Indexed OCR Text

Pages 741-760

الموطأ
يَجْتَمِعون إليه ويَنْضَمُون حولَه، ويكونون أمامَه يومَ القِيامَةِ ووراءَه. وقال التمهيد
الخَلِيلُ بنُ أحمدَ(٢): حَشَرَتْهم السَّنَةُ، إذا ضَمَّتْهم مِن النَّاحِى.
وهذا الحديثُ أيضًا مُطابِقٌ لكتابِ اللهِ فى قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ
أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَئِكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَِّنُّ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال
وَلَّهِ: ((أنا العاقِبُ الذى ليس بعدى نَبِىٌّ)).
حدَّثنى خلفُ بنُ أحمدَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ خالِدٍ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عمرَ،
قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، عن مالِكِ، قال: خَتَم اللهُ به الأنبياءَ، وخَتَمَ بمسجِدِه
هذه المساجِدَ . يَغْنِى مالِكٌ بذلك مَساجِدَ الأنبِياءِ.
وقال أبو عُبَيْدٍ (١) : سأَلْتُ سُفْيانَ - يَغْنِى ابنَ عيينةً - عن العاقِبِ ، فقال لى :
آخِرُ الأنْبياءِ. قال أبو عبيدٍ : وكذلك كلُّ شىءٍ خَلَفَ بعدَ شىءٍ فهو عاقِبٌ ، وقد
عَقَبَ يَعْقُبُ عَقْبًا(٤)، ولهذا قيل لوَلَدِ الرجلِ بعدَه: عَقِبُه. وكذلك آخِرُ كلِّ
شىءٍ : عَقْبُه .
القبس
(١ - ١) فى م: ((ورواه)).
(٢) العين ٩٢/٣.
(٣) غريب الحديث لأبى عبيد ٢٤٣/١.
(٤) بعده فى مصدر التخريج: ((وعقوبا)).
٧٤١

الموطأ
التمهيد
" قال أبو عمر١َ): قد أتينا، والحمدُ للهِ، على ما شرَّطناه، وأكمَلنا ، بعونٍ
اللهِ وفضلِه، ما رسَمناه، وبحولِه وطولِه وصَلنا إلى ذلك وأدرَ كناه ، فله الحمدُ
كثيرًا دائمًا طيبًا مباركًا، عددَ كلماتِه، ومِلْءَ أرضِه وسماواتِه، وصلَّى اللهُ على
محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا(٢) .
جميعُ ما فى هذا الديوانِ من حديثٍ مالكِ الذى ثبتت عليه أبوابُه خاصةً ،
وهو جميعُ ما فى ((الموطاً)) روايةً يحيى بنٍ يحيى، من حديثِ النبيِّ الَِّ،
مسندُه، ومرسلُه ، ومنقطعُه، ثمانمائةٍ وثلاثةٌ وخمسون حديثًا؛ منها لإبراهيم
ابنِ عقبةً حديثٌ واحدٌ ، ولإبراهيمَ بنِ أبى عبلةَ حديثٌ واحدٌ ، ولإسماعيلَ بنِ
محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ حديثٌ واحدٌ ، ولإسماعيلَ بنِ أبى حكيم أربعةُ
أحاديثَ، ولإسحاقَ بنِ أبى طلحةً خمسةَ عشرَ حديثًا، ولأيوبَ السَّخْتيانيّ
أربعةُ أحاديثَ ؛ اثنانِ منها لغيرٍ يحيى ، ولأيوبَ بنِ حبيبٍ حديثٌ واحدٌ ، ولثور
ابنِ زيدٍ أربعةُ أحاديثَ ، ولجعفرِ بنِ محمدٍ تسعةُ أحاديثَ ، ولحميد الطويلِ
سبعةُ أحاديثَ، ولحميدٍ بنٍ قيس الأعرج خمسةُ أحاديثَ، ولخُبيبٍ بنِ
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((أنشد أبو عمر رحمه الله يصف هذا الديوان :
وصيقل ذهنى والمفرج عن همى
سمير فؤادى مذ ثلاثين حجة
بما فى معانيه من الفقه والعلم
بسطنا لكم فيه كلام نبيكم
وفيه من الآداب ما يهتدى به
إلى البر والتقوى وينأى عن الظلم))
(٢) بعده فى ف: ((هذا آخر كتاب التمهيد ، نقل من نسخة دار الحديث الأشرفية بدمشق من
أصل أربعة وعشرين سفرا ، فكتبته فى ثمانى أسفار هذا آخرها، والحمد لله رب العالمين، وصلواته
على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم)).
٧٤٢

الموطأ
عبدِ الرحمنِ حديثان، ولداودَ بنِ الحصينِ أربعةُ أحاديثَ، ولربيعةً بنٍ أبى التمهيد
عبد الرحمنِ اثنا عشر حديثًا ، ولزيد بن أسلم أحدٌ وخمسون حديثًا ، ولزیدِ بنِ
أبی أُنیسةً حدیثٌ واحدٌ ، ولزیدِ بنِ رباح حدیثٌ واحدٌ ، ولزیادِ بنِ ابی زیادٍ
حديثٌ واحدٌ ، ولزيادِ بنِ سعدٍ ثلاثةُ أحاديثَ ، ولطلحةَ بنِ عبدِ الملكِ حديثٌ
واحدٌ من غيرِ روايةٍ يحيى ، ولابنِ شهابٍ مائةُ حديثٍ واثنان وثلاثون حديثًا ،
ولأبى الزبيرِ ثمانيةُ أحاديثَ ، ولابنِ المنكدرِ خمسةُ أحاديثَ ، ولمحمدِ بنِ
يحيى بنِ حَبَّنَ أربعةُ أحاديثَ، ولمحمدِ بنِ عمرو بنِ علقمةَ حديثٌ واحدٌ ،
ولمحمدِ بنِ عمرو بنِ طلحةَ حديثان، ولمحمدِ بنِ أبى أمامةَ حديثٌ واحدٌ ،
ولمحمدِ بنِ أبی بکرِ الثقفى حدیثٌ واحدٌ ، ولمحمدِ بنِ أبی بکرِ بنِ محمدِ بنِ
عمرٍو بن حزمٍ حديثٌ واحدٌ، ولمحمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الأُسودِ أربعةٌ
أحاديثَ، ولمحمدِ بنِ عُمارةَ حديثٌ واحدٌ ، ولمحمدِ بنِ أبى صعصعةً
حديثان ، ولأبى الرجالِ أربعةُ أحاديثَ ، ولموسى بن عقبةً حديثان، ولموسى
ابنِ ميسرةَ حديثان ، ولموسى بنِ أبى تميم حديثٌ واحدٌ ، ولمسلم بن أبى مريم
ثلاثةُ أحاديثَ ، ولمخرمةَ بنِ سليمانَ حديثٌ واحدٌ ، وللمسورِ بنِ رفاعةً حديثٌ
واحدٌ، ولنافعٍ مولى ابنِ عمرَ ثمانون حديثًا، ولأُبی سهيلٍ نافعِ بنِ مالكٍ
حديثان ، ولنعيم المُجْمِرِ خمسةُ أحاديثَ، ولصفوانَ بنِ سليم سبعةُ أحاديثَ ،
ولصالحٍ بن كيسانَ حديثان ، ولصدقةَ بنِ يسارٍ حديثٌ واحدٌ ، ولصيفىِّ مولى
ابنِ أفلحَ حديثٌ واحدٌ ، ولضمرةَ بنِ سعيدٍ حديثان، ولعبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ستةٌ
القبس
٧٤٣

الموطأ
التمهيد وعشرون حديثًا، ولعبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بن حزم سبعةٌ
وعشرون حديثًا، ولأبى طُوالةَ ثلاثةُ أحاديثَ، ولأبى الزنادِ أربعةٌ وخمسون
حديثًا، ولعبدِ اللهِ بنِ الفضلِ حديثٌ واحدٌ، ولعبدِ اللهِ بنِ يزيدَ خمسةُ
أحادیثَ ، ولعبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن جابر بن عتیك حدیثان، ولعبدِ اللهِ بنِ أبی
حسينٍ حديثٌ واحدٌ، ولعبيدِ اللهِ بن أبى عبدِ اللهِ الأغرّ حديثٌ واحدٌ،
ولعبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ حديثٌ واحدٌ ، ولعبدِ الرحمنِ بنِ أبى صعصعةً
خمسةُ أحاديثَ ، ولعبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ عشَرةُ أحاديثَ ، ولعبدِ الرحمنِ بنِ
حرملةَ خمسةُ أحاديثَ ، ولعبدِ الرحمنِ بنِ أبي عمرةَ حديثٌ واحدٌ ، ولعبدِ ربِّه
ابنِ سعيدٍ ثلاثةُ أحاديثَ ، ولعبدِ الحميدِ أو عبد المجيدِ بنِ سهيلِ الزهرىِّ حديثٌ
واحدٌ ، ولعبدِ الكريم الجزرىِّ حديثٌ واحدٌ ، ولعبد الكريم بن أبى المخارقِ
ثلاثةُ أحاديثَ فى حديثٍ واحدٍ ، ولعثمانَ بنِ حفصٍ بنِ خلْدَ حديثٌ واحدٌ ،
ولعامرٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ حديثان، ولعلقمةَ بنِ أبى علقمةَ حديثان ، ولعمرو بنِ
يحيى المازنىّ أربعةُ أحاديثَ، ولعمرٍو بنِ الحارثِ حديثٌ واحدٌ، ولعمرٍو بنٍ
أبى عمرٍو حديثٌ واحدٌ ، وللعلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ عشَرةُ أحاديثَ، ولعطاءٍ
الخراسانيّ ثلاثةُ أحاديثَ، ولقَطَنِ بنِ وهبٍ حديثٌ واحدٌ ، ولسعدِ بنِ إسحاقَ
حديثٌ واحدٌ، ولسعيدٍ بنٍ أبى سعيدِ ستةُ أحاديثَ، ولأبى حازم تسعةٌ
أحاديثَ، ولسلمةَ بنِ صفوانَ حديثٌ واحدٌ ، ولسعيد بن عمرو بن شرحبيلٍ
الأنصارىِّ حديثٌ واحدٌ ، ولسالم أبى النضرِ خمسةَ عشرَ حديثًا ، ولسهيلٍ بنِ
القبس
٧٤٤

الموطأ
أبى صالح عشَرةُ أحاديثَ ، ولُمىٍّ مولى أبى بكرٍ ثلاثةَ عشرَ حديثًا ، ولشريكِ التمهيد
ابن أبى نمِرٍ حديثان، ولهلالٍ بنِ أسامةَ حديثٌ واحدٌ ، ولهاشمٍ بنِ هاشم
حديثٌ واحدٌ ، ولهشام بن عروةً ستةٌ وخمسون حديثًا ، ولأُبی نعیم وهبِ بنِ
كيسانَ حديثان، وللوليدِ بنِ صيادٍ حديثٌ واحدٌ ، وليزيدَ بنِ قُسيطٍ حديثٌ
واحدٌ ، وليزيدَ بنِ خصيفةَ ثلاثةُ أحاديثَ ، وليزيدَ بنِ رومانَ حديثٌ واحدٌ ، ولیزیدَ بنِ
الهادى ثلاثةُ أحاديثَ ، وليزيدَ بنِ زيادٍ حديثان، وليحيى بن سعيد الأنصارىِّ خمسةٌ
وسبعون حديثاً ، ولا بنِ حِمَاسٍ حديثان، وليعقوبَ بنِ زيدِ حديثٌ واحدٌ ، ولأبى بكرٍ
ابنِ عمرَ العمرىِّ حديثٌ واحدٌ ، ولأبى بكرٍ بن نافع حديثان ، ولأبى ليلى الأنصارىِّ
حديثٌ واحدٌ ، ولأبى عبيدٍ مولى سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ حديثان .
ومن بلاغاتٍ مالك عن الثقاتِ وما أرسلَه عن نفسِه أنه بلغه أحدٌ وستون حديثًا .
فهذا جميعُ ما فى (( الموطأً)) من رواية يحيى بن يحيى الأندلسىِّ من حديثٍ
النبيِّ نَّهِ وما أَضيف إليه أنه قاله ◌َّةِ، أو كان موقوفًا فيه مرفوعًا فى غيرِهِ،
ومثلُه لا يُدرَكُ بالرأيِ، فَذُكِر لصحتِه عنه وَلَّ، حاشا حديثين لأيوبَ
السَّختيانيِّ ، وحديثًا لطلحةَ بنِ عبدِ الملكِ، فإن هذه الثلاثةَ الأحاديثِ خاصةً
من غیرِ رواية یحیی .
(*) والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمدٍ خاتم النبيين، وعلى
القبس
(٥) من هنا إلى قوله: ((الديوان)). فى الصفحة التالية، جاء مكانه فى ف: ((فى الأصل المستنسخ
منها النسخة التى نسخت منها هذه النسخة نسخت من مسوّدة المؤلف أبى عمر بن عبد البر بخط
يده، أنشد ابن عبد البر عند فراغ قراءة هذا الكتاب عليه)).
٧٤٥

الموطأ
التمهيد آله الطيبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، وسلَّم
تسليمًا دائمًا أبد الآبدين ، آمين يا ربَّ العالمين.
(١ أنشد أبو عمرَ رحِمه اللهُ يصفُ هذا الديوانَ:
وصيقلُ ذهنى والمفرجُ عن ھمِّی
سمیژ فؤادی مذْ ثلاثین حِجةً
بما فى معانيه من الفقهِ والعلم
بسَطْتُ لكم فيه كلامَ نبيِّكم
١)(٢)
إلى البرّ والتقوى وينهى عن الظلم
وفيه من الآدابِ ما يُهتدى به
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) بعده فى الأصل، م: ((انتهى جميع كتاب التمهيد بحمد الله وحسن عونه وجميل صنعه ؛
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما، وكان الفراغ منه فى عقب شهر شعبان
المكرم من سنة سبعين وخمسمائة))، وفى ف: ((ووافق الفراغ من نسخه عشية الاثنين ليلة الثلاثاء
السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة من شهور سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بمدينة دمشق
المحروسة بسفح جبل قاسيون ، على يد أفقر عباد الله إلى الله ، الراجى عفو ربه ، الحسن بن على بن
الحسن بن حمزة الشريف الحسينى برسم الخزانة العالية المولوية المالكية المخزومية العزية عز الدين حمزة
ابن شيخ السلامية ، غفر الله له ولوالديه ونفعه بما علم ولجميع المسلمين يا رب العالمين.
وغافر الذنب من سرِّ وإجهارى
يا خالق الخلق طورا بعد أطوارى
والمستغير له إن رد والقارى)).
اغفر لمالكه أيضا وناظره
٧٤٦

القبس
کتابُ التفسيرِ (١)
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
هذا كتابُ التفسيرِ (١) ، أرسَل مالكٌ رضِى اللهُ عنه كلامَه فيه إرسالًا، فلقَطه
أصحابُه عنه، ونقلوه كما سمِعوه منه، ما خَلا المَخْزُومِىَّ، فإنه جمَع له فيه أوراقًا ،
أَلْفَيْناها فى دمشقَ فى الرحلةِ الثانيةِ إليها(٢) ، فكتبناها عن شيخِنا أبى عبدِ اللهِ
المِصْيصِىِّ الأَجْلِّ الأمينِ المُعَدَّلِ، وكان كلامُه رحِمه اللهُ فى التفسيرِ على جملةٍ
علومِ ) القرآنِ، فَتَظَئنا كلَّ علمٍ فى سِلْكِه، (وَنُطْنَاه بنَظِيرِه) ، فما كان مِن قبيلٍ
التوحيدِ ذكّرناه فى ((المُشْكِلَين))، وما كان مِن قَبِيلِ أحكامِ أفعالِ المُكَلَّفِينَ ذكرناه
فى ((أحكامِ القرآنِ ))، وما كان مِن الشُّذُورِ المنثورةِ والفوائدِ المُتفرّقةِ، رأينا أن نُورِدَ
منه هلهنا نُبَّذّا؛ اقتداءً به رضِى اللهُ عنه فى الجامع، حيثُ أَلَّف أبوابَه أنواعًا مُتَفرِّقةً
وحتى يَكْمُلَ التصنيفُ بجميعِ معانِيه، إذ كتابُ التفسيرِ مِن جملةٍ أبوابِ التصنيفِ
بل جُلُّه، وإن كان تفسيرُ القرآنِ أمرًا لا يُطاقُ ، وما تَعرّضَ له أحدٌ فاستقلِّ به خَلا
محمدَ بنَّ جريرٍ، فإنه بَدَأَه(٦) وأَتَقُّه، ومَن جاء بعدَ ذلك فهو ◌ِيالٌ عليه فيه ، ( ومنهم
حِيالٌ(٧)، وقد كُنَّا أَمْلَينا فيه فى كتابٍ ((أنوارِ الفجرِ) فى عشرينَ عامًا ثمانينَ ألفَ
ورقةٍ، وتفرَّقَت بينَ أيدى الناسِ، وحصَل عندَ كلِّ طائفةٍ منها فَرٍّ، وقد نَدَبْتُهم إلى
(١) هذا الكتاب ساقط من: ج.
(٢) زيادة من: م.
(٣) سقط من: م.
(٤) فى د: ((عموم)). والمثبت من: ((م) موافق لنسخة على حاشية ((د)).
(٥ - ٥) فى م: ((ونظمناه فى نظيره)). ونُطْناه بنظيره: علَّقْناه به وقَرَنّاه معه. ينظر التاج (ن وط).
(٦) فى م: ((قرأه)).
(٧ - ٧) فى م: ((ومتمم حيال)). وحيال: أى هو يازائهم جميعًا، فهو فى مقابلهم جميعًا؛ لكونه
أول مَن راد طريق التفسير متوسعًا فيه. ينظر اللسان (ح ول).
٧٤٧

القبس
أن يجمعوا منها ولوعشرينَ ألفًا، وهى أُصُولُها التى يُثنَى عليها سِواها، ويَنْظِمُها على
علوم القرآنِ الثلاثةِ ؛ التوحیدُ ، الأحكام، التذ کیرُ، إذ لا تخلو آیةٌ منه بل حرفٌ عن
هذه الأقسامِ الثلاثةِ ، إلا أن فسادَ الزمانِ بمُواصلةِ الإخوانِ، ومُصاولةِ الأَقْرانِ،
وضرورةِ المعاشِ والرِّيَاشِ المُلازِمةِ للإنسان، قواطعُ تُفْنى المتاعَ، وتقطَعُ أسبابَ
الإمتاع، وقد كُنَّا ◌ُوتِبْنا فى إعراضِنا عن مجموع فى تفسيرِ القرآنِ ، يُثْلِجُ حرارةً
الصُّدورِ، ويَفْرِجُ عن حَزَازَاتِ المَصْدورِ (١)، فاغْتَذَّرْتُ فما قُبِل عُذْرِى، وقيل لى :
قد شاهَدْناك تُمْلِى فيه فى نَيَّفٍ على عشرينَ عامًا ، ما لو سُطِرَ لمَلَّأَ النَّشَرَ، وعجز عن
تحصيلِه البشرُ. فقلتُ: كان ذلك والشبابُ بنَضَارتِه، والعُمُرُ فى عُنْفوانِهِ ، فأما الآنَ
وقد وَلَّيًا، فقد وَلَّيتُ معهما، وهذا أوانُ تَفْرِيقى(٢)، فكيف أُحاوِلُ أن أجمعَ
تَحْقيقى. فَأَلَعَّ وَلَجَّ، وَالمَثَلُ السائُ: مَن لَتَّ حَجَّ(١) . فحَرَّرْتُ مائةَ ورقةٍ قانونًا فى
التأويلِ العلومِ التنزيلِ، تأخُذُ بضَبْعِ (٤) الشَّادِى، وتُنيرُ القمرَ للبَادِى، فمَن وجَده
فلْيأخُذْ به؛ فإنه لُبابُ الأَلْبابِ، وشارعٌ عظيمٌ إلى كلٍّ بابٍ، فأما الآنَ فتَسْتِيحُ
بُكَتٍ فى هذا الإِملاءِ، يُنَاسِبُه فى العُجالةِ، وأرجو أَلَّا يكونَ ضِغْئًا على إِيَّالةٍ() ، ولى
فيها مقاصِدُ، اللهُ عليم بها ، معظمُها التَّبِيهُ على مِقْدارِ مالكِ فى العلومِ ، وسَعَةِ بَاعِه
فيها فى الفَهْمِ والتَّفْهِيمِ .
(١) صدر : شكا صدره ، فهو مصدور. التاج ( ص د ر ) .
(٢) فى م: ((تفريض)).
(٣) المستقصى فى أمثال العرب ٢٧٩/٢. بلفظ: من لج فحج.
(٤) فى م: ((بصبغ)). والضَّبْع: وسَط العضُد بلحمه، يكون للإنسان وغيره. وقيل: العضدُ كلُّها .
وقيل: الإبط . وقيل : ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه . اللسان (ض ب ع).
(٥ - ٥) فى م: (( وتثير الهمم)) .
(٦) الضِّغْث: قَبضة من حشيش أو مقدارها مختلطة الرّطْب باليابس. والإيَّالة: الحُزُمة من
الحشيش أو الحطب. وضِغثّ على إبالة: أى يَلِيَّةٌ على أخرى كانت قبلها. ينظر مجمع الأمثال
للمیدانی ٢/ ٢٦٠، والتاج (ض غ ث ، أ ب ل).
٧٤٨

القبس
سورةُ البقرةِ
قال ابنُّ القاسم : سمِعتُ مالكًا يقولُ: أولُ معصيةٍ تُصِى اللهُ بها الحَسَدُ والكِبرُ
والشُُّ؛ حسَد إبليسُ آدمَ، وتكبّر عليه، وشَعَّ آدمُ، قيل له: كُلْ مِن جميعٍ شَجْرٍ
الجنةِ إلا هذه الشجرةَ. فشَعَّ فَأَكَلَها(١(١) .
قال القاضى ابنُ العربيّ رضِى اللهُ عنه: أمَّا الحَسَدُ فكَبيرةٌ مِن أعمالِ القلوبِ ،
مُتَّفَقٌ على تحريمِها فى الْمِلَلِ، مِن لَدُنْ شريعةِ آدمَ إلى محمدٍ نَّهِ؛ وحقيقتُه تَمَنِّى
عينِ المُعْجَبِ عندَ الغَيْرِ، وإرادةُ انتقالِه منه إليه . فإن أردتَ وجودَ مِثْلِه عندَك كان
عندَ علمائِنا غِبْطةً. وحقيقةُ ذلك أن الحَسَدَ يُطْلَقُ على الوجهَين، والغِبْطَةَ
مخصوصٌ بالثانى، وعلى هذا يُخَرَّجُ قولُه وَلَهِ: ((لا حَسَدَ إلا فى اثنتَين))
الحديث(٤) . وقد أحكَمْنا القولَ عليه فى ((صريح الصحيح))، وأما الكِبرُ فهو رؤيةُ
الفضلِ للنفسِ على الغَيْرِ، وتَخْتلِفُ درجاتُه ما بينَ طاعةٍ وكُفْرٍ ومعصيةٍ ، وعلى هذا
يُخَرَّجُ قولُه: ((لا يَدْخُلُ الجنَّةَ مَن كان فى قلبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن كِبْرٍ)) (١) . فعبَّر عن أحدٍ
أقسامِه الثلاثةِ وهو الكِبرُ، وبه كان إبليسُ كافرًا؛ لأنه حمَلَه حَسَدُه لآدمَ على أن
يَعْتَرِضَ على أمرٍ البارئُّ سبحانَه ويُسَفِّهَه، فكان كافرًا بذلك. وأمّا الشُّحُ؛ فَاتِّفَقِ
علماؤنا على أن البُخْلَ مَنْعُ الواجبِ، وعلى أن الشُّحَّ مَنْعُ المُسْتَحَبِّ . واستَدَلُّوا على
ذلك بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ.
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الآية [الحشر: ٩]. ورأيتُ بعضَ العلماءِ باللهِ() يجعَلُه مِن
الألفاظِ المشتركةِ. وقد بيِنَّ ذلك فى تفسيرٍ قولِه ◌َله: ((مَثَلُ البخيلِ
(١) فى م: ((بأكلها)» .
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٢٩٦/١.
(٣) بعده فى م: ((ما )).
(٤) تقدم تخريجه فى ٩٩/٢٢، ١٠٠.
(٥) أخرجه مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود .
(٦) فى م: ((بأنه )).
٧٤٩

القبس والمُتَصَدِّقٍ))(١) . فلْيُطْلَبْ هنالك(٢).
والذى يُفْتَقَرُ الآنَ إليه هلهنا وَجْهُ تَسْميةِ مالكٍ رحِمه اللهُ فعلَ آدمَ شُخًا، والذى
نَعْتَقِدُ أن الشُّحَّ مَنْعُ المُشْتَحَبِّ ، ووَجْهُ تَعَلُّقٍ قولٍ مالك بهذا التفسيرِ، أن الإيثارَ هو
خَلْتُك عما بيدِك للغَيْرِ، والشُّخَّ ضِدُّه، فهو إذنْ خَلْعُ ما بيدِ الغَيْرِ لك، فلما خَلَع آدمُ
الشجرةً مِن قِسْمِ المتروكِ إلى قسمِ المفعولِ كان شُخًا .
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال ابنُ القاسمِ: سمِعتُ مالكًا يقولُ : التقديسُ الصلاةُ .
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: تحقيقُه أن التقديسَ هو التَّطْهِيرُ
والتبرئةُ(١) حَسَبَ ما بيِّنَّاه فى اسمِ القُدُّوسِ، وهو مِن صفاتِ النَّفْي فى حقِّ البارئّ
سبحانَه، والإثباتِ فى حقِّنا له، والتقديسُ يكونُ بالقولِ ويكونُ بالفعلِ، والفعلُ
أشرَفُ مِن القولِ أو مِثْلُه أو مَقُولُه، وأشرفُ الأفعالِ الدينيةِ الصلاةُ، وهى قد جمَعت
أنواعَ التقديسٍ مِن قول وفعلٍ ، بانْتصابٍ وانْحِناءٍ وسقوطٍ إلى الأرضِ بينَ يدَيه٤)،
فهى غايةُ قدرةِ الآدمىِّ ، فلأجلِ ذلك انتهَى مالكٌ فى التفسيرِ إليها .
قولُه تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] .
قال ابنُ القاسمِ: سمِعتُ مالكًا يقولُ: ضرّبوه بالفَخِذِ . وقيل: بالذِّنَبِ.
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: وخُذُوا - أَخَذَ اللهُ بكم ذاتَ
اليمينِ - قولًا بديعًا؛ وذلك أن مالكًا كثيرًا ما يَشترسِلُ فى الإسرائيلياتِ. وقد
نَقَلنا عنه فى ذلك أقوالًا متعدِّدةً فى مسائلَ مختلفةٍ ، وبَيْنًا فى ((أصول الفقهِ)) وَجْهَ
(١) أخرجه البخارى (١٤٤٣)، ومسلم (١٠٢١)، من حديث أبى هريرة.
(٢) ينظر أحكام القرآن ١٧٦٥/٤.
(٣) فى م: ((التنزيه)) ..
(٤ - ٤) ليس فى: د، وفى م: ((ببدنه)). والمثبت من نسخة على حاشية د.
(٥ - ٥) سقط من: م.
٧٥٠

ذلك؛ لُبابُه(١) أن كلَّ قولٍ تَرِدُ مِن قِبَلِهم على ألسنةٍ مَن أسلَم مِن علمائِهم، يجوزُ أن القبس
يُؤْثَرَ عنهم ما لم يَعْتِرِضْ على أصلٍ فى الشرعِ، وهو المرادُ بقوله: ((حَدِّثوا عن بنى
إسرائيلَ ولا حَرَجَ)) . وقد بَيْنَّاه فى ((شرحِ الحديثِ)) على الاستيفاءِ. والذى يَغْلِبُ
على ظنِّى أن مالكًا إنما ذكَّر ذلك؛ لأن النبيَّ وَ لِّ قد ذكَر نظيرَه فى شرعِنا، قال:
(لا تقومُ الساعةُ حتى يُخْبِرَ الرجلَ فَخِذُه بما يصنَعُ أهلُه مِن بعدِه))(٤). فرأى مالكٌ
رضوانُ اللهِ عليه أن نُطْقَ الفَخِذِ مُنْتَظِمٌ فى الشرائعِ .
قولُه تعالى: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِنْ تَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥] .
قال ابنُ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ: لمَّا وقَف إبراهيمُ عليه السلامُ على المَقامِ
أُوحَى اللهُ سبحانَه إلى الجبالِ أن تأخّرِى عنه. فتأخّرت حتى رأى موضعَ المَناسكِ
كلِّها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذا شىءٌ مَرْوِىٌّ عن النبيِّ مَالر، ولكن
لم يَصِحَّ لنا سَنَدُه، أمَّا إن مالكًا نقَله لثلاثةٍ أوجهٍ؛ أحدُها: أنه مُناسِبٌ نَظْمَ القرآنِ .
الثانى : أنه يسيرٌ مِن قُدْرِةِ الجليلِ فى كرامةِ الخليلِ . الثالثُ : أنه جائزٌ فى المعقولِ
فخرَج على الأصلِ المُتَقدِّمِ. وقد قَيِّدْتُ فى ((مُعَلَّقاتٍ(*) التذكيرِ)) عن أشياخِنا
العِرَاقِين أن الأوزاعىَّ وصَّى يومًا رجلاً بالتَّقْوى ومُلَازمةِ العملِ الصالحِ، وقال
له " فى دَرْجِ الكلامِ" : إذا اتَّقَيتَ اللهَ وقلتَ لذلك الجبلِ: ادْنُ. يَدْنو إليك.
(١) فى م: ((ولبابه)).
(٢) فى م: ((ما)).
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٣٦/١.
(٤) أخرجه أحمد ٣١٥/١٨ (١١٧٩٢)، والترمذى (٢١٨١) من حديث أبى سعيد الخدرى.
(٥) فى م: ((متعلقات)).
(٦ - ٦) فى م: ((من درج كلامه)).
٧٥١

القبس فتزحزَح الجبلُ إليهم، فقال الأوزاعىُّ: إليك عنّى، إنما ضرّبتُه مِثالاً(١) لهذا. وهذه
روايةٌ تُشْتَمَدُّ مِن بحرِ الكراماتِ، وصَدْرُنا فيها رَحْبٌ ، ومَوْرِدُنا فيها عَذْبٌ ، فعليكم
بـ ((المُتوسِّطِ)) و((المُشْكِلَين))، فيهما يَنْجلِى عنكم خِفَاءُ الجهلِ، ويَنْهَتِكُ سِتْرُ
(٣)
المَيْنِ().
وبذلك(٤) أسمعَ اللهُ عزَّ وجلَّ كلامَ إِبراهيمَ حينَ أَذَّنَ بالحَجّ لجميعِ الخلقِ؛ مِن
جمادٍ وحىٍّ (٥)، أَذَّنَ على المَقامِ بالحجُّ، فأسمع اللهُ عزَّ وجلَّ تَأْذينَه كلُّ مخلوقٍ مِن
الأحياءِ والجماداتِ، فمَن أعرَض عنه لم يَحُجَّ، ومَن أجابَه مَرَّةٌ حَجّ مَرَّةً ، ومَن أجابَه
سبعينَ مَرَّةً حَجَّ سبعينَ مرَّةً(١) ، وهى إحدى الأقسامِ التى وقع فيها الإحياءُ مِن اللهِ عزَّ
وجلَّ للخلقِ مِن لَدُنْ آدمَ إلى يومِ القيامةِ ، وكلُّ ذلك جائزٌ فى قُدْرةِ اللهِ عزّ
وجلَّ حَسَبَ ما يَنَّاه فى ((المُشْكِلَّين)) ( وغيرِه)، على وَجْهِ ذلك؛ مِن صحيحٍ
وسقيمٍ، وقوىٍّ وضعيفٍ، وغيرِ ذلك.
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنّ وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
قال أبو بكرٍ بنُ أبى أُويسٍ: سمِعتُ مالكًا يقولُ: إذا مَنَّ قطّع الأجر.
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذه الآيةُ من شُبَهِ الإِخْباطِيَّةِ. والقولُ
بالإحباطِ مُخْبَطٌ حَسَبَ ما يَثَنَّه، فى كُتُبِ الأصولِ و(٤)(المُشْكِدِين)) جَلاؤُه(٩)؛ لأنه
(١) فى د: ((مثلا)).
(٢) فى م: ((خفيّ)). والخفاء كالكِساء لفظا ومعنى. ينظر التاج (خ وف).
(٣) المين: الكذب. ينظر التاج (م ی ن).
(٤) فى م: (( كذلك)).
(٥) بعده فى م: ((حين)).
(٦) فى م: ((حجة)).
(٧ - ٧) فى د: ((وغيرهما)).
(٨) فى م: ((وبيناه فى)).
(٩) سقط من: م.
٧٥٢

القبس
لم تَبْقَ آيَةٌ ولا حديثٌ يتَعلَّقُ به إلا مجمِع هنالك، فضُرِبُ(١) بعضُها ببعضِ
حتى تَّعَيَّنُ الحقُّ، فمعنى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِآلْمَنِّ
وَاُلْأَذَى﴾. يعنى عندَ المُوازنةِ فى رأي المُحقِّقِين مِن علمائِنا؛ لأن الصدقةً
حَسَنةٌ، والمَنَّ والأَذَى سيئةً، فربَّمَا ثَقُلَ ميزانُ السيئةِ بتَكْرَارِها، أو بما شاء
اللهُ مِن شأنِها، فبَطَلٌ) معنى الصدقةِ فى ذلك الحالِ ، والإبطالُ على
وجهّين؛ عام وخاصٍّ، حَسَبَ ما بيِّنَّه هنالك، وهذا الذى أشارَ إليه مالكٌ
وَجْةٌ مَلِيحٌ؛ وذلك أن ثوابَ الصدقةِ يَجْرِى للمُتصدِّقِ دائمًا، فإذا مَنَّ انقطَع
الأجرُ مِن ذلك اليومٍ، وهو يرجِعُ إلى الأُولِ مع المُخالفِين، ولكنَّها مُقَدِّمةٌ
شريفةٌ فليُرْجَعْ إليها .
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾
[البقرة: ٢٦٩ ].
قال ابنُ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ: قولُه تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن
يَشَآءْ﴾. يعنى: التَّفكِّرَ فى أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ والاتباعَ له. وقال ابنُ وهبٍ : سمِعتُه
يقولُ : هو الفقهُ فى دينِ اللهِ تعالى والعملُ به . قال مالكٌ: ومما يُبَيِّنُ لك ذلك ، أن
الرجلَ قد يكونُ بصيرًا بدُنْياه، وَآخَرُ لا بَصَرَ له بدُنْياه وهو عارفٌ بأمرِ اللهِ تعالى ، وقد
قال اللهُ عزَّ وجلَّ فى يحيى: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]. يعنى: العلمَ
والعملَ .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: اختلف قولُ مالكِ لأصحابِه لفظًا ،
واتَّفَق معنَى، على طريقِ العلماءِ فى ضَبْطِ المعانى وإهمالِ الألفاظِ، فَرَدَّ على
(١) فى م: ((فيضرب)).
(٢) فى م: ((يتعين)).
(٣) فى م: ((فيبطل)).
٧٥٣
( موسوعة شروح الموطأ ٤٨/٢٣ )

القبس السائلين فى الأجوبة بحَسَبِ الحاضرِ فى الخاطرِ مِن تلك المعانى المُفْرَّدَةِ ()، أو
بحَسَبِ السائلِ إن كان يحتمِلُ جميعَها أو بعضَها .
وبناءُ (ح كم)) فى اللغةِ العربيةِ كيفما تَصرّفَ يرجِعُ إلى الضَّبْطِ والمَنْعِ، وقد
قرَّرْنا فى ذلك بدائعَ فى اسمِ الحكيم، فليُطْلَبْ هنالك. وأولُ الحكمةِ العلمُ،
وأولُ العلمِ معرفةُ الإنسانِ بنفسِه، فمَن عرَف نفسَه عرَف ربَّه، وآخِرُ الحكمةِ
العملُ، فإذا اجتمعا كان صاحبُهما حكيمًا، وإن افترقا كان ذلك الاسمُ ثابتًا له
مِن وَجْهِ مَنْفِيًّا عنه مِن آخرَ، والكلامُ فى إطلاقِهِ عليه أو سَلْبِه عنه مسألةٌ فقهيةٌ ،
بيانُها فى (( شرحِ الحديثِ)).
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْقَى﴾
[البقرة: ٢٦٠] .
قال مجُوَيرِيَّةُ بنُ أسماءَ: سمِعتُ مالكًا يقولُ، وأَسْتَدَه: ((يَرْحَمُ اللهُ إبراهيمَ،
نحن أحَقُّ بالشَّكُّ منه حينَ قال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْنَ﴾)). قال:
(ويَرْحَمُ اللهُ لوطًا، لقد(١) كان يَأْوِى إلى رُكْنٍ شديدٍ، ولو لَبِثْتُ فى السجنِ ما لَبِثَ
يوسفُ لأجَبْتُ الداعىَ))(٣) .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذا حديثٌ صحيحٌ خرّجه الأئمةُ مِن
كلِّ صنفٍ، واجتَنَب بعضُهم لَفْظةَ الشكِّ، فقالوا : نحن أحَقُّ بإبراهيمَ . اسْتِعظامًا
لذكرِها، وهى عبارةٌ لا يُشْتَعظَمُ ما يذكُرُه النبيُّ وَلِّ عن نفسِه، إلا أنْ يكونَ لم
يَصِحُ عندَه، فله فى ذلك أبلغُ العُذْرِ، وقد أتقَنَّا القولَ على هذا الحديثِ فى
(المُشْكلَين)) وغيرِهِ، بما لُبَابُه أن الشَّكَّ هو تَجْويزُ أمرَين فى القلبِ لا مَزِيَّةَ لأُحدِهما
(١) فى م: ((المنفردة)).
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه البخارى (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١)، من حديث أبى هريرة.
٧٥٤

على الآخرِ ، فإِن كان فيما يتعلَّقُ باللهِ مما يجِبُ له أو يستحيلُ عليه (١) ، فذلك كفر لا القبس
يَلِيقُ بالأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم ، وإن كان هذا التَّرَدُّدُ فيما يجوزُ مِن فعله ، ويتصرّفُ
على العبادِ مِن مُحُكْمِه، فمنه ما أعلَمَ الأنبياءَ به (١) ، ومنه ما حبسه عنهم . فأما جوازٌ
إحياء الموتى، فهو معنًى معقولٌ جائزٌ، لم يَخْبِسِ اللهُ علمَه عن الأنبياءِ، ولا شَكّ فيه
أحدٌ منهم فى حالٍ مِن الأحوالِ ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ صرَّح به لهم وكرّره عليهم،
وجعَله أصلًا فى معرفتهم به، وأصلًا لجميع (١) أفعالِه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الحجر: ٨٥]. يعنى بالحَشْرِ للثواب
والعقابِ، وهو معنى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
فأمَّا كيفيةُ إحياءِ الخلقِ ؛ بجَمْعِ أجزائِهم المُتفرّقةِ ، وإعادةٍ أوصافِهم المعروفةِ ،
وتأليفِ الأرواح مع الأجسادِ كما كانت قبلَ المَعَادِ () ، فما أطلَع اللهُ عليها أحدًا،
ولا يَلْزَمُ أن يكونَ مُعْتَقَدًا، بل قال بعضُ المُحَرِّرِين: إن الأصلحَ فى الحكمةِ أن
تخفَى(٥) عن الخليقةِ .
أُمَا إن الخليلَ لمَّا رُفِعت درجتُه، وقَرْبَت منزلتُه، واطَّلَع على ملكوتٍ
السماواتِ والأرضِ قال بحُكّم الإذلالِ (١): ﴿رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَى﴾.
فوقَّى اللهُ منزلتَه حقّها، وعادَ عليه بفضلِ الإجابةِ ، فأَرَاه مِن كيفيةِ جمعِ الأجزاءِ
المُتَفرِّقةِ عِيَانًا ما كان شكَّ فيه قبلَ ذلك زمانًا ، وكلُّ أحدٍ إلى يومِ القيامةِ مِن المؤمنين
الموقِنين عالمٌ بالإعادةِ، شادٌّ فى الكيفيةِ .
(١) سقط من: م.
(٢) ليس فى : د.
(٣) فى د: ((بجميع)).
(٤) فى م: ((الميعاد)).
(٥) فى م: ((يخفى)).
(٦) فى م: ((الإذلال)).
٧٥٥

وأمَّا قولُه: ((يَرْحَمُ اللهُ لوطًا، لقد كان يَأْوِى إلى رُكْنٍ شديدٍ)). فإن لوطًا سألَ
القبس
الله تعالى على ما علِمٍ مِن عادتِهِ وسُنَّتِه١ُ فى رَبْطِ الأسبابِ بالمُسَيَّاتِ، وهو مِقامُ
توحيدٍ عظيمٌ، فأرادَ النبىُّ ونَ﴿ مِن لوطٍ أن يقومَ فى مَقامِ أشرفَ منه، وهو التَّعَلُقُ
بالقُدْرَةِ إِذُ ١ رأى الغَلَبةَ، كما فعَل ◌ِ لّ يومَ الطائفِ حينَ ضاقَت عليه الأرضُ بما
رَحُبَت، فقال: ((اللهمَّ إليك أشكو ضَغْفَ قوَّتى)). الحديث إلى قوله: ((ولا حولَ
ولا قوةَ إلا باللهِ العلىِّ العظيمِ)) (١).
وقال فى يوسفَ مُتَعَجِّبًا مِن صَبْرِه على بلاءِ السجنِ ، واسْتِدامتِه لذلك البلاءِ بعدَ
أن أُمِر بالخروج، فرأى له فى ذلك منزلةً لم يَرَها لنفسِهِ وَلَّ، فلم يُسَلِّمْ للوطِ اَ
حالَه، وأَقَرَّ على نفسِه الكريمةِ بِشُغُوفٍ يوسفَ فى بقائِه فى السجنِ بعدَ الدعاءِ إِلى
الخروج منه، وقد أتقنًّا بيانَ ذلك فى كتابٍ ((الأنبياءِ))، وفى كتابٍ ((المُشْكِلَين)).
قولُه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦].
قال سَوادةُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصارىُّ(٤): سمِعتُ مالكًا يقولُ: قال جبريلُ للنبىِّ
نَّهُ : يا محمدُ، إن اللهَ تعالى تجاوز عن أُمَّتِك الخطأَّ والنسيانَ وما اسْتُكرِهوا
عليه) . وذكر كلامًا .
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: رُوِى عن النبيِّ وَلِ: «رُفِع عن أُمَّتی
الخَطَأُ والنسيانُ وما اسْتُكرِهوا عليه)) (١) . وهذان الحديثان لم يَثْبُتْ لهما قَدَمٌّ فى
(١) فى م: (( سننه )).
(٢) فى م: (إذا)).
(٣) ابن جرير فى تاريخه ٣٤٤/٢، ٣٤٥، والطبرانى- كما فى مجمع الزوائد ٣٥/٦.
(٤) هو سوادة بن إبراهيم الأنصارى، يروى عن مالك، قال الدارقطنى: ضعيف . قال الذهبي :
أتى عن مالك بخبر منكر لم يصح. ويقال فى اسمه: سوادة بن عبد الله الأنصارى. ينظر ميزان
الاعتدال ٢٤٥/٢، ونصب الراية ٣٧/١، ولسان الميزان ١٢٥/١.
(٥) أخرجه الدارقطنى فى غرائب مالك - كما فى لسان الميزان ١٢٦/٣.
(٦) تقدم تخريجه فى ٤٧٧/١٥.
٧٥٦

الصِّحَّةِ، لكنَّ معناهما صحيحٌ قطعًا فى الخطأ والنسيانِ، والإكراهُ محمولٌ عليه فى القبس
العمومِ ، مخصوصٌ فى الكفرِ فى سورةِ ((النحلِ))(١).
واختلف علماءُ المسلمين فى هذه المسألةِ على قولَين؛ فمنهم من قال: إن
المرادَ بالرفعِ هلهنا رَفْعُ الإثمِ آخِرةٌ(١، والحكمِ دُنْيا. ومنهم مَن قال: إن المرادَ
بذلك رفْعُ الإثم فى الآخرةِ دونَ الحكمِ فی الدنیا . فی تفصيلٍ طويلٍ ، بیانُه فی کتابٍ
(الأحكام) (١)، و((المسائلِ))، والأدلةُ فى ذلك مُتعارِضةٌ، وقد تَكلَّمْنا عليها فى
((مسائلِ الخلافِ)) بما فيه كفايةٌ، والذى يتَحَصَّلُ الآنَ مِن القولٍ فى ذلك، أن
الصحيحَ فيه رفعُ الإثمِ آخِرةٌ والحكم دُنْيا معًا، فكلُّ مَن فعَل فعلاً ناسِيًّا أو مُخْطِئًا أو
مُكْرَهًا ، فإن شيئًا مِن ذلك لا يتَعلَّقُ به حُكْمٌ إذا كان ذلك الحكمُ مما يَثْبُتُ فيه
تَحْقيقُ هذه الصفاتِ الثلاثِ. فإن قيل: فقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ قَّثَلَ
مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ
يَضَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢]. فاعْتُبِرِ الضمانُ فيه، وهذا نَقْضُ ما ذكَرْ تُموه. قلنا: لا
يُعْتَرَضُ بهذا على ما أَصَّلْنا؛ فإنه تعالى كما أوجَب الضمانَ فى قتلِ الخطأِ ،
أوجَب الضمانَ بالكفارةِ، وقد أجمعَت الأَمَّةُ على أنه لا إثمَ فيه، فدَلَّ ذلك
على أن الحُكْمَ مخصوصٌ، والمخصوصُ لا يقاسُ عليه، ولا يُعْتَرَضُ به . فإن
قيل: فلو أَتَلَف مالًا لرجلٍ وهو لم يقصِدْ. قلنا: يلزَمُه الضمانُ؛ لأن دَغْوى
عَدَمِ القَصْدِ لم تَثْبُتْ، ونفسَ الإهلاكِ قد تَحَقَّقَ، فلا يَسْقُطُ المُتَحَقِّقُ
بالمُتَوَهُّمِ .
(١) يعنى قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِبِمَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ
بالإِيمَن﴾. الآية ١٠٦ من سورة ((النحل)).
(٢) فى م: ((فى الآخرة)).
(٣) الأحكام ١١٦٥/٣ - ١١٧٠.
٧٥٧

القبس
سورةُ («آلٍ عمرانَ))
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِي الْمِلْمِ﴾ [آل عمران : ٧]. قال ابنُ وهبٍ : قال
مالكٌ: الراسخُ العالمُ العامِلُ ، فإذا لم يَعْمَلْ بعلمِه فهو الذى يقالُ فيه : نعوذُ باللهِ مِن علم
لا ينفَعُ. وقال أشھَبُ: سمِعتُ مالكًا يقولُ: الراسِخون فى العلم لا يعلَمونه(١). والآيَةُ
التى بعدَها أشدُّ منها وهى قولُه: ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
قال القاضى ابنُ العربیّ رضی اللهُ عنه: قد یینًا هذه الآية على وجهها فی کتابٍ
((المُشْکلین)) ، ویًّا اختلاف العلماءِ قديمًا وحديثًا فى المرادِ منها ، وذكرنا أن مالكًا
قال فى جماعةٍ: لا يَعْلَمُها إلا اللهُ. وقال آخرون: إن الراسخين فى العلمِ يعلَمونه.
وهو الذى نختارُه، وأن قولَه: ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ.﴾. جملةٌ فى موضعِ الحالِ ، أو دَالٌ
على الحالِ؛ كقولِ الشاعرِ () :
والبَرْقُ يَلْمَعُ فى غَمَامِهْ
الريح تَبْكِى شَجْوَه
وهذا اختيارُ محمدِ بنِ إسحاقَ، وما رأيتُ مَن وقَف على الآيةِ وفهِم معناها قبلَه
غيرَه، قال: إن قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ لا يختلِفُ؛ لأن قولَه واحدٌ مِن ربِّ واحدٍ ،
والعلماءُ الراسِخون فى العلم رَدُّوا تأويلَ المُتشابهِ إلى ما علِموا مِن المُحْكّم الذى
ليس له إلَّ تأويلٌ واحدٌ، فاتَّسَقَ بقولهم الكتابُ، وقامَت به الحُجَّةُ، وظهَر العُذْرُ،
وزاح ) الباطلُ(٤). وهو كلامٌ صحيحٌ قد جرَى فى أسلوبٍ التحقيقِ ، وبلَغ الغايةً مِن
التدقيقِ ، بَشْطُه وإيضاحُه أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبٍ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾.
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢١٩/٥ من طريق أشهب به .
(٢) البيت فى اللسان (د ر ك) منسوبًا إلى ابن مُفَرِّغ، برواية:
والبرق يضحك فى الغمامة
الرمح تبكى شجوها
(٣) فى م: ((زاغ)). وزاح: ذهب وتباعد. اللسان (ز ی ح).
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦، ٥٧٧.
٧٥٨

فقشَّم الآيةً (١) على قِسْمَين؛ أُمَّا وبِثْتًا، وإنما قلنا: وبِثْتًا. لأن الأُمّ مِن الأسماءِ القبس
الإضافية للضرورة، فمَن أرادَ أن يعرِفَ نَسَبَ البنتِ رَدَّها إلى الأَمِّ ، والقرآنُ كلُّه
مُحْكَمٌ، وكلُّه مُتشابِةٌ ، ومنه آياتٌ مُحْكَماتٌ، وآياتٌ مُتشابهاتٌ، وذلك كلُّه
بمَعَانٍ مُخْتِلِفاتٍ. أما كونُه كلِّ مُحْكَمًا؛ فبحُسنِ الرَّصْفِ، وبديعِ الوصفِ،
وغايةِ الجَزالةِ ، ونهايةِ البلاغةِ ، وقلةِ الحروفِ ، وكثرةٍ المعانى، وعنه وقَع البيانُ
بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّرَ كِنَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]. وأما كونُه
مُتشابِهًا كلُّه فباسْتِوائِه فى هذه المعانى التى فضَّلْنا، لا تقصيرَ ولا فُضُولَ ولا
حَشْوَ ولا تَعَارُضَ ولا تناقُضَ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرً﴾ [النساء: ٨٢]. وعنه أخبر عزَّ وجلَّ بقولِه: ﴿ اَللَّهُ نَزَّلَ
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. وأما كونُه على قِشْمَين؛ منه مُحْكَمٌ
ومنه مُتشابِةٍ ، فالمرادُ : منه جَلِيٌّ فى البيانِ ومنه خَفِىٌّ. ولو شاء ربُّنا سبحانَه
لجعَله على مرتبةٍ واحدةٍ فى الجَلاء والبيانِ ، ولكنَّه قسّم الحالَ فيه ؛ لِما سبق مِن
علمِه فى تَقْسيمِه الخلقَ إلى عالمٍ وجاهلٍ، ومُسْتَوْفٍ وناقصٍ، وتَفْضيلِهم فى
دَرْكِ المعارفِ، كما قال عزَّ وجلّ: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَنٍ﴾ [المجادلة: ١١]. فأخبر عزَّ وجلَّ أنه يَرْفَعُ بالإيمانِ درجةً ،
وتَرْفَعُ بالعلمِ معه أَخْرَى، والذى لا يَعْلَمُ تأويلَه يقتصِرُ على الإيمانِ به،
والتصديقٍ له، والتسليم به فى علمِ اللهِ سبحانَه. والراسخُ فى العلمِ يَنْظُرُ فيه،
وتقْرِنُ المُتشابة بالمُځگم، فما وافقَ المُخگمَ مِن احتمالِ المُتشابهِ قال به، وما
خالَفه أسقَطه، وإن احتمَل الأمرُ عندَه بعدَ ذلك عضَده بقولِ الرسولِ وَطِّ،
واسْتَدرَكه فى أدلَّةِ المعقولِ، فإذا أَنَّضَحَت السبيلُ وانتَهَجُ(١) له الدليلُ قال به ،
واعتمد عليه، وإن تَوقّفَت الحالُ بعدَ هذا الاعتمادِ كلِّه سَلَّمَ لعلم اللهِ أخيرًا كما
سَلَّم المؤمنُ أولًا ، فالراسُ فى العلمِ عندَ علمائِنا هو الذى ينتهى إلى ما علِم،
(١) فى م: ((الآيات)).
(٢) فى د: ((ابتهج)). وانتهج: بان ووضح. ينظر اللسان (ن هـ ج) .
٧٥٩

القبس ويَقِفُ حيثُما بلَغ به النظرُ، وقد اسْتَوفَينا بيانَ ذلك فى كتابٍ ((المُشْكِلَين)).
قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١].
قال أبو بكرٍ بنُ أبى (١) أَوَيس: سمِعتُ مالكًا يقولُ: معناه: إن كنتم تُحِبُّون
طاعةَ اللهِ .
قال القاضى أبو بكرٍ بنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: وقد اختلف العلماءُ رحمةُ اللهِ
عليهم فى تَعَلُّقِ المحبةِ بذاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لأجلِ أنها قِسْمٌ مِن أقسامِ الإرادةِ ،
والإرادةُ إنما تَتَعلَّقُ بالمُخْدَثِ؛ فرأى مالكٌ أن يُخلِّصَ هذا الإشكالَ، ويُعَلِّقَ المحبَّةَ
بالطاعةِ وهو الإسلامُ، وقد بَيْنَّا ذلك فى كتابٍ ((الأمدِ)).
قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾
[آل عمران: ٣٦].
قال ابنُ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ: ((كلُّ مولودٍ يَطْعُنُ الشيطانُ فى خاصِرتِه
إلا ابنَ مريمَ؛ فإنه طعَنه مِن وراءٍ حجابٍ)).
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: الحديثُ الصحيحُ المُتَّفَقُ عليه عن أبى
هريرةً: قال النبيُّ بَله: ((ما مِن مولودٍ يُولَدُ إلَّا يَطْعُنُ الشيطانُ فى خاصِرتِهِ فَيَسْتَهِلُّ
صارِخًا، إلّا مريمَ وابتها))(١) . وذلك لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾. زادَ بعضُهم عن أبى هريرةَ: ((فتلك الصَّرْخةُ التى
يَصْرُخُها الطفلُ منها))(٢). وهذا أمرٌ لا يُعْلَمُ إلّا بالخبرِ، وخَفِى ذلك على المُلْحِدةِ
والغافلين مِن الخليقةِ ؛ فأما المُلْحِدةُ فقالوا : إنما يَصْرُخُ لاختلافِ الهواءِ عليه، كما
يَتْكِى مَن انتقَل مِن حالٍ إلى حالٍ ويَتَأَلَّمُ مِن الكبارِ. وتَعاطَى فى ذلك بعضُ الشعراءِ
(١) سقط من: م.
(٢) البخارى (٣٢٨٦، ٣٤٣١، ٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦).
(٣) تفسير ابن جرير ٣٤٣/٥، ٣٤٤، وسنن البيهقى ٢٥٧/٦.
٧٦٠