Indexed OCR Text
Pages 121-140
( بنجمين فصاعداً ) أي : أكثر من نجمين ، في قول أبي بكر ، وظاهر كلام الخرقي ، لأن علياً ، رضي الله عنه، قال (( الكتابة على نجمين، وإِلا يتأمن الثاني)) وقال ابن أبي موسى : يجوز جعل المال كله في نجم واحد ، لأنه عقد شرط فيه التأجيل ، فجاز على نجم واحد كالسلم . قاله في الكافي . ( يعلم قدر كل نجم ) بما عقد عليه من دراهم أو دنانير أو غيرهما . ( ومدته) لئلا يؤدي جهله إلى التنازع . ولا يشترط تساوي الأنجم ، فلو جعل نجم شهر أو آخر سنة ، أو جعل قسط أحدهما مائة والآخر خمسين جاز ، لأن القصد العلم بقدر الأجل وقسطه ، وقدحصل بذلك . ( ولا يشترط ) للكتابة ( أجل له وقع في القدرة على الكسب ) فيه ، فيصح توقيت النجمين بساعتين في ظاهر كلام كثير من الأصحاب ، ولكن العرف ، والعادة ، والمعنى : أنه لا يصح ، قياساً على السلم ، لكن السلم أضيق . قاله في تصحيح الفروع ، وجزم في الإقناع بعدم الصحة ، قال : وصوبه في الإنصاف . ( فإن فقد شيء من هذا ففاسدة ) ويأتي حكمها . ( والكتابة في الصحة والمرض من رأس المال ) لأنها معاوضة كالبيع، والإِجارة . قدمه في الإقناع ، واختار الموفق ، وجمع أنها في المرض المخوف من الثلث . ( ولا تصح إلا بالقول ) لأن المعاطاة لا تمكن فيها صريحاً . - ١٢١ - ( من جائز التصرف ) كالبيع . ( لکن او کوتب المیز صح ) لأنه یصح تصرفه وبیعه بإذن سیده ، فصحت كتابته كالمكلف . وإيجاب سيده الكتابة له إذن له في قبولها . ( ومتى أدى المكاتب ما عليه لسيده ) فقبضه منه سیده أو وليه ، إِن كان محجوراً عليه عتق ، لمفهوم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (( المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) رواه أبو داود . فدل بمفهومه على أنه إذا أدى جميع كتابته لا يبقى عبداً ، ( أو ابراه منه عتق ) لأنه لم يبق عليه شيء منها . ( وما فضل بيده ) بعد أدائه ما عليه من مال الكتابة ( فله ) أي : المكاتب ، لأنه كان له قبل عتقه ، فبقي على ما كان . ( وإن أعتقه سيده وعليه شيء من مال الكتابة ) كان جميع ما معه لسيده ، لأنه عتق بغير الأداء . وتقدم الخبر فيه . ( أو مات قبل وفائها كان جميع ما معه لسيده ) نص عليه ، لأنه مات وهو عبد ، كما لو لم يخلف وفاء . ( ولو أخذ السيد حقه ظاهراً ) أي : عملاً بالظاهر في كون ما بيد الإنسان ملكه ، ( ثم قال : هو حر، ثم بان العوض مستحقاً ) أي : مغصوباً ونحوه . ( لم يعتق ) لفساد القبض . وإِنما قال: هو حر، اعتماداً على صحة القبض . - ١٢٢ - فصل ( ويملك المكاتب كسبه ، ونفعه ، وكل تصرف يصلح ماله : كالبيع والشراء والإِجارة والاستدانة ) لأن الكتابة وضعت لتحصيل العتق ، ولا يحصل العتق إِلا بالأداء، ولا يمكنه الأداء إلا بالتكسب، وهذه أقوى أسبابه . وفي بعض الآثار : تسعة أعشار الرزق في التجارة . ولأنه لما ملك الشراء بالنقد ملكه بالنسيئة ، وتتعلق استدانته بذمته ، يتبع بها بعد عتقه ، لأن ذمته قابلة للاشتغال ، ولأنه في يد نفسه ، وليس من سيده غرور ، بخلاف العبد المأذون . ( والنفقة على نفسه ) لأن هذا من أهم مصالحه . ( ومملوكه ) وزوجته وولده التابع له في كتابته من كسبه ، لأن فيه مصلحة . ( لكن ملكه غير تام ) لأنه في حكم المعسر . ( فلا يملك أن یکفر بمال ، أو يسافر لجهاد ، أو يتزوج ، أو يتسرى ، أو يتبرع أو يقرض ، أو يجابي ، أو يرهن ، أو يضارب أو يبيع مؤجلاً ، او یزوج رقیقه أو یحدە أو یکانبه ، إلا بإذن سيده ) في الكل ، لأن حق سيده لم ينقطع عنه ، لأنه ربما عجز فعاد إليه كل ما في ملكه . فإِن أذن له السيد في شيء من ذلك جاز ، لأن المنع لحقه ، فإذا أذن زال المانع . (والولاء ) على من أعتقه المكاتب، أو كاتبه بإذن سيده فأدى ماعليه. - ١٢٣ - (للسيد ) لأن المكاتب كوكيله في ذلك . ( وولد المكاتبة إذا وضعته بعدها) أي : بعد كتابتها . ( يتبعها في العتق بالأداء أو الإبراء لا بإعتاقها ) بدون أداء أو إِبراء ، كما لو لم تكن مكاتبة . ( ولا إِن ماتت) قبل الأداء والإبراء ، لبطلان الكتابة بموتها . (ويصح شرط وطء مكانبته ) نص عليه ، لبقاء أصل الملك ، ولأن بضعها من جملة منافعها ، فإذا استثنى نفعه صح ، كما لو استثنى منفعة أخرى . ( فإن وطئها بلا شرط عزر ) إِن علم التحريم ، لفعله ما لا يجوز له ، ولا حد عليه لأنها مملوكته . ( ولزمه المهر ولو مطاوعة ) لأنه وطء شبهة ، ولأنه عوض منفعتها ، فوجب لها ، ولأن عدم منعها من الوطء ليس إِذناً فيه . ولهذا لو رأى مالك مال من يتلفه ، فلم يمنعه ، لم يسقط عنه ضمانه . (وتصير إن ولدت أم ولد ) لأنها أمته ما بقي عليها درهم . ( ثم إن أدت عتقت ) وكسبها لها . ( وإلا فبموته ) بكونها أم ولد ، وما بيدها لورثته ، كما لو أعتقها قبل موته . (ويصح نقل الملك في المكاتب ) ذكراً كان أو أنثى ، لقول بريرة لعائشة ((إِني كاتبت أهلي على تسع أواق ، في كل عام أوقية ، فأعينيني على كتابتي . فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لعائشة: اشتريها)) - ١٢٤ - متفق عليه . وليس في القصة ما يدل على أنها عجزت ، بل استعانتها بها دليل بقاء كتابتها . وتقاس الهبة والوصية ونحوهما على البيع . ( ولمشتر جهل الكتابة الرد أو الأرش ) لأنها عيب في الرقيق ، لنقص قيمته بملكه نفعه وكسبه . ( وهو كالبائع في أنه إذا أدى ما عليه يعتق ) للزوم الكتابة . فلا تنفسخ بنقل الملك فيه . ( وله الولاء) إذا أدى إليه ، وعنق لعتقه عليه في ملكه . ويعود قناً بعجزه عن الأداء ، لقيامه مقام البائع . (ويصح وقفه ، فإذا أدى بطل الوقف ) لأن الكتابة لا تبطل به . فصل (والكتابة عقد لازم من الطرفين ) لأنها بيع ، ( لا يدخلها خيار مطلقاً ) لأن القصد منها تحصيل العتق ، فكأن السيد علق عتق المكاتب على أداء مال الكتابة ، ولأن الخيار شرع لاستدراك ما يحصل للعاقدين من الغبن ، والسيد والمكاتب دخلا فيه راضيين بالغبن . ( ولا تنفسخ بموت السيد وجنونه ، ولا بحجر عليه ) لسفه أو فلس كبقية العقود اللازمة . ( ويعتق بالأداء إِلى من يقوم مقامه ) أي : السيد من وليه ووكيله ، أو الحاكم مع غيبة سيده، أو إِلى وارثه إِن مات . والولاء للسيد لا للوارث ، كما لو وصى بما عليه لشخص فأدى إليه . - ١٢٥ - (وإذا حل نجم، فلم يؤده ، فلسيده الفسخ ) كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع قبل قبضه . ( ويلزم إنظاره ثلاثاً) إِن استنظره . ( لبيع عرض، ولمال غائب دون مسافة قصر يرجو قدومه) قصداً لحظ المكاتب والرفق به ، مع عدم الإضرار بالسيد. ( ويجب على السيد أن يدفع للمكاتب ربع مال الكتابة ) لقوله تعالى (وَآتَوُمْ مِنْ مالِ اللهِ اُلَّي آتَاكُمْ)(١) وظاهر الأمر الوجوب. وروى أبو بكر بإسناده عن علي مرفوعاً في قوله تعالى ( وَآتَوُهُمْ مِنْ مالٍ اُللهِ اُلَّي آتَاكُمْ ) (١) قال ((ربع الكتابة)) وروي موقوفاً على علي، رضي الله عنه ، وقال علي ((الكتابة على نجمين والإِيتاء من الثاني )) ويخير السيد بين وضعه عنه ودفعه إليه لأن الله نص على الدفع إليه ، فنبه به على الوضع لكونه أنفع . فإن مات السيد بعد العتق وقبل الإيتاء فذلك دين في تركته يحاص به الغرماء ، لأنه حق لآدمي فلم يسقط بالموت كسائر حقوقه . ( وللسيد الفسخ بعجزه عن ربعها ) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (( أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها، إِلا عشر أوقيات فهو رقيق)) رواه الخمسة إلا النسائي. وفي لفظ ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) رواه أبو داود . وروى الأثرم عن عمر وابنه وعائشة وزيد بن ثابت أنهم قالوا (( المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) ولأن الكتابة عوض عن المكاتب ، فلا يعتق قبل أداء جميعها . ويحمل (١) النور من الآية / ٣٣. - ١٢٦ - حديث أم سلمة مرفوعاً (( إِذا كان لإحداكن مكاتب ، وكان عند« ما يؤدي ، فلتحتجب منه )) صححه الترمذي على الندب ، جمعاً بينه وبين ما روى سعيد عن أبي قلابة قال (( كن أزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم، لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار)). ( وللمكاتب ولو قادراً على التكسب تعجيز نفسه ) بترك التكسب ، لأن دين الكتابة غير مستقر عليه ، ومعظم القصد بالكتابة تخليصه من الرق ، فإِذا لم يرد ذلك لم يجبر عليه . فإن ملك ما يوفي كتابته ، لم يملك تعجيز نفسه ، لتمكنه من الأداء ، وهو سبب الحرية التي هي حق لله عز وجل ، فلا يملك إبطالها مع حصول سببها بلا كلفة ، ويجبر على الأداء ليعتق به . (ويصح فسخ الكتابة باتفاقهما ) فيصح أن يتقايلا أحكامها قياساً على البيع . قاله في الكافي . وفي الفروع يتوجه أن لا يجوز لحق الله تعالى . فصل ( وإن اختلفا في الكتابة فقول المنكر ) بيمينه لأن الأصل عدمها . ( وفي قدر عوضها أو جنسه أو أجلها أو وفاء مالها ، فقول السيد ) بيمينه - نص عليه - أشبه ما لو اختلفا في أصلها ، ولأن الأصل ملك السيد للعبد وكسبه ، فإذا حلف السيد ثبتت الكتابة بما حلف عليه . ( والکتابة الفاسدة - ک : علی خمر ، أو خنزير ، أو مجهول - يغلب فيها حكم الصفة في أنه إذا أدى ) ما سمي فيها . - ١٢٧ - (عتق ) لأن الكتابة جمعت معاوضة وصفة ، فإِذا بطلت المعاوضة ، بقيت الصفة ، فعتق بها . قاله في الكافي . وسواء صرح بالصفة بأن قال : إِذا أديت إلي ذلك فأنت حر ، أولا ، لأنه مقتضى الكتابة ، فهو كالمصرح به ، وكالكتابة الصحيحة ، وإِذا عتق بالأداء لم يلزمه قيمة نفسه ، ولم يرجع على سيده بما أعطاه ، لأنه عتق بالصفة ، وما أخذه السيد منه فهو من كسب عبده . ( لا إِن أبرىء) العبد من العوض الفاسد ، فإنه لا يعتق لعدم صحة البراءة ، لأن الفاسد لا يثبت في الذمة . ( ولكل فسخها ) لأنها عقد جائز ، لأن الفاسد لا يلزم حكمه ، وسواء كان فيه صفة أو لم يكن ، لأن المقصود المعاوضة ، فصارت الصفة مبنية عليها ، بخلاف الصفة المجردة . ويملك المكاتب في الفاسدة التصرف في كسبه وأخذ الزكاة والصدقات كالصحيحة ، ولا يلزم السيد في الفاسدة أداء ربعها ولا شيء منها ، لأن العتق هنا بالصفة ، أشبه ما لو قال : إِذا أديت إلي فأنت حر . ( وتنفسخ بموت السيد وجنونه والحجر عليه ) لسفه لأنها عقد جائز من الطرفين ، فلا يؤول إِلى اللزوم ، وأيضاً فالمغلب فيها حكم الصفة المجردة ، وهي تبطل بالموت . - ٠١٢٨ -- يَابُ أَحْكَام أم الولد الأحكام : جمع حكم ، وهو : خطاب الله تعالى المفيد فائدة شرعية. ويجوز التسري بالإِجماع ، لقوله تعالى (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(١) وفعله عليه الصلاة والسلام . (وهي : من ولدت من المالك ما فيه صورة، ولو خفية ) فلا تصير أم ولد بوضع نطفة أو علقة لا تخطيط فيها ، لأنه ليس بولد . ( وتعتق ) أم الولد ( بموته) أي : سيدها . ( ولو لم يملك غيرها) لحديث ابن عباس مرفوعاً (( من وطىء أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه )) رواه أحمد وابن ماجه . وعنه أيضاً: قال (( ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال: أعتقها ولدها )) رواه ابن ماجه، والدارقطني. ولأنه إتلاف حصل بسبب الاستمتاع ، فحسب من رأس المال ، کإتلاف ما يأكله . ( ومن ملك حاملاً فوطئها ) قبل وضعها ( حرم بيع ذلك الولد ) ولم يصح ، ويلزمه عتقه . نص عليه في رواية صالح وغيره ، لأنه قد شرك فيه ، لأن الماء يزيد في الولد . وقد قال عمر (( أبعد ما اختلطت دماؤكم ودماؤهن ، ولحومكم ولحومهن (١) النساء من الآية / ٣. - ١٢٩ - ت (٩) بعتموهن؟!)) فعلل بالاختلاط وقد وجد . قال الشيخ تقي الدين : ويحكم بإسلامه ، وأنه يسري كالعتق ، أي : ولو كانت كافرة حاملاً من كافر ، فيحكم بإسلام الحمل ، لأن المسلم شرك فيه ، فيسري إِلى باقيه . ( ومن قال لأمته : أنت أم ولدي ، أو : يدك أم ولدي، صارت أم ولد) لأن إقراره بأن جزءاً منها مستولد يلزمه الإقرار . باستيلادها ، كفوله : يدك حرة . ( وكذا لو قال لابنها: أنت ابني ، أو : يدك ابني ، ويثبت النسب ) بهذا الإقرار . ( فإن مات ولم يبين هل حملت به في ملكه ، أو غيره لم تصر أم ولد إلا بقرينة ) كما لو كان ملكها صغيرة . ( ولا يبطل إِيلاد بحال ولو بقتلها لسيدها) لعموم ما تقدم . ويملك الرجل استخدام أم ولده ، وإِجارتها ووطأها، وتزويجها . وحكمها حكم الأمة في صلاتها وغيرها ، لأنها باقية على ملكه ، إِنما تعتق بعد الموت لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم (( فهي معتقة عن دبر منه)) وقوله : (( معتقة من بعده)) فدل على أنها قبل ذلك باقية في الرق . ولا يملك بيعها ، ولا هبتها ، ولا الوصية بها ووقفها ، لحديث ابن عمر مرفوعاً ( نهى عن بيع أمهات الأولاد ، وقال : لا يبعن ، ولا يوهبن ، ولا يورثن، يستمتع منها السيد مادام حياً ، فإذا مات فهي حرة )) رواه الدارقطني ، ورواه مالك في الموطأ ، والدارقطني من طريق آخر عن ابن عمر عن عمر موقوفاً . ويروى منع بيع أمهات الأولاد عن عمر وعثمان وعائشة . - ١٣٠ - قال في الفروع : وحكى ابن عبد البر وأبو حامد الإسفرائيني وأبو الوليد الباجي وابن بطال والبغوي : الإجماع على أنه لا يجوز. انتهى. وقال ابن عقيل : يجوز البيع ، لأنه قول علي وغيره ، وإجماع التابعين لا يرفعه ، وبه قال: ابن عباس وابن الزبير . وأما حديث جابر «بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعهد أبي بكر ، فلما كان عمر نهانا فانتهينا)) رواه أبو داود . فليس فيه تصريح بأنه كان بعلمه عليه الصلاة والسلام ، وعلم أبي بكر ، وإلا لم تجز مخالفته، ولم تجمع الصحابة بعد على مخالفنهما . قال في المنتقى : قال بعض العلماء : إِنما وجه هذا أن يكون في ذلك مباحاً ، ثم نهي عنه ، ولم يظهر النهي لمن باعها ، ولا علم أبو بكر بمن باع في زمانه ، لقصر مدته واشتغاله بأهم أمور الدين . ثم ظهر ذلك زمن عمر ، فأظهر النهي والمنع . وهذا مثل حديث جابر أيضاً في المتعة ، لا متناع النسخ بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم . انتهى . وقد جاء ما يدل على موافقة علي ، رضي الله عنه ، على المنع ، فروى سعيد بإسناده عن عبيدة قال (( خطب علي ، رضي الله عنه ، الناس ، فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد ، فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن ، فقضى به عمر حياته ، وعثمان حياته ، فلما وليت رأيت أن أرقهن )) قال عبيدة : فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي وحده . وروي عنه أنه قال ((بعث علي إِليَّ وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإِني أكره الاختلاف)) ذكره في الكافي . (وولدها الحادث بعد إبلادها كهي ) فيجوز فيه من التصرفات ما يجوز فيها ، ويمتنع فيه ما يمتنع فيها ، سواء عتقت بموت سيدها أو - ١٣١ - ماتت قبله ، لأن الولد يتبع أمه حرية ورقاً . قال أحمد : قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما ((ولدها بمنزلتها)). ( لكن لا يعتق بإعتاقها ) لأنها عتقت بغير السبب الذي تبعها فيه ، فبقي عتقه موقوفاً علی موت سيده ، ( أو موتها قبل السيد ، بل بموته ) لما تقدم . (وإن مات سيدها وهي حامل، فنفقتها مدة حملها من ماله) أي : نصيب الحمل الذي وقف له لملكه له . ( وإلا فعلى وارثه) أي: وارث الحمل، لقوله تعالى (وَعَلى الْوارِث مِثْلُ ذْلِكَ )(١) (وكلما جنت أم الولد لزم السيد فداؤها بالأقل من الأرش أو يوم الفداء) لأنها مملوكة له ، يملك كسبها أشبهت القن . قال في الشرح: وينبغي أن تجب قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد ، لأن ذلك ينقصها ، فاعتبر كالمرض ، وغيره من العيوب . انتهى . ( وإن اجتمعت أروش قبل إعطاء شيء منها ، تعلق الجميع برقبتها ، ولم يكن على السيد إلا الأقل من أرش الجميع أو قيمتها ) يشترك فيها أرباب الجنايات ، ( ويتحاصون بقدر حقوقهم) إِن لم تف بجميعها ، لأن السيد لا يلزمه أكثر منه ، كالجنايات على شخص واحد . (وإن أسلمت أم ولد لكافر منع من غشيانها، وحيل بينه وبينها ) (١) البقرة من الآية / ٢٣٣. - ١٣٢ - ١ لتحريمها عليه بالإِسلام ، ولا تعتق به ، بل يبقى ملكه عليها على ما كان قبل إِسلامها ، ( وأجبر على نفقتها إن عدم كسبها ) لأن نفقة المملوك على سيده ، فإِن كان لها كسب فنفقتها فيه ، لئلا يبقى له ولاية عليها بأخذ كسبها والإنفاق عليها مما شاء . ( فإن أسلم حلت له ) لزوال المانع وهو الكفر . ( وإن مات كافراً عتقت ) بموته لعموم الأخبار . - ١٣٣ - - كتاب النّكاح ( يسن لذي شهوة لا يخاف الزنى ) لقوله تعالى (فَأُنْكحوا ماطابَ لَكُمْ مِنْ النِّساءِ .. ) الآية(١) وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَّيلِى مِنْكُمْ وَاْلصّالِنَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ... ) (٢) وقال النبي، صلى الله عليه وسلم (( يا معشر الشباب : من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )) رواه الجماعة من حديث ابن مسعود . وقال النبي ، صلى الله عليه وسلم (( إِني أتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) متفق عليه . وقال ابن عباس لسعيد بن جبير ((تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء)) رواه أحمد والبخاري . ( ويجب على من يخافه ) أي : يخاف الزنى بتركه من رجل أو امرأة، فى قول عامة الفقهاء . قاله في الشرح ، لأنه طريق إِعفاف نفسه ، وصونها عن الحرام . ( ويباح لمن لا شهوة له ) كالعنين ، والكبير ، لعدم منع الشرع منه . (ويحرم بدار الحرب ، لغير ضرورة) نص عليه في رواية الأثرم وغيره، (١) النساء من الآية / ٣٣. (٢) النور من الآية / ٣٢. - ١٣٤ - قال : من أجل الولد لئلا يستعبد ، فإِن اضطر أبيح له نكاح مسلمة وليعزل عنها ، ولا يتزوج منهم . وأما الأسير ، فظاهر كلام أحمد لا يحل له التزوج مادام أسيراً . قاله في المغني في آخر الجهاد . (ويسن نكاح ذات الدين ) لحديث أبي هريرة مرفوعاً ((تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين ، تربت يداك)) متفق عليه . ولمسلم معناه من حديث جابر. (الولود) لحديث أنس مرفوعاً ((تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة )) رواه سعيد . ( البكر ) لقوله ، صلى الله عليه وسلم، لجابر ((فهلا بكراً، تلاعبها وتلاعبك )) متفق عليه . (الحسيبة ) ليكون ولدها نجيباً من بيت معروف بالدين والصلاح. (الأجنبية) فإن ولدها يكون أنجب، ولأنه لا يؤمن الطلاق، فيفضي مع القرابة إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها . الجميلة ، لأنه أسكن لنفسه ، وأغض لبصره ، وأكمل لمودته . وعن أبي هريرة قال (( قيل : يارسول الله: أي النساء خير ؟ قال: التي تسره إذا نظر ، وتطيعه إذا أمر ، ولا تخالفه في نفسها ، ولا في ماله بما يكره)) رواه أحمد والنسائي . ( ويجب غض البصر عن كل ما حرم الله تعالى) لقوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغْضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ... ) الآية (٣) وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه (٠٠٠ والعينان زناهما النظر .. )) الحديث (٣) النور من الآية / ٣٠. - ١٣٥ - متفق عليه . وعن جرير قال ((سألت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن نظر الفجاءة ، فقال : اصرف بصرك)) رواه أحمد ومسلم وأبو داود . قال في الفروع : وليحذر العاقل إطلاق البصر ، فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه ، وربما وقع من ذلك العشق ، فيهلك البدن والدين ، فمن ابتلي بشيء من ذلك فليفكر في عيوب النساء. قال ابن مسعود (( إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها)) وما عيب نساء الدنيا بأعجب من قوله تعالى ( ... وَهُمْ فيها أَزْواجٌ مُطَهَّةٌ ... ) (١) انتهى. ( فلا ينظر إلا ما ورد الشرع بجوازه) ويأتي . ( والنظر ثمانية أقسام : ) ( الأول : نظر الرجل البالغ ، ولو مجبوباً قال الأثرم: استعظم الإمام أحمد إدخال الخصيان على النساء . ( الحرة البالغة الأجنبية ، لغير حاجة ، فلا يجوز نظر شيء منها ، حتى شعرها المتصل) لما تقدم . وقيل : إِلا الوجه والكفين . وهذا مذهب الشافعي ، لقوله تعالى ( ... إِلّ ما ظَهَرَ مِنْها .. ) (٢) قال ابن عباس: الوجه والكفين . (الثاني : نظره لمن لا تشتهى : كعجوز، وقبيحة، فيجوز لوجهها خاصة) لقوله تعالى ( وَأَلْقَوَاعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّتي لايَرْجونَ نِكَاحاً .. ) الآية(٣) والقبيحة في معناها . (١) النساء من الآية / ٥٦ . (٢) النور من الآية / ٣١. (٣) النور من الآية / ٦٠. - ١٣٦ - ( الثالث : نظره للشهادة عليها ، أو لمعاملتها ، فيجوز لوجهها ، وكذا لكفيها للحاجة ) أي : لحاجته إلى معرفتها بعينها ، للمطالبة بحقوق العقد، ولتحمل الشهادة وأدائها . ( الرابع : نظره لحرة بالغة يخطبها ، فيجوز للوجه ، والرقبة ، واليد ، والقدم) لحديث جابر مرفوعاً (( إِذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إِلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل . قال : فخطبت جارية من بني سلمة ، فكنت أتخبأ لها ، حتى رأيت منها بعض ما دعاني إِلى نكاحها)) رواه أحمد وأبو داود . قال في الشرح: ولا نعلم خلافاً في إِباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها ، وفيه أحاديث كثيرة . انتهى . وعن الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم . وقال ابن عبد البر : كان يقال : لو قيل للشحم : أين تذهب ? لقال : أقوم العوج . وكذا أمة مستامة ، لما روى أبو حفص بإسناده (( أن ابن عمر كان يضع يده بين تديبها ، وعلى عجزها من فوق الثياب ، ويكشف عن ساقها )) ذكره في الفروع . ( الخامس : نظره إلى ذوات محارمه) وهي : من تحرم عليه أبداً بنسب : كأمه ، وأخته ، أو بسبب : كرضاع ، ومصاهرة . فيجوز نظره إِلى ما يظهر منها غالباً لقوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زينَتَهُنَّ إِلَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائهنَّ.) الآية(١) وقال تعالى (لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَائِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ .. ) الآية(٢) وقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لعائشة ((إِنذني له فإِنه عمك)). (ولبنت تسع) لحديث (( لا يقبل الله صلاة حائض إِلا بخمار)) فدل (١) النور من الآية / ٣١ . (٢) الأحزاب من الآية / ٥٥ . - ١٣٧ - على صحة صلاة من لم تحض مكشوفة الرأس ، فيكون حكمها مع الرجال كذوات المحارم . وروى أبو بكر بإسناده (( أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في ثياب رقاق ، فأعرض عنها ، وقال : يا أسماء ، إِن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ، وهذا : وأشار إلى وجهه ، و کفیه )) ورواه أبو داود ، وقال : هذا مرسل . ( أو أمة لا يملكها، أو يملك بعضها ) قال ابن المنذر : ثبت أن عمر قال لأمة رآها متقنعة : اكشفي رأسك ، ولا تشبَّهي بالحرائر ، وضربها بالدرة )) فإن كانت جميلة حرم النظر إليها ، كما يحرم إِلى الغلام خشية الفتنة . قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنقبت. ( أو كان لا شهوة له: كعنين، وكبير) لقوله تعالى ( أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ... )(١) أي: الذي لا إِرب له في النساء . كذلك فسره مجاهد ، وقتادة ، ونحوه عن ابن عباس ، (( ولأن النبي، صلى الله عليه وسلم لم يمنع المخنث من الدخول على نسائه، فلما وصف ابنة غيلان ، وفهم أمر النساء ، أمر بحجبه)). ( أو كان مميزاً، وله شهوة) لقوله تعالى ( .. لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ كَمْ يَبْلُغُوا الْخُلُ مِنْكُمْ ... الآية(٢) ثُمَّ قالَ : (وَ إِذا بَلَغَ الْأَ طْفَلُ مِنْكُمُ الْحُ فَلْيَسْتَأْذِنُوا ... ) الآية(٣) (١) النور من الآية / ٣١. (٢) النور من الآية / ٥٨ . (٣) النور من الآية / ٥٩ . - ١٣٨ - ففرق بينه وبين البالغ . قال الإمام أحمد (( حجم أبو طيبة أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو غلام)). ( أو كان رقيقاً غير مبعض ومشترك ، ونظر لسيدته ، فيجوز للوجه ، والرقبة، واليد، والقدم، والرأس، والساق ) لقوله تعالى ( ... أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ... )(١) وعن أنس (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، قال : وعلى فاطمة ثوب إِذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ما تلقى ، قال: إِنه ليس عليك بأس ، إِنما هو أبوك، وغلامك)) رواه أبو داود. ويعضده قوله ((إِذا كان لإحداكن مكاتب وعنده ما يؤدي ، فلتحتجب منه )) صححه الترمذي . ( السادس : نظره للمداواة ، فيجوز للمواضع التي يحتاج إليها ) وكذا لمسه ، ويستر ما عداه ، لكن بحضرة زوج، أو محرم. ومثله من يلي خدمة مريض في وضوء واستنجاء ، وكذا حال تخليص من غرق ونحوه ، وكذا لو حلق عانة من لا يحسنه. نص عليه (( لأمره ، صلى الله عليه وسلم ، بالكشف عن مؤتزر بني قريظة)) وعن عثمان (( أنه أتي بغلام قد سرق ، فقال : انظروا إلى مؤتزره ، فلم يجدوه أنبت الشعر ، فلم يقطعه )). ( السابع : نظره لأمته المحرمة ) كالمزوجة ، ( ولحرة مميزة دون تسع ، ونظر المرأة للمرأة، والرجل الأجنبي، ونظر المميز الذي لا شهوة له للمرأة ، ونظر الرجل للرجل ولو أمرد ، فيجوز إلى ما عدا ما بين السرة والركبة ) (١) النور من الآية / ٣١. - ١٣٩ - أما الأمة : فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً ((إِذا زوج أحدكم جاريته عبده ، أو أجيره فلا ينظر إلى مادون السرة والركبة، فإنه عورة)) رواه أبو داود. ومفهومه إباحة النظر إلى ماعدا ذلك. وأما الحرة المميزة انتي لا تصلح للنكاح : فلأن حكمها مع الرجال حكم المميز مع النساء ، والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل . وعنه : إِن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية ، ولا تدخل معها الحمام ، لقوله تعالى (. أَوْ نِسائهنَّ .. )(١) فتخصيصهن بالذكر يدل على اختصاصهن بذلك . وأما نظر المرأة للرجل: فلقوله صلى الله عليه وسلم، لفاطمة بنت قيس (( اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك فلا يراك)) وقالت عائشة ((كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يسترني بردائه ، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد )) متفق عليهما . وعنه: لا يباح، لحديث نبهان عن أم سلمة قالت (( كنت قاعدة عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنا وحفصة ، فاستأذن ابن أم مكتوم، فقال صلى الله عليه وسلم : احتجبا منه ، فقلت : يا رسول الله إِنه ضرير لا يبصر، قال: أفعمياوان أنتما لا تبصرانه !! )) رواه أبو داود والنسائي. وقد قال أحمد : نبهان روى حديثين عجيبين : هذا الحديث ، والآخر (( إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه)) كأنه أشار إلى ضعفه . وقال ابن عبد البر : نبهان مجهول ، لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث ، ثم يحتمل الخصوص . قيل لأحمد : حديث نبهان لأزواجه صلى الله عليه وسلم ، وحديث فاطمة لسائر الناس ، قال : نعم. (١) النور من الآية / ٣١ . - ١٤٠ --