Indexed OCR Text

Pages 381-400

( ولو بالعتق ) فلا ينفذ لأن حق الغرماء تعلق بماله فمنع صحة عتقه.
قال في الشرح : وبه قال مالك والشافعي ، وهذا أصح إن شاء الله .
اتتهى . وعنه : يصح عتقه لأنه عتق من مالك رشيد صحيح ، أشبه
عتق الراهن .
(وإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار صح) لأنه أهل للتصرف ،
والحجر إِنما تعلق بماله دون ذمته .
( وطولب به بعد فك الحجر عنه ) لأنه حق عليه وإِنما منعنا تعلقه
بماله لحق الغرماء السابق على ذلك ، فإذا استوفوه فقد زال المعارض .
( الثاني: أن من وجد عين ما باعه أو أقرضه فهو أحق بها )
روي ذلك عن عثمان وعلي ، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر ،
لقوله صلى الله عليه وسلم (( من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس ،
أو إنسان قد أفلس ، فهو أحق به من غيره )) رواه الجماعة .
(بشرط كونه لا يعلم بالحجر ) هذا شرط لمن فعل ماذكر بعد الحجر.
( وأن يكون المفلس حياً، وأن يكون عوض العين كله باقياً في ذمته )
لقوله صلى الله عليه وسلم ((أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم
يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً ، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإنمات
المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء)) رواه مالك وأبو داود . وهو
مرسل ، وقد أسنده أبو داود من وجه ضعيف . وفي حديث أبي هريرة
(( أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتضى من ماله
شيئاً ، فهو له )) رواه أحمد . وفي لفظ أبي داود ( فإن كان قبض من
ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء )).
- ٣٨١ -

( وأن تكون كلها في ملكه) لم يتعلق بها حق الغير ، فإِن رهنها لم
يملك الرجوع ، لقوله عند رجل قد أفلس ، وهذا لم يجده عنده ، وهذا
لا نعلم فيه خلافاً. قاله في الشرح .
( وأن تكون بحالها) لم يتلف منها شيء . وبه قال إِسحاق ، لقوله
صلى الله عليه وسلم (( من أدرك متاعه بعينه)) وهذا لم يجده بعينه .
( ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها ) فإن طحن الحنطة، ونسج الغزل،
وقطع الثوب قميصاً ، لم يرجع لأنه لم يجده بعينه ، لتغير اسمه وصفته.
قال في الشرح : وللشافعي فيه قولان . أحدهما - به أقول -: يأخذ
عين ماله ، ويعطى قيمة عمل المفلس . انتهى .
( ولم تزد زيادة متصلة) كالسمن والكبر ، فإن وجد ذلك منع
الرجوع . ذكره الخرقي . وعنه: له الرجوع للخبر . وهو مذهب
مالك . إلا أنه يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها
به ، فأما الزيادة المنفصلة والنقص بهزال ، فلا تمنع الرجوع . قال في
المغني : بغير خلاف بين أصحابنا ، لأنه يمكن الرجوع في العين دون
زيادتها ، والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب . نص عليه في رواية حنبل ،
لحديث ((الخراج بالضمان)) وهذا يدل على أن النماء والغلة للمشتري
لكون الضمان عليه .
( ولم تختلط بغير متميز )فإن اشترى زيناً وخلطه بزيت آخر سقط
الرجوع ، لأنه لم يجد عين ماله ، وإنما يأخذ عوضه كالثمن .
( ولم يتعلق بها حق للغير ) فإِن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم
يرجع لأنه لم يجدها عنده .
- ٣٨٢ -

( فمتى وجد شيء من ذلك امتنع الرجوع ) لما تقدم .
( الثالث : يلزم الحاكم قسم ماله الذي من جنس الدين ، وبيع ماليس
من جنسه، ويقسمه على الغرماء بقدر ديونهم ) لأن فيه تسوية بينهم ، لما
ذكرنا من حديث معاذ وفعل عمر ، ولأن ذلك هو جل المقصود بالحجر
الذي طلبه الغرماء أو بعضهم . ويستحب إحضار المفلس والغرماء لأنه
أطيب لقلوبهم وأبعد من التهمة .
( ولا يلزمهم بيان أن لا غريم سواهم، ثم إن ظهر رب دين حال, رجع
على كل غريم بقسطه) لأنه لو كان حاضراً قاسمهم ، فكذا إذا ظهر .
وأما الدين المؤجل فلا يحل بالفلس . قال القاضي : رواية واحدة ، لأن
التأجيل حق له ، فلم يبطل بفلسه كسائر حقوقه ، فعليها يختص أصحاب
الدیون الحالة بماله دونه ، لأنه لا يستحق استيفاء حقه قبل أجله ، وإن
حل دينه قبل القسمة شاركهم لمساواته إياهم في استيفائه . وقال أبو
الخطاب : فيه رواية أخرى : أنه يحل بفلسه ، لأن الفلس معنى يوجب
تعلق الدين بماله ، فأسقط الأجل كالموت .
( ويجب أن يترك له ما يحتاجه من مسكن) فلا تباع داره التي
لا عنی له عنها . وبه قال إسحاق ، وقال مالك : تباع ویکتری له بدلها.
اختاره ابن المنذر ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( خذو ما وجدتم)) .
( خادم) صالح لمثله ، لأن ذلك مما لا غنى له عنه ، فلم يبع في دينه
ككتابه .
( وما یتجر به ) إِن كان تاجراً.
- ٣٨٣ -

(والفحرفة) إن كان محترفاً . قال أحمد: يترك له قدر ما يقوم
به معاشه .
( ويجب له ولعياله أدنى نفقة مثلهم من ماكل ومشرب وكسوة )
قال في الشرح : وينفق عليه بالمعروف من ماله إلى أن يقسم ، إِلا إِن كان
ذا كسب ، لقوله ((ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)) وممن أوجب الإثفاق
عليه وزوجته وأولاده ، مالك والشافعي ، ولا نعلم فيه خلافً . وتجب
كسوتهم . قال أحمد : يترك له قدر ما يقوم به معاشه ويباع الباقي ،
وهذا في حق الشيخ الكبير ، وذوي الهيئات الذين لا يمكنهم التصرف
• بأبدانهم . انتهى.
(الرابع: انقطاع الطلب عنه) لقوله تعالى ( وَإِنْ كانَ ذو عُشْرَةٍ
فَنَظَرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) (١) وقوله صلى الله عليه وسلم (( خذوا ما وجدتم
وليس لكم إلا ذلك ))
( فمن أقرضه أو باعه شيئاً عالما بحجره ، لم يملك طلبه حتى ينفك
حجره ) لتعلق حق الغرماء بعين مال المفلس ، وهل له الرجوع بعين ماله
إذا وجده ؟ على وجهين . أحدهما: له ذلك ، للخبر . والثاني: لافسخ له
لأنه دخل على بصيرة ، أشبه من اشترى معيباً يعلم عيبه .
فصل
( ومن دفع ماله إلى صغير أو مجنون أو سفيه فأتلفه ، لم يضمنه )
لأنه سلطه عليه برضاه علم بالحجر أولا لتفريطه ، وأما ما أخذه بغير
اختيار المالك ، كالغصب والجناية ، فعليه ضمانة لأنه لا تفريط من المالك،
والإِتلاف يستوي فيه الأهل وغيره .
(١) البقرة من الآية / ٢٨٠ .
- ٣٨٤ -

( ومن أخذ من أحدهم مالا ضمنه ) لتعديه بقبضه .
( حتى يأخذه وليه ) أي ولي المحجور عليه ، لأنه هو الذي يملك
قبض ماله شرعاً وحفظه .
( لا إِن أخذه ) من المحجور عليه .
( ليحفظه وتلف ولم يفرط ) لأنه محسن .
( كمن أخذ منصوباً ليحفظه لربه ) فإنه لا يضمنه لأن فى ذلك إعانة
على رد الحق إلى مستحقه .
( ومن بلغ رشيداً ، أو بلغ مجنوناً ثم عقل ورشد ، انفك الحجر عنه)
بلا حكم حاكم، بغير خلاف . قاله في الشرح .
(ودفع إليه ماله) لقوله تعالى ( فإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَأَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ
أَمْوالَُ)(١) وقسنا عليه المجنون لأنه في معناه.
( لا قبل ذلك بحال ) أي : قبل البلوغ والعقل والرشد ، ولو صارا
شيخين . قال ابن المنذر : أكثر علماء الأمصار يرون الحجر على كل مضيع
لماله ، صغيراً كان أو كبيراً للآية . فالدفع بشرطين: بلوغ النكاح ،
وإيناس الرشد . وإِن فك عنه الحجر ، فعاود السفه أعيد عليه الحجر
لما روى عروة بن الزبير، (( أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعاً، فقال علي:
لآتين عثمان ، فلأحجرن عليك ، فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير ، فقال : أنا
شريكك، في بيعتك . فأتى علي عثمان فقال : إن ابن جعفر قد ابتاع بيع
كذا فاحجر عليه ، فقال الزبير : أنا شريكه ، فقال عثمان : كيف أحجر
على رجل شريكه الزبير ؟! رواه الشافعي بنحوه . قال في الكافي : وهذه
قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعاً . انتهى .
(١) النساء من الآية / ٥ .
- ٣٨٥ -

(وبلوغ الذكر بثلاثة أشياء: ١ - إما بالإمناء) يقظة أو مناماً . لا نعلم
فيه خلافاً . قاله في الشرح، لقوله تعالى ( وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ
الْخُلُمُ فَلْيَسْتَأْذِ نوا)(٢) وقول النبي، صلى الله عليه وسلم ((رفع القلم
عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم ... )) الحديث، وحديث ((لا يتم بعد
احتلام )) رواهما أبو داود .
(٢ - أو بتمام خمسة عشر سنة) لقول ابن عمر ((عرضت على
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يوم أحد ، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم
يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني))
متفق عليه. فلما سمعه عمر بن عبدالعزيز كتب إلى عماله: أن لا يتعرضوا
إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة .
(٣ - أو نبات شعر خشن حول قبله) لأن سعد بن معاذ لما حكم
في بني قريظة بقتلهم وسبي ذراريهم أمر أن يكشف عن مؤتزرهم ، فمن
أنبت فهو من المقاتلة ، ومن لم ينبت فهو من الذرية . وبلغ ذلك النبي ،
صلى الله عليه وسلم فقال ((لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة))
متفق عليه .
(وبلوغ الانثى بذلك وبالحيض ) قال في الشرح : والحيض بلوغ في
حق الجارية . لانعلم فيه خلافاً، لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يقبل
الله صلاة حائض إلا بخمار)) حسنه الترمذي . وكذلك الحمل يحصل
به البلوغ في حق الجارية لأن الولد من مائهما . انتهى .
( والرشد : إصلاح المال وصونه عما لا فائدة فيه) في قول أكثر أهل
(٢) النور من الآية / ٥٩ .
- ٣٨٦ -

العلم ((لقول ابن عباس في قوله تعالى (فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) (١) قال:
صلاحاً في أموالهم)) ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر ، لقوله تعالى
( وَأَبْتَلُوا الْيَتَانِى ... )(١) وعنه: لا يدفع إلى الجارية مالها حتى تتزوج
وتلد ، أو تقيم في بيت الزوج سنة ، لقول شريح: عهد إلي عمر أن
لا اجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولاً أو تلد .
فصل
( وولاية المملوك لمالكه ولو فاسقاً ) لأنه ماله ، ولأن العدالة ليست
شرطاً لصحة تصرف الإنسان في ماله .
( وولاية الصغير والبالغ بسفه أو جنون لابيه) الرشيد العدل ولو
ظاهراً لكمال شفقته ولأنها ولاية ، فقدم فيها الأب كولاية النكاح .
( فإن لم يكن ) له أب .
( فوصية) لأنه نائبه وقائم مقامه ، أشبه وكيله في الحياة .
( ثم الحاكم ) لأن الولاية انقطعت من جهة الأب فتعينت للحاكم
کولاية النكاح، لأنه ولي من لا ولي له .
( فإن عدم الحاكم فامين يقوم مقامه ) اختاره الشيخ تقي الدين،
وقال : في حاكم عاجز كالعدم . نقل ابن الحكم فيمن عنده مال فطالبه
به الورثة ، فیخاف من أمره تری أن یخبر الحاکم ويدفعه إليه قال : أما
حكامنا اليوم هؤلاء فلا أرى أن يتقدم إلى أحد منهم .
( وشرط في الولي الرشد ) لأن غير الرشيد محجور عليه .
(١) النساء من الآية / ٦ ٠
- ٣٨٧ -

( والعدالة ولو ظاهراً) فلا يحتاج الحاكم إِلى تعديل الأب أو وصيه
في ثبوت ولا يتهما .
( والجد والأم وسائر العصبات، لا ولاية لهم إلا بالوصية) لقصور
شفقتهم عمن تقدم . والمال محل الخيانة ، فلا يؤمنون عليه كالأجانب .
( ويحرم على ولي الصغير والمجنون والسفيه أن يتصرف في مالهم
إلا بما فيه حظ ومصلحة) لقوله تعالى ( وَلا تَقَرَبوا مالَ الْيَتِيمِ إِلّ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١) والسفيه والمجنون في معناه.
( وتصرف الثلاثة ) أي : الصغير ، والمجنون ، والسفيه .
( ببيع أو شراء او عتق أو وقف أو إقرار غير صحيح) لقوله تعالى
( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوالَكُمْ .. ) الآية(٢). ولأنهم محجور عليهم لحظ
أنفسهم .
( لكن السفيه إن أقر بحد) أي : بما يوجب الحد كالقذف والزنى.
( أو بنسب أو طلاق أو قصاص صح وأخذ به في الحال ) لأنه غير
متهم في نفسه، والحجر إِنما تعلق في ماله . قال ابن المنذر: أجمع كل من
نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز إِذا
كان بزنى أو سرفة أو شرب خمر أو قذف أو قتل ، وأن الحدود تقام
عليه ، وإِن طلق نفذ في قول الأكثر . قاله في الشرح .
( وإن أقر بمال أخذ به بعد فك الحجر عنه ) لأنه حجر عليه لحظه ،
ولأن قبول إقراره يبطل معنى الحجر ، لأنه يداين الناس ويقر لهم .
(٢) الانعام من الآية / ١٥٢.
(٣) النساء من الآية / ٤ .
- ٣٨٨ -

فصل
( وللولي مع الحاجة أن يأكل من مال موليه ) لقوله تعالى ( وَمَنْ كانَ
فَقَيِراً فَلْيَأْ كُلِ بِاٌ لْمَعْرُوفٍ) (١) قالت عائشة ((نزلت في والي اليتيم الذي
يقوم عليه ويصلح ماله، إِن كان فقيراً أكل منه بالمعروف)) أخرجاه . وعن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (( أن رجلاً أتى النبي ، صلى الله عليه
وسلم ، فقال : إِني فقير وليس لي شيء ولي يتيم ، فقال : كل من مال
يتيمك غير مسرف )) رواه الخمسة ، إِلا الترمذي .
( الأقل من أجرة مثله أو كفايته ) لأنه يستحق بالعمل والحاجة
جميعاً ، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه .
( ومع عدم الحاجة يأكل ما فرضه له الحاكم ) قال في القواعد،
والإنصاف : بغير خلاف .
( ولزوجة ، ولكل متصرف في بيت ، ان يتصدق منه بلا إذن صاحبه
بما لا يضر، كرغيف ونحوه) لحديث عائشة مرفوعاً ((إِذا أنفقت المرأة
من طعام زوجها غير مفسدة ، كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها أجر
ماكسب ، وللخازن مثل ذلك ، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً ))
متفق عليه . ولم تذكر إِذناً لأن العادة السماح وطيب النفس به .
( إِلا أن يمنعه) من ذلك .
(١) النساء من الآية / ٥ .
- ٣٨٩ -

(او يكون بخيلا، فيحرم) لحديث ((إِن دماءكم وأموالكم
وأعراضكم حرام عليكم ... )) الحديث . وقوله (( لا يحل مال امرىء
مسلم إلا عن طيب نفس)) .
باب الوكالة
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، لقوله تعالى ( .. وَاُلْعامِلِينَ
عَلَيْها)(١) وقوله: (فَاَبْعَنُوا أَحَدَ كُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ .. )(٢) الآية
ولحديث عروة بن الجعد وغيره ((ووكل النبي ، صلى الله عليه وسلم
عمرو بن أمية في قبول نكاح أم حبيبة ، وأبا رافعٍ في قبول نكاح
ميمونة )) .
( وهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة كعقد)
بيع وهبة وإجارة ونكاح لأنه صلى الله عليه وسلم ، وكل في الشراء
والنكاح ، وألحق بهما سائر العقود .
(وفسخ) كالخلع والإقاله .
( وطلاق ) لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء ، فجاز في الإزالة بطريق
الأولى .
(ورجعة)لأنه يملك بالتوكيل الأقوى. وهو إنشاء النكاح ،
فالأضعف : وهو تلافيه بالرجعة أولى .
(٢) التوبة من الآية / ٦١ .
(٣) الكهف من الآية / ١٩ .
- ٣٩٠ -

( وكتابة وتدبير وصلح) لأنه عقد على مال أشبه البيع .
( وتفرقة صدقة، ونذرو كفارة) « لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، كان
يبعث عماله لقبض الصدقات ، وتفريقها)) ويشهد به حديث معاذ ، وفيه
فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة ، تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى
فقرائهم ) .
( وفعل حج وعمرة ) لما تقدم .
(لا فيما لا تدخله النيابة كصلاة، وصوم ، وحلف وطهارة من حدث )
لتعلقها ببدن من هي عليه ، لأن المقصود فعلها ببدنه ، ولا يحصل ذلك
من فعل غيره ، لكن تدخل ركعتا الطواف تبعاً .
( وتصح الوكالة منجزة ) كأنت وكيلي الآن .
( ومعلقة ) نص عليه ، كقوله : إذا قدم الحاج فبع هذا ، وإذا دخل
رمضان فافعل كذا ؛ وإذا طلب أهلي منك شيئاً فادفعه لهم ، لقوله صلى
الله عليه وسلم (( .. فإِن قتل زيد فجعفر .. )) الحديث.
(ومؤقتة ) كأنت وكيلي شهراً، أو سنة . وتصح في إثبات الحدود
واستبفائها ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا،
فإن اعترفت فارجمها ، فاعترفت ، فأمربها فرجمت )) متفق عليه . وتجوز
في إِثبات الأموال والحكومة فيها ، حاضراً كان الموكل ، أو غائبا ، لما
روي ((أن علياً وكل عقيلا" عند أبي بكر ، وقال ، ما قضي عليه فهو علي،
وما قضي له فلي)) ((ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان ، وقال : إِن
للخصومة قحماً - أي: مهالك - وإن الشيطان يحضرها، وإني أكره
أن أحضرها)) نقله حرب . وهذه قضايا في مظنة الشهرة ، ولم ينكر
- ٣٩١ -

فكان إِجماعاً . قاله في الكافي ، وقال في الشرح: هو إجماع الصحابة.
( وتنعقد بكل مادل عليها من قول ) يدل على الإذن . نص عليه .
كبع عبدي فلاناً ، أو أعتقه ، أو فوضت إليك أمره ، أو جعلتك نائباً عني
في كذا .
( أو فعل ) قال في الفروع : ودل كلام القاضي على انعقادها بفعل
دال كبيع ، وهو ظاهر كلام الشيخ يعني : الموفق ، فيمن دفع ثوله إِلى
قصار، أو خياط، وهو أظهر كالقبول. انتهى. (١) ويصح قبولها بكل
قول ، أو فعل دل عليه فوراً، ومتراخياً ، لأن قبول وكلائه ، عليه الصلاة
والسلام ، كان بفعلهم ، وكان متراخياً عن توكيله إياهم .
( وشرط تعیین الوکیل ) فلا يصح وكلت أحد هذين .
(لا علمه بها ) فلو باع عبد زيد على أنه فضولي ، وبان أن زيداً كان
وكله في بيعه قبل البيع، صح اعتباراً بما في نفس الأمر لابما في ظن المكلف.
( وتصح في بيع ماله كله ، أوما شاء منه ، وبالمطالبة بحقوقه، وبالإبراء
منها كلها، أو ما شاء منها) لأنه يعرف ماله ودينه ، فيعرف ما يبيع
ويقبض ، فيقل الغرر". قاله في الكافي .
( ولا يصح إِن قال: وكلتك في كل قليل وكثير ، وتسمى : المفوضة )
ذكر الأزجي أنه اتفاق الأصحاب ، لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله ،
وطلاق نسائه، وإِعتاق رقيقه ، فيعظم الغرر والضرر .
(١) كانت الأسطر الثلاثة غير واضحة في الأصل وما ذكرناه نقل من
الفروع وتصحيحه .
- ٣٩٢ -

( وللوكيل أن يوكل فيما يعجز عنه) لدلالة الحال على الإذن فيه (١).
(لا ان یعقد مع فقير ، او قاطع طريق ) إلا بإذن مو کله ، فإن فعل لم
يصح ، لأنه تغرير بالمال ، لأنه لا يؤمن انفساخ العقد ، وقد تلف ما بيد
الفقير ، أو تعذر حضور قاطع الطريق .
(أو يبيع مؤجلا) إلا بإذن موكله ، فإن فعل لم يصح ، لأن الإطلاق
ينصرف إلى الحلول .
( أو بمنفعة أو عرض ) إلا بإذن مو كله ، فإن فعل لم يصح ، لأن
الإِطلاق محمول على العرف ، والعرف كون الثمن من النقدين .
( أو بغير نقد البلد إلا بإذن موكله) فإن فعل لم يصح ، لأن عقد
الوكالة لم يقتضه .
فصل
( والوكالة ، والشركة ، والمضاربة ، والمساقاة، والمزارعة ، والوديعة،
والجعالة: عقود جائزة من الطرفين ) لأن غايتها من جهة الموكل ونحوه :
إِذن ، ومن جهة الوكيل ونحوه : بذل نفع ، وكلاهما جائز .
( لكل من المتعاقدين فسخها ) أي : هذه العقود ، كفسخ الإذن في
في أكل طعامه .
( وتبطل كلها بموت احدهما، وجنونه ) المطبق لأنها تعتمد الحياة،
والعقل ، فإذا انتفى ذلك انتفت صحتها ، لزوال أهلية التصرف .
(١) في هامش الأصل ما يلي: وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إلا
إن أذن له في التوكيل ، أو عجز بنفسه ، كالذي في غير بلده ونحوه .
انتهى . وهو منقول من زاد المستقنع .
- ٢٩٣

( وبالحجر لسفه حيث اعتبر الرشد ) كالتصرف المالي ، فإن و کل
في نحو طلاق ، ورجعة لم تبطل بالسفه .
( وتبطل الوكالة بطروء فسق لموكل، ووكيل فيما ينافيه ) الفسق .
( كإيجاب النكاح ) وإثبات الحد ، واستيفائه ، لخروجه بالفسق عن
أهلية ذلك التصرف .
( وبفلس موكل فيما حجر عليه فيه ) كأعيان ماله ، لانقطاع تصرفه
فيها ، بخلاف ما لو وكل في شراء في ذمته ، أو في ضمان أو اقتراض .
( وبردته) أي : الموكل ، لأنه ممنوع من التصرف في ماله مادا.
مرتدا .
( وبتدبيره) أي : السيد .
( أو كتابته قناً وكل في عتقه) لدلالته على رجوع الموكل عن الوكالة
في العتق .
( وبوطئه زوجة وكل في طلاقها ) لأنه دليل على رغبته فيها، واختيار
إمساكها ، ولذلك كان الوطء رجعة في المطلقة رجعياً ، بخلاف القبلة ،
والمباشرة دون الفرج .
( وبما يدل على الرجوع من أحدهما) أي: الموكل والوكيل، كما تقدم
في الموكل . ومن صور دلالة رجوع الوكيل ما إذا قبل الوكالة في عتق
عبد من سيده بعد أن كان وكله آخر في شرائه منه .
( وینعزل الو کیل بموت مو کلہ ) لما تقدم ، ولأنه فرع ، فیزول بزوال
أصله .
٠٠
- ٣٩٤ -

( وبعزله له ولو لم يعلم ) لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه ،
فصح بغير علمه كالطلاق .
( ويكون ما بيده بعد العزل أمانة ) فلا يضمن إِلا إِن تعدى ، أو فرط
كسائر الأمانات، ويضمن ما تصرف فيه على رواية : أنه ينعزل قبل علمه.
واختار الشيخ تقي الدين : لا يضمن مطلقاً . ذكره في الإنصاف .
فصل
( وإن باع الوكيل بانقص عن ثمن المثل أو عن ما قدره له موكله ، أو
اشترى بازيد ) من ثمن المثل .
( أو بأكثر مما قدره له صح ) البيع والشراء . نص عليه ، لأن من
صح منه ذلك بثمن مثله صح بغيره ، ولأن الضرر يزول بالتضمين .
( وضمن في البيع كل النقص ، وفي الشراء كل الزائد ) لتفريطه بترك
الاحتياط ، وطلب الأحظ لموكله . قال في الكافي: ولاعبرة بما لايتغابز
الناس به، كدرهم في عشرة ، لأنه لا يمكن التحرز منه . انتهى .
(وبعه لزيد، فباعه لغيره لم يصح) البيع . قال في المغني: بغير خلاف
علمناه ، سواء قدر له الثمن أم لم يقدره، لأنه قد یقصد نفعه دون غيره،
أو نفع المبيع بإيصاله إليه .
( ومن أمر بدفع شيء إلى معين ليصنعه، فدفع ونسيه ، لم يضمن )
لأنه إنما فعل ما أمر به ، ولم يتعدى ولم يفرط .
( وإن أطلق المالك ) بأن قال : ادفعه إلى من يصنعه.
- ٣٩٥ -

( فدفعه إلى من لا يعرفه ضمن ) لأنه مفرط .
( والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط ) بجعل، وبغير جعل،
لأنه نائب المالك في اليد ، والتصرف ، فالهلاك في يده كالهلاك في يد
المالك ، كالوديعة .
( ويصدق بيمينه في التلف، وأنه لم يفرط ) لأن الأصل براءة ذمته
ولا يكلف بيّنةً، لأنه مما تتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس من
الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها ، لكن إِن ادعى التلف بأمر ظاهر ،
كحريق عام ونهب جيش كلف إقامة البينة عليه ، ثم يقبل قوله فيه ،
ويقبل قول و کیل : (١) إِنه - أي : مو كله - .
(أذن له في البيع مؤجلا ، أو بغير نقد البلد ) نص عليه في المضارب
والوكيل في معناه ، لأنه أمين في التصرف ، فكان القول قوله في صفته
( وإن ادعى الرد لورثة الموكل مطلقاً) أي : بجعل وبغير جعل لم يقبل
قوله ، لأنهم لم يأتمنوه .
( اوله) أي : ادعى الرد للمو كل .
( وكان بجعل لم يقبل) قوله في الرد ، لأن في قبضه نفعاً لنفسه
أشبه المستعير . ويقبل قوله في الرد إلى الموكل إن كان متطوعاً ، لأنه
قبض المال لنفع مالكه كالمودع ، وتقدم في الرهن قاعدة ذلك ، ويجوز
التوكيل بجعل ، لأنه تصرف لغيره لا يلزمه ، فجاز أخذ العوض عنه ،
كرد الآبق ، وإن قال : بع هذا بعشرة ، فما زاد فهو لك ، صح البيع ،
وله الزيادة . نص عليه ، فقال: هل هذا إلا كالمضاربة ؟. وهو قول
(١) قوله ( إنه ) هو من المتن .
-٣٩٦ ٣

إسحاق ، وغيره (( لأن ابن عباس كان لا يرى بذلك بأساً )) قال في
الشرح : ولا يعرف له مخالف .
( ومن عليه حق ، فادعى إنسان أنه وكيل ربه في قبضه ، فصّدقه
لم يلزمه دفعه إليه ) لأنه لا يبرأ به لجواز إِنكار رب الحق ، وإِن كذبه
لم يستحلف ، لعدم الفائدة ، إذ لا يقضى عليه بالنكول .
( وإن ادعى موته ) أي : موت رب الحق .
( وأنه وارثه لزمه دفعه ) أي : الحق لمدعي إرثه مع تصديقه له ،
لإقراره له بالحق ، وأنه يبرأ بالدفع له ، أشبه المورث .
( وإن كذبه حلف أنه لا يعلم أنه وارثه ) أو لا يعلم موت رب الحق ،
لأن من لزمه الدفع مع الإقرار ، لزمه اليمين مع الإنكاز .
( ولم يدفعه ) إليه .
- ٣٩٧ -

كتاب الشركة
ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع ، لقوله تعالى ( وَإِنّ كَثيراً مِنَ
اُْلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلّ ◌ُلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَقَليلٌ مَا ◌ُمْ) (١) وقوله: (فَهُمْ شُرَ كَاه في الثَّلُثِ)(٢) وقوله صلى الله
عليه وسلم (( يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ، مالم يخن أحدهما
صاحبه ، فإِذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما )) رواه أبو داود .
وقال زيد (( كنت أنا والبراء شريكين، فاشترينا فضة بنقد، ونسيئة .. )
الحديث ، رواه البخاري .
(وهي خمسة أنواع كلها جائزة ممن يجوز تصرفه) لأن مبناها على
الوكالة ، والأمانة .
( أحدها : شركة العنان، وهي : أن يشترك اثنان فأكثر في مال يتجران
فيه، ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه) وهي جائزة بالإجماع.
ذكره ابن المنذر .
( وشروطها أربعة: ١ - ان يكون رأس المال من النقدين المضروبين :
الذهب، والفضة) لأنها قيم المتلفات ، وأثمان البياعات .
(١) ص من الآية / ٢٤.
تنبيه في كثير من المواطن لم يتم المؤلف الآيات لذلك وضعنا ما يحتاجه
الاستشهاد من الآية .
(٢) النساء من الآية / ١١ .
- ٣٩٨ -

( ولو لم يتفق الجنس ) كذهب وفضة ، أو كان متفاوتاً ، بأن أحضر
أحدهما مائة والآخر مائتين . ولا تصح بالعروض - وعنه: تصح -
ويجعل قيمتها وقت العقد رأس المال ، والنقرة قبل ضربها ، والمغشوشة
كثيراً، والفلوس النافقة كالعروض.
(٢ - ان یکون کل من المالین معلوماً ) قدراً وصفة ، لأنه لا بد من
الرجوع برأس المال ، ولا يمكن مع جهله .
(٣ - حضور المالين) فلا تعقد على ما في الذمة، واشتراط
إحضارهما لتقرير العمل ، وتحقيق الشركة كالمضاربة .
( ولا يشترط خلطهما ) لأنها عقد على التصرف كالوكالة ، ولهذا
صحت على جنسين ، ولأن المقصود الربح، وهو لا يتوقف على الخلط.
( ولا الإذن في التصرف) لدلالة لفظ الشركة عليه .
(٤ - أن يشرطا لكل واحد منهما جزءاً معلوماً من الربح سواء شرطا
لكل واحد منهما على قدر ماله أو أقل أو أكثر) وبه قال أبو حنيفة ، لأن
العمل يستحق به الربح ، وقد يتفاضلان فيه لقوة أحدهما وحذقه ، فجاز
أن يجعل له حظ من الربح كالمضارب .
( فمتى فقد شرط فهي فاسدة ، وحيث فسدت ، فالربح على قدر
المالين ) في شركة عنان ووجوه ، لأن الربح استحق بالمالين ، فكان
على قدرهما .
(لا على ما شرطا) لفساد الشركة .
( لكن يرجع كل منهما على صاحبه بأجرة نصف عمله) لعمله في
نصيب شريكه بعقد يبتغى به الفضل في ثاني الحال ، فوجب أن يقابل
العمل فيه عوض كالمضاربة ، فإذا كان عمل أحدهما مثلاً يساوي عشرة
- ٣٩٩ -

٠٠
دراهم ، والآخر خمسة ، تقاصا بدرهمين ونصف ، ورجع ذو العشرة
بدرهمين ونصف .
( وكل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده ، إلا بالتعدي
والتفريط، كالشركة والمضاربة والوكالة والوديعة والرهن والهبة ) والصدقة
والهدية ، وكل عقد لازم، يجب الضمان في صحيحه ، يجب في فاسده،
كبيع وإِجارة ونكاح وقرض. ومعنى ذلك: أن العقد الصحيح إذا لم يكن
موجباً للضمان ، فالفاسد منجنسه كذلك، وإن كان موجباً له مع الصحة،
فكذلك مع الفساد .
( ولكل من الشريكين أن يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي، ويطالب ويخاصم،
ويفعل كل ما فيه حظ للشركة ) لأن هذا عادة التجار وقد أذن له في.
التجارة ، فينفذ تصرف كل منهما بحكم الملك في نصيبه ، وبحكم
الوكالة في نصيب شريكه .
فصل
( الثاني : المضاربة ، وهي : أن يدفع ماله إلى إنسان ليتجر فيه، ويكون
الربح بينهما بحسب ما يتفقان ) عليه وهي جائزة بالإجماع . حكاه في
الكافي ، والشرح، وذكره ابن المنذر . ويروى إِباحتها عن عمر وعثمان
وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام ، رضي الله عنهم ، في قصص
مشتهرة ، ولا مخالف لهم ، فيكون إِجماعاً .
( وشروطها ثلاثة : ١ - أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين )
كما تقدم في شركة العنان .
- ٤٠٠ -