Indexed OCR Text
Pages 281-300
وقدمت هذه المقالة كهدية تذكارية لكيستر لبلوغه سبعين عاماً. ونشرت في إسرائيل. وتحدث الأستاذ موراني في هذا المقال بشيء من التفصيل النقاط المذكورة من قبل. وقبل أن أناقش موراني لا بد من التمهيد لفهم الموضوع فهماً صحيحاً، وسأبين أولاً مسلك المحدثين من النقاد في النقد والمؤاخذة. وأبدأ فأذكر بالإجمال مكانة الإمام مالك عند المحدثين، ثم أبين انتقادات المحدثين لمالك، وبعد ذلك أستطرد الكلام إلى ابن أبي أويس. كلام الأئمة في شأن مالك بن أنس: روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة: فيفسره ابن عيينة وعبد الرازق وآخرون بأنه مالك بن أنس رحمه الله(١). وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر (٢). وذكر ابن أبي حاتم الرازي في كتابه الجرح والتعديل، فذكر مراتب الرواة، وأول مرتبة وأعلاها: هم الأئمة، ثم بدأ بذكر الأئمة، فكان مالك بن أنس (٣) أولهم(٣) . ومالك بن أنس هو كما قال الشافعي ((إذا جاء الأثر فمالك النجم))(٤). ويقول عنه الذهبي: شيخ الإسلام، حجة الأمة إمام دار الهجرة، حتى قال (١) تهذيب الكمال ٢٧ - ١١٠. (٢) تقدمة الجرح والتعديل ص١١ - ٢٣. (٣) آداب الشافعي ص١٩٦، تهذيب الكمال ص٢٧ - ١١٦. (٤) الانتقاء ص١٩ - ٢١ طبعة القاهرة. ٢٨١ البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، هذا هو مالك بن أنس رضي الله عنه وأرضاه. فهو إمام، وناقد، ورأس المتقنين، وكبير المثبتين، وهو النجم في سماء العلم، بالرغم من هذا العلم له قدسيته ومكانته وجلالته، فإذن مالك صاحب كل هذه الأوسمة الرفيعة الحقيقية يناقش على كل صغيرة وكبيرة (١)، فإذا قال مالك في درسه أو سجل في كتابه: عمر بن عثمان، واسمه الصحيح عمرو بن عثمان فهذا الوهم يسجل عليه على ملا من الناس، ويكتب ويسجل لأبد الدهر. وقد أورد الإمام مسلم عدة أحاديث منتقداً الإمام مالكاً رحمه الله. ويمكن للرجل أن يقول إن هذه النقاط يسيرة ما كان مستحسناً أن يسجل على الإمام ولكنه حق العلم، ما كان يسع النقاد أن يسكتوا ولو على شيء يسير. ملاحظات العلماء على مالك: ١ - قال الإمام مسلم: ((ذكر حديث منقول على خطأ في الإسناد والمتن. حدثنا مسلم، حدثنا إسحاق، أخبرنا عبد الرازق، قال سمعت مالكاً يقول: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل العراق قرناً. فقلت: من حدثك هذا يا أبا عبد الله؟ قال: أخبرنيه نافع، عن ابن عمر. فحدثت به معمر، فقال: قد رأيت أيوب دار مرة إلى قرن فأحرم منها. قال عبد الرازق: وأخبرني بعض أهل المدينة أن مالكاً بأخرة محاه من کتابه(٢). (١) انظر تفصيل ذلك في ((الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس))، للدار قطني. (٢) التمييز ص٢١٢. ٢٨٢ ثم قال مسلم: ذكر حديث آخر وهم مالك في إسناده: حدثنا مسلم، حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عباد بن زيد، - وهو من ولد مغيرة بن شعبة - عن المغيرة أنه ذهب مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لحاجته وساقه(١). ٢ - قال مسلم: فالوهم من مالك في قوله: عباد بن زياد من ولد المغيرة، وإنما هو عباد بن زيد بن أبي سفيان، كما فسره أبو أويس في روايته (٢). ٣ - قال مسلم: ((ذكر حديث وهم مالك بن أنس في إسناده: حدثنا مسلم، حدثنا قتيبة، حدثنا مالك، عن هشام عن أبيه، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر بن الخطاب .. )). قال مسلم: ((خالف أصحاب هشام هلم جراً مالكاً في هذا الإسناد في هذا الحدیث)» . والوهم من مالك في قوله: هشام عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر، وصوابه بدون أبيه(٣) . كما رواه عدة أصحاب هشام، وهم كلهم قد أجمعوا في هذا الإسناد على خلاف مالك . ٤ - وقال الشافعي: صحف مالك في عمر بن عثمان، وإنما هو عمرو بن عثمان (٤) ٥ - وقال الشافعي وصحف مالك في ((عبد الله بن قرير، وإنما هو عبد العزيز بن قرير))(٥). (١) التمييز ص٢١٩. (٢) التمييز ص٢١٩. (٣) التمييز ص ٢٢٠. (٤) آداب الشافعي ص٢٢٤. (٥) آداب الشافعي ص٢٢٥. ٢٨٣ ٦ - قال مالك: ((عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق عن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أنه أخبره .. فذكره)) . قال ابن وضاح قول مالك ((وهو من بني عبد الدار)) خطأ، طرحه ابن وضاح(١). وأكتفي هنا بهذا القدر، لأنه يوضح لنا نقد المحدثين للإمام مالك حتى في أبسط حرف هل هو عمرو بن عثمان أو عمر بن عثمان؟ ويبين لنا بكل وضوح أن النقاد من المحدثين لم يتساهلوا مع أي شخص مهما كانت منزلته. وعلى هذا علينا أن ندرس قضية إسماعيل بن أبي أويس في هذا السياق، لنقدر صرامة المحدثين، ودقة تعاملهم مع الرواة. أقوال النقاد في إسماعيل بن أبي أويس : قال الذهبي: ((مكثر فيه لين))(٢). وقال الذهبي في موضع آخر: ((الإمام الحافظ الصدوق))(٣). وقال أيضاً: ((وكان معلم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه على النقص في حفظه وإتقاته، ولولا أن الشيخين احتجا به، لزحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي)) (٤). قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ((لا بأس به (٥) . (١) الزرقاني على الموطأ ٧٩:١. (٢) ميزان الاعتدال ١ :٢٢٢. (٣) سير أعلام النبلاء ٣٩١:١٠ - ٣٩٢. (٤) سير أعلام النبلاء ٣٩٢:١٠. التسويد مني. (٥) الجرح والتعديل ١٨١:٢، تهذيب الكمال: ١٢٧:٣. ٢٨٤ ! ونقل أحمد بن زهير، عن ابن معين: صدوق، ضعيف العقل، ليس بذاك (١). علق عليه الذهبي: يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو أنه يقرأ من غير كتابه))(٢) وفي تهذيب التهذيب أو يقرأ من غير كتابه(٣). قال ابن أبي حاتم الرازي: ((سمعت أبي يقول: إسماعيل بن أبي أويس محله الصدق، وكان مغفلاً(٤). وذكر عثمان الدارمي عن ابن معين لا بأس به(٥). قال الدارقطني: ((لا أختاره في الصحيح(٦))). ونقل الخليلي في الإرشاد: أن أبا حاتم قال: كان ثبتاً في حاله(٧). وقال عبد الغني في الكمال: ((إن أبا حاتم قال: كان من الثقات))(٨). وقال إبراهيم بن جنيد عن يحيى: ((مخلط، يكذب، ليس بشيء))(٩). وقال النسائي: ضعيف(١٠). وقال النسائي في موضع آخر: ((غير ثقة))(١١). (١) الجرح والتعديل ٢: ١٨١. (٢) سير أعلام النبلاء ٣٩٢:١٠ - ٣٩٣. (٣) تهذيب التهذيب ٣١:١، تهذيب الكمال ١٢٧:٣. (٤) تهذيب الكمال ١٢٨:٣، والجرح والتعديل ٢: ١٨١. (٥) تهذيب التهذيب ١: ٣١٠، تهذيب الكمال ١٢٧:٣. (٦) تهذيب التهذيب ٣١١:١. (٧) تهذيب التهذيب ٣١١٠١. (٨) تهذيب الكمال ١٢٨:٣. (٩) تهذيب التهذيب ٣١١:١، تهذيب الكمال ٣١٧:١ - ٣١٨. (١٠) تهذيب التهذيب ٣١١:١، تهذيب الكمال ١٢٨:٣. (١١) تهذيب التهذيب ٣١١٠١، تهذيب الكمال ١٢٨:٣. ٢٨٥ وقال النسائي: ((محرف))(١). وقال النضر بن سلمة المروزي: ((ابن أبي أويس كذاب، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب))(٢). ونقل العقيلي في الضعفاء عن ابن معين: ((ابن أبي أويس يسوى فلسين)) (٣). ونقل العقيلي في الضعفاء عن ابن معين ((ابن أبي أويس لا يسوى فلسين)) (٤) . وذكر أحمد بن يحيى عن يحيى بن معين: ((ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث))(٥) . مناقشة موراني في ادعائه: وقبل أن أناقش الأستاذ موراني أود أن أُذكّر بما كتبته قبل قليل عن محاسبة المحدثين لإمام الأئمة مالك بن أنس نفسه، حيث لم يغفر له، لأنه كان قد أخطأ في عمرو بن عثمان، فقال: عمر بن عثمان. في بيئة يصل تقديس العلم وحرية البحث، والتنقيب عن الصواب إلى هذه المنزلة الرفيعة، يكون من المستحيل أن يضع إسماعيل بن أبي أويس أحاديث موضوعة أو حديثاً واحداً موضوعاً لحل الاختلافات الفقهية ولا يجد الباحث دليلاً مادياً ملموساً واحداً على ذلك. وكنت أتمنى من الأستاذ موراني، وهو ينتمي إلى المدارس الغربية المولعة بالتحليل، وضرب النصوص الصحيحة الواضحة عرض الحائط - وسأقدم دليلاً (١) الضعفاء للنسائي ص٢٨٥. (٢) تهذيب التهذيب ٣١١:١. (٣) تهذيب التهذيب ٣١١:١. (٤) تهذيب الكمال ١٢٨:٣. (٥) تهذيب الكمال ١٢٧:٣. ٢٨٦ على هذا في ردي على كتابات نورمان كلدر - كنت آمل أن يحلل النص، ليعرف هل هناك احتمال خطأ في نسبة هذا القول إلى إسماعيل بن أبي أويس؟ متى ولد إسماعيل بن أبي أويس: المصادر لا تذكر إلا تاريخ وفاته. وقد مات والد إسماعيل، وهو أبو أويس عبد الله بن عبد الله المدني سنة سبع وستين ومائة (١) وقد روى عنه ابنه، إذن في ضوء تاريخ وفاته. يكون التاريخ التقريبي لولادة إسماعيل في حدود ١٤٥ - ١٥٠ هـ، وبهذا يكون عمره عند وفاته ما يقارب ثمانين سنة. إذن فهذا التاريخ التقريبي لولادته مقبول جداً. وإسماعيل بن أبي أويس لم يكن من النوابغ مثل مالك بحيث يكون عنده حلقة في أيام مراهقته، بل كان عليه أن يتعلم أولاً، ثم يكسب المكانة في المجتمع المدني العلمي ثانياً، حيث يصغى لما يروي ويحدث، إذن ليصل إلى هذه المنزلة الرفيعة لا بد أن يكون في حدود الأربعين من عمره، فإن كان الأمر كذلك فهذا سيكون بعد وفاة مالك بن أنس رضي الله عنه. كان في ذلك الوقت بالمدينة من كبار أتباع التابعين، فمن كان يصغي الإسماعيل بن أبي أويس إذا جاء بشيء لحل المشاكل فيما بينهم، وكأنهم ما كانوا يستطيعون كشف هذا التلاعب. مما لا شك فيه أنه كانت تربطه صلات عائلية مع الإمام مالك، ولكنه إذا انفرد بشيء فماذا سيكون موقف المحدثين والنقاد منه؟. فلو نظرنا إلى ابن وضاح الراوي عن يحيى بن يحيى الليثي للموطأ وآخرين، نجد أنهم يقارنون بين مختلف الروايات - ويكون ذلك واضحاً لمن يلقي النظرة بهامش هذه الطبعة من الموطأ، فإن كانت هناك زيادة أو تصحيف أو (١) تقريب التهذيب ص٣٠٩. ٢٨٧ تحريف، فلن تفوت الباحثين. وكذلك فيما سجله الجوهري في مسند مالك دليل على مقارنة المحدثين لمختلف الروايات وتسجيل الفروقات بينها. إضافة إلى أن المبدأ المشهور عند المحدثين والمنقول عن الإمام مالك نفسه أن من يكذب في كلامه ولو أنه كان لا يكذب في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم فلا تقبل روايته. وهذا معروف لطلبة العلم قديماً وحديثاً. قال مالك: (( ... ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم)(١) . وسئل ابن حنبل: ((عن محدث كذب في حديث واحد، ثم تاب ورجع، قال: توبته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يكتب حديثه أبداً)(٢). وقال رافع بن أشرس: ((كان يقال: إن من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه))(٣). وقال سفيان الثوري: ((من كذب في الحديث افتضح. قال أبو نعيم وأنا أقول: من همّ أن يكذب افتضح))(٤). فإذا افترضنا أن إسماعيل وضع أحاديث لعلها كانت في شبابه كما تأوّل له ابن حجر، فكيف يأتي إسماعيل بن أبي أويس نفسه ويكشف سره ويفضح نفسه بنفسه، فإذا اعترف أنه كان يضع الحديث فتصبح كل مروياته هدراً. وهذا لا يعمله حتى الرجل الخبيث، بل من يعترف بهذا يكون مجنوناً. (١) الكفاية ص١١٦. (٢) الكفاية ص١١٧. (٣) الكفاية ص ١١٧. (٤) الكفاية ص ١١٧ - ١١٨. ٢٨٨ في ضوء هذه الملاحظات يصعب على المرء أن يقبل ما ذكره سلمة بن شبيب في شأن إسماعيل، فأجزم أنه قد وقع خطأ ما، لأن الأمر غير طبيعي. أما إعراض النسائي رحمه الله عنه، فعندما سمع شيئاً أراد أن يحتاط لنفسه، فترك الرواية عنه. وقد روى عنه بقية الأئمة مباشرة أو بواسطة، وهؤلاء الجماعة ليسوا أقل تيقظاً من النسائي رحمهم الله جميعاً. وعلى هذا أرى أن نسبة هذا القول إلى إسماعيل بن أبي أويس بأنه اعترف بوضع الحديث كلام غير مقبول. ٢ - القول بأن المحدثين خففوا من وقع هذه التهمة، وذكروه في عبارة قصيرة مبهمة، بناء على ما ذكره ابن حجر في هدي الساري فهو كلام غير صحيح، لأن ابن حجر نفسه في كتابه تهذيب التهذيب يكتب مفصلاً في هذا الموضوع، بل ينقل نصوصاً أخرى زيادة على ما جاء في محادثة النسائي. فمثلاً يقول: قال الدولابي في الضعفاء: سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: ابن أبي أويس كذاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب(١). وقال أبو الفتح الأزدي حدثني سيف بن محمد: ابن أبي أويس كان يضع الحديث(٢) ثم ذكر حكاية سلمة بن شبيب بالتفصيل(٣). إذن اتهام المحدثين بأنهم حاولوا الإخفاء والتستر في ظل عبارة قصيرة مبهمة كلام يخالفه الواقع. أما المزي رحمه الله فلم يذكر في ترجمته في تهذيب الكمال هذه الواقعة، ومن المعلوم لطلبة العلم أن المزي لم يكن مالكياً حتى يتهم بالتستر، وقد أشار إلى الاتهام، ولم يذكره بالتفصيل، وربما لعدم صحته عنده. (١) تهذيب التهذيب ٣١١:١. (٢) تهذيب التهذيب ٣١٢:١. (٣) انظر تهذيب التهذيب ٣١٢:١. ٢٨٩ وقد ذكر الذهبي(١) قصة النسائي بالتفصيل، وبالرغم من ذلك لم يلتفت إليها، وأصدر حكمه قائلاً: وكان عالم أهل المدينة، ومحدثهم في زمانه، على النقص في حفظه، وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجا به لزحزح حديثه من درجة الصحيح إلى درجة الحسن هذا الذي عندي(٢). والذهبي ليس مالكياً، وبالرغم من ذلك لا يقبل الاتهام الموجه إلى ابن أبي أويس في قول سلمة بن شبيب. ٣ - وهناك فرق بين الحديث الموضوع والغريب والفرد، ليس هذا محل البحث في هذه القضية. ومن يكتب ويتهم المحدثين، عليه أن يفهم منهجهم، ودقة أسلوبهم ولغتهم، ومصطلحاتهم ثم يناقش. ٤ - ليس اسم إسماعيل بن أبي أويس دائماً في قائمة الضعفاء، فالذين عدّلوه عملياً الإمام البخاري، والإمام مسلم عندما أخرجا أحاديثه في صحیحیھما . وقد أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل. وأثنى عليه ابن معين. وأثنى عليه أبو حاتم الرازي. وقد مرت نقول عن هؤلاء من قبل. وأثنى عليه الدارقطني، لأن قوله: ((لا أختاره في الصحيح)) ليس نقداً لابن أبي أويس بقدر ما هو كلام موجه إلى الإمام البخاري رحمه الله. وقد اعتمد الإمام البخاري على أصول ابن أبي أويس، والرجل نفسه لم يكن إلا واسطة لاتصال الإسناد، وإلا فالكتاب لمن هو قبله. ومما لا شك فيه هؤلاء ليسوا من المالكية، ولا يدافعون عن وجهة نظرهم، ولكنهم يتصرفون حسبما (١) سير أعلام النبلاء ١٠ : ٣٩٤. (٢) سير أعلام النبلاء ٣٩٢:١٠. ٢٩٠ تملي عليهم ضمائرهم في ضوء المقاييس العلمية المعتبرة عند العلماء والباحثين. بقيت هناك مسألة واحدة في حاجة إلى الإجابة، وهو قوله: ((وهناك راو آخر أسهم في نقل المذاهب الفقهية لأهل المدينة التي تعتمد في بعضها على إملاء مالك (المتوفى ٢٢٦ - ٢٧ - ٨٤٠ - ٤١) ألا وهو أيضاً كتلاميذ مالك السابق ذكرهم يعتبر بمثابة مرجع مباشر لابن حبيب في الواضحة))(١). من الضروري تحليل محتويات الواضحة وفصل المواد حسب المصادر لمعرفة المواد التي دخلت في الواضحة من طريق إسماعيل. هل هي أحاديث وآثار فقط، أو آراء فقهية لمالك وحدها، أو مجموع الاثنين. بعد تحليل مواد الواضحة وإرجاعها إلى المصادر الأولية يتبين ما هو الدور الذي لعبه ابن أبي أويس في تكوين الواضحة، ثم المواد التي دخلت في الواضحة عن طريق ابن أبي أويس هل لها شواهد ومتابعات، أو انفرد بها إسماعيل؟ وإن كان انفرد بها إسماعيل فهل هذه المواد تنسجم مع الأصول المالكية أو شاذة تتجه إلى طريق جديد. وهذا الشكل الأخير هو الذي يتطلب التوقف في قبول مرويات ابن أبي أويس التي انفرد بها، وقد يقوي كلام سلمة بن شبيب، قبل أن يصل الباحث إلى نتيجة يؤيدها الواقع، وإن طرح الشكوك وزرع الارتياب بمجرد التخمين ليس من البحث العلمي في شيء. بل يدل على الحالة النفسية للباحث. وسأذكر بعض الأمثلة للتوضيح. يذكر الأستاذ موراني أنه ((دارت المناقشات الفقهية في حلقات الفقهاء في القيروان حول مسألتين: (١) دراسات في مصادر الفقه المالكي ص ٦٠. ٢٩١ المسألة الأولى: الحكم الشرعي الذي يحتج بوجهة نظر خاصة ((رأي)) أو الذي من الممكن أن نصفه بمصطلح ((فقه)). أو الأحكام الشرعية التي مصدرها الأسوة عن أفعال أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أو عن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وهو ما وصف بأنه ((أثر)) أن لقمان بن يوسف (المتوفى ٣١٩هـ) وهو تلميذ ابن بسطام الذي مال إلى القول بالرأي في الفقه مثل ابن عبدوس أكثر مما مال إليه معارضه ابن سحنون، يروي لنا رواية صادقة في هذا الشأن، ويقول: إن ابن عبدوس يعتبر أن فهم مسألة فقهية هامة يعد ذا مرتبة أعلى من معرفة أسماء أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم مثل أبي سعيد الخدري أو أبي هريرة، حينما قال: افهم هذه المسألة، فإنها أنفع لك من معرفة اسم أبي هريرة، وفي رواية عن حمّاس: هذا أحب إليّ من معرفة اسم أبي سعيد الخدري)»(١) . لقد استنتج موراني من قول ابن عبدوس بأنه كان يذهب في الفقه إلى الأخذ بالرأي مع ترك الأثر ومخالفته حتى ولو كان الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. فالأخذ بالرأي الشخصي مخالفة بذلك ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بدون توجيه أو تأويل لا يقول به المسلم العادي فضلاً عن الفقهاء، وهذا من البدهيات عند المسلمين. وهذا النوع من الاختلاف قد وقع في عهد الصحابة نفسه. وعلى سبيل المثال رضاعة الكبير. عندما جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وذكرت مشكلة سالم مولى أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله: كنا نرى سالماً ولداً، (١) مصادر الفقه المالكي ص١٤٣ - ١٤٤. ٢٩٢ وكان يدخل عليّ وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرضعيه خمس رضاعات فيحرم بلبنها: وكانت تراه ابناً من الرضاعة. فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحببن أن يدخل عليهن من الرجال. وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس. وقلن: لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلاَّ رخصة من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في رضاعة سالم وحده، لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد. فعلى هذا كان أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم في رضاعة الكبير))(١). هنا عندما تترك سائر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم العمل على هذا الحديث لم يقل واحد منهن: هذا رأيها، وأنها تخالف ما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، بل كان فهمهن أن هذه القضية خاصة كانت لسهلة بنت سهيل فقط، وليس حكماً عاماً لكافة المسلمين، بينما رأت أم المؤمنين عائشة أنها قاعدة عامة، وليست خاصة. إذن في تطبيق الأحاديث النبوية والأوامر المصطفوية يختلف العلماء، وكل يجتهد أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم بأفضل طريق يمكن اتباعه، وقد يكون مسلم عادي يخالف ما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، بل يخالف ما جاء في كتاب الله، ولكنه عندما يخالف يعترف بضعفه، وانسياقه وراء الشهوات، ويطمع في رحمة ربه، ويسأله العفو والغفران. (١) الموطأ، الفقرة ٢٢٤٧، (المطبوع، كتاب الرضاعة ١٢). ٢٩٣ أما أن يأتي رجل أو عالم من العلماء الكبار ثم يزعم بأنه يخالف ما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية مخالفة صريحة مرجحاً رأيه فهذا هو الخذلان الأكبر، المخرج من ملة الإسلام، ولا يقول به مسلم عادي فضلاً عن الفقهاء . ولا يمكن فهم هذا بمجرد معرفة اللغة العربية لأنه بعيد عن روح المجتمع الإسلامي، وجاهل بأحاسيسه. لكنه يا ترى هل استدلال موراني بكلام ابن عبدوس: «أن فهم مسألة فقهية هامة يعد ذا مرتبة أعلى من معرفة أسماء أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم) ويدل على ترجيح الرأي على الأثر بالأحرى على الأحاديث النبوية؟. مما لا شك فيه أن الأستاذ موراني قرأ ترتيب المدارك بكامله بالإمعان، ولا أدري لم غفل عن النص الآتي؟! قال حمّاس: ((كان ابن عبدوس يلقي علينا المسائل، فإذا أشكلت شَرَحها، فلا يزال يفسرها حتى نفقهها، فيسر بذلك، وإن لم يرنا فهمناها غمه. قال لقمان: بلغ ابن عبدوس أن محمد بن سحنون قال يوماً، يتكلمون في الفقه، ولعل أحدهم لو سئل عن اسم أبي هريرة ما عرفه، فكان ابن عبدوس ربما قال للرجل من أصحابه: افهم هذه المسألة فإنها أنفع لك من معرفة اسم أبي هريرة. وفي رواية عن حماس، هذا أحب إليّ من معرفة اسم أبي سعيد الخدري، تعريضاً بابن سحنون لعلمه بالرجال))(١). فالنص واضح وصريح. ويوضح أن فيه تعريضاً بمحمد بن سحنون الذي كان قد هاجمه من قبل لتدريسه الفقه. فالاستدلال من هذه الحادثة على معارضة ابن عبدوس الأثر، وما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم هو نتيجة تفكير خصب سقيم للوصول إلى نتيجة مطلوبة. (١) ترتيب المدارك ١٢١:٣ - ١٢٠. ٢٩٤ وحتى لو لم يكن هناك تعريض بابن سحنون، فكلام ابن عبدوس في محله، لأن هناك عشرات الأقوال في اسم أبي هريرة، والأمة الإسلامية من عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى الآن تذكره باسم أبي هريرة، وما دام الناس اختلفوا في اسمه اختلافاً كبيراً فيتعذر الوصول إلى الحقيقة، ومنزلة أبي هريرة عند المسلمين هو في ذاته، وأنه من كبار الصحابة في مجال العلم، وراوٍ لأكبر عدد من الأحاديث النبوية، فأياً كان اسمه لا يؤثر في مروياته بشيء. لذلك فإن معرفة اسمه أو عدم معرفته سیان. المسألة الثانية : ذكر موراني نقلاً عن أبي العرب أن ابن سحنون كان عالماً بالآثار، ثم وضح موراني كلام أبي العرب قائلاً: ((أي أنه عارف بمرويات الصحابة، وقد أثنى عليه أيضاً بفضل ما نسب إليه من علم الرجال. أما المناظرة حول الفقه والأثر التي دارت على الملأ في جامع القيروان الكبير لم تكن إلا نقاشاً من حيث مبادئ فقهية. لأن الفقرات الفقهية التي يرويها ابن أبي زيد بتوسع في مؤلفه عن ابن سحنون ليست إلا تعاليم متركزةً على الرأي مهملاً في ذلك الحديث كمصدر أساسي في التشريع)»(١). يمكننا أن نستخرج من هذا النص النقاط التالية للمناقشة: ١ - ابن سحنون كان عالماً بالآثار يعني بمرويات الصحابة، وكانت لديه معرفة بعلم الرجال. ٢ - المناقشة أو بالأحرى المناظرة التي جرت بين الأخذ بالأثر أو الأخذ بالرأي، فقد مال ابن سحنون إلى الأخذ بالرأي. ٣ - ومفهوم الأخذ بالرأي هو إنكار الأحاديث النبوية كمصدر أساسي (١) مصادر الفقه المالكي ص ١٤٤ - ١٤٥. ٢٩٥ للتشريع عند محمد بن سحنون، مستدلاً بفتاواه الفقهية أو بالفقرات الفقهية المنقولة عنه في كتاب ابن أبي زيد. إذا كان محمد بن سحنون عالماً وحافظاً للآثار، وقد كان يتعرض لابن عبدوس على عدم معرفته بالآثار فيستغرب أن يكون هو الآخر يهمل الحديث كمصدر أساسي للتشريع. ولا يمكن لمسلم سواء أكان من أصحاب الرأي أم الأثر إنكار حجية السنة النبوية، لأن إنكار حجيتها مخرج من الإسلام. والسبب في سوء الفهم عند الغربيين هو عدم فهمهم مغزى مصطلح ((الرأي)). والرأي عند الفقهاء والأصوليين لا يأتي بمعنى إهمال الأحاديث النبوية. والرأي في اصطلاح الأصوليين ((ما يراه القلب بعد فكر وتأمل، وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات مما ليس من قبيل الدلالات اللفظية)). وكان الصحابة والتابعون وحتى من بعدهم ((يسمون اجتهادهم رأياً، ويصرحون بذلك لمستفتيهم» (١). ومن أوليات الأمور للباحث أن يعرف مصطلحات القوم، أما الأستاذ موراني، وكذلك الكُتَّاب الغربيون فإنهم ينحتون معاني جديدة لمصطلحات علماء المسلمین . وأكتفي بهذا القدر لئلا أخرج عن الموضوع، لكنه لا بد من الحذر من استنتاجات موراني. وخاصة أنه بدأ يظهر كمتخصص في الفقه المالكي رغم جهله أو تجاهله لأبجدیات البحث. ولقد درسنا قضية إسماعيل بن أبي أويس وما أثير حوله من المشاكل من قبل موراني، وهناك شخصية أخرى، ألا، وهو: (١) عثمان المرشد، الرأي عند الإمام أحمد بن حنبل ص ٥٥ - ٥٧. ٢٩٦ حبيب بن أبي حبيب وتلاعبه في قراءة الموطأ: حبيب بن أبي حبيب، المصري كاتب مالك. قد أثير حوله الجدل قديماً، وقد اتفقت المصادر على توهينه، وكان حبيب هذا في الأيام الأخيرة من أقرب الناس إلى مالك في قراءة الموطأ. سأنقل ترجمته من تهذيب الكمال (٥: ٣٦٦ - ٣٦٩) ثم أناقش الموضوع إن شاء الله تعالى. («حبيب بن أبي حبيب، واسمه إبراهيم، ويقال رزيق، ويقال: مرزوق الحَنَّفِيُّ أبو محمد المِصْريُّ، كاتب مالك بن أنس. روى عن: إبراهيم بن الحُصَينِ الأَشْهليّ، وأبي الغُضن ثابت بن قيس المَدَنِيِّ، وجعفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر الجَعْفَرِيّ، والزُّبير بن سعيد الهاشميِّ، وشِبل بن عَبّاد المكيّ، وعبد الله بن عامر الأَسْلَمِيّ (ق)، ومالك بن أنس، ومحمد بن صدقة الفَدَكيّ، ومحمد بن عبد اللّه بن مُسلم ابن أخي الزُّهْرِيِّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذِئْب، ومحمد بن مُسلم الطائفيّ، وهِشام بن سَعْد. روى عنه: إبراهيم بن أبي داود البُرُلْسِيُّ، وأحمد بن الأَزْهر النَّيْسابورِيُّ، وأحمد بن سَعْد بن الحكم بن أبي مَزيم المِصْريُّ، وأحمد بن الفضل بن عُبيد اللّه العَسْقَلَانِيُّ، وأبو هارون إسماعيل بن محمد بن يوسف الجِبْرينِيُّ، وحام بن نوح البَلْخِيُّ، والربيع بن سُلَيْمَانَ الجِيْزِيُّ، وزاهر بن خَلَف صاحب العَرَبية، وسعيد بن أسد بن موسى، وعبد الله بن محمد بن عَمرو الغَزِّي، وعبد الله بن الوليد بن هشام الحَرّانِيُّ، وعُبيد الله بن محمد بن سُلَيْمان بن إبراهيم بن موسى الأزديّ المِصريُّ المعروف بابن أبي المُدَوّر، والفضل بن يعقوب الرُّخامِيُّ (ق)، ومالك بن عبد اللّه بن سيف التُّجِيبيُّ المِصْرِيُّ، ومحمد بن رزق اللّه الكِلوذانيُّ، وأبو شريح محمد بن زكريا الحَوْتَكيُّ، ومحمد بن مسعود ابن العَجَمِي، ومحمد بن يوسف بن أبي مَعْمَر، والمِقْدَام بن داود الرُّعَيْنِيُّ، وهَمَّام بن داود المِضْرِيُّ. ٢٩٧ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعتُ أبي، وذكر حبيباً الذي كان يقرأ على مالك بن أنس، فقال: ليس بثقة، قَدِمَ علينا رجل أحسبه، قال: من خُراسان، كتب عن حبيب كتاباً عن ابن أخِي ابن شِهاب، عن عَمِه، عن سالم، والقاسم فإذا هي أحاديث ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، وسالم، قال أبي: أحالها على ابن أخي ابن شهاب، قال أبي: حبيب كان يحيل الحديث، ويكذب، ولم يكن أبي يوثقه ولا يرضاه، وأثنى عليه شرّاً وسوءاً. وقال عَبّاس الدوري، عن يحيى بن مَعِين: كان حبيب بمصر، كان يقرأ على مالك بن أنس، وكان يخطرف بالناس يصفح ورقتين ثلاثة، قال يحيى: سألوني عنه بمصر، فقلت: ليس بشيء. قال يحيى: وكان ابن بُكَير قد سَمع من مالك بعَرْض حبيب وهو شر العَرْض. وقال عبد اللّه بن أحمد بن إبراهيم الدَّورقِيُّ: قال يحيى بن مَعِين، أو أبي: أشر السماع من مالك عرض حبيب، كان يقرأ على مالك، وإذا انتهى إلى آخر القراءة صفح أوراقاً، وكتب ((بلغ)) وعامّة سماع المصريين عَرْض حبيب! وقال أبو داود: كان من أكذب الناس. وقال أبو حاتم الرازي: مَتْرُوك الحديث، روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة . وقال النَّسائي، وأبو الفتح الأزْدِيُّ: متروك الحديث. وقال أبو حاتم بن حِبّان: كان يدخل على الشيوخ الثّقات ما ليس من حديثهم، ويقرأ بعض الجزء ويترك البعض، ويقول قد قرأت الكل. وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه كلها موضوعة، عن مالك وغيره، وذكر له عدة أحاديث ثم قال: وهذه الأحاديث مع غيرها مما روى حبيب، عن هشام بن سَعْد كلها موضوعة، وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإِسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثّقات، وأمره بيّن في الكذب، وإنما ذكرت طرفاً منه ليستدل به على ما سواه)). ٢٩٨ مناقشة الموضوع : لقد مر بنا من قبل وصف مجلس مالك، وتبين أن القراءة ما كانت تتجاوز الصفحتين أو الثلاث. ((قال مصعب الزبيري: كان حبيب يقرأ على مالك، وأنا على يمينه، وأخي عن شماله وهو أقرب إلى مالك، وكان أسنّ مني، وكان حبيب يقرأ لنا عشية من ورقتين إلى ورقتين ونصف، ولا يبلغ ثلاثاً، والناس ناحية، لا يدنون ولا ينظرون، فإذا خرجنا جاء الناس فعارضوا كتبهم بكتبنا. قال: وجئنا يوماً إلى أبينا بالعرصة لنقيم عنده ونسير بالعشي إلى مالك فأصابتنا سماء يوماً فلم نأته تلك العشية ولم ينتظرنا، وعرض عليه الناس، فأتيناه بالغد، فقلنا له: يا أبا عبد الله أصابتنا أمس سماء ثقلتنا (كذا) عن حضور العرض فاردد علينا. قال: لا. من طلب هذا الأمر صبر عليه))(١). كلام مصعب الزبيري وهو من تلامذة مالك يصف قراءة حبيب بن أبي حبيب بأنها ما كانت تتجاوز ورقتين إلى ثلاث. والكتب كانت موجودة حتى عند مصعب الزبيري، فكان الناس يأتون بعد القراءة، فيعارضون كتبهم بكتبنا. والإمام عبد الرحمن بن مهدي معه كتابه، فيقول: أما كتاب الصلاة فأنا قرأته على مالك، و((سائر الكتب قرئت على مالك وأنا أنظر في كتابي)). إذن كان الناس أو على الأقل بعض الناس يحضرون كتبهم ويعارضون وقت التدريس، والإمام مالك يحفظ كتابه، فإذا وقع الخلل والخطأ كان يصحح، وهذا قلما كان يحصل. إذن من المحتمل أن حبيباً قلب الصفحة في يوم ما، والتزقت بها ورقة أخرى فقلب ورقتين في آن واحد. وبالتالي سجلت عليه هذه الحادثة، ثم تطورت فأصبحت كأن هكذا كان ديدنه. وإن كان الأمر كذلك فيصبح الإمام (١) ترتيب المدارك ١٥٦:١. ٢٩٩ مالك مغفلًا، شارد الذهن، لا يدري ما يُقرأ عليه. وهو أوحد عصره في الاهتمام والتركيز والحفظ، فإذا أخذنا حادثة حبيب كأنها العادة، وليست مصادفة فعلينا أن نعيد النظر في كل ما قيل في الإمام مالك في جلالة مكانته في العلم. ثم كان هناك ناس آخرون لديهم نسخهم وكانوا يقارنون وقت القراءة، فهل كل هؤلاء كانوا يسكتون دوماً على تصرف حبيب الشنيع، وهم الذين حضروا من الآفاق للتعلم عند مالك، فيستبعد سكوت هؤلاء تماماً. ولذلك ما قاله الإمام يحيى بن معين: ((إن شر السماع من مالك عرض حبيب، كان يقرأ على مالك، وإذا انتهى إلى آخر القراءة صفح أوراقاً، وكتب (بلغ))، وعامة سماع المصريين عرض حبيب))، ربما هي حادثة فردية لا غير. وقفة مع نورمان كلدر: مطبعة أوكسفورد الشهيرة أصدرت كتاباً في عام ١٩٩٣م للدكتور نورمان كلدر بعنوان studies in early muslim Juriprudence في هذا الكتاب قام الدكتور كلدر بدراسة مدونة سحنون، وموطأ مالك، وكتاب للطحاوي، وكتاب للشافعي، والمختصر للمزني، وكتاب الخراج لأبي يوسف. أما النتيجة التي توصل إليها الباحث فهي: كافة هذه الكتب نسبتها إلى مؤلفيها غير صحيحة، قد تكون هناك بعض المواد جاءت من الأشخاص الذين تنسب إليهم هذه الكتب، ولكنها كانت مجالاً خصباً للإضافات من قبل الأجيال اللاحقة، وينكر أن تكون هذه الكتب قد ألفها الأشخاص المسمون، بل هذه الكتب تنتمي إلى المدارس الفقهية، ومن ثم ميراث للمدرسة الفقهية وليس لشخص واحد، ولذلك كان من حق أصحاب المدارس الإضافة إليها من المواد التي يرغبون فيها، بناءً على هذا مدونة سحنون ليس من عمل سحنون لكن للجيل أو الأجيال القادمة، والمدونة الموجودة الآن في أيدينا ما وصلت إلى الشكل الذي نراه إلا في حدود سنة ٢٥٠هـ، أي بعد وفاة المؤلف المزعوم بجیل. ٣٠٠