Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ - مقدمة التحقيق وقوله ◌َّ في الجرح: ((بئس أخو العشيرة))(١) وفي التعديل: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقيم الليل)). وقد بين هؤلاء من تقبل روايته ومن لا تقبل، وتكلموا في العدالة وموجباتها، وفي الجرح وأسبابه، وقد نص الخليفة عمر على العدالة ووضع أول الأسس لذلك في كتاب له إلى أبي موسى الأشعري فقال: ((والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرباً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد)». وقال الإمام مالك: لا يؤخذ العلم عن أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا یؤخذ من صاحبهوی یدعو الناس علی هواه،ولا من سفیه معلن بالسفه وإن کان من أروى الناس ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله ◌َلّ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث. خامساً: وضع قواعد لمعرفة الموضوع من الحديث: ومن هذه القواعد ما يدل على الوضع في السند، وما يدل عليه في المتن وذلك بعلامات هي : أ - علامات الوضع في السند : : أ - أن يعترف الراوي بأنه كذاب والاعتراف سيد الأدلة وأن يقر باختلاقه فيما روى وفي مثل هذا يقول أبو جزي للجالسين حوله وهو مريض: ((أشهدكم أني وضعت من الحديث كذا وكذا وإني أستغفر الله منها وأتوب إليه)) وهذا أقوى دليل على كون الحديث موضوعاً. ب - وجود قرينة تقوم مقام الاعتراف بالوضع كالرواية عن شيخ لم يلقه أو يروي عن شيخ في بلد لم يرحل إليه، أو يروي عن شيخ ولد الراوي بعد وفاته أو توفي هذا الشيخ والراوي صغير لا يدرك. جـ - أن ينفرد راو معروف بالكذب برواية حديث ولا يرويه ثقة غيره فيحكم على روايته بالوضع . د - حال الراوي نفسه. ٢ - علامات الوضع في المتن: أ - ركاكة اللفظ في المروي، ويعرف ذلك أهل اللغة والفصاحة من المحدثين. ب - فساد المعنى : كالأحاديث التي يكذب الحديث كقولهم: ربيع أمتي العنب والبطيخ أو قولهم: الباذنجان لما أكل له، أو الباذنجان شفاء منه كل داء أو كل حديث يشتمل على سخافات لا (١) سبق تخريجه. ٤٢ مقدمة التحقيق تصدر عن العقلاء فضلاء عن سيد الحلماء وخير الأنبياء الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً. جـ ـ ومنها ما يناقص نص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي. د - ومنها ما يدعيه البعض من أن الصحابة عرفوا بعض الأحاديث ولكنهم توطأوا على كتمانها، وللشيعة باع طويل في مثل هذه الدعاوي الكاذبة. هــ وكل حديث يخالف الحقائق التاريخية كحديث وضع الجزية عن أهل خيبر وهو كاذب من عدة وجوه ذكرها ابن القيم في عشرة أدلة قوية منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ وسعد توفي في غزوة الخندق فمتى شهد في خيبر؟ ومنها أن الجزية لم تكن نزلت حتى ذلك الحين ولا يعرفها الصحابة ولا العرب، وإنما فرضت بعد عام قبوله فأين خيبر منها؟ و - موافقة الحديث لمذهب الراوي المتعصب المغالي في تعصبه كالروافض والمرجئة هؤلاء في أهل البيت، وهؤلاء في الإرجاء. ز - ومنها اشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير. G م ألفاظ تدل على الصحة أو الحسن. من هذه الألفاظ: جيد - قوي - صالح - محفوظ - معروف - مجود - ثابت - مشبه . الجید : جاء في عبارة المحدثين: جيد وأجود، وجوّده، فمثلاً: أخرج الترمذي في باب ((ما جاء في الصدق والكذب)) قال: حدثنا يحيى بن موسى قال: قلت لعبد الرحيم بن هارون الغساني: حدثكم عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي - وَلّم قال: ((إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلاً من نتن ما جاء به)) قال يحيى: وأقر به عبد الرحيم بن هارون، فقال: نعم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، تفرد به عبد الرحيم بن هارون. ولما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أن أصح الأسانيد الزهري، عن سالم، عن أبيه. قال شيخ الإسلام: عبارة أحمد أحق الأسانيد، وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح. وعن علي - رضي الله عنه - قال: ((جعت مرة جوعاً شديداً، فخرجت لطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدراً، فظننتها تريد بله، فقاطعتها: كل ذنوب على تمرة، فعددت ستة عشر ذنوباً، حتى مجلت يداي، ثم أتيتها، فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي - ﴾﴾ - فأخبرته، فأكل معي منها» رواه أحمد. قال الشوكاني: حديث علي عليه السلام جود الحافظ إسناده. ا. هـ. قال البلقيني: من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة. وقال بعضهم: لا مغايرة بين جيد مصحح عندهم إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكته، كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد من بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح. القوي: وهو عندهم مثل الجيد. ٤٤ مقدمة التحقيق الصالح: قال أبو داود في شأن كتابه: ((ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه من حديث فيه وَوَهَنٌ شديد، فقد بينّه، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض)). فقد فهم من قوله: «وهن شدید بيّنته)) أن الحديث الذي فيه وهن لكنه ليس بشدید لا بينه، ويكون عنده صالحاً للاحتجاج به بقوله بعد ذلك: ((ما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح)). قال النووي، فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مطلقاً، ولم يصححه غيره من المعتمدين ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود، وعلله السيوطي بأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، ولا يرتقي إلى الصحة إلا بنص، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوط منه التعبير عنه بصالح. وإذا كان أبو داود يخرِّج عن كل من لم يُجْمَع على تركه، ويخرِّج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره - إلا أنه أقوى عنده من رأى الرجال - ولا ينبه على الضعيف إلا إذا اشتد وهنه، فيحتمل أن يريد بقوله: ((صالح)) الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضاً. وقال ابن كثير: إنه روى عنه: ((وما سكتُّ عليه فهو حسن))، فإن صح ذلك فلا إشكال. وبناء على ما تقدم يمكن أن نقول: إن التعبير بكلمة ((صالح)) صالحة لأن تكون بمعنى صالح للاحتجاج، فتشمل الصحيح والحسن لذاتهما ولغيرهما، وأن تكون بمعنى صالح للاعتبار، فتستعمل في الضعيف الذي يصلح أن يكون تابعاً أو شاهداً. وقال الشوكاني في مقدمه ((نيل الأوطار)): وقد اعتنى المنذري - رحمه الله - في نقد الأحادث المذكورة في سند أبي داود، وبین ضعف کثیر مما سكت عنه، فيكون ذلك خارجاً عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعاً فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها في هذا الشرح - يريد نيل الأوطار - ولذلك كثيراً ما يقول فيه: سكت عنه أبو داود والمنذري. المحفوظ : قال ابن حجر: إن خولف راوي الصحيح والحسن بأرجح منه لمزيد ضبطه أو كثرة عدده أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله، وهو المرجوح يقال له: الشاذ. فالمحفوظ: هو حديث الثقة الذي رجحت روايته على حديث الثقة الذي كانت روايته مرجوحة بأحد وجوه الترجيحات المعتبرة في الترجيح، ويقال لمقابله: الشاذ. المعروف : قال ابن حجر: فإن وقعت المخالفة مع الضعف، فإن كان الراوي المخالف ضعيفاً لسوء الحفظ أو الجهالة أو نحوهما فالراجح من الحديثين يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر. فالمعروف: هو حديث الثقة المخالف لحديث غير الثقة. وهو باعتبار الأغلب، وإلا ٤٥ مقدمة التحقيق فقد يطلق كل من المحفوظ والمعروف أحدهما على الآخر. المجود والثابت: وهما يشملان عند المحدثین الصحيح والحسن. المشبه : قال السيوطي: من ألفاظهم المشبه، وهو يطلق على الحسن، وما يقاربه، فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح. قال أبو حاتم: أخرج عمرو بن حصين أول شيء أحاديث مشبهةً حساناً، ثم أخرج بعد أحاديث موضوعة، فأفسد علينا ما كتبنا. اهـ. مبحث في ((ألفاظ خاصة عند أهل الجرح والتعديل)) لقد اعتنى علماء الحديث عناية خاصة بمصادر الأخبار التي تتوارد عليهم، ويفتشون في إسنادها، فالإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء. ومن لوازم معرفة الإسناد السؤال عن رجاله من حيث أمانتهم ومعتقداتهم وعباداتهم وسلوكهم يقول شعبة بن الحجاج: ما كانوا يأخذون عن الرجل حتى ينظروا إلى صلاته وهيئته وسمته . قال الشعبي في الربيع بن خيثم: كان من معادن الصدق. وقال: حدثني الأعور وكان كذاباً . وفي ثویر بن أبي فاخته قال الثوري: کان من أركان الكذب وکان الأعمش يروي عنه. قلت: وكان الأعمش سليمان بن مهران من أمراء المؤمنين في الحديث وقال في حجاج بن أرطاة: علیکم به فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وقال الأوزاعي في إسماعيل بن مهاجر الدمشقي: كان مأموناً على ما حدّث. تلك ألفاظ قد عرضناها لك أيها القارىء أطلقت في تجريح بعض الرواة وتوثيقهم، ولكنها لم تكن منظمة ولا محددة حتى جاء القرن الثالث والرابع الهجري حيث التدوين لسائر المعارف والعلوم التي تخدم الكتاب والسنة، ومنها وضع قواعد علم الجرح والتعديل حتى توثقت عراه واستقامت دعائمه، ورسخت قواعده وبينوا مرادهم في كثير من الألفاظ، وألفوا العديد من المصنفات الخاصة بالثقات وأخرى خاصة بالضعفاء والمتروكين والكذابين وثالثة جمعت بين الثقات والضعفاء إلى غير ذلك من كتب التواريخ المحلية معنية برجال الحديث بصفة رئيسية، وكذلك كتب الطبقات والأنساب، ومع هذه الجهود الطيبة الواعية والدقيقة إلا أنه ما من كمال إلا وهناك ما هو أكمل منه، وما من قانون بشري إلا وتتفاوت فيه العقليات وتعتريه المعضلات والمشكلات هي أشبه بالثغرات تخترق هذا الصرح الشامخ التليد. ٤٦ مقدمة التحقيق ومن هذه المعضلات : : اختلاف مراد بعض الأئمة في اللفظة الواحدة كقولهم: فلان ((ليس بشيء)) فأكثر النقاد يستعملونها ويقصدون بها غالباً الجرح الشديد الذي نزل عن درجة الاعتبار إلى درجة الترك؛ بينما يذكر لنا ابن القطان أن مراد يحيى بن معين من هذه اللفظة أن أحاديث هذا الراوي قليلة. أو اختلافهم في الراوي الواحد كقول أبي زرعة في خطاب ابن القاسم الحراني: ثقة بينما نقل سعيد البرذعي عنه أنه قال عنه: منكر الحديث يقال إنه اختلط قبل موته. كذلك تتجسم المشكلة حين تسمع بعض الألفاظ النادرة الاستعمال، وقد وردت على لسان أحد النقاد وهو يستعملها في تجريح أحد الضعفاء أو تعديل أحد الثقات فيصعب عليه معرفة مراده في بعض الأحيان هل أراد التوثيق أو قصد التجريح حتى إن الحافظ العراقي وهو إمام هذا الفن في وقته التبس عليه مراد أبي حاتم في قوله: (هو على يدي عدل) حيث عدها في ألفاظ التوثيق وهي في الحقيقة من ألفاظ التجريح. قال ابن العسقلاني: كنت أظن أنها من ألفاظ التوثيق حتى ظهر لي أنها عند ابن أبي حاتم من ألفاظ التجريح ومن وقف على عبارات القوم ومصطلحاتهم فيها فهم مقاصدهم ومراميهم، ولكن أسهل لك مهمة التعرف على بعض هذه العبارات التي استعملت في تجريح الرجال وتوثيقهم سأقوم بشرح بعض ألفاظها شرحاً مبسطاً لعلك بها تهتدي وبسلوك أهلها تقتدي(١). ((سِدَاد من عیش)) استعمل هذه العبارة أبو بكر الأعين في وصف حال سوید ابن سعيد الهروي حيث قال: (هو سداد من عيش هو شيخ) معنى اللفظ: [بكسر السين] كل شيء سددت به خللاً هذا قول أبي عبيدة في معناها. وقال النضر بن شميل: أي مايكفي حاجته. «کان فسلاً)» هذا التعبير استعمله شعبة بن الحجاج في اثنين من الرواة ميمون البصري الكندي، وسیف بن وهب التيمي. قال أهل اللغة: الفَسَل: الرّذِل النَّذْلُ لا مروءة له ولا جلد. وأخذوا من المعنى اللغوي المعنى الاصطلاحي الذي أراده وهو أنه ضعيف وأحاديثه ضعيفة ومعلّة. ((جمال المحامل)) استعملها المحدثون على معناها المجازي في تجريح الرواة وتعديلهم فقالوا: جمال (١) وقد استفدنا هذا المبحث القيم من كتاب د.سعد الهاشمي. ٤٧ مقدمة التحقيق المحامل أو جمالات المحامل أو ليس من أهل القباب يعنون به كمال الرجل في عقله وتجربته فتستعمل بالمعنى الاصطلاحي في التوثيق کما تستعمل في التجریح إذا سبقت «بلیس) أي ليس هو من جمال المحامل، وكذلك من أهل القباب أو ليس من أهل القباب. وأول من استعمل هذا التعبير هو الإمام مالك حيث جرح به عطاف بن خالد بن عبد الله بن العاص أبا صفوان المدني فقال عنه: ليس هو من جمال المحامل. ونقل المزني عنه أنه قال: ليس من أهل القباب ومعنى القباب الهوادج وهي مركب من مراكب النساء. قال صاحب المحكم: هو من العصى يجعل فوقه الخشب ثم يقبب، وقال ابن الأثير: القبة من الخباء بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب. وخلاصة القول فيه: أنه لا يقوى على تحمل الحديث. «ما أشبه حدیثه بثياب نيسابور)» هذا التشبيه استعمله الحافظ إبراهيم الجوزجاني لتضعيف رواية إسماعيل بن عيسى، وتجريحه مأخوذ من طريقة أهل نيسابور في بيعهم للثياب حيث يضعون عليها الأثمان العالية كي يغروا بها المشتري، ولعلهم اشتروها بأبخس الأثمان. قال الجوزجاني: قلت لأبي اليمان ((ما أشبه إسماعيل بثياب نيسابور يرقم بائعه على الثوب مائه، ولعله اشتراه بعشرة أو بدونها)»، وكان إسماعيل من أروى الناس عن الكذابين، وهو في حديث الثقات من الشاميين أحمدُ منه في حديث غيرهم. قال ابن عدي: إذا روى اسماعيل عن قوم من أهل الحجاز فلا يخلو من غلط فيغلط. أما أن یکون حديثاً برأسه أو مرسلاً يوصله أو موقوفاً يرفعه. (في دار فلان شجر يحمل الحديث)) هذا التعبير من مفردات علي بن المديني، وقد استعمله في تجريح اثنين من الرواة: عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة الذي روى عن سلام بن مطيع الخزاعي، خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العصفري أبو عمرو البصري. أما الأول فقد اتفق الأئمة على تضعيفه، بل اتهمه بعضهم بالوضع. وأما الآخر فقد غمزه ابن المديني ووثقه الكثير قال ابن عدي: ((وهو مستقیم الحدیث صدوق». «هو على يدي عدل)) هذه العبارة من ألفاظ التجريح وأول من استعملها أبو حاتم الرازي، وكان البعض يظنها من ألفاظ التعديل منهم الحافظ العراقي وقد نقل ذلك عنه تلميذه الحافظ بن حجر العسقلاني، والعبارة كما فهمها تلاميذ الحافظ العراقي أنها كتابة عن الهالك وهو تضعيف شديد . ٤٨ مقدمة التحقيق وذكرها أبو حاتم الرازي في جبارة بن المغلس وشبهه بالقاسم بن أبي شيبة وكلاهما ضعيف متروك الحديث. وكانت طريقة أبي حاتم في تجريحه لبعض الرواة ينعتهم بأكثر من لفظ أو يجمع ألفاظاً مترادفة، ويعقبها بلفظةٍ شديدة قاسية. فيذكر أحدهم مجرحاً له بقوله: ضعيف الحديث ليس بقوي هو علی یدي عدل. فقوله: ضعيف الحديث يعني من المنزلة الثالثة: أي لا يطرح حديثه بل يعتبر به. وقوله: لیس بقوي أي دون من قال فيه (لين الحديث) وهو الذي يكتب حديثه وينظر فیه اعتباراً، وقد يراد بها الذي لم يبلغ درجة القوي الثبت. وقوله: هو على يدي عدل أي أنه متروك الحديث أراد بهذا المنهج في عباراته التدرج في وصفه وبيان حاله حتى انتهى به إلى ترك حديثه والله أعلم. (لا یکتب عنه إلا زحفا» من مفردات أبي حاتم الرازي أيضاً، ولم يشاركه واحد من رجال الجرح والتعديل فيه. وقد استعملها أبو حاتم في خمسة من الرواة: خالد بن الياس أو إياس بن صخر بن أبي الجهم ابن حذيفة لم يوثق أحد من النقاد. عبد الحكم بن عبد الله القسملي. لم يوثقه أحد واتهمه البعض بالوضع. قال البخاري: منكر الحديث. عبد الخالق بن زيد بن واقد الدمشقي. ضعفه النقاد، ولم يعد له أحد منهم. داود بن عطاء المزني: لم يوثق أحد. حمزة بن نجيح أبو عمارة: يكتب حديثاً زحفاً كسابقيه. كان ممن أخرجت له الأرض أفلاذ أكبادها تعبير استعمله ابن حبان البستي في تجريح الرواة، وقاله في محمد بن عبد الرحمن البيلماني الذي كان ضعيفاً منكر الحديث مضطربه. قال ابن عدي: وكل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه وإذا روى عنه محمد بن الحارث فهما ضعيفان . ((قد عرفته)) هذه اللفظة تفرد بها الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك وإذا قال في الراوي: قد شرفته فقد أهلكه . وقد سئل عن عبد السلام بن حرب فقال : قد عرفته وقد عد الحافظ الذهبي هذه العبارة في المرتبة الثالثة من مراتب التجريح، وعدها الحافظ العراقي في المنزلة الثانية، ولعل ابن المبارك لا يقصد هلاكه لدرجة تركه فإن من النقاد من وثقه، وأن قصد بها مجرد التصنيف والله أعلم. ٤٩ مقدمة التحقيق اتق حيات سلم لا تلسعك لفظ تجريح استعمله ابن المبارك أيضاً في سلم بن سالم البلخي. سئل عنه ابن المبارك فقال: اتق حيات سلم لا تلسعك وقال من موضع آخر: هذا من عقارب سلم، وكان ابن المبارك يكذبه قال الخطيب البغدادي: كان رأساً من رؤوس الإرجاء ومن دعاة هذا المذهب، والذي أوقف ابن المبارك منه هذا الموقف أنه کان یروي الأحاديث الموضوعة ویسندها له. قال ابن الجوزي: اتفق المحدثون على تضعيف رواياته. دجال من الدجاجلة هذا التعبير استعمله إثنان من النقاد: الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة. وأبو حاتم محمد بن حبان البستي. قال الأزهري في تهذيب اللغة: كل كذاب فهو دجال وقد أطلق مالك هذه العبارة على محمد بن إسحاق صاحب المغازي والسير. واحتاط الأئمة والحفاظ من المحدثين من قبول هذا التجريح من مالك لمحمد بن إسحاق لأنهما من الأقران. واستعمله ابن حبان (دجال من الدجاجلة) في محمد بن أبي الزعيزعة وكان يروي الموضوعات. ((يفتعل الحديث)) هذا التعبير من استعمال أبي حاتم وأبي زرعة في تجريح: محمد بن أبان بن عائشة القصراني قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي وأبا زرعة يقولان : هو كذاب كان يفتعل الحديث وكان لا يحسن أن يفتعل. قال أبو زرعة: أول ما قدم ابن أبان مدينة ((الرّيّ)) قال للناس: أي شيء يشتهي أهل («الري» من الحديث؟ فقيل له: أحاديث في الإرجاء، فافتعل لهم جزءاً في الأرجاء. كما استعمل هذه العبارة أبو حاتم في تجريح سهل ابن عامر البجلي قال عنه البخاري : منكر الحديث وكل ما قلت فيه أنه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه. ولعلك ترى من خلق ابن أبان لأحاديث الإرجاء أنه كان كذاباً وضاعاً يختلق الأسانيد والمتون لترويج بدعة الإرجاء وذلك من أقوى الأدلة على أن عبارة ((يفتعل الحديث)) تعد من الألفاظ الصريحة الدالة على الوضع. ((فلان يزرف الحديث)) هذا التعبير نقله قرة بن خالد السدوسي البصري الثقة في تجريح محمد بن السائب من ميزان الاعتدال/ج٤٢/١ ٥٠ مقدمة التحقيق بشر الكلبي وكان يقول: كانوا يرون أن الكلبي يزرف أي يكذب وفي قوله: يزرف أي أنه كان يزيد في الحديث مثل يزلف قال عنه ابن حبان: كان سبيئاً من أولئك الذين يقولون : أن علياً لم يمت، وأنه راجع إلى الدنيا ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وإن رأوا سحابة قالوا أمير المؤمنین فیها. ((كان يشج الحدیث)) هذا القول استعمله معمر بن راشد الأزدى في تخريج إسماعيل بن شروس. والتبج اضطراب الكلام وتفننه یعني لم يؤت به على الوجه الصحيح، لکن استعمال معمر بن راشد لهذا التعبير في إسماعيل بن شروس يفيد أنه كان يضع الحديث لأن هذا التعبير كناية عن الوضع. كان ((مجالدٌ)) يجلد في الحدیث هذا من قول الشافعي في تجريح الرواة وهو نوع من تخفيف الجرح وتجنب الألفاظ الشديدة التي يستعملها بعصر الأئمة النقاد. قال إبراهيم المزني: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول فلان كذا. فقال: يا إبراهيم أُكْسُ ألفاظك أحسنها فلا تقل فلان كذاب ولكن قل: حديثه ليس بشيء وقال عن حرام الرواية عنه حرام ولم يقل: كذاب وكان رضي الله عنه يدعو على بعض الرواة ولم يصرح بتكذيبهم. ذكر له أبو جابر البیاض فقال: بيض الله عيني من يروي عنه. ((هو عصا موسى تلقف ما يأفكون)» انفرد بهذا القول ((مطين)) حيث جرح به الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وقد أوضح ((مطين)) هذا التعبير فقال عن أبي شيبة المذكور: ((كذاب ما زلنا نعرفه بالكذب مُذْ هو صبي)) وهذا القول من مطين من المنافسة التي تقع بين الأقران. قال أبو نعيم: وقع بين ابن أبي شيبة ومطين كلام حتى خرج كل واحد منهما إلى الخشونة والواقعية من صاحبه. حمالة الحطب، حاطب ليل هذا من استعمالات الناقد يحيى بن معين في تجريح النضر بن منصور الباهلي ويقال العنزي ويقال الغنوي قال عنه ابن معين ليس بثقة، كذاب وحمالة الحطب أم جميل زوجة أبي لهب في سورة ((المسد)) يضرب بها المثل في الخسران فيقال: أخسر من حمالة الخطب. كما استعمل تعبير ((حاطب ليل)) سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى الدمشقي الثقة الثبت في سعيد بن بشر الأزدى مولاهم أبو عبد الرحمن البصرى حيث قال عنه: كان حاطب ليل، ٥١ مقدمة التحقيق وإنما شبهه بحاطب الليل لأنه ربما نهشته الحية أو العقرب أثناء احتطابه ليلاً فكذلك المكثر من الکلام ربما یتکلم بما فيه هلاكه. قال ابن عدي: له عند أهل دمشق تصانيف ولا أرى بما يرويه بأسا، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق. قد فرغ منه دهر هذا التعبير استعمله الجوزجاني في تجريح حفص بن سلمان الأسدي أبو عمر البزار الكوفي القارىء (ت ١٨٠ هـ) وهذا الحديث كناية عن تجريحة وترك حديثه، ولم ينفرد الجوزجاني من تضعيفه لحفص بل ضعفه أيضاً معظم النقاد. هذه بعض ألفاظ الجرح والتعديل طولت في بعضها تطويلاً غير ممل واختصرت البعض الآخر اختصاراً غير مخل، لعلها تكون مناراً هادياً للمشتغلين بعلوم الحديث راجياً الله أن يتقبلها بقبول حسن إنه على ما يشاء قدير . ألفاظ الآداء لقد تعرضت بعض نسخ مخطوطات الكتاب لتبديل لفظ ((أخبرنا)) بلفظ ((حدثنا)) وبالعكس وكذا لبعض ألفاظ الآداء عند المحدثين، من أجل ذلك آثرنا هذا الباب تعميماً للفائدة فللأداء ألفاظ يؤدى بها: سمعت، وسمعنا حدثنا وحدثني، أخبرنا وخبرنا، وأخبرني، أنبأنا وأنبأني، قال لنا فلان، وذكر لنا، عن وإن وقال، قرأت على فلان أو قرىء على فلان وأنا أسمع فأقربه، حدثنا فلان قراءة عليه، فأخبرنا قراءة عليه، حدثنا فلان إجازة، أو أخبرنا مناولة، أو حدثنا مناولة، أو أخبرنا إذنا أو في إذنه، أو فيما أطلق لي في روايته عنه، أو أنبأنا إجازة، أجاز لي فلان أو أجاز لي كذا وكذا، أو ناولني، وما أشبه ذلك من العبارات، أخبرنا مشافهة، أو أخبرنا فلان بأن فلاناً حدثه، أو أخبره، أخبرني مكاتبةً أو كتابة، وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه، أخبرنا فلان بن فلان، ويذكر شيخه، وليسوا من سائر الإسناد والمتن، أو وجدت أو قرأت بخط فلان. بلغني عند فلان أو وجدت عند فلان أو نحو ذلك من العبارات، في كتاب ظننته أنه بخط فلان، أو في كتاب ذكر كاتبه أنه فلان ابن فلان، أو في کتاب قيل : إنه بخط فلان. أما («سمعت وسمعنا)): فمقتضى ما تفيده السماع من لفظ الشيخ، فلم يختلف أحد في جوازها من أدائه، ولكن أختلف هل هي خاصة به أو تجوز في غيره؟ فجوزها بعضهم من القراءة على الشيخ، والصحيح: لا يجوز. ووقع في عبارة السِّلفى في كتاب ((التسميع)): سمعت بقراءتي، وهو تسامح خاص بالكتابة أو رأي يفصل بين التقييد والإطلاق. وأما ((حدثني وحدثنا)»: فلا خلاف أيضاً في جوازه في السماع من لفظ الشيخ وهل يستعمل في غيره؟ مذهب يمنع، ومذهب يجيز، وهؤلاء هم الذين جعلوا القراءة على الشيخ كالسماع من لفظه، ومنهم من أجازها في الرواية بالمناولة، وحكي عن قوم جوازها في الرواية بالإجازة، كما ذهب غير واحد إلى جواز إطلاقها في الرواية بالمكاتبة، بل وأجازها بعضهم، فأطلق ٥٣ مقدمة التحقيق ((حدثنا)) في الوجادة، بل أطلق بعضهم ((حدثنا)) من غير ما تحمله عن الشيخ. والذي صححه ابن الصلاح، وحکی الاختيار عليه، وهو الذي علیه عمل الجمهور، المنع من إطلاق استعمال ((حدثنا)) في الرواية بالمناولة فما بعدها. والفرق بين ((سمعت و((حدثني)) و ((حدثنا)) أن السماع لا يقتضي قصد الشيخ له بالتحديث، والتحديث يقتضيه، و ((سمعت)) و((حدثني)) تقتضي أنه لم يكن معه غيره، ((وسمعنا)» و «حدثنا» تقتضي أن یکون معه غيره. وأما ((أخبرنا)) و((خبرنا)) ((وأخبرني))، فكانت في الاستعمال الأول مثل: ((حدثنا)» قبل أن يشيع تخصيص ((أخبرنا)) بما قرىء على الشيخ. ومنع منها ومن ((حدثنا)) في القراءة على الشيخ - ابن المبارك في آخرين، ومنهم من أجاز ((أخبرنا))، ومنع ((حدثنا)) وفرق بينهما في ذلك. وقال صاحب كتاب الإنصاف: إن ذلك مذهب الأكثرين من أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد، وإنهم جعلوا ((أخبرنا)) علماً يقوم مقام قائله: ((أنا قرأته عليه)) لا أنه لفظ به لي. قال ابن الصلاح: والفرق بينهما صار هو الغالب على أهل الحديث. أما إطلاق ((أخبرنا)) في الإجازة والمناولة والمكاتبة والوجادة - فمن أجاز إطلاق ((حدثنا)) أجازها، ومن منع منعها، غير أن بعضهم كان يخصص ((حدثنا)) من السماع، و ((أخبرنا)) في الإجازة، وممن فعل ذلك أبو نعیم. قال ابن الصلاح: والصحيح المختار الذي عليه عمل الجمهور، وإياه اختار أهل التحري والورع، المنع في ذلك من إطلاق ((حدثنا)) و ((أخبرنا)) ونحوهما من العبارات، وتخصيص ذلك بعبارة تشعر به، بأن يقيد هذا العبارات فيقول: ((أخبرنا)) أو ((حدثنا)) فلان مناولة، أو إجازة، أو (خبرنا)) إجازة، أو ((أخبرنا)) مناولة، أو ((أخبرنا)) إذناً، أو في إذنه، أو فيما آذن لي فيه، أو فيما أطلق لي روايته عنه، أو يقول: أجاز لي فلان، أو أجاز فلان، كذا وكذا، أو ناولني فلان، وما أشبه ذلك من العبارات. وأما الفرق بين ((أخبرنا)) و((أخبرني)) فما قرىء على المحدث وهو حاضر، فإنه يقول: ((أخبرنا)) وأما ما قرأ على المحدث بنفسه فيقول: ((أخبرني)) فلان. وخصص الأوزاعي الإجازة بقوله: ((خبّرنا)) بالتشديد، والقراءة عليه بقول: ((أخبرنا)). وأما أنبأني)) و ((أنبأنا)) فقد كان استعمالها مثل ((أخبرني))، و ((أخبرنا)) غير أن المتأخرين أطلقوا ((أنبأنا)) في الإجازة، وسار عليه عمل الناس . ٥٤ مقدمة التحقيق وقال الحاكم: الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما عرض على المحدث، فأجاز له روايته شفاها ((أنبأني)) فلان، وفيما كتب إليه المحدث ولم يشافهه بالإجازة: کتب إليّ فلان. وأما ((قال لنا)) و ((ذكر لنا)) فلان فهو من قبل ((حدثنا)» فلان، غير أنه لائق بما سمعه في المذاكرة، وهو به أشبه من «حدثنا)). وقال بعضهم: متى قال البخاري: ((قال لي)) و ((قال لنا» فاعلم أنه إسناد لم يذكره الإحتجاج به، وإنما ذكر للاستشهاد به، وقال أبو جعفر النيسابوري: كل ما قال البخاري: ((قال لي)) فلان فهو عرض ومناولة. وقال ابن الصلاح: وكثيراً ما يعبر المحدثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذكرات والمفاخرات، وأحاديث المذاكرة فلما يحتجون بها . وأما ((عن))، و((أن)) و ((قال))، و((ذكر)) فإنها محمولة على السماع إذا عرف اللقاء، وبرىء الراوى من وصمة التدليس عند البخاري. فإذا ورد عمن عرف من حاله أنه لا يقول: ((قال فلان)) إلا فيما سمعه منه حمل عليه. أما عند مسلم فيه محمولة على السماع متى ثبتت المعاصرة، وأمكن اللقاء، ولم يكن مدلساً. واشترط أبو مظفر السمعاني طول الصحبة بينهما. واشترط أبو عمرو الداني معرفته بالرواية عنه. واشترط أبو الحسن القابسي أن يدركه إدراكاً بيناً. قال شيخ الإسلام: من حكم بالانقطاع مطلقاً شدد، ويليه من شرط طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهل، والوسط الذي ليس بعده إلا التعنت مذهب البخاري ومن وافقه. وكثر في الأعصار المتأخرة استعمال ((عن)) في الإجازة، فإذا قال أحدهم: ((قرأت على فلان)) عن فلان فمراده أنه رواه عنه بالإجازة، وكذلك ((أنّ))، فيقولون في الإجازة: ((أخبرنا فلان أن فلاناً))، و ((أنّ)) مثل ((عن)) عند الجمهور، وقال بعضهم: إنها محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع. وحقق الخطيب أن ((قال)) ليست مثل ((عن))، فإن الاصطلاح فيها مختلف، فبعضهم يستعملها في السماع دائماً، كحجاج بن موسى المصيصي الأعور، وبعضهم بالعكس، لا يستعملها إلا فيما لم يسمعه دائماً، وبعضهم تارة كذا وتارة كذا كالبخاري، فلا يحكم عليها بحكم مطرد، ومثل ((قال)) ((ذكر)) ما واستعملها أبو قرة في سننه في السماع. ٥٥ مقدمة التحقيق قال ابن الصلاح: وربما دلس بعضهم، فذكر الذي وجد خطه، وقال فيه: عن فلان أو قال فلان، وذلك تدلیس قبیح إذا کان بحیث یوهم سماعه منه . وإذا وجد حديثاً في تأليف شيخ، فله أن يقول: ((ذكر)) فلان أو ((قال)) فلان: ((أخبرنا)) فلان أو ((ذكر)) فلان ((عن)) فلان، وهذا منقطع لم يأخذ شوباً من الاتصال، وهذا إذا وثق بأنه کتابه . وأما ((قرأت)) على فلان، أو ((قرىء)) على فلان، وأنا أسمع، فأقرّ به فهما الأصل في أداء ما تحمله المحدث بالقراءة على الشيخ الأولى فيما قرأه بنفسه، والثانية فيما قرأ غيره وهو ليسمع، ويليهما ((أخبرنا)) قراءة، و ((حدثنا)) قراءة. وأما ((حدثنا)) فلان إجازة، و((أخبرنا)) إجازة، أو ((أخبرنا)) إذناً، أو في إذنه، أو فيما أطلق لي روايته عنه، أو ((أنبأنا)) إجازة، فكل هذا خاص بالإجازة كأجازني، وأجاز لي. وأما ((حدثنا)) مناولة، أو ((أخبرنا)) مناولة، أو ((ناولني)) فهو خاص بالمناولة. وأما ((أخبرنا)) مشافهة، أو ((أخبرنا)) مكاتبة، أو فيما كتب إلي، أو في كتابته، فقد خصه قوم بالإجازة إذا كان قد أجاز بخطه، فهذا وإن تعارفه في ذلك طائفة من المحدثين المتأخرين، فلا يخلو عن طرف من التدليس لما فيه من الاشتراك والاشتباه بما إذا كتب إليه ذلك الحديث بعينه، ومنع منه - لذلك - أبو المظفر الهمداني. ولكن بعد أن صار اصطلاحاً عرى من ذلك فلا منع . وأما (كتب إليّ فلان)) فهذا خاص بالمكاتبة، ويليه ((أخبرني)) به مكاتبة، أو في كتابة، أو نحو ذلك من العبارات. وأما ((وجدت)) بخط فلان أو ((قرأت)) بخط فلان، أو في كتاب فلان، فهذا وما أشبهه هو الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً فيما تحمل بطرق الوجادة فيما إذا وثق بأنه خطه . وأما ((بلغني عن فلان)) أو ((وجدت عن فلان)) وما أشبهه فهو فيما إذا لم يثق بأنه خطه أو کتابة. هذه هي ألفاظ الأداء، ويمكنك أن تعلم مما تقدم أنها على مراتب في كل نوع من أنواع التحمل الذي يجوز استعمالها فيه. ما ينبغي أن يفعله الراوي عند الأداء: جرت العادة أن يحذف كتاب الحديث لفظة ((قال)) أو ((قيل له أخبرك فلان))، ولفظة ((أنه)) أو ((أنه قال))، فينبغي في كل هذا أن يأتي بها المؤدى لفظاً، وإن حذفت خطاً. ٥٦ مقدمة التحقيق واختلفوا فيما إذا لم يأت بها، هل يبطل السماع؟ . قال النووي: تركها خطأ، والظاهر صحة السماع. وتأتي ((قال)) تفسيراً للكلمة ((حدثنا)) و((أخبرنا))، فإذا قال: ((حدثنا فلان حدثنا فلان)) تقول أنت بعد حدثنا الأولى: ((قال حدثنا))، وكذلك ((أخبرنا))، وكذلك ((أنبأنا)). وتأتي ((قيل له: أخبرك فلان)) فيما إذا كان في أثناء الإسناد: ((قرىء على فلان: أخبرك فلان)) فالمؤدي يقول: ((قرىء على فلان: قيل له: أخبرك فلان)). أما إذا كان ((قرىء على فلان: حدثنا فلان))، فيقول المؤدي: ((قرىء على فلان: قال: حدثنا فلان)) . وإذا تكررت (قال)» حذفوا إحداهما في الكتاب، فينبغي للمؤدي الإتيان بها مثل : حدثنا صالح بن حيان قال الشعبي، فتقول: حدثنا فلان قال: قال. وتحذف لفظة ((أنه)) بعد ((عن)) مثل: ((عن عطاء بن ميمون، سمع أنساً) فيقول المؤدي: أنه سماع، أو أنه قال، مثل حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ﴾، فيقول المؤدي: حدثني مالك قال: عن ابن شهاب أنه قال: عنه حميد بن عبد الرحمن أنه قال عن أبي هريرة. وتارة يقتصر على الرمز، فيؤديه المؤدي كاملاً، فحدثنا يرمز إليها ((ثنا))، فتقرؤها ((حدثنا))، ومنهم من يحذف الثاء، ويكتبها ((نا))، فيقرؤها المؤدى: ((حدثنا))، وبعضهم يزيد دالاً أول الرمز ((دثنا)). فيقرؤها: ((حدثنا))، ومثلها ((ثني))، و ((دثني). و ((أخبرنا)» يكتبها ((أنا))، فيقرؤها ((أخبرنا))، وقد يزيدون راء بعد الألف: ((أرنا))، فتقرأ: (أخبرنا)). أما ((أخبرني)) و((أنبأنا)) و((أنبأني)) فلم يرمزوا إليها بشيء (١). (١) انظر ((غيث المستغيث)) لشيخنا السماحي. ((الذهبى)) بين يدي الترجمة : يحسن بنا - كمحققين لسفر جليل صنف في القرن الثامن الهجري - أن نصنّف حالتيه السياسية والاجتماعية وغيرهما، لنرى أثر ذلك جميعه في سبك صنعة الإمام الذهبي - وإن شئت قلت: ابن الذهبي - وعوامل نقش سبيكته !!. تحكي لنا كتب التاريخ الموثقة أن دولة الأيوبيين لما ضعفت وهرمت - كما هي سنة الله تعالى في الدول(١) - قامت على أنقاضها دولة المماليك البحرية، التي استطاعت كدولة فتية أن تنقذ العالم الإسلامي من خطر المغول الصاعق. وقتها، أي في أواخر القرن السابع الهجري وبداية القرن الثامن - بلغت دمشق شأواً كبيراً، ومكاناً مرموقاً في نشر الفكر الإسلامي، وتقوية دعائمه، حيث انتشر بها كثير من دور العلم العامرة من مدارس حديث، وقرآن وعلوم اللغة وآدابها، وقد برزت علوم معينة زاد اهتمام الناس - ولا سيما طلبة العلم بها - وهي علوم التفسير، والعقيدة، والفقه، والحديث. ومع ذلك فقد رأينا اختلافاً وتناقضاً عجيباً في نتاج تلك الحقبة - الفكري، فإلى جانب المصنفات التي امتازت بالمنهجية والحبكة وسعة العلم، رأينا مؤلفات هزيلة تكرر ما سبق، وتنعته، بل تحاکیه في أكثر الأحيان !!. وإيماناً وتصديقاً بأنه ما من دعوة ـ على حق أو على باطل - إذا ساندها سلطان فإنها ترسخ، وجزماً بأن الله - سبحانه - يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن - لذلك كله فقد رأينا جهلاً وخرافات وشعوذة شاعت في ذلك العصر، وما ذلك إلا بمساعدة الحكام المماليك الذين ساعدوا مشعوذي الصوفية على نشر خزعبلاتهم، ولم لا، وهذا رأسهم جميعاً الظاهر بيبرس البندقداري(٢) يعتقد في شيخ له هو الخضر بن أبي بكر بن موسى العدوي، وكان - كما ينعته (١) ينظر ((ديوان المبتدأ والخبر)) أو ((مقدمة العلامة ابن خلدون)). (٢) ت سنة ٦٧٦ هـ. ٥٨ مقدمة التحقيق الذهبي - صاحب حال؟ !! ونفس مؤثرة وهمة إبليسية، وحال كاهني(١). ولله في خلقه شؤون ! . إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل شهد ذلك العصر عراكاً مذهبياً وعقائدياً شديداً، دفع الحكام المماليك إلى الدخول فيه، ومناصرة بعض الفرق على بعض، وهم - أي المماليك - قد ساروا في هذا على سيرة سلفهم الأيوبيين، فقد كان هؤلاء يناصرون المذهب الشافعي في الفروع والأشعري في العقيدة، ولم يقف للمذهب الأشعري في ذلك الوقت إلا المذهب الحنبلي، الذي كثيراً ما كان يصطدم مع معتقدات الأشاعرة ويحاربها . وعليه، فقد ولد هذا التعصب ـ على ذمه - بعد تمزق المجتمع - نشاطاً علمياً واضحاً، يظهر جلياً في التراث الذي خلفه لنا من مصنفات وصل إلينا عدد غير قليل منها . وفي هذه الأحوال، والاضطرابات كانت نشأة شيخ الإسلام، وعلم الأعلام الإمام الذهبي. نسبه، مولده، نشأته : هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، التركماني الأصل، تنتهي أسرته بالولاء إلى بني تميم. وقد سکنت قديماً - مدینة میافارقین(٢) من أشهر مدن ديار بكر. ولد الذهبي في شهر ربيع الآخر سنة ٧٦٣ هـ(٣). وقد تكلم في معجم شيوخه عن أجداده، فذكر أن جده فخر الدين أبا أحمد عثمان كان أمياً، ولم يكن له نصيب من العلم، إلا أنه كان ((حسن اليقين بالله)) (٤) ويظهر أن جده هذا هو الذي قدم إلى دمشق وسكنها، وقد توفي بها سنة ٦٨٣ هـ وهو في عشر السبعين. وأما والده شهاب الدين أحمد، فقد ذكر أنه ولد سنة ٦٤١ هـ تقريباً، وانصرف عن صنعة أبيه - النجارة - إلى صنعة الذهب المدقوق، فنبغ فيها، واشتهر بالذهبي وقد طلب العلم، فسمع ((صحيح البخاري)) من المقداد القسي، وكان ديناً يقوم من الليل. وقد يسرت له مهنته هذه غنى وبحبوحة من العیش . وكان خيراً عاقلاً مديراً للمناشير بديوان الجيش ... ))(٥) وقد شيعه يوم وفاته في آخر (١) تاريخ الإسلام. (٢) معجم البلدان. (٣) ابن حجر: الدرر الكامنة ٤٢٦/٣. ومنها خرج القفال الشاشي صاحب الحلية. (٤) معجم الشيوخ. (٥) معجم الشيوخ. ٥٩ مقدمة التحقيق جمادى الأولى سنة ٦٩٧ هـ ـ خلق كثير من أهل دمشق، يؤمهم قاضي القضاة يومئذ عز الدين ابن جماعة الكناني . وقد عاش الذهبي طفولته وصباه في كنف عائلة علمية متدينة ، فقد رأينا أن مرضعته وعمته(١) من ذات الوقت كانت قد نالت قسطاً كبيراً من العلم، فقد نالت الإجازة من كثير من مشايخ عصرها مثل ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، كما أنها سمعت من عمر بن القواس، بل إن ابن أخيها الذهبيَّ روى عنها(٢). وللذهبي خال هو علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي، كان قد طلب العلم، وروى عنه الذهبي في معجم شيوخه، بل نعته بقوله :... الحاج المبارك أبو إسماعيل ... ))(٣). وكذلك رأينا زوج خالته فاطمة، أحمد بن عبد الغني بن عبد الكافي الأنصاري الذهبي المعروف بابن الجرستاني قد سمع الحديث، وقام بروايته، وكان حافظاً لكتاب الله تالياً له(٤). والمقصود أن الذهبي رحمه الله - ولد ونشأ في أسرة متدينة، لها شغف بالعلم، وبدهي - أن تعتني هذه الأسرة - والحالة هذه - بابنها محمد، فوجدنا أخا الذهبي في الرضاعة، وهو ابن العطار الشافعي(٥) ت٧٢٤ هـ، يبادر بالحصول على إجازات للذهبي من جملة من مشايخ عصره في سنة مولده(٦) وكان منهم: أبو العباس العامري(٧) _٦٧٣ هـ، وابن الصابوني(٨) - ٦٨٠ هـ، وأمين الدين بن عساكر (٩) ت ٦٨٦ هـ، والإمام محب الدين الطبري(١٠) _ ٦٩٤. ولذا قال ابن حجر في ترجمة ابن العطار: (( .. وهو الذي استجاز للذهبي سنة مولده، فانتفع الذهبي بعد ذلك بهذه الأجازة انتفاعاً شديداً)(١١). ثم لما شب الذهبي عن الطوق ذهب إلى أحد المؤدبين، وهو علاء الدين علي بن محمد الحلبي المعروف بالبصبص، وكان من أحسن الناس خطاً، وأعرفهم بتعليم الصبيان، وقد أقام الذهبي في مكتبه أربعة أعوام (١٢)، ثم انتقل الذهبي بعد إلى شيخه مسعود بن عبد الله الصالحي، فلقنه القرآن الكريم، ثم قرأ عليه نحواً من أربعين ختمة، وكان الشيخ مسعود إمام مسجد، وكان خيراً متواضعاً براً بصبيانه، لقن خلقاً(١٣). (١) واسمها ست الأهل بنت عثمان، الحاجة أم محمد. (٢) معجم شيوخ الذهبي. (٣) السابق. (٤) الذهبي، السابق. (٥) ابن كثير - البداية والنهاية ١١٧/١٤، ابن حجر: الدرر ٧٣/٣ - ٧٤. (٦) ابن حجر: الدرر ٤٢٦/٣ . (٧) معجم شيوخ الذهبي. (٨) السابق. (٩) السابق. (١٠) السابق. (١١) الدرر ٤٢٦/٣ . (١٢) معجم الشيوخ. (١٣) السابق. ٦٠ مقدمة التحقيق طلبه العلم : لما بلغ الذهبي الثامنة عشرة من عمره مال اهتمامه في طلب العلم - إلى ناحيتين رئيستين هما: القراءات والحديث الشريف. ففي القراءات: توجه الذهبي سنة ٦٩١ هـ وزملاؤه إلى شيخ القراء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العسقلاني، ثم الدمشقي المعروف بالفاضلي (١)، ولكن الشيخ الفاضلي يصاب بالفالج، فيقف الذهبي معه عند سورة القصص، ثم انتقل بعد وفاة الفاضلي سنة ٦٩٢ هـ إلى القراءة على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي المقرىء الدمشقي ت ٧٠٨ (٢)، فقرأ ختمة جامعة للقراءات السبع، بما شمل عليه كتاب ((التيسير)) للداني، وكتاب ((حرز الأماني)) للشاطبي وذلك على ابن جبريل المصري نزيل دمشق (٣). ومن ثم أصبح الذهبي ذا معرفة جيدة بالقراءات وأصولها، ودقائقها، وهو ما يزال بعد فتىّ لم يتخط العشرين، وقد حكى أن الشيخ شهاب الدين أبي عبدالله الخولي الدمشقي الشافعي ت سنة ٦٩٣ هـ قد سأله عن غير مسألة، فمن الله علیه وأجابه بما استحسنه حاضروه، فأجازه بمرویاته(٤) ولما اتسعت معرفة الذهبي بعلوم القرآن، كتب ((المقدمة في التجويد)» ثم توالت ختماته على شيوخ القراء في عصره(٥). ولبراعة الذهبي بعلم القراءات جعل ذلك الشيخ محمد بن عبد العزيز الدمياطي ثم الدمشقي الشافعي يتنازل عن حلقته لتلميذه الذهبي، فكان هذا أول منصب علمي يتولاه الذهبي فيما نعلم(٦). وأما الحديث: فقد اعتنى الإمام الذهبي بالحديث اعتناءً خاصاً، وعناية فائقة، وقد استغرق منه ذلك جل وقته، فسمع عدداً كبيراً جداً من الشيوخ والشيخات، وقرأ الكثير جداً من الكتب والأجزاء، بل أصيب بالشره في طلب الحديث طيلة حياته، حتى جشمه ذلك عناءً كبيراً، ولا أدل على شغفه بالطلب من أنه كان يروي عن شيوخ لا يرضى عن سيرتهم، فقد قال في ترجمته لعلاء الدين أبي الحسن علي بن مظفر الإسكندراني ثم الدمشقي، شيخ دار الحديث النفيسية، المتوفي سنة ٧١٦ هـ :.. ((ولم يكن عليه ضوء في دينه، حملني الشره على السماع (١) السابق. (٢) معجم الشيوخ. (٥) السابق بتوسع. (٣) الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٦. (٤) انظر معجم الشيوخ. (٦) د. بشار عواد معروف: ((الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام)» ص ٨٥.