Indexed OCR Text
Pages 161-180
الموطأ ١٨٨٢ - مالك، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((ما من نبيِّ إلا قد رعَى غنمًا)). قيل: وأنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((وأنا)). نَفَقَتِه، وعلى الذى يَوْكَبُ ويَحْلِبُ نَفَقَتُه))(١). وهذا الحديثُ عند جمهورِ التمهيد الفقهاءِ تَرُدَّه أَصولٌ مُجْتَمَعٌ عليها، وآثارٌ ثانِتَةٌ لا يُخْتَلَفُ فى صحَّتِها، وقد أجمَعوا أَنْ ليس الرهنُ وظَهْرُه للراهِنِ، ولا يَخْلُو مِن أَنْ يكونَ اخْتِلابُ المرتهنِ له إذْنِ الوَاهِنِ أو بغيرِ إِذْنِه، فإن كان بغيرِ إِذْنِه ففى حديث ابن عمر، عن النبيِّ وَلَهُ: ((لا يَحْتَلِيَنَّ أُحدٌ مَاشِيَةَ أَحدٍ إلا بإذْنِهِ)». ما رَؤُدُّه، ويَقْضِى بنَشخِه، مع ما ذكّرنا مِن تحريم مالِ المسلم إلا عن طِيبٍ نفسٍ ، وإن كان بإذنه ففى الأصولِ المجتمَعِ عليها فى تحريم المجهولِ والغَرَرِ ، وبيعٍ ما ليس عندك، وبيعٍ ما لم يُخَلَقْ، ما يَؤُدُّ ذلك أيضًا ، وفيما ذكَرْنا صحَّةُ ما ذهَبَ إليه أصحابنا ، وجمهورُ الفقهاءِ، فى حديث أبى هريرةَ: ((الرهنُ يُركَبُ ويُحلَبُ بنفقتِه)). أنَّه منسوخٌ، وأنَّ ذلك كان قبلَ نُزُولٍ تحريمِ الرِّيا. واللهُ أعلمُ . مالكٌ، أنه بلَغه أن رسولَ اللهِ وَّ قال: ((ما مِن نبيِّ إلا قد رعَى الغنمَ)). قيل: وأنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((وأنا))(٢). وفى هذا الحديثِ إباحةُ التحدُّثِ عن الماضِينَ مِن الأنبياءِ والأُممِ لسِيَرِهم القبس (١) أخرجه أحمد ٢٣/١٢ (٧١٢٥)، والبخارى (٢٥١١، ٢٥١٢)، وأبو داود (٣٥٢٦) من طريق الشعبى ، عن أبى هريرة . (٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٤٥). ١٦١ ( موسوعة شروح الموطأ ١١/٢٣ ) الموطأ التمهيد وأخبارِهم. وفيه أن التَّحَرُّفَ فى المعيشةِ ليس فى شىءٍ منه، إذا لم تَنَّ عنه الشريعةُ ، نقيصةٌ . وفيه أن الأنبياء والمرسلين أحوالُهم فى تواضعِهم غيرُ أحوالي الملوكِ والجَبَّارِين، وكذلك أحوالُ الصالحين. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. وهذا الحديثُ لا أَعلَمُه يُؤْوَى إِلا مِن حديثٍ أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ؛ بعضُهم يجعلُه عن أبى سَلَمةً، عن أبى هريرةَ ، وبعضُهم يجعلُه عن أبى سَلَمَةَ مرسلًا، وبعضُهم يجعلُه عن أبى سلمةً، عن أبيه ، وبعضُهم يجعلُه عن جابرٍ . حدّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال : حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ یزیدَ قاضی حَلَبَ ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ عمرُ بنُ حفصٍ العسكرىُّ، قال: حدَّثنا أبو خيثمةً مصعبُ بنُ سعيدٍ بِحَلَبَ إملاءً، قال: حدَّثنا عيسى بنُّ يونسَ، عن مِشْعَرٍ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبى سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، قال: مرَرْنا بَثَمَرِ الأراكِ، فقال النبيُّ اَله: ((عليكم بالأسودِ منه، فإنى قد كنتُ أُجْتَنِيه وأنا أرعَى الغنمَ )) . قالوا: يا رسولَ اللهِ، ورعَيتَ الغنمُ؟ قال: ((نعم، وما مِن نبىٌّ إلا وقد رعَى الغنمَ )) (١). وحدَّثنا يعيشُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ ابنُّ غالبٍ ، قال: حدَّثنا ثابتُ بنُ محمدٍ الزاهدُ بالكوفةِ ، قال: حدَّثْنا مِشْعَرٌ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبى سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: مَرَّ النبيُّ وَلّه ◌ِثَمَرِ القبس (١) تقدم تخريجه ص ١٤٩، وينظر علل الدارقطنى ٢٦٩/٤ (٥٥٤). ١٦٢ الموطأ الأَراكِ، فقال: ((عليكم بأسودِه، فإنى كنتُ أَجْتِنِيه إذا كنتُ أرعَى الغنمَ)). التمهيد قالوا : يا رسولَ اللهِ ، وكنتَ تَرْعَى الغنم؟ قال: (( نعم ، وما مِن نبئٍ إلا وقد رغَی (١) الغنمَ))(١). وحدثنا یعیشُ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا محمدُ بنُ غالبٍ ، حدّثنا بشرُ بنُ آدمَ ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنا أبی سعدُ بنُ إبراهيمَ ، عن أبى سَلَمَةَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ له مثلَه. وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ ابنِ حَمْدَانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قال: حدَّثنا أبى ، قال : حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ ، حدَّثنا يونسُ ، عن الزهرىِّ، عن أبى سَلَمةً ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ وَلَه نَجْنِى الكَبَاثَ(١)، فقال: ((عليكم بالأسودِ منه ، فإنه أطيبُه)). قال: قلنا: وكنتَ تَرْعَى الغنمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((نعم، وهل مِن نبيِّ إلا وقد رعاها؟؟)). قال أبو عمرَ : هذا الإسنادُ هكذا عندَ عثمانَ بنِ عمرَ، وخالَفه الليثُ بنُ سعدٍ . وقد أخبَرَناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القبس (١) أخرجه ابن سعد ١٢٥/١، ١٢٦ من طريق مسعر به . (٢) الكَتَاث: هو النضيج من ثمر الأراك. النهاية ١٣٩/٤. (٣ - ٣) فى ف: ((قد رعى غنما))، وفى ر: ((ورعى الغنم)). والحديث عند أحمد ٣٨٠/٢٢ (١٤٤٩٧). وأخرجه النسائى فى الكبرى (٦٧٣٤)، وأبو يعلى (٢٠٦٢) من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه البخارى (٥٤٥٣)، ومسلم (٢٠٥٠)، وابن سعد ١٢٦/١ من طریق یونس به . ١٦٣ ما جاء فى الفأرةِ تَقَعُ فى السمنِ، والبدءُ بالأكلِ قبلَ الصلاةِ الموطأ ١٨٨٣ - مالكٌ، عن نافعٍ ، أن ابنَ عمرَ كان يُقرَّبُ إليه عَشاؤُه ، فيسمَعُ قراءةً الإمام وهو فى بيتِه ، فلا يَعجَلُ عن طعامِه حتى يقضِىَ حاجتَه منه . التمهيد عبدِ اللهِ الشافعىُّ إملاءً فى الجامعِ ببغدادَ سنةً تسع وأربعينَ وثلاثِمائةٍ ، قال : حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعد ، عن يونس ، عن ابن شهاب، عن أبى سلمةً بنِ عبد الرحمنِ ، أن جابًا قال: كنَّ مع رسولِ اللهِ وَّلِهِ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِى الكَبَاثَ، وإن رسولَ اللهِ وَه قال: ((عليكم بالأُسودِ منه، فإنه أطيبُه)). قالوا: كنتَ تَرْعَى الغنمَ؟ قال : «وهل مِن نبئٍّ إلا وقد رَعاها؟))(١). قولُ الليثِ فيه عن جابرٍ أوْلى بالصوابِ عندى مِن قولٍ عثمانَ بنِ عمرَ . واللهُ أعلمُ . الاستذكار بابُ البَدءِ (٣) بالأكلِ قبلَ الصلاةِ مالكٌ ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ كان يُقَرَّبُ إليه عَشاؤُه، فيَسمَعُ قراءةَ الإمامِ وهو فى بيته، فلا يُعجِلُه ذلك عن طعامِه حتی یقضِیَ حاجته منه . القبس (١) أخرجه البخارى (٣٤٠٦) عن يحيى بن بكير به . (٢) فى ح، هـ، ط ١، ط: ((البدو)). (٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٢٠)، وبرواية أبى مصعب (١٩٤٤). وأخرجه ابن وهب =. ١٦٤ الموطأ الاستذ کار قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ كتابُ الصلاةِ كان أولى به، وفِعْلُ ابنِ عمرَ ا" هذا مأخوذٌ مِن السنَّةِ؛ قال رسولُ اللهِ وَله: ((إذا حضَر العَشاءُ، وأَقِيمتِ الصلاةُ ، فابدَءوا بالعَشاءِ)). وهذا، واللهُ أعلمُ، لِمَا يُخشَى عَلَى مَن كانت هذه حَالَه، مِن شغْلِ بالِه بالأكلِ ، فيَدخُلُ عليه فى صلاتِه السهوُ، وما يَشغَلُه عن الخُشوعِ والذكْرِ . وفيه دليلٌ على سَعةٍ وقتِ المغْربِ ، وإنْ كان المُستحَبُّ تعجيلَها . حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن قتادةً، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((إذا قُرَّبَ العَشاءُ، ونُودِى بالصلاةِ، فابدءوا بالعَشاءِ))(١). أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، أخبرنا يحيى بنُ حبيبٍ ، قال: حدَّثنا حَمَّادٌ، عن هشام ، عن أبيه، عن عائشةً، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا قُرُّب العَشَاءُ، وأَقِيمتِ الصلاةُ، فابدَءوا بالعَشاءِ))(١). قال أبو عمرَ : هذا الأمرُ على النَّدْبِ لا على الإيجابِ ؛ بدليلٍ حديثٍ القبس = فى موطئه (٣٣١) عن مالك به . (١) تقدم تخريجه فى ٧٧/٢. ١٦٥ الموطأ ١٨٨٤ - مالك، عن ابن شهاب ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عن ميمونةَ زوجِ النبيِّ وَّه أن رسولَ اللهِ وَله سُئل عن الفأرةِ تقعُ فى السمنِ، فقال: ((انزِعوها وما حولها فاطرَحوه )). الاستذكار الزهرىِّ، عن جعفرِ بنِ عمرو بنِ أَمَيَّةً، عن أبيه، أنَّه رأى رسولَ اللهِ وَلَهِ يَخْتَزُّ مِن كَتِفٍ شاةٍ فى يدِهِ ، فَدُعِى إلى الصلاةِ ، فَأَلْقَاها والسكّينَ ، ثم قام فصلَّی ولم •°(١) يتوضَّةُ(١). التمهيد مالكٌ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةً بن مسعودٍ ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ زوج النبيِّ وَلَّ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَه سُئِلَ عن الفَأْرَةِ تَقَعُ فى السمنِ، فقال: ((انْزِعُوها وما حولها فاطْرَحوه)). هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ فجَوَّدَ إِسنادَه وأتْقَنَه ، عن مالك ، عن ابنِ شهاب، عن عبيدِ اللَّهِ ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةً، وتابعَه جماعةٌ مِن الُفَّاظِ؛ منهم عبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ(٢)، وعبدُ اللَّهِ بنُ نافِعٍ، والشافعىُّ، وإسماعيلُ بنُّ أبى أُوَيْسٍ(٢)، وسعيدُ بنُ أبى مريَمَ(٤)، وزيدُ بنُ يحيى بنِ عُبَيْدٍ القبس (١) تقدم تخريجه فى ٥٤٦/٢، ٥٤٧. (٢) أخرجه أحمد ٤٢٢/٤٤ (٢٦٨٤٧)، والنسائى (٤٢٧٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به . (٣) أخرجه البخارى (٢٣٥)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٧٩/٣ من طريق إسماعيل بن أبى أويس به . (٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٣٥٩) من طريق سعيد به. ١٦٦ الموطأ الدِّمَشْقىُ(١)، وأَشْهَبُ بنُ عبدِ العزيزِ(٢)، وإبراهيمُ بنُ طَهْمانَ(١)، وزيادُ بنُ التمهيد يونسَ ، ومُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ، وسعيدُ بنُ داودَ الزَّنْبِىُّ(٤) ، وإسحاقُ بنُ عيسى الطَّبَاعُ، وتُبِيدُ بنُ حِبَّنَ(٥)، كلُّ هؤلاءِ تَرْويه(٦) عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن مَيْمُونَةً، عن النبيِّ وَلَه . ورواه ابنُّ وهبٍ ، عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللَّهِ ، عن ميمونةَ . لم يذْكُرِ ابنَ عباسٍ. هكذا رواه عن ابنِ وَهْبٍ ؛ يونسُ بنُ عبدِ الأعْلَى(٧)، وأبو الطَّاهِرِ ، والحارِثُ بنُ مِسْكِينٍ . وروَاه القَعْنَبِىُّ(، والتّيسِىُ، وعثمانُ بنُ عمرَ، ومَعْنُ بنُ عِيسَى، وإسحاقُ بنُّ سُلَيْمانَ الرَّزِىُّ، وخالدُ بنُ مَحْلَدٍ(٩)، ومحمدُ بنُ الحسنِ(١٠)، وأبو قُرّةَ موسى بنُ طارِقٍ، وإسحاقُ بنُ محمدِ الفَرْوِىُّ، كلَّ هؤلاء رَوَوْه عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ◌َلَّه لم القبس (١) أخرجه الدارمى (٢١٣١) من طريق زيد به. (٢) سيأتى ص ١٧١. (٣) ابن طهمان فى مشيخته (٧١). (٤) أخرجه الطبرانى ٤٢٩/٢٣ (١٠٤٢)، وفى الأوسط (٣٤١٣) من طريق سعيد به . (٥) فى م: ((حيان)). وينظر الإكمال ٣١٢/٢. (٦) فى ر، م: ((يروونه)). (٧) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٣٥٧) عن يونس به . (٨) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٧٩/٣ من طريق القعنبى به . (٩) أخرجه الدارمى (٢١٣٠) من طريق خالد به . (١٠) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٨٤). ١٦٧ الموطأ التمهيد يذْكُروا ميمونةَ. وَرَواه يحيى القَطَّانُ، وجُوَيْرِيَةُ ، عن مالك ، عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ ميمونةَ اسْتَفْتَتِ النبيَّ ◌َ (١) .. ورواه ابنُ بكيٍ(٢)، وأبو مُصعبٍ(٣)، عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللَّهِ، عن النبيِّ وَرَّ مَقْطُوعًا. وهذا اضطرابٌ شديدٌ من مالكٍ فى إسنادٍ هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ. والصَّوابُ فيه ما قاله يحيى ومَن تابعه . واللهُ أعلمُ . واخْتَلَفَ فى هذا الحديثِ أيضًا أصحابُ ابنِ شهابٍ ؛ فرواه ابنُ عيينةً (٥)، ومَعْمَرٌ ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما روى يحيى. وعندَ ١ معمرٍ خاصَّةٌ من بينِ أصحابِ ابنِ شهابٍ فى هذا الحديثِ إسنادٌ آخَرُ، عن سعيد بنِ المسَيَّبِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّهِ، أنَّه سُئِل عن فَأْرَةٍ وتَعَتْ فى سَمْنٍ، فقال: ((إن كان جامِدًا فخُذُوها وما حَوْلَها فَأَلْقُوه)) . قال عبدُ الرَّزَّاقِ فى هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ: ((وإن كان مائِعًا فلا القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٣٥٨) من طريق جويرية به . (٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٢/١٨و - مخطوط). (٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٧١٤). (٤) فى م: ((عن)). (٥) سيأتى تخريجه ص ١٧٠، ١٧١. (٦) سيأتى تخريجه ص ١٧٢. (٧) فى ر، م: ((عنه)) . ١٦٨ الموطأ تَقْرَبُوه))(١) . وقال عنه عبدُ الواحِدِ بنُ يَزِيدَ: ((وإن كان ذائِبًا أو مائِعًا فاسْتَصْبِحوا التمهيد به)). أو قال: ((انْتَفِعُوا به))(٢). وروَى الأوزاعُِ هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ وَلَه، لم يَذْكُرْ ميمونةَ، بنحوِ حديثٍ مالِكٍ(١). وتابعه على هذا الإسنادِ عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ ، عن ابنِ عباسٍ، لم يَذْكُرْ ميمونةَ . ورَوَاه عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللَّهِ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَلِ اسْتُفْتِى فِى فَأْرَةٍ وقَعَتْ فى سَمْنٍ. مَقْطُوعًا ، لم يَذْكُرِ ابنَ عباسٍ ولا ميمونةَ . والصحيحُ فی إسنادٍ هذا الحدیث ما قاله مالكٌ فی روایة یحیی ومن تابعه، کما ذگونا . قال محمدُ بنُّ يحيى النَّيْسابُورِىُّ: وحديثُ معمرٍ أيضًا ، عن الزهرىِّ ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ مَحْفُوظُ. قال: والطَّرِيقان عندَنا مَحْفُوظانِ إن شاء اللَّهُ. قال: لكنَّ المشْهُورَ حديثُ ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ . قال : وصوابُه: عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما قال مالكٌ وابنُ عيينةَ. وقال البخارىُّ(٤): حديثُ عبدِ الرَّزَّاقِ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن ابنٍ القبس (١) سيأتى تخريجه ص ١٧١، ١٧٢. (٢) سيأتى تخريجه ص ١٧٣. (٣) أخرجه أحمد ٣٨٧/٤٤ (٢٦٨٠٣) من طريق الأوزاعى به، بذكر ميمونة . (٤) ذكره عنه الترمذى ٢٢٦/٤، وفى العلل (٥٥٢، ٥٥٣). ١٦٩ الموطأ التمهيد المسَيَّبِ ، عن أبى هريرةَ فى هذا غيرُ مَحْفُوظٍ . قال محمدُ بنُ یحیی : ورواه عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن ابنِ شهابٍ ، عن سالِمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، أَنَّه كان عندَ رسولِ اللهِ وَ لِّ حِينَ جاءه رجلٌ ، فسأله عن فارة وقَعَتْ فی وَدَكِ لهم . قال: وهذا الإسنادُ عندَنا غيرُ مَحْفُوظٍ ، وهو خَطَأْ ، ولا يُعْرَفُ هذا الحديثُ من حديثٍ سالِمِ ، وعبدُ الجبارِ ضعيفٌ جِدًّا . قال أبو عمرَ : حديثُ ابنِ عمرَ هذا ذكَرَه ابنُ وهبٍ فى ((مُوَطَّئِه))، عن عبد الجبارِ بنِ عمرَ پاسنادِه هذا () . فأمَّا روايَةُ ابنٍ عيينةً لهذا الحديثِ ، فحدّثنا سعيدُ بنُ نَصرِ ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ التِّزْمِذِىُّ، قال: حدَّثنا الحُمَيْدِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهرىُّ، قال: أخبرني عبيدُ اللَّهِ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، أَنَّ سَمِع ابنَ عباسٍ يُحَدِّثُ، عن ميمونةَ ، أنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فى سَمْنٍ فماتَتْ، فسُئِل رسولُ اللّهِ وَله، فقال: ((أَلْقُوها وما حولها، وكُلُوا))(٢) . هذا مثلُ إسنادٍ يحيى عن مالكِ فى هذا الحديثِ سواءً. وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ العَشْكَرِىُّ، القبس (١) أخرجه البيهقى ٣٥٤/٩ من طريق ابن وهب به. (٢) الحميدى (٣١٢). وأخرجه البخارى (٥٥٣٨)، وأبو داود (٣٨٤١)، والترمذى (١٧٩٨)، والنسائى (٤٢٦٩) من طريق سفيان به. ١٧٠ ٠ الموطأ حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبى داودَ البُرُلُّسِىُّ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ ، عن مالكِ بنِ التمهيد أنسٍ وسفيان بن عيينةً ، عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، أنَّ فَأْرَةً وَقَعَت فى سمنٍ، فقال النبيُّ وَّ: ((أَلْقُوهَا وما حَوْلَها، (١) و ◌ُلُوا»(١). وحدَّثنا خَلَفٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ ، حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلَى، حدَّثنا أشهبُ بنُ عبدِ العزيزِ، حدَّثنا مالكٌ، حدَّثنى ابنُ شهابٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، قالت : سُئِل رسولُ اللَّهِ وَ عِن فَأْرَةِ وقَعَتْ فى سَمْنٍ، فقال: ((خُذُوها وما حولَها فَأَلْقُوه)). وأمَّا رِوايَةُ معمرٍ، فأخبرنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ خالِدٍ، "حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم٢َ)، حدِّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَهِ سُئِلِ عن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فى سمنٍ ، فقال: ((إن كان جامدًا فخُذُوها وما حولَها فألقُوه، وإن كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه))(١). وأخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمِنِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح والحسنُ بنُ علىٍّ، وهذا القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٣٥٩) عن ابن أبى داود به. (٢ - ٢) سقط من: ر، م. (٣) عبد الرزاق (٢٧٨) - وعنه أحمد ٤٢/١٣ (٧٦٠١). ١٧١ الموطأ التمهيد لفظُ الحسن، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((إذا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ فى السَّمْنِ؛ فإن كان جَامِدًا فَألْقُوهاً(١) وما حولَها، وإن كان مَائِعًا فلا تَقْرَبُوه))(١) . قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: ورُبَّما حدَّث به معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ ، عن النبيِّ قال أبو داود: وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ بُوذُويه، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن عبيد اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، عن النبيِّ وَّ بمثلِ حديثِ الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ (). هكذا قال عبدُ الرزَّاقِ ، عن معمرٍ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةً، بهذا الإسنادِ: ((وإن كان مائعًا فلا تقرَبوه)). وقال فيه عبدُ الواحِدِ بنُ زِيادٍ، عن معمرٍ أيضًا، بهذا الإسنادِ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ وَّهِ: ((وإن كان ذائِبًا - أو قال: مائِعًا - لم يُؤْكَّلْ)). هذه رِوايَةٌ مُسَدَّدٍ، عن عبدِ الواحدِ . القبس (١) فى النسخ: ((فألقوه)). والمثبت من مصدر التخريج، ومما سيأتى ص ١٨٠. (٢) أخرجه البيهقى ٣٥٣/٩ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٨٤٢). (٣) أبو داود (٣٨٤٣). وأخرجه أحمد ٤٣/١٣ (٧٦٠٢)، والنسائى (٤٢٧١) من طريق عبد الرزاق به . ١٧٢ الموطأ حدَّثنا بذلك عبدُ الوارثِ، حدَّثْنا قاسم، حدَّثنا بكرٌ، حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، التمهيد حدَّثنا عبدُ الواحدِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ فَ لَةِ عِن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فى السمنِ، فقال : (إن كان جامدًا أُلْقِيَتْ وما حولَها، وإن كان ذائِبًا أو مائِعًا لم يُؤْكَلْ)) (١). وغيرُ مُسَدَّدٍ يقولُ فيه عن عبدِ الواحدِ، عن مَعْمَرٍ، بهذا الإسنادِ: ((وإن كان مائِعًا فانْتَفِعُوا به واسْتَصْبِحوا))(١). وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ المعنَى فى رِوايَةِ مُسَدَّدٍ وغيرِهِ عن عبدِ الواحِدِ فى ذلك سواءً، ويُحمَلُ قولُه: ((لم يُؤْكَلْ)). فى رِوايَةٍ مُسَدَّدٍ على تَخْصِيصِ الأكلِ، كأنَّه قال: لم يُؤْكَلْ، ولكنَّه يُسْتَصْبَحُ به ويُنْتَفَعُ . فلا تَتَعارَضُ الرَّوايَةُ عنه فى ذلك . وأمَّا عبدُ الأعلَى، فروَاه عن مَعمرٍ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ ، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَهِ سُئِلَ عن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فى سمنٍ ، فأمَرّ بها أن تُؤْخَذَ وما حولها فتطرح() . هكذا قال، لم يَذْكُر ◌ُكْمَ المائع بشىءٍ، و كلُّ هؤلاءِ لیس عنده عن معمرٍ فی هذا الحدیثِ إلّ هذا الإِسنادُ : عن الزهرىِّ ، عن سعیدٍ ، عن أبى هريرةَ . وقال محمدُ بنُ يحيى النَّيْسابُورِىُّ بعدَ ذِكْرِه هذا الحديثَ ، قال: وحدَّثنا القبس (١) أخرجه البيهقى ٣٥٣/٩ من طريق مسدد به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٣٥٤)، وأبو يعلى (٥٨٤١) من طريق عبد الواحد به . (٢) أى: يشعلون بها سرجهم، والمصباح: السراج. النهاية ٣/ ٧. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٩٢/٨ من طريق عبد الأعلى به. ١٧٣ الموطأ التمهيد عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ بُوذُويه - وكان مِن متثبتِيهم (١) - أنَّ مَعْمَرًا كان يَزْوِيه أيضًا عن الزهرىِّ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ ، عن مَيْمُونَةً . قال محمدُ بنُ يحيى: فقد حَكَى عبدُ الرزاقِ ، عن صاحِبِهِ عبد الرحمنِ بنِ بُوذُويه - وكان من مُتَكيتيهم - أن معمرًا رواه عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ. قال محمدُ بنُّ يحيى ": وممَّا يُصَحِّحُ حديثَ معمرٍ ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ ، أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ صالِحِ حدَّثنى، قال : حدَّثنى الليثُ ، قال: حدَّثنى خالدُ بنُ يزيدَ ، عن سعيدِ بنِ أبی هِلَالٍ ، عن ابنٍ شهابٍ، قال: قال ابنُ المسَيَّبِ: بلَغَنا أن رسولَ اللّهِ وَّلَهِ سُئِل عن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فى سَمْنٍ ). قال محمدُ بنُّ يحيى : فقد وجَدْنا ذكرَ سعيدِ بنِ المسَيَّبِ فى هذا الحديثِ من غيرٍ روايةٍ معمرٍ، فالحديثان مَخْفوظان . قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ مَعَانٍ من الفِقْهِ، منها .! اجْتُمِعَ عليه، ومنها ما اخْتُلِفَ فيه ؛ فأمَّا ما اجْتَمَع عليه العلماءُ مِن ذلك، أنَّ الفَأْرَةَ ومثلَها مِن الحيوانِ كلِّه يموتُ فى سَمْنٍ جامدٍ ، أو ما كان مثلَه مِن الجامداتِ ، أَنَّها تُطْرَحُ وما حولَها مِن ذلك الجامِدِ، وَيُؤْكَّلُ سائِرُه، إذا اسْتُثِقِنَ(٤) أنَّه لم تَصِلِ الميتَةُ إليه . وكذلك أجمعوا أنَّ السَّمْنَ وما كان مثلَه إذا كان مائِعًا ذائِبًا، فماتَتْ فيه القبس (١) فى م: ((مثبتيهم)). (٢ - ٢) سقط من: ر، م. (٣) أخرجه الإسماعيلى - كما فى فتح البارى ٦٦٨/٩ - من طريق الليث به. (٤) فى الأصل: ((استوقن)). ١٧٤ الموطأ فَأْرَةٌ ، أو وَقَعَتْ وهى ميتةٌ ، أَنَّه قد نَجُسَ كلُّه، وسَواءٌ وقَعَتْ فيه ميتةً، أو حَيَّةً التمهيد فماتَتْ، يتَنَجَّسُ بذلك، قليلًا كان أو كثيرًا . هذا قولُ جمهُورِ الفقهاءِ وجماعةٍ العلَماءِ. وقد شَذَّ قومٌ، فجَعَلوا المائِعَ كلَّه كالماءِ، ولا وَجْهَ للاشتِغالِ بشُذُوذِهم فى ذلك، ولا هم عندَ أهلِ العِلْمِ مِمَّن يُعَدُّ خِلافًا ، وسلَكَ داودُ بنُ علىِّ سَبِيلَهم فى ذلك، إلَّ فى السَّمْنِ الجامدِ والذَّائِبِ ، فإِنَّه قال فيه بظاهِرِ حديثٍ هذا البابِ، وخالَفَ مَعْنَاه فى العَسَلِ، والخَلِّ، والمُرِّىِّ(١) ، والزَّيْتِ، وسائرِ المائِعَاتِ، فجعَلَها كالماءٍ فى لُحُوقِ النجاسَةِ إِيَّاها بما ظَهَر منها فيها ، فشَذَّ أيضًا، ويَلْزَمُه ألا يَتَعَدَّى الفَأْرَةَ، كما لم يَتَعَدَّ السَّمْنَ والحَيَّةَ قولُه وقولُ بعضِ أصحابِهِ، ويَلْزَمُهم أيضًا ألَّ يَعْتَبِرُوا إِلْقَاءَها فى السَّمْنِ حتى تكونَ هی تقَعُ بنفسِها، وكَفَى بقولٍ يَكُولُ إلى هذا قَوْدُ(١) أصلِه، قُبْحًا وفَسَادًا . وأمَّا سائِرُ العلماءِ، وجماعَةُ أئمةِ الأمصارِ فى الفَتْوَى، فالفَأْرَةُ ، والوَزَغَةُ ، والدجاجةُ، وما يُؤْكَلُ وما لا يُؤْكَلُ، عندَهم سَواءٌ، إذا مات فى السمنٍ أو الزيتِ ، أو وقَعَ فيه وهو ميتٌ، إذا كان له دَمٌ ، ولم يكنْ كالتَعُوضِ الذى لا دَمَ له، والدُودِ ، وشبه ذلك . وأَجْمَعوا أنَّ المائعاتِ كلَّها من الأُطعِمَةِ والأشرِبَةِ، ما خَلا الماءَ، سَواءٌ إذا وقَعَت فيها الميتةُ ، نَجْسَتِ المائِعَ كلَّه، ولم يَجُزْ أكْلُه ولا شربُه عندَ الجميعِ، القبس (١) المرى: إدام كالمخللات المشهية يؤتدم به. الوسيط (م ر ر). (٢) فى ر: ((ويرد)). ١٧٥ الموطأ التمهيد إِلَّ فِرْقَةً شَذَّتْ، على ما ذكَرْنا، منهم داودٌ. واخْتَلَفوا فى الزيتِ تقَعُ فيه الميتةُ، بعدَ إجماعِهم على نَجاسَتِهِ، هل يُسْتَصْبَحُ به؟ وهل يَُّاعُ ويُنْتَفَعُ به فى غيرِ الأَكْلِ؟ فقالت طائِفَةٌ مِن العلماءِ: لا يُسْتَصْبَحُ بِهُ(١)، ولا يُيَامُ، ولا يُنْتَفَعُ بشىءٍ منه. ومِمَّن قال ذلك منهم ؛ الحسنُ ابنُ صالِحٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ. ومِن حُجَّةٍ مَن ذهَب هذا المذهبَ قولُه مَلِ فِى السمنِ تقَعُ فيه الفَأْرَةُ: ((خُذُوها وما حولَها فَأَلْقُوه، وإن كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه)) . قالوا: فَلَمَّا أَمَرَ بإلقاءِ الجامِدِ، وَحَكَم له بحكم الفَأْرَةِ المَيَّةِ ، ويجب أنْ يُلْقَى أَبَدًا ، ولا يُْتَفَعَ به فى شىءٍ، كما لا يُنْتَفَعَ بالفأرةِ، ولو كان بينهما فَوْقٌ لَبِئْتَه رسولُ اللّهِ وَِّهِ، ولما أمَرَ بإلقاءِ شىءٍ يُمكنُ الانتفاعُ به . قالوا: وكذلك المائِعُ يُلْقَى أيضًا كلُّه، ولا يُقْرَبُ، ولا يُنْتَفَعُ بشىءٍ منه (١١، هذا لو لم يكنْ فى المائِعِ نَصِّ، فكيف وقد قال عبد الرزاقِ فى هذا الحديثِ: ((وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبُوه» ؟ واحْتَجُوا أيضًا بعُمُومِ تحريم الميْنَةِ فى الكتابِ والسنةِ ، فمِن ذلك ما حدّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَِّبُ بنُ شُعْبٍ ، قال : حدّثنا عبدُ اللَّهِ بُ صالِح، قال : حدّثنی الليثُ ، عن یزید بن أبى حَبِيبٍ ، قال: قال عطاءُ بنُّ أبى رباحٍ: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ : قال القبس (١) ليس فى : الأصل . ١٧٦ الموطأ رسولُ الَّهِ وَّ عامَ الفتح بمكةَ: ((إنَّ اللَّهَ ورسولَه حَزَمَ بيعَ الخمرِ، والميْنَةِ ، التمهيد والخنزيرِ ، والأصنام)). قيل له : يا رسولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ شحومَ المَيْنَةِ ، فَإِنَّه يُدْهَنُ بها الشُفُنُ والجُلُودُ ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ؟ فقال: ((لا، هى حَرَامٌ)). ثم قال رسولُ اللَّهِ وَلَه: «قَاتَلَ اللَّهُ اليهودَ، لَمّا حَرَّمَ عليهم الشَّحْمَ، جَمَلُوه فبَاعُوه ، وأكَلوا ثُمَنَه))(١). فحَذَّرَ أُمَّتَه أن يَفْعَلُوا مثلَ ذلك. وذگره البخارِىُّ ، قال : حدثنا قُتِبُ ، قال : حدثنا الليثُ ، عن تَزِيدَ بنِ أبی حَبِيبٍ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ وَّلَهِ مثلَهُ(١). وذكره ابنُ أبى شَيْبَةً (٢)، عن أبى أُسامةَ، عن عبد الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ ، عن يزيدَ بنِ أبى حَبِيبٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ مرفوعًا مثلَه . وقال آخرون : يجوزُ الاستِصبامحُ بالزيتِ تقَعُ فيه المَيْنَةُ، ويُنْتَفَعُ به فى الصابُونِ وشِئْهِه، وفى كلِّ شىءٍ، مالم يُبَعْ ولم يُؤْكلْ، فإِنَّه لا يجوزُ بَيْعُه ولا أكلُه بحالٍ. ومِئَّن قال بذلك(٢)؛ مالكٌ، والشافِعِىُ، وأصحابُهما، والثورىُّ . قال أبو عمرَ : أمَّا أكلُه فمُجْتَمَعُ على تَحْرِيمِه ، إلّ الشُّذُوذَ الذی ذکونا . القبس (١) تقدم تخريجه فى ٤٥٤/٢٠، ٤٥٥. (٢) ابن أبى شيبة ٧/ ٣٤، ٥٠٣/١٤. (٣) فى ر، م: ((ذلك)). ١٧٧ ( موسوعة شروح الموطأ ١٢/٢٣ ) الموطأ التمهيد وأمَّا الاسْتِصْباحُ به، فقد رُوِى عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ إجازَةٌ ذلك. روَى الحارِثُ، عن علىٍّ، قال: اسْتَنْفِعْ به للسّراج، ولا تَأْكُلُه. ورَوَى سفيانُ بنُ عيينةً، عن أيوبَ بنِ موسَى ، عن نافِعٍ، عن صَفِيَّةً بنتِ أَبِى عُبَيْدٍ ، أنَّ فَأْرَةً وقَعَتْ فى أفْراقٍ (١) زَيْتٍ لآلِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، فأمَرّهم ابنُ عمرَ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِه وَيَدْهُنُوا بِهِ الأُدُمَ(٢) . ورَوَى ابنُّ عُيينةً ، والثورىُّ، ومعمرٌ، عن أيوبَ السَّخْتِيانىٌّ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ مثلَه(٣) . ورَوَى ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى أسامةُ بنُ زيدٍ، عن نافع، أنَّ امرأةً عبدِ اللهِ ابنِ عمرَ أخبَرَتْه ، أنَّه كان لعبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ جَرّةٌ ضَخْمَةٌ مَلَأَى سَمْنًا ، فوَجَد فيها فَأْرَةً ميتةً ، فأبى أن يأْكُلَ منها، ومنَعَ أهلَه، وأمرَّهم أنْ يَسْتَصْبِحوا به، وأنْ يَدْهُنُوا بِهِ أُدُمًا كان لهم(٤) . قال ابنُ وَهْبٍ : وأخبرنى أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عبيدٍ(٥) اللَّهِ بنِ محمدِ بنِ أبى مريمَ الثَّقفيِّ ، أَنَّه قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن جَرَّتَيْنٍ وقَعَتْ فيهما القبس (١) فى م: ((أفران)). (٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٤٠٠/١٣ من طريق سفيان به. (٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٦) من طريق معمر والثورى به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٣٩٩/١٣، والبيهقى ٣٥٤/٩ من طريق سفيان الثورى به . (٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٤٠٠/١٣ من طريق ابن وهب به. (٥) فى ر، م: ((عبد)). ١٧٨ الموطأ فَأْرَتانِ؛ فأمَّا الواحِدَةُ فأخْرَجْنا (١) منها الفَأْرَةَ حَيَّةً. فقال سعيدٌ: لا بَأْسَ بزَيْتِها التمهيد فَكُلُوه. وأمَّ الأَخْرَى فعالَجْنا الفَأْرَةَ(١) التى فيها حتى ماتَتْ . فقال: لا تَأْكُلُوا ما خرَجَ رُومحها فيها . ومِن ◌ُحَّةٍ هؤلاء فى تَخْريم بيعِه ما حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ ، حدَّثنا عبدُ اللَّهِ ابنُّ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ خالِدٍ ، حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، حدَّثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا مُشَيْمٌ، عن خالدٍ - يعنى الحَذَّاءَ - عن بَرَكَّةَ أبى الوَلِيدِ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَعَن اللَّهُ اليهودَ، حُرَّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فباعوها وأكَلوا أَثْمانَها، وإِنَّ اللَّهَ إذا حَرَّم أكلَ شىءٍ حَرَّم (٤) ثَمَنَه))(٤). واحْتَجُوا أيضًا بحديثٍ زيدِ بنِ أُسْلَمَ ، عن ابنٍ وَعْلَةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، عن النبيِّ وَ لِّ قولَه فى الخمرِ: ((إِنَّ الذى حرَّم شُرْبَها حرَّم بَيْعَها)). وقد مَضَى هذا الحديثُ بطُرُقِه، فى بابٍ زيدٍ من كتابِنا هذا(٥) . والحمدُ للهِ. قالوا : فهذه نُصوصٌ صِحاح فى أنَّه لا يجوزُ بيعُ شىءٍ لا يَحِلَّ أكلُه مِن الطعامِ والشرابِ. وقال آخرون: يُنْتَفَعُ بالزيتِ الذى تَقَعُ فيه المَيْنَةُ بالبيعِ وبكلِّ شىءٍ ما عَدَا القبس (١) فى الأصل: ((فأخرجت)). (٢) فى الأصل، م: ((بالفأرة)). (٣ - ٣) فى ر: ((شيئا)). (٤) تقدم تخريجه فى ٤٣٠/٢٢، ٤٣١. (٥) تقدم فى الموطأ (١٦٤٠)، وفى ٤٥٦/٢٠، ٤٥٧ . ١٧٩ الموطأ التمهيد الأكلَ، فإنَّه لا يُؤْكَلُ . قالوا : وجائِزٌ أن يَبِيعَه ويُبِّنَ له . وممَّن قال ذلك ؛ أبو حنيفةً وأصحابُه، والليثُ بنُ سعدٍ . وقد رُوِىَ عن أبى موسى الأَشْعَرِىِّ، قال : لا تَأْكُلُوه، وبِيعُوه، وبَيِّنُوا لِمَن تَبِيعُونَه منه، ولا تَبِيعُوه مِن المسلمين(١). وعن القاسِمِ وسالم: يَبِيعُونَه ويُبَّنُونَ له ، ولا يُؤْكَلُ. ذكَر ابنُ وهبٍ ، عن ابنِ لَهِيعَةً وَحَيْوَةَ بنِ شُرَيْحِ، عن خالِدِ بنِ أبي عمرانَ ، أنَّه قال: سألْتُ القاسِمَ وسالمًا عن الزيتِ تموتُ فيه الفَأْرَةُ، هل يَصْلُحُ أن يُؤْكَلَ منه؟ فقالا: لا . قلتُ : أَفْتَبِيعُه؟ قالا: نعم، ثم كلُوا ثمَنَه، ويَيْنُوا لِمَن يَشْتَرِيه ما وقَعَ فيه (١) . ومِن حُجَّةٍ مَن ذهَب إلى هذا المذهَبِ ما ذكره عبدُ الواحِدِ ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ ◌َچر فى الفَأْرَةِ تقَعُ فى السَّمْنِ، قال: ((إن كان جامدًا فألقُوها وما حولها ، وإن كان مائعًا فاستَصْبِحُوا به وانتفِعُوا)) (١) . قالوا: والبيعُ من بابٍ الانتفاع. قالوا: وأما قولُه فى حديثِ عبدِ الرزاقِ: ((إن كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه)). فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يريدَ : لا تَقْرَبُوه للأْلِ. قالوا: وقد أجْرَى رسولُ اللّهِ فَلّهِ التحريمَ فى شُحُومِ المَيْنَةِ فى كلِّ وَجْهٍ، ومَنَعَ (٤) الانْتِفاعَ بشىءٍ منها. وذكّروا حديثَ يزيد بنٍ أبی القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (٢٩٣)، وابن أبى شيبة ٨/ ٢٨١، والطحاوى فى شرح المشكل ١٣/ ٤٠١. (٢) سقط من: م. (٣) تقدم تخريجه ص ١٧٣. (٤) بعده فى ر، م: ((من)). ١٨٠