Indexed OCR Text

Pages 761-780

القبس
مِن المُتَأْخِّرِين، وهو لا يعلمُ، فقال(١):
يكونُ بكاءُ الطفلِ ساعةً يُولَدُ
لِا تُؤْذِنُ الدنيا به مِن صُرُوفِها
لأَوْسَعُ بِمَّا كان فيه وأَرْغَدُ
وإلَّ فما يُبْكِيه منها وإنها
وقد قال النبيُّ وَله: ((لو أن أحدكم إذا أتَى أهلَه قال: اللهمَّ جَنِّتنا الشيطانَ ،
وجَنِّبِ الشيطانَ ما رَزَقْتَنَا. وَقُضِى بينَهما وَلَدٌ، لم يَضُرَّه الشيطانُ أبدًا)(٢). قال
علماؤنا : معناه: لم يَضُرَّه بالطّعْنةِ خاصةٌ ، وإلَّا فِضَرَرُ الشيطانِ فى الذنوبِ لا يَعْصِمُ
منها عاصم .
قولُه: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩].
قال ابنُ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ: ما مِن أحدٍ يَلْقَى اللهَ إلَّا بذنبٍ ما عدا
یحیی بنَ ز کریا .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذا الذى قاله مالكٌ ورَد فى الأَثَرِ، ولم
يَصِحَّ سندُه عندَنا ولا شكّ، إلَّا أنه قد صَعَّ عندَ مالكِ، ولأجلِ صِحَتِه نطَق به،
والأنبياءُ صلواتُ اللهِ عليهم عندى مَعْصومُون مِن الذنوبِ بعدَ النبوّةِ، حَسَبَ ما بَيَنْتُه
فى كُتُبِ الأصولِ .
ومِمَّن يَلْقَى اللهَ بغيرِ ذنبٍ عيسى ابنُّ مريمَ، فقد رُوِى فى حديثِ الشفاعةِ أنَّ
كلِّ نبيِّ يَطْلُبُ منه الناسُ الشفاعةَ يَذْكُرُ لنفسِه خطيئةً، ما عدا عيسى ابنَ مريمَ،
إنهم يقولون له: ((يا عيسى، أنت روحُ اللهِ وكلمتُه، اشفَعْ لنا إلى ربّك. فيقولُ:
إنى عُبِدْتُ مِن دونِ الله)) (١). وكذلك محمدٌ وَلِ يَلْغَى اللهَ دونَ ذنبٍ مفعولٍ، وهو
(١) هو ابن الرومى، والبيتان فى ديوانه ٢ / ٥٨٦.
(٢) أخرجه البخارى (٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦)، ومسلم (١٤٣٤) من حديث ابن عباس.
(٣) أخرجه أحمد ٣٣٠/٤ - ٣٣٢ (٢٥٤٦)، والترمذى (٣١٤٨، ٣٦١٥)، من حديث ابن
عباس وأبي سعيد الخدرى مرفوعا .
٧٦١

القبس مع ذلك مَتُوبٌ علیه مغفور له . وقال مالك رضِى اللهُ عنه : قُتِل یحیی بنُ ز کریا فی
شأنٍ امرأةٍ . رواه ابنُّ نافعٍ وابنُ وهبٍ فى جماعةٍ كثيرةٍ عنه .
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: تمامُ القصة ، أن المرأةَ دَعَتْه إلى نفسِها ،
فلما أتى قالت لصاحبها : هذا یُطالِئُنی فی نفسی فاقتله . فقتله، فبَقِی دَمُّه تَغْلِی فی
الأرضِ، حتى جاء بُخْتُتَصَّرَ فوجَده يَغْلِى، فقال: هذا دمُ مظلومٍ. فقتَل عليه قَدْرَ
سبعينَ ألفًا ، وحينئذٍ سكن غَلَيَانُه(١) .
وكان هذا - بُخْتُنَصَّرَ - مَلِكًا مُسَلَّطًا على بنى إسرائيلَ، قتَل خيارَهم كما قتَل
شِرارَهم، أخَذ مِن أحبارِهم ورُهْبانِهِم المُتَعبِّدِين فى المسجدِ الأقصى منهم،
وأخرَجهم إلى ما بينَ بابِ الأسباطِ ومِخرابٍ زكريا جوفِ المسجد الأقصى،
فذبَحهم هنالك ذبحًا فى حفرةٍ كانت بها، شاهَدْتُ الحُفْرةَ؛ إذا دُفِع الماءُ فيها
احمرّ، فإذا خرَج عنها عادَ إلى لونِهِ، وكانت تَغْلِى بالماءِ فى أيامِ الشتاءِ، فيقِفُ
الناسُ عليها للعَجَبِ .
سورةُ ((النساءِ))
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣].
قال ابنُّ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فقال
له : إنى قتَلْتُ . فقال له عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : أكثِرْ مِن شُرْبِ الماءِ الباردِ. قال مالك:
يريدُ أنه مِن أهلِ النارِ . قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: وهذه مسألةٌ مِن كبارٍ
المسائلِ، اختلف الناسُ فيها قديمًا وحديثًا، وتَعلَّق أهلُ الإحباطِ بها ، لاسِيَّما
باضطرابٍ آراءِ الصحابةِ فيها ، فكان ابنُ عباسٍ يقولُ تارةً : إن القاتلَ لا توبةً له.
ويقولُ أخرى: له توبةٌ . ويقولُ ثالثةً إن كان لم يَقْتُلْ: ليس لك توبةٌ . وإن كان قتَل
(١) ينظر تاريخ دمشق ٢٠٦/٦٤ وما بعدها.
٧٦٢

قتَل يقولُ: لك توبةٌ. وقد بَيْنَّا فى كتابٍ ((المُشْكِلَين)) أن توبته مقبولةٌ، وأن ذنبه القيس
داخلٌ تحتَ المغفرةِ، ومعصيتَه أهلٌ للكَفَّارةِ، وأعظمُ آيةٍ فيه قولُه تعالى:
﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾. وهذه الآيةُ ليست من المُتَشَابِهِ، بل هى
من المُحْكَمِ، كما بيَّه فى موضعِه، لُبابُه أنه قال: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ .
وبَقِى استيفاءُ الجَزاءِ ليس له فى الآيةِ ذِكْرٌ، وجهِل بعضُ الناسِ ، فقال : معناه :
إن جازَيْناه. وليس يَفْتَقِرُ هذا الكلامُ إلى هذا الإضْمارِ، فلا معنَى لذكرِه، وسائرُ
آياتِ القرآنِ على عمومِها، كآيَةِ (الزَّمَرِ))(١)، وخصوصِها (١)، كآيَةِ ((الفُرْقَانِ))(١)،
تَقْتَضِى كلُّها قَبَولَ التوبةِ وجوازَ المغفرةِ للقاتلِ، وخصوصًا الحديثَ الصحيح :
((أن رجلاً كان فيمن كان قبلكم قتل تسعةً وتسعينَ نفسًا، فجاء إلى بعضِهم
فسألَه: هل لى مِن توبةٍ؟ فقال له: لا توبةً لك. فقتله، "ثم جاء آخرَ فسألَه:
هل لى مِن توبةٍ؟ قال: لا توبةً لك. فقتله، ثم جاء آخرَ فسأله، فقال: ومَن
يَشُدُّ عليك(٥) بابَ التوبةِ ، ولكن ائتِ الأرضَ المُقدَّسةَ. فمشَى إليها، فأدرَكه
الموتُ فى الطريقِ، فاختصَمَتْ فيه ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذابِ، مع
اختلافِهم ، أمَرهم اللهُ سبحانَه أن يَقِيسُوا ما بينَ الأرضِ التى خرَج منها
والتى يَقْصِدُ ، فإلى أيُّها كان أقربَ قُبِض روحُه عليه، فقاسُوه، فوجَدوه
أدنَى إلى الأرضِ المُقَدَّسةِ بشِبْرٍ». وفى روايةٍ: ((فوجَدوه لمَّا أُدرَكه
(١) يعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُلُواْ مِن رَّحْمَةِ الَّهَّ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
(٢) فى د: ((وخصوصًا)).
(٣) يعنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَاتٍّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا تَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
(٤ - ٤) كذا فى النسختين . ولعله تكرار.
(٥) فى م، ونسخة فى حاشية د: ((عنك)).
(٦) البخارى (٣٤٧٠)، ومسلم (٤٦/٢٧٦٦)، وتاريخ دمشق ١٥٦/٣٨، ٠١٥٧
٧٦٣

الموتُ، قد ناءَ بصَدْرِهِ، فقبَضَتْه ملائكةُ الرحمةِ )).
القبس
فإن قيل : فما وَجْهُ اختلافٍ ابنِ عباسٍ فيمَن قتَل أو لم يَقْتُلْ؟ وهل كان يقولُ
لمَن لم يَقْتُلْ: لا توبةَ لك. تخويفًا بما لا يَعْتَقِدُه حقًّا، وذلك لا يجوزُ، أم كان
يعتقِدُه، وذلك لا معنى له؟ قلنا: لم يَكْنٍ ابنُ عباسٍ يَعْتَقِدُه، وإنما كان يقولُه
تَخْويفًا ، ووَجْهُ ذلك أن المسألةَ اجتهاديةٌ ؛ فابنُ عباسٍ وإن كان يرى أن له توبةٌ ، لا
یقْطئُ بخطأً القولِ الثانى ، فكان يُخْپژُه عنه تحذيرًا لاحتمالِه. والذی کان یُفتِی به
مالكٌ فى هذه المسألةِ ؛ أن يُغْتِقَ رقبةً، ويصومَ شهرَين مُتتابعَين، ويَتَصدُّقَ ويفعَلَ ما
استطاعَ مِن الخيرِ. ورُوِى عنه أنه لا كفارةَ فيه؛ لأنه أعظمُ مِن أن يُكَفِّرَ. وقد بيَّنَّا فى
((مسائلِ الخلافِ)) هذه المسألةَ، وحقَّقْنا المقصودَ منها. واللهُ أعلمُ .
سورةُ ((الأعرافٍ»
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣].
قال ابنُ القاسم : سمِعتُ مالكًا يقولُ: تأويلُه ثوابُه .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: فيه أقوالٌ كثيرةٌ، حقيقتُها ترجعُ إلى
المآلِ، وحقيقتُها كلِّها وفائدتُه الثوابُ والكفافُ (١) ، فذكَر مالكٌ الثوابَ مِن
جملتِها؛ لأنه أعلى وأولَى، أو ذكَر أحدهما وهو أفضلُهما؛ ليَدُلَّ على الثانى، كما
(٢)
قال الشاعر(٢):
وما أَدْرِى إِذا يَّمْتُ أرضًا أريدُ الخيرَ أَيُّهما يَلِينى
(١) فى م: ((العقاب)).
(٢) هو المثقب العبدى، والبيت فى ديوانه ص ٢١٢، وتقدم البيت مع آخر فى ٤٣٦/٣.
٧٦٤

سورةُ ((براءةَ)»
القبس
قولُه: ﴿يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧].
قال ابنُ القاسم وأشهَبُ : سمِعْتُ مالكًا يقولُ: كان أهلُ الجاهليةِ يُحِلُّون
صفرین .
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذا منه إشارةٌ إلى النَّسِىءِ الذى أحدثه
فى الجاهليةِ حذيفةُ بنُ عبيدِ الكِنانىُ المُلَقَّبُ بالقَلَمَّسِ (١)، كانوا إذا عرَض لهم
قتالٌ، وفجَأهم العدوُّ فى الشهرِ الحرامِ، اسْتَحَلُّوه وعَوَّضوا منه شهرًا حلالاً ،
فاسْتحرَمُوه وسَمَّوه النَّسِىءَ - مأخوذٌ مِن النَّسَاءِ وهو التأخيرُ - ولم يَزالوا يفعلون ذلك
حتى قَلَبوا الشهورَ، واختلَطَت الأعوامُ، ولم يَزَلِ الأمرُ كذلك مُرْتبكًا والحَجُ
مفسودًا، حتى اختارَ اللهُ لرسولِهِ وَله سَنَةَ عَشْرٍ، والحسابُ قد اطَّرَد فى نظامِه ،
والحقُّ قد عادَ فى نِصابِهِ، فخرَج النبىُّ ◌َِّ حاتّجًا، فلما قضَى تَفَتَه ووَفَّى نَذْرَه، قال
مُعَلِّمًا للخلقِ: ((إن الزمانَ قد اسْتَدَارَ كهيئتِه يومَ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ))(٢)
الحدیثَ .
قولُه: ﴿ثَانِىَ أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠].
قال ابن القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ فى قوله: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى
اٌلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِهِ.﴾. هو أبو بكرٍ. وكان يرفِّعُ مِن أبى بكرٍ بذلك جدًّا.
قال القاضى ابنُ العربىّ رضِى اللهُ عنه : إنما كان مالك رضِى اللهُ عنه تَجِدُ فی
(١) القلمس: الكثير الماء من الركايا والبحر، والرجل الخيّرُ المعطاء، والسيد العظيم.
قال ابن إسحاق : وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلت منها ما أحل وحرمت منها ما
حرم. القاموس المحيط (ق ل س)، وسيرة ابن هشام ١/ ٤٤.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٦١/٦.
٧٦٥

القبس ترفيع أبى بكرٍ بهذه الآية؛ لِما فيها مِن الإشادةِ بذِكْرِهِ والتَّنْويِهِ بقَدْرِه مِن وجوهٍ
كثيرةٍ ، أُمَّهاتُها سنةٌ :
الأولُ : أَنَّ اللهَ تعالى نَزَّل فيه أبا بكرٍ منزلةً جميعِ المؤمنين ، بل الخلقِ أجمعين،
فقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ على وجهِ كذا، معناه:
بصاحبه .
الثانى: قولُه: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾. فقدَّم أبا بكرٍ، وجعَل النبيَّ ◌َ لّ ثانيَه.
الثالثُ: قولُه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ﴾. فخَطَّطَه بهذه الخطةِ التى هى
أشرفُ الخِطَطِ ، وأفضلُ الأسماءِ.
الرابعُ: قولُه : ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. فثَبَتَهُ بَثْبِتِهِ، وسَلَّه بتَسْليتِه .
الخامسُ: قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. فهذه مَرْتبةٌ لم تكنْ قَطُّ لأحدٍ مِن
الخلقِ بعدَ الأنبياءِ، قال موسى: ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وقال
محمدٌ بَّ لأبى بكرٍ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاْ﴾. قال لنا الشيخُ الأُجَلُّ
العَدْلُ(١) أبو الفضائلِ ابنُ طَوْقٍ، قال لنا الأستاذُ جمالُ الإسلامِ أبو القاسمِ عبدُ الكريم
ابنُّ هَوَازِنَ القُشَيرِىُّ: قال موسى حينَ بَغْتَه أمرُ فرعونَ: ﴿كَلََّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّ
سَهْدِينِ﴾. فخَصَّ نفسَه بالمَعِيَّةِ التى من مُعْظَم فوائدِها الهِدَايةُ دونَ أصحابِه ؛ لِمَا
علِيم اللهُ عزَّ وجلَّ مِن تَبْديلهم وتَخْريفِهم وعبادتهم العجلَ، وقال محمدٌ وَلَلِ فِى
نفسِه وصاحبِهِ: ﴿إِنَ اللَّهَ مَعَنَا﴾. لِمَا عِلِم اللهُ عزَّ وجلُّ مِن تَثْبيتٍ أبى بكرٍ
وهدايته وفَضْلِه وجلالِتِه، وأعظمُ مِن ذلك "أو مثلُه) قولُ النبيِّ وَلَه لأبى بكرٍ وقد
فجَأهما المشركون، فقال أبو بكرٍ للنبىِّ وَّل: لو أن أحدَهم نظَر تحتَ قدميه
أبصَرَنا. فقال له النبيُّ وَلّ: ((يا أبا بكرٍ، وما ظَنُّك باثنين الله ثالثُهما))(٣).
(١) فى م: ((المعدل)). وينظر أحكام القرآن ٢/ ٩٣٩.
(٢ - ٢) فى م: ((وأمثله)).
(٣) البخارى (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١).
٧٦٦

السادسُ: قولُه: ﴿فَأَنْزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ﴾. وكلُّ مَن تنَزَّلتْ القبس
عليه السّكِينةُ غشِيَته الرحمةُ، وثبتَت له العِضْمةُ .
قولُه: ﴿وَسَيَّرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤].
قال ابنُ القاسم: وسمِعتُ مالكًا يقولُ : ابنَ آدمَ ، اعمَلْ وأغلِقْ عليك سبعينَ
بابًا ، يُخْرِجِ اللهُ عملَك إلى الناسِ .
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه : هذا مذكورٌ فى الحدیثِ فی قولِه: ((مَن
أَسَّ سَريرةً ألبسه اللهُ رداءَها، إن خيرًا فخيرٌ)) الحديثَ . وهذا أمرٌ شائعٌ فى
الشرائعِ، مشهورٌ فى المِلَلِ، حتى قال حكيمُ الجاهليةِ() :
ومهما تكنْ عندَ امْرِئٍّ مِن خَلِیقةٍ
ولو خالَها تَخْفَى على الناسِ تُعْلَمِ
ويَنْتهِى الحالُ فى ذلك إلى أن يَشْهَدَ بذلك جميعُ الخلقِ ، فِيَقْضِى اللهُ عزَّ وجلَّ
فى ذلك بالحقِّ، ثبت عن النبيِّ وَلِّ أنه مُرَّ عليه بجنازةٍ، فَأَثْنَوا عليها شرًّا ، فقال:
((وجَبَت)). ومُرّ عليه بأُخرى، فَأَثْنَوا عليها(١) خيرًا، فقال: ((وَجَبَت)). فقالوا:
يا رسولَ اللهِ، ما وَجَبَت؟ قال: (( أَثْنَيتُم على الأَولِ شرًّا فوجَبَت له النارُ، وَأَثْنَيتُم على
الآخَرِ خيرًا فوجَبَت الجنةُ)(٤).
سورةُ (یونسَ)»
قولُه: ﴿وَغَمِيِّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾ [يونس: ١٠].
(١) الطبرانى (١٧٠٢)، وفى الأوسط (٧٩٠٦) من حديث جندب بن سفيان البجلى .
(٢) بعده فى د: ((أبو مجبور)). لعله تصحف عن ((أبو بجير)). ينظر طبقات الشعراء ١/ ٥١،
٩٩. وهو زهير بن أبى سلمى، والبيت فى شرح ديوانه ص ٣٢.
(٣) فى د: ((عليه)).
(٤) البخارى (٢٦٤٢)، ومسلم (٩٤٩) من حديث أنس.
٧٦٧

قال ابنُ القاسم : سمِعتُ مالكًا يقولُ: هو هذا السلامُ الذى يَتَقابلون به .
القبس
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: فى هذه الآيةِ قولانٍ؛ أحدُهما : أن
المرادَ به الزيارةُ ، يزورُ الخَلْقُ ربَّهم، فى حديثٍ طويلٍ. والقولُ الثانى: أن المرادَ
به: القولُ سلامٌ. ثم يعودُ إلى قولِه: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا
خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وقوله: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتٌ فَنِعْمَ عُقْبِىَ
الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]. أو سلامِ الجبَّارِ على أهلِ الجنةِ كما ورد فى الآثارِ، فَرَجُح
مالكٌ رحِمه اللهُ أن المراد به قولُ السلامِ لوجهَين؛ أحدُهما : أنه ظاهرُ الكلام ، ولا
يُعْدَلُ عن الظاهرِ إلَّا لضرورةٍ. والثانى: أن له نظيرًا فى القرآنِ على ما اسْتَشهَدْنا
به. ومَن قال: الزيارةُ. ضُعِّف" مِن وجهَين؛ أحدُهما: أنه مجازٌ، ولا يُعَوَّلُ
عليه٢ إلا بدليلٍ. والثانى: أن سلامَ الجَبَّارِ لم يَصِحَّ سَنَدًا، وإن كان صحيحًا
مُهتَقَدًا .
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس: ٦٤].
قال ابنُ القاسمِ وجُوَيريَّةُ: سمِعْنا مالكًا يقولُ: هى الرُّؤْيا الصالحةُ. وقال
المَخْزومىُّ عنه: هى البِشارةُ عندَ الموتِ . وكِلا القولَين صحيحٌ؛ لأن أحدَهما
مذكورٌ عن النبيِّ وَ لَّ فِى الرُّؤْيا الصالحةِ(١) . وأمَّا الثانى، فإن نفسًا لن تموتَ حتى
تُبَشَّرَ بالجنةِ - نسألُ اللهَ(٤) الجنةَ وما قَرَّب إليها مِن قولٍ وعملٍ - أو بالنارِ ، وإذا
احتمَل القولُ هذا كلّه، صَحَ حَمْلُه عليه .
مـ
(١ - ١) فى م: ((وأما من الزيارة فضعيف)).
(٢ - ٢) فى نسخة على حاشية د: ((يعدل إليه)).
(٣) البخارى (٦٩٩٠) من حديث أبى هريرة.
(٤) فى م: ((إليه)).
٧٦٨

القبس
سورةُ «هود)»
قولُه: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤُأْ﴾ [هود: ٨٧] .
قال ابنُ وهبٍ : سمِعتُ مالكًا يقولُ: كانوا يَكْسِرونَ الدنانيرَ والدراهمَ،
فُعاقَبُ مَن كَسَر الدنانيرَ والدراهمَ .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: الإِذايةُ على قِسْمَين؛ إذايةٌ خاصةٌ
وهى أَحَقُّها، وإذَايةٌ عامةٌ وهى أغلَظُها، وأعظمُ الإذايةِ ما يَعُمُّ الناسَ؛ ولذلك
كان سعيدُ ابنُ المسيّبِ يقولُ: قَطْعُ الدنانيرِ والدراهمِ مِن الفسادِ فى
الأرضِ (١) . فإن فيها إذَايةً للناسِ فى أموالهم، وسَرِقةً لها مِن جميعِهم. فإن
قيل: فإذا قرَضها الإنسانُ لنفسِه، يأْثَمُ أم لا؟ قلنا: إنْ قَرَضَها ليَصْرِفَها إلى
مَنْفعةٍ أُخرى جازَ، وإِنْ قَرَضَها ليُرَوِّجَها على الخَلْقِ هلَك. وروَى عنه أَصبغُ أنه
مّن فعَل هذا لا تُقْبَلُ شهادتُه .
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبِّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود
[هود: ١١٩] .
قال المَخْزومىُّ: سمِعتُ مالكًا يقولُ فى قوله: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾. قال:
الرحمةُ . وقال قومٌ: الاختلافُ .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذه الآيةُ مِن المُشْكِلاتِ، وقد بالَغْتُ
القولَ فيها بحمدِ اللهِ فى كتابٍ ((المُشْكِلَين))، على أوفَى قضيةٍ فى البيانٍ، على وَجْهٍ
يَعُمُّ جميعَ الطوائفِ، لُهْتَتُكُم (١ فى هذا الاسْتِعجالِ منه، أن قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَزِدَةً ﴾ [هود: ١١٨]. دليلٌ على أن المشيئةَ تَتَعلَّقُ بكلٌ
(١) تقدم فى الموطأ (١٣٦٢).
(٢) فى م: ((مهمتكم)). واللهنة: ما يهديه المسافر إذا قدم من سفره، وأيضا: الطعام الذى يتعلل
به قبل الغداء. التاج (ل هـ ن).
٧٦٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤٩/٢٣ )

القبس موجودٍ مُحدَثٍ، وأيضًا فإن قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾. دليلٌ
على أنه القِسْمُ الثانى الذى عَيْنَتْه المَشِيئةُ، فكلاهما جائزٌ، عَيِّنَت القُدْرةُ والمَشِيئَةُ
أحدهما إذ تَعَلَّقا به، ثم أخبر تعالى أن هنالك مرحومًا(١) لا يَتَطَّقُ إليه اختلافٌ ، ولا
ينزِلُ بساحتِه مكروة، فثبت هذا كلُّه قَطْعًا، ثم قال بعدَ ذلك كلُّه: ﴿وَإِذَلِكَ
خَلَقَهُمْ﴾. فقال قومٌ: أراد للاختلافِ . وقال آخرون: أراد للرحمةِ. وقال قوم : أراد
لهما. ومَن عَيَّن الرحمةَ مِن أحدِهما كان أسعدَ مِمَّن عَيَّنَ الاختلافَ ؛ لأجل أن
الرحمةَ أشرفُ، وهى الرحمةُ(١) التى تَمَدَّعَ اللهُ بها، وإن عدَلْتَ على الإطلاقِ
قلتَ : قضَى عليهم بالاختلافِ ، ويَشَرَ لهم الرحمةَ . فيَجرِى كلَّ محُكْم على فريقه ،
ويَطَّرِدُ التوحيدُ فى تَحْقِيقِه(١) .
سورةُ ((يوسفَ))
قولُه: ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠].
قال المخزومىُّ : سمِعتُ مالكًا يقولُ: كان يُعَظِّمُ بعضُهم بعضًا بالسُّجودِ .
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: أراد مالكٌ ما قاله جميعُ العلماءِ مِن أن
هذا كان سلامَ مّن تقدَّم ، ثم نسَخ اللهُ ذلك بالإسلامِ، فجعَل السلامَ قولاً لا فعلًا،
وعَيَّن له .. عَيَّن، على ما بيَّاه فى كتابِ الفقهِ .
سورةُ ((الرعدٍ»
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧].
قال المَخْزُومِىُّ: سمِعتُ مالكًا يقولُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾. يعنى داعيًا
(١) فى م: ((موجودا)).
(٢) فى م: ((الفائدة)).
(٣) فى د: (( حقيقته)).
٧٧٠

القبس
يَدْعُوهم إلى اللهِ عزَّ وجلَّ .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: قال قوم: لكلّ قومٍ داعٍ مِن الأنبياءِ
يَدْعُوهم .
وقال آخرون : لكلِّ قومٍ داعٍ مِن العلماءِ يَدْعُوهم .
وأقولُ أنا : لكلِّ قومٍ داعٍ مِن المؤمنين يَدْعُوهم. وهذا إشارةٌ إلى
الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ، وهذا عالمٌّ فى جميع المؤمنين، على
ما بَيِّنَّه فى موضعِه، وأشرفُ الدعاةِ والهُدَاةِ الأنبياءُ، وتَترتَّبُ بعدَهم
المنازلُ .
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣].
قال ابنُ وهبٍ : سمِعتُ مالكًا يقولُ: هو عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: المرادُ به عبدُ اللهِ بنُّ سَلَامٍ وغيرُه، مِمَّن
بشّر بالنبىِِّ نَّهِ وَأَنذَر به، وأقرّ فى التوراةِ بصفته .
سورةُ («إبراهيمٌ»
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَذَكِّرُهُم بِأَيَّنِمِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥].
قال ابنُّ وهب: سمِعتُ مالكًا يقولُ: يريدُ بلاءَه الحسنَ وأياديَه
عندهم .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذا التفسيرُ يُسْتَمَدُّ مِن بحرِ النِّعَمِ، وقد
اختلف الناسُ فى عمومٍ نِعَمِ اللهِ تعالى على الخَلْقِ وخصوصِها لبعضِهم، وهى مسألةٌ
مُشْكِلةٌ قد بَيِّنَّاها فى كُتُبِ الأصولِ، فأما عمومُ التَّسميةِ فى كلِّ ما أتَى اللهُ الخلقَ،
وأنه يَنْطلِقُ عليه نعمةٌ، فلا إشكالَ فيه؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ قال: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ
الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ الآية إلى قوله: ﴿يَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٠] .
٧٧١

فأخبَر عزَّ وجلَّ أَن كُلَّ أُمَره اللهُ تعالى وآتاه مِن نِعَمِه، على اختلافِ حالِه
القبس
مِن كُفْرٍ وإيمانٍ، وأما كونُ معنى النّعْمةِ فيما أَطْلِقِ عليه اسمُ النعمةِ، فيفتقِرُ
إلى تدقيقٍ لا يُمْكِنُ ذكرُه بالاختصارِ، فَلْيُطْلَبْ فى كُتُبٍ الأصولِ، وأقلُّه
((المتوسطُ)).
سورةُ (الحِجْرِ)»
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩].
قال المخزوميُ : سمِعتُ مالكًا يقولُ فى تفسيرِه : معلومٌ .
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: معنى تفسيرِ مالكِ الموزونَ بالمعلومِ ،
أن الله تعالى جعَل الوزنَ طريقًا إلى معرفةِ الخلقِ جميعَ الأشياءِ؛ ومنه حِسِّىٌّ (١، وهو
الشَّاهِينُ(٢)، والقَانُ(٢) ، والقَرَسْطُونُ(٤). ومنه معنوىٌّ وهو تركيبُ المجهولِ مِن
المعقولات على المعلوم؛ إما بكِفَّةِ العِلَّةِ والحقيقةِ والشرطِ والدليلِ، وإما بالشَبْرِ
والتقسيم، وهو على قِسْمَين؛ إما أن يدورَ بينَ النَّفْىِ والإثباتِ ، فلا خلافَ فيه ، وإما
فى الوجودِ والتَّعْبِينِ، فاختُلِف فيه؛ فمذهبُ الشيخ أبى الحسنِ، والقاضى ،
وسائرٍ شيوخنا المشهورِين، أنه دليلٌ قطعىٌّ، وأشار الجوينىُ ومَن داناه مِن المُتأخّرين
إلى أنه ! س بدليلٍ فى المعلوماتِ، وإنما يكونُ حُجّةً فى المَظْنوناتِ وهى
(١) فى م: ( حبشى)).
(٢) فى م: ((الشاهق)). والشاهين: عمود الميزان. وقيل: عمود الميزان والصنجة. التاج (ش هـ ن).
(٣) القبان : القسطاس، وهو الميزان ذو الذراع الطويلة المقسمة أقسامًا، ينقل عليها جسم ثقيل
سمى الرُّمَّانة، لتعين وزن ما يوزن، وهو فارسى معرب. الوسيط (ق ب ن)، وينظر المعرب
ص ٣٢٣.
(٤) فى د، م: ((القاسطون)). والصواب القرسطون، وهو القبان، شامية. العين ٥/ ٢٤٩، وينظر
التاج (قرسطن) .
(٥) هو القاضى ابن الباقلانى. وقد تقدمت ترجمته فى ٢٥/١٨.
٧٧٢

الفِقهياتُ، والصحيحُ عندى ما اختارَه الشيخُ أبو الحسنِ والقاضى، والدليلُ على القبس
صحةِ ذلك ما نطَق به القرآنُ ضِعْنًا وتصريحًا فى مواضعَ كثيرةٍ ؛ فمِن الضِّغْنِ قولُه عزّ
وجلَّ: ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾. إلى قولِه:
﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩]. ومِن التصريح قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجُ
مِنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ﴾. إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣].
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢].
قال ابنُ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ ، وقاله أيضًا أشهَبُ عنه: سمِعْنا مالكًا يقولُ:
لقامح القمحِ عندى أن يُسَئِلَ، ولِقاحُ الشجرِ أَن يُؤْمِرَ، ويَسْقُطَ ما يَسْقُطُ، ويَتْبُتَ ما
يَثْتُ، وليس ذلك بأن تُوَرِّدَ() الشَّجَرُ. وذكر عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الحَكَمِ عنه مِثْلَهُ(٢).
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: هذه الإشاراتُ كلُّها إنما هى معلَّقةٌ مِن
اختلافِ العلماءِ، وخصوصًا أهلَ العراق ، فى وقتٍ تبع الثمرِ فی الشجرِ ، وفى وقتٍ
بيعِ الحَبِّ فى سُنْلِه ، وليس فى الآيةِ مُتَعَلَّقٌ لشىءٍ منه، وإنما هى، واللهُ أعلمُ، مَسُوقَةٌ
لبيانِ السببِ الذى يخلُقُ اللهُ عندَه الثمارَ والحبوبَ؛ وهو الريح، إذا اتَّصَل بالخامةِ(١)
أو الشجرة ، كما يُخْلَقُ الحَرْقُ عندَ اتصالِ النارِ بالجسمِ ، والشِّبَعُ والرِّىُّ عندَ اتصالٍ
الخُبْزِ والماءِ بالمعدةِ ، وقد رُوِّينا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الرياحُ أربعةٌ؛ مُنْشَأَةٌ، وهى
التى يخلُقُ اللهُ السحابَ عندَها، وريحُ قَامَّةٌ، وهى التى تمسَحُ وجهَ الأرضِ فَتَفُتُّ فَنَّا،
وريح مُلَفِّحَةٌ، وهى التى يخلُقُ اللهُ عندَها الماءَ فى السحابِ ، فإن لم يكنْ عندَها ذلك
فهى العقيمُ، وريحٌ فاتِقةٌ، وهى التى يُرسِلُها اللهُ فَتَفْتِقُ السحابَ ، وتَعْصِرُ منها الماءَ.
(١) ورد كل شجرة نَورها. قال أبو حنيفة: الورد: نَور كل شجرة وزهر كل نبتة. يقال: وترّدت
الشجرة. إذا خرج نورها ، وتنوير الشجرة إزهارها . ينظر اللسان (و ر د، ن ور).
(٢) تفسير القرطبى ١٦/١٠.
(٣) الخامة: الغضة الرطبة من النبات . اللسان (خ و م).
٧٧٣

القبس
فقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَنْحَ لَوَقِحَ﴾ . إخبارٌ عن بعضٍ وجوهِها، وفى
القرآنِ بَقِيَُّها .
سورةُ ((النحلِ))
قولُه: ﴿وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
قال المَخْزومِىُّ: سمِعتُ مالكًا يقولُ فى قوله: ﴿وَعَلَمَتَّ﴾. قال: يقولون :
النجومُ، وهى الجبالُ .
قال القاضى أبو بكرِ بنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: اختلف الناسُ فى قوله تعالى :
﴿وَعَمَنَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. فقيل: أرادَ بقولِه: ﴿ وَعَلَمَتَّ﴾. الجبالَ؛
منهم ابنُ عباسٍ. وقال آخرون : أراد بذلك النُّجومَ الثمانيةَ؛ وهى : الجَدْىُ،
والفْقَدانِ ، يُهتدى بها فى الفیافی التی لا أعلام فيها ، وفى البحارِ عندَ دخولِ الليلِ
على راكيِها. وقال آخرون: المرادُ بقولِه: ﴿وَبِالنَّجْمٍ﴾. الثُّريًّا. وقد كان اطَّلَع
مالكٌ على ذلك كلِّه، ولكنَّه اختارَ قولَ ابنِ عباسٍ فى أن معناه الجبالُ؛
لأنه مَسَاقُ الآيةِ، قال جلَّ ذكرُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ
يَهْتَدُونَ﴾﴾(١) [الأنبياء: ٣١]. ﴿وَعَمَتٍ﴾. فعطَفها على الفِجاجِ، ثم استأنف،
فقال: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. المعنى: حيثُ يُفْتَقَرُ إلى ذلك فيها .
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه قال: خلَق اللهُ تعالى النجومَ لثلاثٍ ؛ الزِّينةِ والرَّجْمِ
وللاهتداءِ، مَن يزعُمُ أن فيها معنَى سِواها، فقد أعظَم الفِريةَ على اللهِ .
قولُه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةٌ﴾ [النحل: ٧٢] .
(١) هذا انتقال من المصنف رحمه الله من آية سورة ((النحل)): ﴿وَأَلْقَى فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
بِكُمْ وَا وَسُبُلَا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥]. إلى آية سورة ((الأنبياء)) والتى ذكرها
المصنف، والمراد الآية الأولى، وهى آية سورة ((النحل)).
٧٧٤

قال ابنُّ وهبٍ : سمِعتُ مالكًا يقولُ فى قولِهِ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: يعنى الأعوانَ والخَدَمَّ. القبس
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: وقال آخرون: هم بنو البنينَ . وقالت طائفةٌ
أخرى: هم البناتُ . والذى قاله أصَحُ؛ لأن (ح ف د) فى لغةِ العربِ موضوعةٌ
للخِدْمةِ والتَّحَفِّى بالأمورِ. وفى الحديثِ فى صفةِ النبيِّ وَلِّ، أنه محفودٌ محشودٌ(٢).
سورةُ ((سبحانَ))
قوله: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُنِي﴾ [الإسراء: ٢٣].
قال أشهَبُ : سمِعتُ مالكًا يقولُ: ﴿لَا تَقُل لَّكُمَا أُنٍ﴾. وإن أخَذا مالَه
وَأَعْنَناه. وسمِعتُه مَرَّةً أخرى يقولُ: لا تُشَدِّدِ النظرَ إليهما .
قال القاضى ابنُ العربیّ رضی اللهُ عنه : هذه الآيةُ أصلٌ فی پرِ الوالدين، وقد قرَن
اللهُ عزَّ وجلَّ حقَّهما بحَقِّه فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وثُبَت
عن النبيِّ مَ لِ﴿ أنه ذكَر الكبائرَ، فقال: ((الإشراكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوالدين))(٣). فبَيِّنَ
اللهُ عزَّ وجلّ فى هذه الآيةِ كيفيةَ البِرّ ، بتحديدِ الأقلِّ مِن المعصيةِ فيهما؛ وهو التَّقُّفُ
كراهيةً لهما ، أو لِما يصدُرُ عنهما مِن قولٍ أو فعلٍ، ونزَّل مالكٌ بفضلٍ علمِه الفعلَ منزلةً
القولِ، فقال: لا تُشَدِّدِ النظر إليهما. لأن تَشْديدَ النظرِ تأفيفٌ، أو أكثرُ منه. وهذه
الآيةُ مِن أُصُولِ القرآنِ فى علم الأصولِ والأحكامِ، وقد ذكرنا كُلَّا فى موضعِه .
قولُه: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَةٍ﴾ [الإسراء: ١٠١].
قال ابنُّ وهبٍ: سمِعتُ مالكًا يقولُ: هى الحَجَرُ والعَصا واليَدُ والطُّوفانُ
(١) تفسير القرطبى ١٤٣/١٠ عن ابن القاسم، عن مالك.
(٢) فى د، م: ((محسود)). والمثبت من الطبرانى (٣٦٠٥)، والحاكم ٣/ ٩.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٣٩ - ٤٤١.
٧٧٥

القبس والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادُ والدَّمُ والطُّورُ). وقال ابنُ القاسم: سمِعتُ
مالكًا. فذكَر نحوَه، وأسقَط الطُّوفانَ والطُّورَ، وذكَر البحرَ والجبلَ ..
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: روَى صفوانُ بنُ عَسَّالِ المُرَادیُّ، عن
النبيِّ وَِّ، أن يَهُوديَّيْن قال أحدُهما لصاحبِه: اذهَبْ بنا إلى هذا النبيِّ نسألُه. قال:
لا تَقُلْ: نبيٌّ. فإنه إن سمِعك تقولُ له: نبىٌّ، كانت له أربعةُ(١) أَعْيُنٍ. فَأَتَّيًا النبىّ
وََّ، فسألَاه عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيْتَتٍ﴾. فقال
رسولُ اللهِ مَّهِ: ((لا تُشْرِكوا باللهِ شيئًا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلوا النفسَ التى حرّم اللهُ إِلَّا
بالحقِّ، ولا تَشْرِقوا، ولا تَسْحَروا، ولا تَمْشُوا بیریءٍ إلی ذی سلطانٍ فِيَقْتُلَه ، ولا
تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَقْذِفوا مُخْصَنةً، ولا تَفِرُوا مِن الزَّحْفِ، وعليكم أيُّها(*) اليهودُ
خاصةً ألَّ تَعْدُوا فِى السَّبْتِ)). فَقَلا يدَيه ورِجْلَيه، وقالا : نشهَدُ أنك نبىّ. قال:
((فما يَمْنَعُكما أن تُسْلِما؟)). قالا: إن نبيَّ اللهِ داودَ دَعا ألَّ يزالَ فى ذُرِّيتِه نبىٌّ، وإِنَّا
نخافُ أن تَقْتُلَنا اليهودُ(٥) . قال أبو عيسى الترمذىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ () . وفيه
تفسيرُ الآياتِ بهذه التَّكْلِيفَاتِ وَالمَنْهِيَاتِ(4). وفشرها مالك رحمه اللهُ بما تقدَّم مِن
(١) فى أحكام القرآن ١٢١٣/٣: ((الطود)).
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٣٣٦/١٠.
(٣) كذا فى د، م، وقال المباركفورى فى شرح الترمذى: هكذا وقع فى النسخ الموجودة، ووقع فى
المشكاة : أربع أعين. بغير التاء، وهو الظاهر. ثم فسره بقوله: يعنى: يسر بقولك: هذا النبى.
سرورًا يمد به الباصرة فيزداد به نورا على نور، كذى عينين أصبح يبصر بأربع، فإن الفرح يمد
الباصرة، كما أن الهم والحزن يخل بها ، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا . تحفة
الأحوذي ٣٩٩/٣، وينظر حاشية السندى ١١٢/٧.
(٤) ليس فى: د.
(٥) فى د: ((يهود)). والحديث أخرجه الترمذى (٢٧٣٣، ٣١٤٤).
(٦) فى نسخة على حاشية د: ((صحيح)). وفى مصدر التخريج فى الموضعين: ((حسن صحيح)).
(٧) المذكور فى هذا الحديث عشر لا تسع ، قال ابن كثير : وهو حديث مشكل ، وعبد الله بن
سلمة - أحد الرواة - فى حفظه شىء ، وقد تكلموا فيه ، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر
الكلمات ، فإنها وصايا فى التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون ، والله أعلم. تفسير ابن كثير
٥/ ١٢٤، وينظر البداية والنهاية ٩/ ٩٦.
٧٧٦

المُعْجزاتِ، وكلاهما آيةٌ للنبيِّ وَلَ، إلا أن أحدَهما عُلِم بالقرآنِ فى قولِه: ﴿ءَايَتٍ القبس
◌ُفَصَّلَتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]. والآخَرَ عُلِم بالسُّنَّةِ مِن حديثِ صفوانَ بنِ عَسَّالٍ
وغيرِهِ ، فلعلَّ مالكًا لم يَتِلُغْه حديثُ صفوانَ، أو لعله بلَغه وأخَذ بظاهرِ القرآنِ .
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦].
قال أشهَبُ : سمِعتُ مالكًا يقولُ: على تَّفَهُّم ).
قال القاضى ابنُ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: قال جماعةٌ: معنى قوله: ﴿عَ
مُكْثٍ﴾. لا يأتِيهم فى دَفْعةٍ واحدةٍ ، ولكنْ يأتى شيئًا بعدَ شىءٍ، فى زمانٍ طويلٍ؛
ليكونَ ذلك أبينَ لهم، وأثبتَ فى قلوبِهم، وليس يأبى مالكٌ هذا، فإن الاشتقاقَ
يُعْطِيه، والحالَ يَشْهَدُ له، وإنما أراد مالكٌ أن يُبَيِّنَ المُكْثَ الأَوْلى والمقصودَ
الأَعلى ؛ وهو الفَهْمُ والعلمُ به، الذى أخذ على الخلقِ ذلك منه فيه ، ولهذا مكث ابنُ
عمرَ فى سورةِ ((البقرةِ)) ثمانى سنينَ يَتَعَلَّمُها(١) ، ولذلك كانت القراءةُ المُرَتَّلةُ أفضلَ
(٣)
مِن القراءةِ المُحَدَّرةِ(١).
سورةُ ((الكهف)»
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ﴾ الآية [الكهف: ٣٩].
قال أشهَبُ : سمِعتُ مالكًا يقولُ : جَنَّةُ الرجلِ منزلُه .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: لم يَخْفَ على مالكِ رحِمه اللهُ أن المرادَ
بقوله تعالى أن الجنةَ الحديقةُ حَسَبَ ما هو نصَّ القرآنِ ، وإنما أراد مالكٌ أن مَن لم
(١) فى د: ((تفهيم)). وفى تفسير القرطبى ٣٤٠/١٠ بلفظ: ((على تثبت وترسل)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٤٨١).
(٣) فى م: ((المحررة)). والمحدَّرة: من حدر القراءة حذرًا: أسرع فيها، فحطها عن التمطيط،
وسميت القراءة السريعة الحدر؛ لأن صاحبها يحدرها حدرًا، التاج (ح د ر).
٧٧٧

يكن معه حديقةٌ، فدارُه جَنَّةٌ ، يَدُلُّ على ذلك اللفظُ والمعنى؛ أما اللفظُ ، فإن الدارَ
القبس
جَنَّةٌ، فإنها تَجِنُّ(١) كما تَجِنُّ(١) الحديقةُ. وأما المعنى، فلأن المرءِ تَقَوُّ بها عينُه ،
وتَسْكُنُ إليها نفسُه، كما تَسْكُنُ بالجنةِ ، فنبّه مالكٌ على أن ذا(٢) الدارِ ينبغى له أن
يقولَ فى دارِه : ما شاء اللهُ لا قوةَ إلا باللهِ. كما يقولُها ذو الجَنَّةِ فى جَنَِّه.
سورةُ ((قد أفلح)»
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَُّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِىِ الْأَرْضِّ﴾
[المؤمنون: ١٨] .
قال أشهَبُ عن مالكِ : قلتُ له : يا أبا عبدِ اللهِ ، أهو ماءُ الخريفِ؟ قال : بل هو
فى الخريف والشتاءِ وكلِّ شىءٍ، وهو على إذهابِه قادرٌ(١).
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: اختلف الناسُ فى تأويلِ هذه الآيةِ على
أربعةِ أقوالٍ :
أحدُها : أن المرادَ به ماءُ العيونِ والآبارِ .
الثانى: أنَّ المرادَ به الماءُ الذى فى أثناءِ الأرضِ وجوفِها، حيثُ حفَرْتَها أخرَجْتَه
منها .
الثالثُ: أنه مياهُ الأنهارِ الخمسةِ؛ سَيْحُونُ نهرُ الهندِ، وجَيْحونُ نَهْرُ بَلْخ ،
والفُرَاتُ ودِجْلةُ نَهْرا العراقِ ، والنيلُ نهرُ مصرَ .
الرابع: قيل: إن مياه الأرضِ كلَّها تخرج " مِن تحتٍ صخرةٍ بيت المقدسِ،
(١) فى م: ((تجنى)). وتجن: أى تستر. القاموس المحيط (ج ن ن).
(٢) فى م، ونسخة على حاشية د: ((داخل)).
(٣) ينظر أحكام القرآن ٣/ ١٣٠٠.
(٤) فى نسخة على حاشية د: ((تثعب)).
٧٧٨

القبس
وهى مِن عجائبِ اللهِ فى أرضِه، فإنها صخرةٌ تَشْعَى (١) فى وسطِ المسجدِ الأقصى
مثلَ الضربِ ، قد انقطَعَت مِن كلِّ جهةٍ لا يُمْسِكُها إِلّ الذى يُمْسِكُ السماءَ أن تَقَّعَ
على الأرضِ، فى أَعْلاها مِن جهةِ الجوفِ قَدَمُ النبيِّ بَِّ حينَ ركِب البُراقَ ، وقد
مالَت مِن تلك الجهةِ لهَئْبتِه ، ومن الجهةِ الأخرى أثَّرُ أصابع الملائكةِ التى أمسكَتْها
إذ مالَت به، ومِن تحتِها الغارُ الذى انفصَلت منه مِن كلٌّ جهةٍ ، وعليه بابٌّ ◌ُفْتَحُ
للناسِ للصلاةِ والاعتكافِ والدعاءِ، تَهَيَّتُها مَرَّةٌ أن أدخُلَ تحتَها ، لأنى كنتُ أقولُ:
أخافُ أن تَشْقُطَ علىَّ بالذنوبِ. ثم رأيتُ الظَّلَمَةَ والمُجاهرِين بالمعاصى
يدخُلونها ثم يخرجون عنها سالِمِين، فهَمَمْتُ بُدُخُولِها، ثم قلتُ: ولعلهم أُمْهِلوا
وأُعاجَلَ . فتوقّفْتُ مَرَّةً، ثم عُزِم علىَّ ، فدخلتُ فرأيتُ العَجَبَ العُجاب ، تمشى فى
حواشِيها مِن كلِّ جهةٍ ، فتراها مُنْفصِلةً عن الأرضِ، لا يَتَّصِلُ بها مِن الأرضِ شىءٌ،
وبعضُ الجهاتِ أبعدُ انفصالًا مِن بعضٍ .
وقولُ مالكِ رضِى اللهُ عنه فى هذه الآيةِ بديعٌ؛ لأنه جمع فيه بينَ الحقيقةِ
والمجازٍ. قال مالكٌ: كلُّ ما هو مُتَزَّلٌ مِن السماءِ بقولِه: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَ
بِقَدَرٍ﴾. ثم قال: وكلُّ شىءٍ بقولِه: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآمِنُهُ, وَمَا نُقَزِّلُهُ:
إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
قولُه تعالى: ﴿وَءَاوَيْنَّهُمَا إِلَى رَبْوَقٍ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
قال أشهَبُ : سمِعتُ مالكًا يقولُ: هى دمَشقُ .
قال القاضى ابنُّ العربىِّ رضِى اللهُ عنه: اختلف الناقِلون لكلامِ أهلِ الكتابِ فى
شأنٍ مريمَ ، وقد اتَّفقوا على أنها وضَعت عيسى ببيتِ المقدس ، وقالوا : إنها خرّجت
إلى العريشِ مُغَرِّبةً إلى جهةِ مصرَ. وقالت طائفةٌ : إنها خرّجت مُشَرّقةٌ إلى دمشقَ .
(١) كذا فى م، وفى د: ((منعا)).
(٢) فى م: ((المتجاهرين)).
٧٧٩

القبس وهو الصحيح الذى نُقِل بالتواترٍ، فأما وَضْعُه، فكان ببيتِ المقدس قطعًا منقولًا
بالتواترٍ، وحينَ وضَعتْه وجعَلتْه فى مَهْدِه - وهو فِراشُه الذى أنامَتْه عليه - ساخَ()
الحجرُ بجلالةٍ قَدْرِه، فتراه مُتَشَكّلًا، وموضعُه الركنُ الشرقىُّ القبلىُّ مِن المسجدِ
الأقصى ، فلما خرَجَت به تَقِيَّةً على نفسِها، أو اسْتِحياءً مِن حالِها ، كان مِن أمرِها ما
قَصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ فى كتابِهِ، قال: ﴿ وَمَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقٍ﴾. فأوَتْ إلى هذه الرَّبْوةِ
وهى فى سَفْحِ الغرابِ - جبلُ دمشقَ - الآخذِ مِن أَطْرَائِلُسٍ () الشامِ سائرًا كذلك إلى
بلادِ الرومِ إلى خُراسانَ، وهو أحدُ جبالِ الأرضِ(٢) ، فى أَعْلاه رابطةٌ على دمٍ ولدٍ
آدمَ، وقد تَشكِّلَ فى الحَجَرِ كأنه قد ذُبِح هنالكِ كَبْشٌ، فجرّى فيه فما أثّرت فيه
الليالي والأيامُ، وقد بُنِى فى المَأْوَى بأعلى الرّبْوةِ مسجدٌ ، فيه يَتعبَّدُ الخلقُ ، دخَلْنا فيه
مِرارًا، ودَعَونا الله فيها سِرًا وجِهارًا. وإنما قال مالكٌ لأشهبَ: إنها دمشقُ. ردًّا على
مَن يقولُ : إن مريمَ خرَجت مُغَرّبةٌ إلى العريشِ. وليس فى العريشِ رَبْوةٌ ولا مَأْوَى ولا
مَعِينٌ .
سورةُ ((النورِ))
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٥].
قال المصريون: سمِعنا مالكًا يقولُ: هذه الآيةُ نزَلت فى أبى بكرٍ
وعمرَ. وهى نصٌّ فى خلافةِ الخلفاءِ الأربعةِ، وقد مهَّدْناها فى كُتُبٍ
(٤)
الأصولِ(٤) .
(١) ساخ الشىء: غاص وغاب. التاج (س وخ).
(٢) فى م: ((أطراف)).
(٣) فى نسخة على حاشية د: ((الأردن)).
(٤) أحكام القرآن ١٣٨٠/٣ - ١٣٨٣.
٧٨٠