Indexed OCR Text

Pages 361-380

(ولا بعض دين لم يقدر ) لجهالته حالاً ومآلاً . قال في الفروع:
وصححه أبو الخطاب ، ويفسره . انتهى . ويصح ضمان المعلوم ،
والمجهول قبل وجوبه وبعده ، الآية . وحمل البعير يختلف ، فهو غير
معلوم ، وقد ضمنه قبل وجوبه .
( وإن قضی الضامن ما علی المدین ، ونوی الرجوع علیه رجع ، ولو لم
يأذن له المدين في الضمان والقضاء ) لأنه قضاء مبرىء من دين واجب لم
يتبرع به ، فكان من ضمان من هو عليه ، كالحاكم إِذا قضاه عنه عند
امتناعه . وأما قضاء علي وأبي قتادة عن الميت ، فكان تبرعاً لقصد براءة
ذمته ، ليصلي عليه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مع علمهما أنه لم يترك
وفاء ، والكلام فيمن نوى الرجوع لا من تبرع .
( وكذا كل من أدى عن غيره ديناً واجباً) (١) فيرجع إِن نوى الرجوع،
وإلا فلا . إِلا الزكاة، والكفارة ، ونحوهما مما يفتقر إلى نية ، لأنها
لا تجزىء بغير نية ممن هي عليه .
( وإن برىء المديون) بوفاء أو إبراء أو حوالة .
( برىء ضامنه ) لأنه تبع له ، والضمان وثيقة ، فإذا برىء الأصل
زالت الوثيقة كالرهن .
( ولا عكس ) أي : لا يبرأ مدين ببراءة ضامن ، لعدم تبعيته له .
( ولو ضمن أثنان واحداً ، وقال كل : ضمنت لك الدين . كان لربه
طلب كل واحد بالدين كله ) لثيوته في ذمة المدين أصالة ، وفي ذمة
الضامنين تبعاً ، كل واحد منهما ضامن الدين منفرداً ، ويبرون بأداء
(١) إن لفظة ( ديناً ) سقطت من الأصل.
- ٣٦١ -

أحدهم وبإبراء المضمون عنه . قال مهنا: سألت أحمد عن رجل له على
رجل ألف درهم ، فأقام بها كفيلين : كل واحد منهما كفيل ضامن ،
فأيهما شاء أخذه بحقه ، فأحال رب المال رجلاً عليه بحقه ، قال : يبرأ
الكفيلان .
( وإن قالا: ضمنا لك الدين فبينهما بالحصص ) أي نصفين ، لأن
مقتضى الشركة التسوية .
فصل
( والكفالة : هي ان يلتزم بإحصار بدن من عليه حق مالي إلى ربه )
من دين ، أو عارية، ونحوهما . قال في الشرح: وجملة ذلك : أن
الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر أهل العلم ، لقوله تعالى ( قالَ لَنْ
أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتوبي مَوْتِقً مِنْ أَثْهِ لَتَأْتُفَِّ بِإِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)(١)
ولحديث (( الزعيم غارم)) تصح ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس
الحكم ، بلفظ : أنا کفیل بفلان ، أو بنفسه ، أو بدنه ، أو وجهه ، أو
ضامن ، أو زعيم ، ونحوها . ولا تصح ببدد من عليه حد لله تعالى ، أو
لآدمي . قال في الشرح : وهو قول أكثر العلماء لحديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده مرفوعاً (( لا كفالة في حد ) ولأن مبناه على الإسقاط ،
والدرء بالشبهة ، فلا يدخله الاستيثاق ، ولا يمكن استيفاؤه من غير
الجاني .
( ويعتبر رضى الكفيل) لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه .
(١) يوسف من الآية / ٦٦ .
- ٣٦٢ -

( لا المكفول، ولا المكفول له) كالضمان، لحديث جابر (( أتى النبي،
صلى الله عليه وسلم برجل ليصلي عليه فقال : أعليه دين؟ قلنا : ديناران.
فانصرف فتحملهما أبو قتادة ، فصلى عليه النبي ، صلى الله عليه وسلم ))
رواه أحمد والبخاري بمعناه. فلم يعتبر الرضى المضمون له، ولا المضمون
عنه ، فكذا الكفالة .
( ومتى سلم الكفيل المكفول لرب الحق بمحل العقد ) وقد حل الأجل ،
إِن كانت الكفالة مؤجلة بريء الكفيل مطلقاً . نص عليه . أو سلمه قبل
الأجل ، ولا ضرر في قبضه بریء الكفيل ، لأنه زاده خيراً بتعجيل حقه،
فإن كان فيه ضرر لغيبة حجته ، أو لم يكن يوم مجلس الحكم ، أو
الدين مؤجل لا يمكن استيفاؤه ، أو كان ثم يد حائلة ظالمة ونحوه ، لم
يبرأ الكفيل ، لأنه كلاتسليم .
( أو سلم المكفول نفسه ) برىء الكفيل ، لأن الأصيل أدى ما على
الكفيل ، كما لو قضى مضمون عنه الدين .
( أو مات ) المكفول .
( برىء الكفيل ) لسقوط الحضور عنه بموته ، وكذا إِن تلفت العين
المكفولة بفعل الله، وبه قال الشافعي .
( وإن تعذر على الكفيل إحضار المكفول ) مع حياته ، أو امتنع الكفيل
من إحضاره .
( ضمن جميع ما عليه ) نص عليه، لحديث ((الزعيم غارم)).
ولأنها أحد نوعي الكفالة فوجب الغرم بها كالضمان ، قاله في الكافي .
( ومن كفله اثنان فسلمه أحدهما لم يبرا الآخر ) لانحلال إحدى
- ٣٦٣ -

الوثيقتين بلا استيفاء ، فلا تنحل الأخرى ، كما لو برىء أحدهما ، أو
انفك أحد الرهنين بلا قضاء .
(وإن سلم ) المكفول
( نفسه برئا ) أي : الكفيلان ، لأداء الأصيل ما عليهما.
باب الحوالة
مشتقة من التحمل ، لأنها تحول الحق من ذمة المحيل إِلى ذمة المحال
عليه . وهي ثابتة بالسنة ، والإجماع ، لقوله ، صلى الله عليه وسلم
« مطل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع » متفق عليه .
وفي لفظ ((ومن أحيل بحقه على مليء فليحتل )) وأجمعوا على جوازها
في الجملة ، وهي عقد إِرفاق منفرد بنفسه ليست بيعاً ، بدليل جوازها
في الدين بالدين ، وجواز التفرق قبل القبض ، واختصاصها بالجنس
الواحد ، واسم خاص فلا يدخلها خيار ، لأنها ليست بيعاً، ولا في معناه،
كونها لم تبن على المغابنة، قاله في الكافي .
(وشروطها خمسة. أحدها: اتفاق الدينين) لأنها تحويل الحق،فيعتبر
تحويله على صفته .
( في الجنس) فلو أحال عليه أحد النقدين بالآخر لم يصح .
( والصفة) فلو أحال عن المصرية بأميرية ، أو عن المكسرة بصحاح
لم يصح.
( والحلول والأجل ) فإن كان أحدهما حالاً ، والآخر مؤجلاء، أو
أجل أحدهما مخالفاً لأجل الآخر لم يصح .
- ٣٦٤ -

(الثاني : علم قدر كل من الدينين ) لأنه يعتبر فيها التسليم، والتماثل.
والجهالة تمنعهما .
( الثالث: استقرار المال المحال عليه ) نص عليه ، لأن مقتضاها إلزام
المحال عليه بالدين مطلقاً ، وما ليس بمستقر عرضة للسقوط ، فلا تصح
على مال كتابة ، أو صداق قبل دخول ، أو ثمن مدة خيار ، أو جعل قبل
العمل .
( لا المحال به) فإن أحال المكاتب سيده بدين الكتابة ، أو الزوج
امرأته بصداقها قبل الدخول ، أو المشتري البائع بثمن المبيع في مدة
الخيارين صح ، لأن له تسليمه وحوالته تقوم مقام تسليمه .
( الرابع : كونه يصح السلم فيه ) لأن غيره لا يثبت في الذمة ، وإِنما
تجب قيمته بالإِتلاف ، ولا يتحرر المثل فيه .
(الخامس : رضى المحيل ) لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه منه جهة
بعينها . قال في الشرح : ولا خلاف في هذا ، ولا يعتبر رضى المحال
عليه ، لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه ، وبوكيله ، وقد أقام المحتال
مقام نفسه في القبض ، فلزم المحال عليه الدفع إليه .
( لا المحتال إن كان المحال عليه مليئاً ) ويجبر على اتباعه. نص عليه،
للخبر.
( وهو) أي: المليء.
(من له القدرة على الوفاء وليس مماطلاً، ويمكن حضوره لمجلس الحكم)
نص أحمد في تفسير المليء : أن يكون مليئاً بماله وقوله ، وبدنه ، فلا
- ٣٦٥ -

يلزم رب دين أن يحتال على والده ، لأنه لا يمكنه إحضاره إلى مجلس
الحكم .
( فمتى توفرت الشروط برىء المحيل من الدين بمجرد الحوالة )
لأنه قد تحول من ذمته .
( أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات ) فلا يرجع على المحيل ، كما لو
أبراه ، لأن الحوالة بمنزلة الإيفاء .
( ومتى لم تتوفر الشروط لم تصح الحوالة ، وإنما تكون وكالة )
قال في الشرح : وإذا لم يرض المحتال ، ثم بان المحال عليه مفلساً ، أو
ميتاً رجع ، بغير خلاف . انتهى . وأن رضي مع الجهل بحاله رجع ، لأن
الفلس عيب في المحال عليه ، وإن شرط ملاءة المحال عليه فبان معسراً
رجع، لحديب (( المؤمنون على شروطهم)) رواه أبو داود.
- ٣٦٦ -

باب الصلح
وأحكام الصلح ثابت بالإجماع لقوله تعالى ( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ )(١)
وعن أبي هريرة مرفوعاً (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالا،
أو أحل حراماً)) رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم وصححاه .
( يصح ممن يصح تبرعه ) لأنه تبرع، فلم يصح إلا من جائز التصرف،
ولا يصح من ولي يتيم ، ومجنون وناظر وقف ، لأنه تبرع ولا يملكونه
إلا في حال الإنكار وعدم البينة ، لأن استيفاء البعض عند العجز أولى
من تركه . قاله في الشرح .
( مع الإقرار والانكار ) على ما يأتي .
( فإذا أقر للمدعي بدين ، أو عين، ثم صالحه على بعض الدين ، أو
عض العين المدعاة ، فهو هبة يصح بلفظها ) لأن الإنسان لا يمنع من
إسقاط حقه ، أو بعضه . قال أحمد : ولو شفع فيه شافع لم يأثم ، لأن
النبي ، صلى الله عليه وسلم ((كلم غرماء جابر فوضعوا عنه الشطر ،
وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر)).
(لا بلفظ الصالح) لأن معناه: صالحني عن المئة بخمسين - أي:
بعني - وذلك غير جائز، لأنه رباً وهضم للحق ، وأكل مال بالباطل ،
وإن منعه حقه بدونه ، لم يصح لذلك .
(١) النساء من الآية / ١٢٧ .
- ٣٦٧ -

( وإن صالحه على عين غير المدعاة، فهو بيع يصح بلفظ الصلح )
كسائر المعاوضات .
(وتثبت فيه أحكام البيع ) على ما سبق .
( فلو صالحه عن الدين بعين ، وأنفقا في علة الربا، اشترط قبض
العوضى في المجلس ، وبشيء في الذمة يبطل بالتغرق قبل القبض )
لأنه إذاً بيع دين بدين ، وقد نهي عنه . قال في الكافي : وذلك ثلاثة
أضرب . أحدها : أن يعترف له بنقد فيصالحه على نقد ، فهذا صرف
يعتبر له شروطه . الثاني : أن يعترف له بنقد فيصالحه على عرض أو
بالعكس ، فهذا بيع تثبت فيه أحكامه كلها . الثالث : أن يعترف له بنقد
أو عرض ، فيصالحه على منفعة كسكنى دار وخدمة ، فهذه إِجارة تثبت
فيها أحكامها . انتهى .
( وإن صالح عن عيب في المبيع صح ) الصلح لأنه يجوز أخذ العوض
عنه .
( فلو زال العيب سريعاً ) بلا كلفة ، ولا تعطيل نفع على مشتر ،
كزوجة بانت ومريض عوفي ، رجع بما دفعه، لحصول الجزء الفائت من
المبيع بلا ضرر، فكأنه لم يكن .
(او لم يكن) أي: العيب . كنفاخ بطن أمة ظنه حملاً، ثم ظهر
الحال .
(رجع بما دفعه) لأنه تبين عدم استحقاقه .
(ويصح الصالح عما تعذر عليه من دين أو عين ) كرجلين بينهما معاملة،
وحساب مضى عليه زمن ، ولا علم لواحد منهما بما عليه لصاحبه ، لما
- ٣٦٨ - .

روى أحمد وأبو داود (( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال لرجلين ،
اختصما في مواريث درست بينهما : استهما ، وتوخيا الحق ، وليحلل
أحدكما صاحبه)) ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول ، للحاجة ،
ولئلا يفضي إلى ضياع المال، أو بقاء شغل الذمة ، إِذ لاطريق إلى التخلص
إلا به ، فأما ما تمكن معرفته فلا يجوز . قال الإمام أحمد: إِذا صولحت
امرأة من ثمنها لم يصح، واحتج بقول شريح: أيما امرأة صولحت من
ثمنها ، لم يتبين لها ما ترك زوجها، فهي الريبة كلها . وقال : وإِن ورث
قوم مالاً ، ودوراً ، وغير ذلك ، فقال بعضهم : نخرجك من الميراث
بألف درهم أكره ذلك . ولا يشترى منها شيء وهي لا تعلم ، لعلها تظن
أنه قليل ، وهو يعلم أنه كثير ، إنما يصالح الرجل الرجل على الشيء
لا یعرفه، أو يكون رجلاً يعلم ماله عند رجل ، والآخر لا يعلمه فيصالحه ،
فأما إذا علم فلم يصالحه ؟! إِنما يريد أن يهضم حقه ، ويذهب به . قال
معناه في الشرح والكافي ، وصححه في الإنصاف، وقطع به في الإقناع.
قال في الفروع : وهو ظاهر نصوصه. انتهى . والمشهور أنه يصح لقطع
النزاع ، كبراءة من مجهول . قدمه في الفروع، وجزم به في التنقيح،
وحكاه في التلخيص عن الأصحاب .
( وافر لي بديني ، وأعطيك منه كذا فاقر، لزمه الدين ) لأنه لاعذر
لمن أقر، ولأنه أقر بحق يحرم عليه إنكاره .
(ولم يلزمه أن يعطيه) لوجوب الإقرار عليه بلا عوض . قال في
الشرح: وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً لم يصح، كرهه ابن عمر ،
وقالى ((نهى عمر أن تباع العين بالدين)) وكرهه ابن المسيب والقاسم
ومالك والشافعي وأبو حنيفة. وروي عن ابن عباس وابن سيرين
- ٣٦٩ -

والنخعي : أنه لا بأس به. وعن الحسن وابن سيرين : أنهما كانا لا يريان
بأساً بالعروض أن يأخذها عن حقه قبل محله . وإذا صالحه عن ألف
حالة بنصفها مؤجلاً اختياراً منه صح الإسقاط ولم يلزم التأجيل ، لأن
الحال، لا يتأجل . انتهى .
فصل
(وإذا انكر دعوى المدعي ، أو سكت وهو يجهله ثم صالحه صح الصلح)
إذا كان المنكر معتقداً بطلان الدعوى ، فيدفع المال افتداءً ليمينه ،
ودفعاً للخصومة عن نفسه ، والمدعي يعتقد صحتها ، فيأخذه عوضاً عن
حقه الثابت له . قاله في الكافي . وبه قال مالك ، لعموم قوله صلى الله
عليه وسلم (( الصلح جائز بين المسلمين)).
( وكان إيراء في حقه) أي : المدعى عليه ، لأنه ليس في مقابلة حق
ثبت عليه .
(وبيعاً في حق المدعي ) لأنه يعتقده عوضاً عن ماله ، فلزمه حكم
اعتماده .
( ومن علم بكذب نفسه فالصالح باطل في حقه ) أما المدعي : فلأن
الصلح مبني على دعواه الباطلة ، وأما المدعى عليه : فلأن الصلح مبني
على جحده حق المدعي ، ليأكل ما ينتقصه بالباطل .
( وما أخذ فحرام ) لأنه أكل مال الغير بالباطل ، لقوله صلى الله عليه
وسلم ((إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً)) قال في الكافي : وهو
في الظاهر صحيح، لأن ظاهر حال المسلمين الصحة والحق .
(ومن قال: صالحني عن الملك الذي تدعيه، لم يكن مقرا) له بالملك ،
لاحتمال إِرادة صيانة نفسه عن التبذل ، وحضور مجلس الحكم بذلك.
- ٣٧٠ -

( وإن صالح أجنبي عن منكر للدعوى ، صح الصلح ، أذن له أو لا)
لجواز قضائه عن غيره بإذنه وبغير إذنه ، لفعل علي وأبي قتادة . وتقدم
في الضمان .
( لكن لا يرجع عليه بدون إذنه ) لأنه أدى عنه مالا يلزمه فكان متبرعاً،
فإن كان بإذنه رجع عليه لأنه وكيله ، وقائم مقامه .
(ومن صالح عن دار ونحوها فبان العوض مستحقاً ) لغير المصالح ،
أو بان القن حراً .
( رجع بالدار ) المصالح عنها ونحوها إن بقيت ، وببدلها إِن تلفت
إِن كان الصلح .
( مع الإقرار ) أي : إِقرار المدعى عليه ، لأنه بيع حقيقة ، وقد تبين
فساده ، لفساد عوضه ، فرجع فيما كان له .
( وبالدعوى مع الإنكار ) أي : يرجع إلى دعواه قبل الصلح لفساده ،
فيعود الأمر إلى ما كان عليه قبله .
( ولا يصح الصلح عن خيار، أو شفعة، أو حد قذف ) لأنها لم تشرع
الاستفادة مال، بل الخيار للنظر في الأحظ ، والشفعة لإزالة ضرر الشركة
وحد القذف للزجر عن الوقوع في أعراض الناس .
( وتسقط جميعها ) بالصلح لأنه رضي بتركها .
( ولا يصح ) أن يصالح .
( شارباً أو سارقاً ليطلقه ) لأنه لا يصح أخذ العوض في مقابلته .
( أو شاهداً ليكتم شهادته) لتحريم كتمانها إِن صالحه ، على أن
لا یشهد علیه بحق الله تعالی ، أو لآدمي ، و کذا أن لا یشهد عليه بالزور ،
لأنه لا يقابل بعوص .
- ٣٧١ -

فصل
( ويحرم على الشخص أن يجري ماء في أرض غيره) بلا إذنه ، لأن فيه
تصرفاً في أرض غيره بغير إذنه ، فلم يجز ، كالزرع فيها ، وإن كانت له
أرض لها ماء لا طريق له إلا في أرض جاره ، وفي إجرائه ضرر بجاره ،
لم يجز إلا بإذنه ، وإن لم يكن فيه ضرر ففيه روايتان . إحداهما:
لايجوز، لما تقدم. والثانية يجوز، لما روي «أن الضحاك بن خليفة ،
ساق خليجاً (١) من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة
فأبى ، فكلم فيه عمر ، فدعى محمداً وأمره أن يخلي سبيله ، فقال :
لا والله . فقال له عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه ، وهو لك نافع تسقي به
أولاً وآخراً وهو لا يضرك ؟! فقال له محمد: لا والله ، فقال عمر: والله
ليمرن به ولو على بطنك ، فأمره عمر أن يمر به ، ففعل )) رواه مالك
في الموطأ ، وسعيد في سننه . ولأنه تفع لا ضرر فيه ، أشبه الاستظلال
بحائطه . قاله في الكافي والشرح وغيرهما، وأختاره الشيخ تقي الدين.
( أو سطحه) أي : ويحرم أن يجري ماء في سطح غيره .
(بلا إذنه ) لما تقدم .
(ويصح الصلح على ذلك بعوض) لأنه إما بيع ، وإما إِجارة فيصح ،
لدعاء الحاجة إليه .
(١) الخليج: هو النهر يؤخذ من النهر الكبير، والعريض: واد بالمدينة.
- ٣٧٢ -

(ومن له حق ماء يجري على سطح جاره، لم يجز لجاره تعلية سطحه)
ليمنع جري الماء) لأنه إبطال لحقه ، أو تكثير لضرره .
( وحرم على الجار أن يحدث بملكه ما يضر بجاره : كحمام أو كنيف
أو رحى أو تنور، وله منعه من ذلك) لقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ضرر
ولا ضرار)) رواه ابن ماجة . وأما دخان الطبخ والخبز، فإن ضرره
يسير ولا يمكن النحرز منه، فتدخله المسامحة. قاله في الشرح . وإن
كان له سطح أعلى من سطح جاره ، فليس له الصعود على وجه يشرف
على جاره ، إلا أن يبني سترة تستره ، لأنه إضرار بجاره فمنع منه ،
ودل عليه قوله ، صلى الله عليه وسلم ((لو أن رجلاً اطلع إليك فخذ فتة
بحصاة ففقات عينه لم يكن عليك جناح)) قاله في الشرح .
( ويحرم التصرف في جدار جار او مشترك ، بفتح روزنة (١)، أو
طاق ، أو ضرب وقد ونحوه ، إلا بإذنه ) لأنه تصرف في ملك غيره بما
يضربه .
( وكذا وضع خشب ) عليه إن كان يضر بالحائط أو يضعف عن
حمله فلا يجوز، من غير خلافٍ . قاله في الشرح، لحديث ((لا ضرر
ولا إِضرار)) وإِن كان لا يضر به، وبه غنى عنه، فقال أكثر أصحابنا:
لا يجوز . وهو قول الشافعي ، لأنه تصرف في ملك غيره بما يستغني
عنه ، واختار ابن عقيل جوازه، للحديث . قاله في الكافي، والشرح.
(إلا أن لا يمكن تسقيف إلا به ) ولا ضرر فيجوز .
(ويجبر الجار إن ابى) لحديث أبي هريرة يرفعه (( لا يمنعن جار
(١) الروزنة: الكوة، وهي معربة كما في مختار الصحاح .
- ٣٧٣ -

جاره أن يضع خشبة على جداره ، ثم يقول أبو هريرة : مالي أراكم عنها
معرضين ؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم)) متفق عليه .
( وله أن يسند قماشة، ويجلس في ظل حائط غيره) من غير إِذنه ،
لأنه لا مضرة فيه ، والتحرز منه يشق .
( وينظر في ضوء سراجه من غير إذنه ) لما تقدم ، ونص عليه في رواية
جعفر، ونقل المروزي: يستأذنه أعجب إليّ.
( وحرم أن يتصرف في طريق نافذ بما يضر المار، كإخراج دكان، ودكة)
قال في القاموس : الدكة بالفتح والدكان بالضم : بناء يسطح أعلاه
للمقعد، وفي موضع آخر الدكان : كرمان: الحانوت . قال في الشرح:
وأما الدكان فلا يجوز بناؤه في الطريق . بغير خلاف علمناه ، سواء
أذن فيه الإمام ، أو لم يأذن ، لأنه بناء في ملك غيره بغير إذنه . انتهى .
ولأنه إن لم يضر حالاً فقد يضر مآلاً . وليس للإمام أن يأذن إلا مافيه
مصلحة ، لا سيما مع احتمال أن يضر ، ويضمن مخرجه ما تلف به.
لتعديه .
( وجناح ) وهو : الروشن على أطراف خشب ، أو حجر مدفونة
في الحائط .
(وساباط) وهو : المستوفي للطريق على جدارين .
( وميزاب ) فيحرم إخراجها إلا بإذن الإِمام أو نائبه ، لأنه نائب
المسلمین فإذنه کإذنهم :
( ویضمن ماتلف به ) إن لم یکن أذن ، لعدوانه ، فإن کان فيه ضرر:
بأن لم يمكن عبور محمل ونحوه من تحته ، لم يجز وضعه ولا إذنه
- ٣٧٤ -

فيه ، فإن كان الطريق منخفضاً وقت وضعه ، ثم ارتفع لطول الزمن.
فحصل به ضرر وجبت إزالته . ذكره الشيخ تقي الدين . وقال مالك
والشافعي : يجوز إخراج الميزاب إلى الطريق الأعظم ، لحديث عمر
« لما اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزاباً إِلى الطريق ، فقلعه عمر ،
فقال العباس : تقلعه وقد نصبه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بيده !!
فقال عمر : والله لا تنصبه إلا على ظهري ، فانحنى حتى صعد على ظهره
فنصبه)) ولأن الناس يعملون ذلك في جميع بلاد الإسلام من غير نكير.
قاله في المغني ، والشرح . وقال في القواعد: اختاره طائفة من المتأخرين.
قال الشيخ تقي الدين : إِخراج الميازيب إِلى الدرب هو السنة، واختاره.
( ويحرم التصرف بذلك في ملك غيره ، او هوائه ، أو درب غير نافذ.
إلا بإذن أهله) لأن المنع لحق المستحق فإذا رضي بإسقاطه جاز . قال في
الشرح: فإِن صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين .
( ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في الملك والوقف ) إذا انهدم
جدارهما المشترك ، أو سقفهما ، أو خيف ضرره بسقوطه فطلب أحدهما
الآخر أن يعمره معه . نص عليه . نقله الجماعة . قال في الفروع:
واختاره أصحابنا ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ضرر ولا ضرار))
ولأنه إِنفاق على ملك مشترك يزيل الضرر عنهما ، فأجبر عليه . وعنه :
لا يجبر . اختاره الشارح، وأبو محمد الجوزي ، وغيرهما ، لأنه إِنفاق
على ملك لا يجب لو انفرد به ، فلم يجب مع الاشتراك كزرع الأرض .
وإِن لم يكن بين ملكيهما حائط فطلب أحدهما البناء بين ملكيهما لم
يجبر الآخر، رواية واحدة . وليس له البناء إلا في ملكه. قاله في
- ٣٧٥ -

الشرح . وإن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب، فاحتاج إلى عمارة ففي
إجبار الممتنع روايتان .
( وإن هدم الشريك البناء ، وكان الخوف سقوطه فلا شيء عليه)
لأنه محسن ، ولوجوب هدمه إذاً .
( وإلا لزمه إعادته ) لتعديه على حصة شريكه ، ولا يخرج من عهدة
ذلك إلا بإعادته .
( وإن أهمل شريك بناء حائط بستان انفقا عليه ، فما تلف من ثمرته
بسبب إهماله ضمن حصة شريكه ) قاله الشيخ تقي الدين ، وغيره .
- ٣٧٦ -

كتاب الحجز
(وهو : منع المالك من التصرف في ماله . وهو نوعان:)
(الاول: لحق الغير، كالحجر على مفلس) لحق الغرماء على .
(راهن ) لحق المرتهن .
( ومريض ) مرض الموت المخوف ، فيما زاد على الثلث من ماله ،
لحق الورثة .
( وقن، ومكاتب ) لحق السيد .
( ومرتد) لحق المسلمين ، لأن تركته فيء، وربما تصرف فيها تصرفاً
يقصد به إِتلافها ، ليفوتها عليهم .
( ومشتر ) شقصاً مشفوعاً .
( بعد طلب الشفيع) له ، لحق الشفيع .
( الثاني ) : المحجور عليه .
( لحظ نفسه كعلى صغير، ومجنون، وسفيه) لقوله تعالى ( وَلا
تُؤْتُوا السُّفُّهَاءِ أَمْوَلَكُمُ) (١) الآية قال سعيد وعكرمة: هو مال اليتيم لا تؤته
إياه ، وانفق عليه . فلا يصح تصرفهم قبل الإِذن . وقال تعالى ( وَأُبْتَوا
اٌلْيَانِى حَّى إِذا بَلَغَوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَأُدْفَمُوا إِلَيْهِمْ
(١) النساء من الآية / ٤.
- ٣٧٧ -

أَمْوالَُمْ)(١) فدل على أنه لا يسلم إليهم قبل الرشد ، ولأن إِطلاقهم
في التصرف يفضي إلى ضياع أموالهم وفيه ضرر عليهم .
( ولا يطالب المدين، ولا يحجر عليه بدين لم يحل) لأنه لا يلزمه أداؤه
قبل حلوله ، ولا يستحق المطالبة به ، فلم يملك منعه مما له بسببه .
( لكن لو أراد سفراً طويلا) يحل دينه قبل قدومه منه .
( فلغريمه منعه حتی یوثقه برهن يحرز ، أو کفیل مليء ) لأنه ليس
له تأخير الحق عن محله ، وفي السفر تأخيره . فإن كان لا يحل قبله ،
نني منعه روايتان .
( ولا يحل دين مؤجل بجنون) لأن الأجل حق له فلايسقط بجنونه.
( ولا بموت إن وثق ورثته بما تقدم) أي: رهنيحرز، أو كفيل مليء
اختاره الخرقي ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( من ترك حقاً فلورثته))
والأجل حق للمیت ، فینتقل إلى ورثته ، ولأنه لا يحل به ماله ، فلا يحل
به ما عليه كالجنون . وعنه: يحل ، لأن بقاءه ضرر على الميت، لقا.
ذمته مرتهنة به ، وعلى الوارث ، لمنعه التصرف في التركة ، وعلى الغريم
بتأخير حقه ، وربما تلفت التركة والحق يتعلق بها ، وقد لا يكون
الورثة أملياء فيؤدي تصرفهم إِلى هلاك الحق .
( ويجب على مدين قادر وفاء دين حالٍ فوراً بطلب ربه) لحديث
(( مطل الغني ظلم)) متفق عليه.
(وإن مطله حتى شكاه وجب على الحاكم أمره بوفائه ، فإن أبى حبسه)
لقوله صلى الله عليه وسلم (( ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته))
(٢) النساء من الآية / ٥ .
- ٣٧٨ -

رواه أحمد وأبو داود وغيرهما . قال الإِمام أحمد : قال وكيع : عرضه :
شكواه، وعقوبته : حبسه . وإِن لم يقضه باع الحاكم ماله وقضی دینه.
(( لأنه صلى الله عليه وسلم، حجر على معاذ وباع ماله في دينه)) رواه
الخلال وسعيد بن منصور . وعن عمر أنه خطب فقال (( ألا إِن أسيفع
جهينه رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج فادان معرضاً(١) فأصبح
وقد دين به، فمن كانله عليه دين فليحضر غداً فإِنا بائعون ماله، وقاسموه
بين غرمائه )) رواه مالك في الموطأ . قال في الشرح : وقال ابن المنذر :
أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين،
وكان عمر بن عبد العزيز يقول : يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس ، وبه
قال الليث . انتهى .
( ولا يخرجه حتى يتبين أمره ) أي : أنه معسر ، أو يبر المدين بوفاء
أو إبراء أو يرضى غريمه بإخراجه .
( فإن كان ذو عسرة وجبت تخليته وحرمت مطالبته والحجر عليه
مادام معسراً) نقوله تعالى ( فَإِنْ كَانَ ذو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ )(٢)
وقوله ، صلى الله عليه وسلم، في الذي أصيب في ثماره ((خذوا ماوجدتم
وليس لكم إِلا ذلك)) رواه مسلم . وفي إِنظار المعسر فضل عظيم ،
وأبلغها عن بريدة مرفوعاً (( من أنظر معسراً فله بكل يوم ، مثليه صدقة»
رواه أحمد بإسناد جيد .
(١) في هامش الأصل ما يلي : أراد بالمعرض: المعترض لكل من يقرضه.
وقيل: أراد أنه إذا قيل له : لا تستدن، فلا يقبل . وقيل : أراد معرضاً عن
الأداء .
(٢) البقرة من الآية / ٢٨٠.
- ٣٧٩ -

( وإن سال غرماء من له مال لا يفي بدينه الحاكم الحجر عليه أزمه
(اجابتهم) لحديث كعب ابن مالك (( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ،
حجر على معاذ وباع ماله )) رواه الخلال وسعيد في سننه . ولأن فيه
دفعاً للضرر عن الغرماء ، فلزم ذلك لقضائهم .
( وسن إظهار حجر الفلس ) وسفه ليعلم الناس بحالهما فلايعاملوهما
إِلا على بصيرة ، وإذا لم يف ماله بدينه : فهل يجبر على إِجازة نفسه ؟
فيه روايتان . إحداهما: يجبر. وهو قول عمر بن عبد العزيز وإِسحاق،
لما روي (( أن رجلاً قدم المدينة، وذكر أن وراءه مالاً ، فداينه الناس،
ولم يكن وراءه مال . فسماه النبي ، صلى الله عليه وسلم سرقاً وباعه
بخمسة أبعرة)) رواه الدارقطني بنحوه . وفيه أربعة أبعرة، والحر
لا يباع فعلم أنه باع منافعه . والثانية : لا يجبر ، لما روى أبو سعيد
(( أن رجلاً أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه ، فقال النبي ، صلى الله
عليه وسلم : تصدقوا عليه . فتصدقوا عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه .
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك))
رواه مسلم .
فصل
( وفائدة الحجر أحكام أربعة) (١).
( الأول : تعلق حق الغرماء بالمال ) لأنه يباع في ديونهم فكانت حقوقهم
متعلقة به كالرهن .
( فلا يصح تصرفه فيه بشيء ) كبيعه وهبته ووقفه ونحوها ، لأنه
حجر ثبت بالحاكم فمنع تصرفه ، كالحجر للسفه .
(١) إن لفظة، أربعة. لم تكن في متن الأصل، ولوجودها في بعض
مخطوطات المتن ذكرناها هنا .
- ٣٨٠ -