ نفي الدين (( قد أوجب
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض
في السفر)) وهو: تنبيه على أنواع الاجتماع. انتهى . وكل من ثبتت
(١) الحجرات من الآية / ٩ .
- ٣٩٨ -

إمامته حرم الخروج عليه وقتاله ، سواء ثبتت بإجماع المسلمين عليه :
كإِمامة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، أو بعهد الإمام الذي قبله إليه:
كعهد أبي بكر إلى عمر ، رضي الله عنهما ، أو باجتهاد أهل الحل والعقد
(( لأن عمر جعل أمر الإمامة شورى بين ستة من الصحابة فوقع الاتفاق
على عثمان ، رضي الله عنه )) أو بقهره للناس حتى أذعنوا له ، ودعوه
إِماماً : كعبد الملك بن مروان لما خرج على ابن الزبير فقتله ، واستولى
على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعاً وكرهاً ، ودعوه إِماماً . ولأن في
الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر شق عصا المسلمين ، وإِراقة دمائهم،
وإِذهاب أموالهم . قال أحمد في رواية العطار: ومن غلب عليهم بالسيف
حتى صار خليفة ، وسمي أمير المؤمنين : فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن
يبيت ، ولا يراه إِماماً براً كان أو فاجراً . وقال في الغاية: ويتجه :
لا يجوز تعدد الإمام ، وأنه لو تغلب كل سلطان على ناحية كزماننا
فحكمه كالإمام .
( ويعتبر كونه قرشياً ) لقول المهاجرين للأنصار إِن العرب لا تدين
إلا لهذا الحي من قريش . وقال أحمد في رواية مهنا : لا يكون من غير
قريش خليفة .
( بالغاً عاقلاً سميعاً بصيراً ناطقاً حراً ذكراً عدلاً عالماً ذا بصيرة كافئاً
ابتداء ودواماً ) لاحتياجه إلى ذلك في أمره ونهيه ، وحربه وسياسته ،
وإقامة الحدود ونحو ذلك . ولأن العبد منقوص برقه مشغول بحقوق
سيده . وقوله ، صلى الله عليه وسلم ، في حديث العرباض وغيره
- (( والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد .. )) الحديث - محمول
- ٣٩٩ -

على نحو أمير سرية . والمرأة ليست من أهل الولاية ، وفي الحديث
( ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) رواه البخاري .
( ولا ينعزل بفسقه ) لما في ذلك من المفسدة ، بخلاف القاضي ،
ولحديث ((إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)).
( وتلزمه مراسلة البغاة ، وإزالة شبههم ، وما يدعون من المظالم )
لأن ذلك وسيلة إِلى الصلح المأمور به ، والرجوع إلى الحق . ولأن
علياً، رضي الله عنه ((راسل أهل البصرة يوم الجمل قبل الوقعة ، وأمر
أصحابه أن لا يبدأوهم بقتال ، وقال : إِن هذا يوم من فلج فيه فلج يوم
القيامة)) (١) وروى عبد الله بن شداد ((أن علياً، رضي الله عنه ، لما
اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة
أيام ، فرجع منهم أربعة آلاف )).
( فإن رجعوا وإلا لزمه قتالهم ) لقوله تعالى ( فَقَاتِلوا اُلْتِي تَبَغِي حَتى
تَغَىءَ إِلى أَمْرِ اُللهِ ) (٢)
(ويجب على رعيته معونته ) للآية ، ولأن الصحابة قاتلوا مانعي
الزكاة ((وقاتل علي ، رضي الله عنه ، أهل البصرة يوم الجمل ، وأهل
الشام بصفين)) وإِذا حضر من لم يقاتل لم يجز قتله (( لأن علياً ، رضي
الله عنه، قال: إِياكم وصاحب البرنس)) يعني: محمد بن طلحة السجاد،
وكان حضر طاعة لأبيه ، ولم يقاتل . ولأن القصد كفهم ، وهذا قد كف
نفسه . قاله في الكافي .
(١) فلج على خصمه : غلبه .
(٢) الحجرات من الآية / ٩
- ٤٠٠ -