Indexed OCR Text
Pages 41-60
ثم ليس هناك لغط أو رفع صوت بل سكوت تام وإصغاء كامل، فيقرأ القارئ بحيث لا يتجاوز الورقتين أو الثلاث. وحين القراءة هناك من كان يكتب في المجلس ما يسمع، أو يكتب قبل الدرس أو بعده ثم يصحح كراسته بكراسة الشيخ أو القارئ. وكان مالك دقيقاً جداً في تعليمه. صارماً في دروسه، محدوداً في المادة التي يلقيها. من استزاد عوقب أو سجن. وإذا طلب معاملة خاصة رفض سواءً كان خليفة أم أميراً أم فقيراً. وكان مالك مرهف الحس، وكان يتأثر بحسن الطلب، وإذا استثقل القارئ استبدله بغيره. هذه صورة عامة لمجلس الإمام مالك حين تدريسه وإملائه، والنصوص الآتية تدلل على ذلك. مالك وتفريقه بين مجلس الحديث ومجلس الفقه: ١ - ((قال مطرف: وكان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا: المسائل. خرج إليهم، فأتاهم، وإن قالوا: الحديث، قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله، فاغتسل، وتطيب، ولبس ثياباً جدداً، ولبس ساجه، وتعمم، ووضع على رأسه طويلة، وتلقى له المنصة، فيخرج إليهم وقد لبس وتطيّب، وعليه الخشوع، ويوضع عود فلا يزال يُبَخّر حتى يفرغ من حديث رسول اللّه وَلٍ))(١). ٢ - ويصف مجلسه تلميذ آخر من كبار تلامذته : ألا وهو معن بن عيسى وهو يقول: ((كان مالك بن أنس رحمة الله عليه (١) ترتيب المدارك ١: ١٥٤. ٤١ إذا أراد أن يحدث بحديث رسول اللّه وَّر اغتسل، وتبخر، وتطيب ... ))(١). ٤ - وقال ابن بكير: ((كان مالك بن أنس رحمه اللّه إذا عُرض عليه الموطأ تهيأ ولبس ثيابه، وعمامته، ثم أطرق ولا يتنحنح، ولا يعبث بشيء من لحيته حتى يفرغ من القراءة إعظاماً لحديث رسول اللّه وَاتٍ))(٢). ٥ - وقال أبو مصعب: ((كان مالك لا يحدث بحديث رسول اللّه وَلو إلا وهو على الطهارة إجلالاً لحديث رسول اللّه وَلات))(٣). ٦ - قال ابن أبي أويس: ((كان مالك إذا جلس للحديث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول اللّه وَ لّل، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً ... ولم يكن يجلس على المنصة إلا إذا حدّث عن رسول اللّه وَلَ) (٤). فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على احترامه الشديد لأحاديث النبي ◌َّ، وكان اهتمامه فوق اهتمامه لتدريس المسائل الفقهية. وفي تدريسه كان يراعي الزمان، إذ كان يكثر الطلاب في موسم الحج ممن يأتون لزيارة المدينة ويقصدون مالكاً للعلم. قال يحيى: ((إذا قدم الحاج جعل بواباً على بابه يأذن أولاً لأهل المدينة، فإذا دخلوا قال للبواب: تنح(٥)، وكان آذنه يخص أولاً أصحابه، فإذا فرغ منهم أذن للعامة)»(٦). (١) إتحاف السالك ص٤٤. (٢) كشف المغطى لابن عساكر ص ٦٢، ٦٣. (٣) حلية الأولياء ٣١٨:٦، ترتيب المدارك ١٥٥:١. (٤) ترتيب المدارك ١٥٥:١. (٥) ترتيب المدارك ١ : ١٥٥. (٦) ترتيب المدارك ١ : ١٥٤. ٤٢ تصنيفه لطلابه : وتقديم أهل العلم والفضل في المجلس كان معمولاً به عند مالك، بينما لا يلقي بالاً لعلية القوم في المجتمع إذا لم يكونوا من أهل العلم. قال جعفر بن إبراهيم: كلم صديق لأبي مالكاً أن أسمع منه، فأذن، فكنت أختلف إليه وأنا مدل بنسبي من الرسول عليه الصلاة والسلام وموضعي، فأتخطى الناس إلى وساد مالك فلا يتزحزح، ويريني أنه لم يدنني احتقاراً لي، فشكوت ذلك إلى أبي وغيره فبعثوا إليه يسألونه إكرامي، وأثرتي، فقال للرسول: ما هو عندنا وغيره سواء، إنما هي عافاك الله مجالس علم، السابق إليها أحق بها، فكنت آتي وقد أحدق الناس، فما يوسع لي فأستدني حيث وجدت))(١). وأختم هذه الفقرة. بموقفه مع الخليفة المجاهد هارون الرشيد، وفيه عظة، وعبرة وإكبار وإجلال للعلم والعلماء، والخلفاء الذين كانوا يحكمون العالم ثم لا يتكبرون على العلم بل يتشرفون بأن يُحسبوا من زمرة الطلاب. قال ابن عساكر: ((أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور المالكي قال: أنبأني أبو العباس الفقيه(٢)، قال: أنبأ عبد الوهاب بن عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو يعلى عبد العزيز بن عبد القريب الحراني المقرئ قال: ثنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي قال: حدثني إبراهيم بن نصر النهاوندي، قال: حدثني عتيق بن يعقوب الزبيري قال : قدم هارون الرشيد المدينة، وكان قد بلغه أن مالك بن أنس رحمه الله عنده الموطأ يقرؤه على الناس، فوجه إليه البرمكي فقال: أقرئه السلام وقل له: يحمل إليّ الكتاب، فيقرأه عليّ، فأتاه البرمكي. (١) ترتيب المدارك ١ :١٥٦. (٢) في كشف المغطى ص٥٨. ((أنبأ أبي أبو العباس الفقيه)). ٤٣ فقال له: أقرئه السلام، وقل له: إن العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي، فأتاه البرمكي فأخبره، وكان عنده أبو يوسف القاضي فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك بن أنس في أمر فخالفك أعزم عليه، فبينا هو كذلك، إذ دخل مالك بن أنس فسلم وجلس، فقال: يا ابن أبي عامر: أبعث إليك فتخالفني؟! فقال مالك: يا أمير المؤمنين أخبرني الزهري، وذكره عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه رضي اللّه عنه قال: كنت أكتب الوحي بين يدي رسول اللّه ◌َ ل فنزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] قال: وابن أم مكتوم بين يدي رسول اللّه وَ لـ فقال: يا رسول اللّه، إني رجل ضرير، وقد أنزل الله عز وجل في فضل الجهاد ما قد علمت. فقال النبي وَلتر: ((لا أدري)). وقلمي رطب ما جفّ حتى وقع فخذ النبي وَلهر على فخذي، ثم أغمي على النبي ◌َّر، ثم جلس بَّر، فقال: يا زيد اكتب: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. ويا أمير المؤمنين حرف واحد بعث فيه جبريل، والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أعزه وأجلّه، وإن الله تبارك وتعالى رفعك وجعلك في هذا الموضع بعلمك، فلا تكن أنت أول من يضع عِزّ العلم فيضعُ اللّه عِزَّك. قال: فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ، وأجلسه معه على المنصة، فلما أراد أن يقرأه على مالك قال: تقرأه عليَّ؟ قال مالك: ما قرأته على أحد منذ زمان: قال: فتخرج الناس عني حتى أقرأه أنا عليك. ٤٤ فقال مالك: إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم ينفع اللّه به الخاصة، فأمر له معن بن عيسى القزاز ليقرأه عليه، فلما بدأ بالقراءة ليقرأه، قال مالك بن أنس لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أدركت أهل العلم ببلدنا، وإنهم ليحبون التواضع للعلم، فنزل هارون عن المنصة فجلس بين يديه))(١). رحم الله هارون الرشيد، ورضي عنه. وقد ذكر ((القاضي الفاضل في بعض رسائله، ما أعلم أن لمالك رحلة في طلب العلم إلا الرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ عن مالك. قال: وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين إلى الإسكندرية، فسمعه على طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثاً. انتهى من مجلة الهداية الإسلامية))(٢). تدريس مالك في المسجد النبوي: موضع مجلس مالك في المسجد النبوي : قال مصعب: كان مالك يجلس عند نافع مولى ابن عمر في الروضة حياة نافع وبعد موته(٣). وقال ابن المنذر: كان مكان مالك من المسجد مكان عمر بن الخطاب، وهو المكان الذي يوضع فيه فراش رسول اللّه وَ ل في المسجد إذا اعتكف (٤). ويصف الإمام الشافعي حضوره أول درس للإمام مالك بالمسجد النبوي، فقال: ((رأيت مالك بن أنس مؤتزراً ببردة، متوشحاً بأخرى، وهو يقول: حدثني (١) كشف المغطى لابن عساكر ٥٨ - ٦٠ والنص منه، وترتيب المدارك ١٥٩:١ - ١٦٠. (٢) شجرة النور الزكية ص ١٤٤. (٣) ترتيب المدارك ١١٥:١. (٤) ترتيب المدارك ١١٥:١. ٤٥ نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر، ويضرب بيده على قبر رسول اللّه الثر))(١). ونقل محمد الطاهر بن عاشور عن الشافعي، فقال: ((قال الشافعي: ولقد شهدت مجلس مالك في رحلتي الثانية إليه وحوله أربعمائة أو يزيدون، وقد دخل مالك من باب النبي وَل وأربعة من تلامذته يحملون ديوانه (أي كان ذا أجزاء)، وجلس مالك على الكرسي وألقى مسألة من جراح العمد)»(٢). وهذا العدد الضخم الذي ذكره الإمام الشافعي لعدد كبير حقاً، يملأ الروضة الشريفة، بل يزيد، وإيصال صوت القارئ إلى الحضور يتطلب جهداً ومشقة، ولذلك «لما كثر الناس على مالك قيل له: لو جعلت مستملياً يسمع الناس. قال: قال اللّه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَّكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] (٣) . وقال: ((فمن رفع صوته عند حديث رسول اللّه فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول اللّه))(٤). ولذلك لم يقبل مالك أن يستعين بمستملي في المسجد النبوي. تدريس مالك في بيته : ولقد اضطر الإمام مالك إلى الانقطاع عن المسجد النبوي، وبدأ يعقد الدروس في بيته، وكثر العدد، وازدحم الناس، فكان لا بد من الاستعانة بمستملي، وقد کان ذلك بالرغم من کرهه له. قال الواقدي: وهو ممن درس وحضر مجلس مالك رحمه اللّه، وهو يصف درسه في منزله (١) رحلة الشافعي ص٨. (٢) كشف المغطى، محمد الطاهر بن عاشور ص٣٦. (٣) ترتيب المدارك ١٦٢:١. (٤) أدب الإملاء ص٧٢. ٤٦ ((كان مالك يجلس على ضجاع، ونمارق مطروحة في منزله يمنة ويسرة لمن يأتي من قريش والأنصار والناس. وكان مجلس وقار وعلم وكان رجلاً مصيباً نبيلاً، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، ولا رفع صوت إذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يُقل له من أين رأيت هذا؟ وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين فيجيبهم الفينة بعد الفينة، وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه))(١). وعندما ازدحم الناس عليه في بيته لسماع الموطأ اتخذ مستملياً، وكان ابن علية مستملياً له(٢). وقال علي بن محمد بن أحمد الرياحي، سمعت أبي يقول: ((كنت عند مالك بن أنس أكتب وإسماعيل بن علية قائم على رجليه يستملي)) (٣). القراءة في مجلس مالك: ما كان مالك رحمه الله يسمح بقراءة الموطأ في مجلسه إلا من فهم العلم وجالس العلماء، وكان الإمام الشافعي من المحظوظين إذ أعجب الإمام مالك بقراءته، فسمح له بالقراءة(٤). وكان الشافعي قبل أن يلتقي بمالك كان قد سمع من ابن عيينة والزنجي وغيرهما من المكيين(٥). (١) ترتيب المدارك ١٥٢:١ - ١٥٣. (٢) أدب الإملاء: ٩٨. (٣) أدب الإملاء: ٩٨. (٤) انظر رحلة الشافعي بقلمه ص١١. (٥) ترتيب المدارك ١: ١٦٤. ٤٧ وقرأ أناس آخرون بين وقت وآخر. فقد قرأ عليه عبد الرحمن بن مهدي كتاب الصلاة . قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: ((قلت لأبي: هذه الأحاديث التي تقول: قرأتُ على عبد الرحمن عن مالك، سمعها أو عرضها؟ قال: قال عبد الرحمن: أما كتاب الصلاة فأنا قرأته على مالك. قال عبد الرحمن: وسائر الكتب قُرئت على مالك وأنا أنظر في كتابي)) (١). ولكن في وقت متأخر، أكثر ما كان يقرأ عليه كاتبه حبيب، وقلما كان الإمام مالك يقرأ بنفسه. يقول الواقدي: ((وكان له كاتب قد نسخ له كتبه، يقال له حبيب: يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن حضر يدنو منه، ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهمه هيبة له وإجلالاً ... ولم يكن يقرأ كتبه على أحد))(٢). ومن المستحسن أن نلاحظ هنا أن الصفات المذكورة في هذا النص ليست للقارئ، ولكنها لمالك رضي الله عنه. قال أبو عبد الله بن مخلد العطار: قال أحمد منصور الرمادي: قال عبد الرزاق: قال عبيد الله بن عمر: ((ما أخذنا من ابن شهاب إلا قراءة، كان مالك بن أنس يقرأ لنا، كان جيّد القراءة»(٣). ومن يكون جيد القراءة لا يرضى برديء القراءة. قال عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني بمصر: قال أبو إبراهيم المُزني: («كان الشافعي يقول: قرأت الموطأ على مالك، ولم يكن يقرأ على مالك إلا من قد فهم العلم وجالس أهله، وكنت قد سمعت من ابن عُيينة))(٤). (١) العلل لابن حنبل ١ : ٣٥٤. (٢) ترتيب المدارك ١ :١٥٣ - ١٥٤. (٣) الكفاية ص ٣٨٧ ط القاهرة. (٤) أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني ص ٩٤ - ٩٥. ٤٨ مقدار القراءة في مجلس مالك: يذكر الإمام الشافعي رحمه الله أنه سمع خمسة وعشرين حديثاً في أول درسه من درس الإمام مالك(١). وقد قرأ الإمام الشافعي الموطأ في ثمانية شهور. ويصف مصعب الزبيري قراءة حبيب، فيقول: ((كان حبيب يقرأ على مالك، وأنا عن يمين حبيب، يقرأ كل يوم ورقتين أو ورقتين ونصفاً. وكان يأخذ في كل عرضة دينارين من كل إنسان، فزدناه نحن))(٢). وقال الشافعي: ((استأذنت على مالك، وكنت أريد أن أسمع منه حديث السقيفة، فقلت: إن جعلته أولاً خشيت أن يستطيله ولم يحدثني، وإن جعلته آخراً خشيت أن لا أبلغه، فجعلته بعد عشرة أحاديث، فأخذت أسأله، فلما مرت عشرة، قال: حسبك فلم أسمعه))(٣). وسمع الإمام محمد الشيباني منه لفظاً في ثلاث سنوات وكسراً سبعمائة حدیث(٤). فإذا نظرنا في مجموعة الروايات تبين أن معدل القراءة على وجه العموم لا يتجاوز صفحتين أو ثلاثاً، وقد يكون هناك الاستثناء في حالات نادرة. قال القاضي عياض: ((قال صفوان بن عمر بن عبد الواحد: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوماً، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوماً، قلّ ما تتفقهون فيه))(٥). وكان بعض الناس ينظرون في كتابهم وقت القراءة، وبعضهم يتأكد فيسأل الإمام مالك ((هذا الذي قرأ عليك حبيب كما قرأ، فيقول: نعم)). (١) الرحلة للشافعي ص٩. (٢) ترتيب المدارك ١ :٣٧٨. (٣) ترتيب المدارك ١: ١٦٥. (٤) حلية الأولياء ٣٣٠:٦. (٥) المدارك ١ : ١٩٥. ٤٩ قال ابن بكير: «لما عرضنا الموطأ على مالك، قال له رجل من أهل المغرب: يا أبا عبد اللّه: أُحدِّث بهذا عنك؟ فقال: نعم. قال: وأقول: حدثني مالك؟ قال: نعم. أما رأيتني فرغت نفسي لكم، وتسمعت إلى عرضكم، وأقمت سقطه وزلله، فمن حدثكم غيري؟ نعم حدِّث بها عني، وقل: حدثني مالك))(١). فهذا النص يدل على يقظة الإمام يقظة تامة حيث يقول: إذا أخطأ القارئ ((أقمت سقطه وزلله)). وقال الواقدي: ((وكان حبيب إذا أخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلاً))(٢). هذا وصف موجز لمجلس مالك رحمه اللّه في تدريس الحديث. عقوبة الاستزادة: كان الإمام مالك رحمه اللّه صارماً في منهجه، فإذا استفسر أحد عن حديث وهو قائم أو ماشٍ فإن جزاءه إما التأنيب الشديد، أو الطرد أو الحبس. - قال ابن مهدي: ((مشيت مع مالك يوماً إلى العقيق من المسجد فسألته عن حديث فانتهرني، وفي رواية فالتفت إليّ وقال لي: كنتَ في عيني أجل من هذا، أتسألني عن حديث رسول اللّه وَل ونحن نمشي؟ فقلت: إنا لله ما أراني إلا وقد سقطت من عينه، فلما قعد في مجلسه بعدت منه، فقال: ادنُ ها هنا، فدنوت، فقال: قد ظننت إنا أدبناك، تسألني عن حديث رسول اللّه وَ لتر وأنا أمشي؟ سل عما تريد ها هنا. (١) الكفاية ص٣٠٩. (٢) ترتيب المدارك ١٥٤:١. ٥٠ قال ابن مهدي: وسألوا مالكاً بالموسم وهو قائم فلم يحدثهم))(١). قال بشر بن آدم: سأل الأغضب مالكاً عن مسألة ثم عن أخرى فأجابه، ثم عن أخرى فلم يجبه، فقال له: هو لِمَ؟ قال مالك: يا غلام خذ بيده فاذهب به إلى السجن. قال: إني قاضي أمير المؤمنين. قال: ذلك أهون لك. قال: لا أعود، قال: خلِّ سبيله(٢). قال أبو مصعب: سأل جرير بن عبد الحميد القاضي مالكاً عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه . فقيل: إنه قاض. فقال: القاضي أحق أن يؤدب، احبسوه، فحبس إلى الغد (٣). مالك يتأثر بحسن الطلب: لقد ذكر القاضي عياض قصصاً كثيرة مفادها الطرد أو الحبس في حالة الاستكثار. وعلى الرغم من صرامته كان يلين بحسن الخطاب ويتلطف لتلاميذه. قال القاضي عياض: ((ولما حج هاشم بن جريج وهو حدث أتى مالك بن أنس وقد رحل الناس، بورقتين من حديث، فقال له: اقرأ هذه الأحاديث فقد مضی الناس. فقال مالك: ينتظر أحدكم حتى إذا رحل الناس جاء، فقال: اقرأ لي، فقد رحل الناس. (١) ترتيب المدارك ١٦١:١. (٢) ترتيب المدارك ١ : ١٦٥. (٣) ترتيب المدارك ١٦١:١ - ١٦٢. ٥١ فالتفت هاشم إلى مالك، فقال: أصلحك اللّه إن تكن حاجة أو أمر تأمر به انتهيت إلى طاعتك، ووقفت عند أمرك، وفرحت بذلك في نادي قومي، وسُدتُ به على عشيرتي، أستودعك اللّه، فإن طاعتك فرض، وقولك حكم. أستودعك اللّه. قال مالك: مثل هذا طلب العلم، ردوه، فبعث في طلبه، فأُتي به، فقرأ له، ثم انصرف»(١). الكتابة في درس الإمام مالك رحمه اللّه: قال أبو مصعب: ((رأيت معناً - يعني ابن عيسى القزاز - جالساً على العتبة وما ينطق مالك بشيء إلا كتبه))(٢). وسئل يحيى القطان: هل كان مالك يملي عليك؟ قال:«كنت أکتب بین یدیه))(٣). وقال مصعب: ((كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه، ولكن لا يرد عليه، ولا يراجعه))(٤) . قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: ((وفي شرح القسطلاني على صحيح البخاري في مناقب عبد الله بن سلام في ذكر زيادة في حديث أن عبد الله بن سلام من أهل الجنة، قال عبد الله بن يوسف: إن مالكاً تكلم بقوله: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ عقب ذكر الحديث، وكانت معي ألواحي فكتبت هذا، فلا أدري قاله مالك، أو في الحديث))(٥). (١) ترتيب المدارك ١ :١٦١ - ١٦٢. (٢) تقدمة الجرح والتعديل للرازي ص٢٦. (٣) تقييد العلم ص١١٣. (٤) ترتيب المدارك ١ :١٦٣. (٥) كشف المغطى، محمد طاهر بن عاشور ص٣٥. ٥٢ مالك يصحح کتب أصحابه: قال ابن وهب: كنت أنا آتي مالكاً وهو شاب قوي يأخذ كتابي فيقرأ منه، وربما وجد فيه الخطأ فيأخذ خرقةً بين يديه فيبلها في الماء فيمحوه، ويكتب لي الصواب(١). المراسلة مع مالك : - كان الناس يكتبون من الآفاق، ويستفتونه، فكان يرد عليهم، وإن تعذر فكان يعطي الكتاب لبعض أصحابه ليرد عليهم. ((قال إسحاق بن عيسى الطباع، قال: كتب إليّ مالك بن أنس جواب كتابي إليه: بلغني كتابك تذكر حديثاً سقط عليك، تسألني عنه، حديث عبد الله بن عمر، وتسأل أن أكتب به إليك، وما أحبّ إلاّ حفظك وقضاء حاجتك، وإرشادك إلى كل خير، فإنك ممن أحب حفظه من إخواني وبقاء الود بيني وبينه، وأرجو وفاءه واستقامة مودته، وذلك حديث قد عرفته، حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر بال وهو بالسوق، ثم توضأ وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم رجع إلى المسجد فدعي إلى جنازة ليصلي عليها فدعا بماء فمسح على خفيه، ثم صلى على الجنازة. قال إسحاق: ثم لقيت مالكاً بعد فسألته عن الحديث فحدثني به كما كتب به إليّ، وكان نقش خاتمه حسبي الله ونعم الوكيل(٢). ذكرت هذه النصوص لأوضح موقف مالك من الكتابة، فتبين أنه كان يكتب. وكتب شيئاً كثيراً حتى قيل إنه كتب مائة ألف حديث أو نحواً من عشرة آلاف حديث. وكان الطلاب يكتبون في مجلسه، وأحياناً يطلب كتب الطلاب فيقرأ ويصحح بنفسه. وكان الناس يراسلونه من الآفاق ويرشدهم ويوضح لهم، ويفتيهم. (١) تقدمة جامع ابن وهب ص١٥. (٢) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٣٤١ - ٣٤٢. ٥٣ مالك وتعداد أحاديثه : قال القطان: ((لما مات مالك رحمه الله أخرجت كتبه، أصيب فيها فنداق عن ابن عمر ليس في الموطأ منه شيء إلا حديثين)) (١). وقال ابن مالك: «لما دفنا مالكاً دخلنا منزله فأخرجنا كتبه فإذا فيها سبع صناديق من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى، وعنده فناديق أو صناديق من كتب أهل المدينة فجعل الناس يقرأون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله، لقد جالسناك الدهر الطويل فما رأيناك ذاكرت بشيء مما قرأناه))(٢). قال القاضي عياض: ((وذكر عتيق بن يعقوب أنه دخل منزل مالك بعد موته مع أبيه ففتح صناديق مملوءة كتباً فقرأها فذكر نحوه، قال: ثم فتح صندوقاً فأخرج منه اثني عشر ألف حديث للزهري، وفتح آخر فأخرج منه سبع صناديق ظهورها وبطونها من حديث أهل المدينة، فما رأيت شيئاً مما ذاكر به أصحابه في حیاته))(٣). قال ابن أبي زنبر: ((سمعت مالكاً يقول: كتبت بيدي مائة ألف حديث))(٤). وقال أحمد بن صالح: ((نظرت في أصول كتاب مالك فإذا شبيه باثني عشر ألف حديث))(٥) . والحق أننا لا نستطيع أن نعرف مقدار أحاديثه إلا ما رواه، ومن المعلوم أنه ما روى كل ما سمع(٦). (١) ترتيب المدارك ١ :١٤٨. (٢) ترتيب المدارك ١٤٩:١. (٣) ترتيب المدارك ١٤٩:١. (٤) انظر ترتيب المدارك ١٢١:١. (٥) ترتيب المدارك ١٢١:١. (٦) ترتيب المدارك ١٢١:١. ٥٤ مما لا شك فيه أن في الأرقام المذكورة مبالغة كبيرة، سببه تفكير بعض العلماء كيف يكون الإمام مالكٌ إماماً وحصيلةُ الحديث في كتابه زهاء سبعمائة حديث، وبالمراسيل والبلاغات ما يقارب الألف. وقد قال ابن المديني: ((لمالك نحو ألف حديث، يعني مرفوعة))(١). والجواب المحكم للاستغراب عن قلة أحاديث مالك يكمن في النصوص الآتية: قال الشافعي وذكر الأحكام والسنن، فقال: ((العلم - يعني الحديث - يدور على ثلاثة؛ مالك بن أنس وسفيان بن عيينة والليث بن سعد)) وذكر الشافعي أحاديث الأحكام فقال: ((تدور على أربعمائة ونيف أو خمسمائة))(٢). وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: ((أصول الأحكام نيّف وخمسمائة حديث، كلها عند مالك إلا ثلاثين حديثاً، وكلها عند ابن عيينة إلا ستة أحاديث))(٣). وقال ابن القيم: ((أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث)»(٤). فبراعة الإمام مالك هو في انتقائِهِ للأحاديث القليلة التي هي مدار أحاديث الأحكام. وقد أشار إلى هذا الشيخ ولي اللّه الدهلوي فقال: ((ومن تتبع مذاهبهم، ورزق الإنصاف من نفسه علم لا محالة أن الموطأ عُدة مذهب مالك وأساسه، وعمدة المذهب الشافعي وأحمد ورأسه، ومصباح مذهب أبي حنيفة ونبراسه، وهذه المذاهب بالنسبة للموطأ كالشروح للمتون، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون، وإن الناس وإن كانوا من فتاوى مالك في رد وتسليم وتنكيت وتقويم فما صفا لهم المشرب، ولا تأتى لهم المذهب إلا بما سعى في ترتيبه واجتهد في تهذيبه. قال الشافعي لذلك: ليس أحد أمنّ عليَّ في دين الله من مالك. (١) سير أعلام النبلاء ٨: ٩٩. (٢) مسند الموطأ للغافقي ص ١١٠ المطبوع. (٣) الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي ص ١٩٤. (٤) إعلام الموقعين ٢٥١:٢. ٥٥ وعلم أيضاً أن الكتب المصنفة في السنن كصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي وما يتعلق بالفقه من صحيح البخاري وجامع الترمذي مستخرجات على الموطأ تحوم حومه، وتروم رومه))(١). وهذا جدول إجمالي لما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن طريق الإمام مالك. عدد الأحاديث المروية عن طريق مالك في مختلف كتب صحيح البخاري بدء الوحي الإيمان ٣ ٨ التقصير العلم ٢ الوضوء ٤ السهو ٥ الغسل ٤ الحيض الجنائز ٩ الزكاة ١ التيمم ٢١ صدقة الفطر ٣٠ سترة المصلي ٦ الحج ٨ مواقيت الصلاة ٤ العمرة المحصر ٤٠ الأذان ١٠ ٩ الجمعة ٤ فضائل المدينة ١٨ ٠ صلاة الخوف الصوم ٤ العیدین التراويح ١ الوتر الاعتكاف ٣ ٢ ٤ الاستسقاء ٣١ الكسوف ٥ ٠ البيوع السلم ٠ سجود القرآن ١ ١٠ ٦ التهجد استعانة اليد (العمل في الصلاة) ١٧ ١١ ٢ الصلاة (١) المسوى من أحاديث الموطأ للدهلوي ص٥. ٥٦ الشفعة الإجارة الحوالات ٠ المغازي ٢٥ ٢٠ ٦ التفسير ٢ فضائل القرآن ١ ٢٠ الكفالة ٠ النكاح الطلاق ١٠ ٢ ٦ الوكالة المزارعة النفقات ٢ ١١ الأطعمة ٧ المساقاة العقيقة ٨ ١ ٠ ٢ ٨ ٣ المرضى ١ ٠ الطب اللباس ٤ العتق ٢ المكاتب الأدب الاستئذان ٨ الهبة ٨ ٧ الرقاق ٠ ٨ الصلح القدر ٣ الشروط ١ ١٠ الوصايا الأيمان والنذور الجهاد الكفارات ٢١ ٢ الفرائض ٩ فرض الخمس الحدود ١٢ بدء الخلق ١ ٥ المحاربين ٦ الأنبياء ١ الدیات ٠ الاستتابة ١ الإكراه الحیل ٥٧ ١ ٤ ٨ المناقب فضائل الصحابة مناقب الأنصار ١ مبعث النبي ٢ ٠ ٠ الاستقراض الخصومات اللقطة الذبائح الأضاحي الأشربة ٤ المظالم الشركة الرهن ٨ ١٩ ١٨ ٤ الدعوات ٤ الشهادات ٦ التعبير الفتن الأحكام التمني ٤ ٤ m m خبر الواحد الاعتصام ٣ ٩ ٥ ١٠ التوحيد ١ وهذا الجدول يثبت بدون شك بأن الإمام البخاري رحمه الله ملأ كتابه بأحاديث الإمام مالك رحمه الله، وما من كتاب من كتب صحيح البخاري - سوى ما ندر - إلا وأحاديث الموطأ فيه كأنها أعمدة في ذلك البناء الشامخ. الإمام مالك واعتناؤه بالنص: كان الإمام مالك رحمه الله شديد الاعتناء بالنص، وكان لا يجيز الرواية بالمعنى في أحاديث النبي ◌َّر . قال معن: ((كان مالك يتقي في حديث رسول اللّه ◌َ لّ الياء والتاء ونحوهما)»(١). وروى عنه ابن عمير مثله(٢). قال الخطيب البغدادي: ((أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز الهمذاني، قال: ثنا صالح بن أحمد الحافظ، قال: ثنا القاسم بن أبي صالح، قال: سمعت أبا حاتم يعني الرازي يقول: سمعت سعيد بن عفير يقول: قال مالك بن أنس: كل حديث للنبي ◌ّل﴿ يؤدى على لفظه، وعلى ما روي، وما كان عن غيره فلا بأس إذا أصاب المعنى))(٣). وقال الخطيب البغدادي: ((أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: ثنا عبيد الله بن محمد العكبري، قال: ثنا حمزة بن القاسم الخطيب، قال: ثنا (١) حلية الأولياء ٣١٨:٦، ترتيب المدارك ١ :١٦٣. (٢) ترتيب المدارك ١٦٣:١؛ أيضاً الكفاية ص ٢٧٥ طبعة القاهرة. (٣) الكفاية ص١٨٨. ٥٨ عمر بن مدرك، قال: ثنا عبد العزيز بن يحيى المديني مولى أبي هاشم، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ما كان من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فلا تعدُ اللفظ، وما كان من غيره فأصبت المعنى فلا بأس))(١). وقال الخطيب: «أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل الأنباري، قال: أنا محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري، قال: ثنا عبيد الله بن الحسن الصابوني، قال: ثنا مالك بن عبد الله بن سيف التجيبي بمصر، قال: ثنا عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال أشهب: سألت مالكاً عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى (واحدٌ) فقال: أما ما كان منها من قول رسول اللّه ◌َ ل فإني أكره ذلك، وأكره أن يزاد فيها، وينقص منها، وما كان من قول غير رسول اللّه وَلخل فلا أرى بذلك بأساً إذا كان المعنى واحداً)(٢). وقال الخطيب: ((أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: أنا محمد بن عبد الله بن خميرويه الهروي، قال: أنا الحسين بن إدريس، قال: ثنا ابن عمار عن معن، قال: سألت مالكاً عن معنى الحديث، فقال: أما حديث رسول اللّه وَلِّ فأدّه كما سمعته، وأما غير ذلك فلا بأس بالمعنى))(٣). لقد ادعى الدكتور بشار عواد في ذلك على الرغم من اعترافه بدقة الضبط عند مالك إلا أنه يرى أن الإمام مالكاً كان يروي بالمعنى أيضاً، مستدلاً باختلاف الروايات. وهذا نص كلامه: قال الدكتور بشار عواد: ((أما اختلاف الموطآت فيعود فيما نرى إلى سببين رئيسين يتصل أحدهما بالآخر: الأول: اختلاف الأزمنة التي أخذ فيها كل راوٍ روايته مما يبين أن مالكاً (١) الكفاية ص١٨٨ - ١٨٩. (٢) الكفاية ص١٨٩. (٣) الكفاية ص١٨٩. ٥٩ كان يعدل ويغيّر في ترتيب الكتاب وتبويبه، ويزيد فيه وينقص منه هنا وهناك، أو يغير في لفظه مما يراه مناسباً، ومن هنا يتعين الانتباه إلى آخر ما ارتضاه من الموطأ باعتباره يمثل النشرة الأخيرة التي أرادها المؤلف لهذا الكتاب. الثاني: جواز رواية الحديث بالمعنى، وهو أمر يحتاج إلى مزيد توضيح وبيان على الرغم من تناول كتب مصطلح الحديث هذا الموضوع، وقولهم بأن رواية الحديث جائزة بالمعنى شرط أن لا تحيل المعاني عن مواضعها ومقاصدها. والحقّ أن الموطأ من الأمثلة الواضحة على رواية الحديث بالمعنى، وعدم الالتزام الكامل بالألفاظ وتسلسلها بين رواية وأخرى، فالملاحظ أن الاختلاف بين الموطآت في ألفاظ الأحاديث كثير إلى حد يصعب حصره في التعليق على أية رواية من هذه الروايات، وقد جربنا ذلك مثلاً بين رواية يحيى المصمودي ورواية أبي مصعب الزهري، أو محاولة إثبات الخلاف في ألفاظ الحديث بين رواة الحديث عند مالك، فوجدنا أن الأمر يحتاج إلى تسويد مئات الصفحات من الحواشي لتوضيح هذه الاختلافات. وفي الوقت الذي نؤكد هذه الحقيقة الماثلة للعيان جراء التجربة والملاحظة، علينا أن ندرك في الوقت نفسه جملة أمور منها : أ - أن الإمام مالك بن أنس قد بلغ الغاية في الدقة والضبط والإتقان والإمامة والديانة، وهو إمام في الحديث قلّ نظيره، وأنه قد أملى الموطأ في مدد مختلفة، فكأنه كان يغير في بعض الألفاظ أو يختصر بين حين وآخر. ب - وإنما يدل على صحة ما ذكرنا أن الرواة الثقات لموطأ مالك قد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً كبيراً يدل على احتمال أن يكون هذا الاختلاف من مالك نفسه، فضلاً عن احتمال بعض التغييرات في الألفاظ من الرواة أنفسهم بسبب روايتهم لها))(١). (١) مقدمة موطأ أبي مصعب الزهري، بشار عواد ص٣٥ - ٣٦. ((وتسويد العبارة مني)). ٦٠