Indexed OCR Text
Pages 641-660
الموطأ أبيه، عن جدِّه، قال: دخَل رسولُ اللهِ مَّهِ على بلالٍ، فوقفَ على التمهيد الباب١ٍ) سائلٌ، فردَّه، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لو صدَق السائلُ ما أفلَح مَن رگە)) . وهذا حديثٌ منكرٌ ، لا أصلَ له فى حديثٍ مالكٍ ولا يصحُّ عنه . ومما يُشبِهُ هذا المعنى حديثٌ موضوعٌ أيضًا على(٢) مالكٍ، وضَعه محمدُ ابنُ عبدِ اللهِ - ويقالُ: ابنُ(١) عبدِ الرحمنِ - بنِ بَحيرٍ ) ، عن أبيه ، عن مالك. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ القاضِى ، حدَّثنا أبى والعُقيلىُّ، قالا: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنُ "بَحِيرِ بنِ رَيْسانَ)، (٢ حدَّثنا أبى) ، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وٍَّ قال: ((ليس المسكينُ الذى ترُدُّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان ، ولكِنَّ المسكينَ الذى لا يسألُ الناسَ ، ولا يُعْلَمُ به فیتَصَدَّقَ علیه)) . قيل : يا رسولَ اللهِ، فما هؤلاء الذين يَغْشَونَ بيوتَنا؟ قال: ((أولئك الغُناةُ)). قيل : وما الغناةُ(٢)؟ قال: ((الذين لا يتطهَّرون من جنابةٍ، ولا يتوضئُون لصلاةٍ ، ولا القبس (١ - ١) فى م: ((بالباب)). (٢) فى ص ٤: ((عن)). (٣) فى ص ٤: ((أن)). (٤) فى م: (( بجیر)). (٥ - ٥) فى ص ٤: ((بحير عن ريسان))، وفى م: ((بجير بن يسار)). (٦ - ٦) سقط من: ص ٤. (٧) فى ص ٤: ((الغنى)). ٦٤١ ( موسوعة شروح الموطأ ٤١/٢٣ ) الموطأ ١٩٤٦ - مالك، عن زيد بن أسلمَ، عن عمرو بنِ مُعاذٍ الأَشھَلىِّ الأنصارىِّ، عن جدَّتِه، أنها قالت: قال رسولُ اللهِ وَلَّه: ((يا نساءَ المؤمناتِ، لا تَحِقِرَنَّ إِحداكُنَّ لجارتِها ولو كُراعَ شاةٍ مُحْرَقًا))(١). التمهيد يرون لأحدٍ عليهم حقًّا، ويرَون حقَّهم على الناسِ واجبًا، وإذا قام الناسُ فى جُمُعَةٍ أو فِطرٍ أو أضحّى يسألُون اللهَ من فضلِه ، قاموا يسألون الناسَ مما فى أیدیھم » . ومما وُضِع أيضًا على(١) مالكٍ مما يَدخُلُ فى هذا البابِ؛ ما حدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنٍ كاملٍ، حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنٍ حسينٍ الدِّمياطُ، حدَّثنا موسى بنُ محمدِ بنِ عطاءٍ، حدّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هديَّةُ اللهِ إلى المؤمن السائلُ علی بایه»(4) . . وروَاءٍ أيضًا سعيدُ بنُ موسى، عن مالكِ، بإسنَادِهِ مثلَهُ) . وموسى بنُ محمد وسعيدُ بنُّ موسى مترو كان ، والحديثُ موضوعٌ . القبس (١) تقدم فى ٤٢٦/٢٢ - ٤٢٨ . (٢) فى ص ٤: ((عن)). (٣) فى ص ٤: (( حفين)). (٤) أخرجه أبو نعيم فى تاريخ أصبهان ٢/ ١٣٥، والقضاعى فى مسند الشهاب (١٤٩) من طريق الدمیاطی به . (٥) أخرجه الخطيب فى رواة مالك - كما فى فيض القدير ٣٥٣/٦ - وابن الجوزى فى العلل المتناهية ٢/ ١٢، ١٣ من طريق سعيد بن موسى به . ٦٤٢ الموطأ ١٩٤٧ - مالكٌ، أنه بلَغه عن عائشةَ زوج النبيِّ وَلّهِ، أَن مِسكينًا سألها وهى صائمةٌ ، وليسَ فى بيتِها إلا رغيفٌ ، فقالت لمولاةٍ لها : أُعطِيه إِيَّه . فقالت : ليس لكِ ما تُفطرِينَ عليه . فقالت : أعطِيه إيّاه . قالت : ففعَلتُ . قالت : فلمَّا أمسَينا أهدَى لنا أهلُ بيتٍ أو إنسانٌ ، ما كان يُهدِى لنا ؛ شاةً وكَفَنَها ، فدَعَتْنى عائشةُ فقالت: كُلی من هذا ، هذا خيرٌ من قُرْصِكِ . مالكٌ، أنه بلَغه عن عائشةَ زوج النبيِّ وَّلَه، أن مسكينًا سألَها وهى صائمةٌ، الاستذكار وليس فى بيتِها إلا رغيفٌ، فقالت لمَؤلاةٍ لها: أعْطِيهُ(١) إِيَّه. فقالت: ليس لكِ ما تُفْطرِينَ عليه. فقالت: أعطِيه (١) إِيَّه. قالت: ففعلتُ. قالت: فلمَّا أَمْسَيْنا أهدَى لنا أهلُ بيتٍ أو إنسانٌ، ما كان يُهدِى لنا؛ شاةٌ وَكَفَنَها (٢٢ ، فدَعَتْنى عائشةٌ فقالت : كُلِى مِن هذا، هذا خيرٌ مِن قُرْصِكٍ (٣). قال أبو عمر : هذا مِن المالِ الرابع ، والفعلِ الزاکی عندَ اللهِ ، يُعجّلُ منه ما شاءَ، ولا ينقُصُ ذلك ( مِمَّا يَدَّخِرُ عندَه)، ومَن تَرَك شيئًا للهِ لم يَجِدْ فَقْدَهُ(٥)، وعائشةُ رضِى اللهُ عنها، فى فعلِها هذا، مِن الذين أثْنَى اللهُ عليهم بأنهم يُؤْثِرون القبس (١) فى النسخ: ((أعطه)). والمثبت من الموطأ. (٢) فى ح: (( كتفها)). (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٠/١٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٠٥). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٣٤٨٢) من طريق مالك به . (٤ - ٤) فى م: ((فما يذخر عنه)). (٥) فى م: ((فقره)). ٦٤٣ الموطأ الاستذكار على أنفسِهم مع ما هم فيه مِن الخَصاصَةِ ، وأن مَن فعَل ذلك فقد وُقِى شُحَّ نفسِه وأقْلَح " فلاحًا لا خسارةً) بعدَه. وفى هذا المعنى ما حدثنا " به عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بن أسدٍ ، حدثنا محمدُ ابنُ مسرورٍ(٢) العَشَالُ بالقيروانِ(٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ معتبٍ (٥)، قال: حدثنا " الحسينُ بنُ الحسنِ المَرْوَزىُّ) ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ ، قال : حدثنا عمرُ بنُ محمدِ بنِ زیدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ اشَتَكَى، و(٨) اشتَهَى عنبًا، فاشتُرِى له عنقودٌ بدرهم، فجاء مسكينٌ فسأل(٤) ، فقال : أعْطُوه إيّاه . فخالَف إنسانٌ فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إلى ابنِ عمرَ، فجاء المسكينُ يسألُ، فقال: أعْطُوه إياه. ثم خالَف إنسانٌ فاشْتَراه بدرهم ، ثم جاء به إليه ، فأراد السائلُ أن يُرجِعَ فمُنِعٍ، ولو علِم ابنُ عمرَ أنه ذلك القبس (١ - ١) فى ح، م: ((فلا حاجة لإحسان)). (٢ - ٢) فى م: ((عبد الرحمن)). وينظر بغية الملتمس ص ٣٣١. (٣) فى م: ((مسروق)). (٤) فى م: ((قال حدثنا القيروان)). (٥) فى النسخ: ((شعيب)). والمثبت من الاستيعاب ١٠٢٨/٣، ١٠٤٢، ١١٩٠، ١٣٧٦، وترتيب المدارك ٤/ ٣٥٢. (٦ - ٦) فى ح: ((الحسن بن الحسن المروزى))، وفى م: ((الحسن بن الحسن المروذى)). وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٦١. (٧) فى ح، م: ((محمد)). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٩٩. (٨) فى ح، م: ((أو)). (٩) سقط من: ح، م. ٦٤٤ الموطأ ١٩٤٨ - مالكٌ، قال: بلَغنى أن مِسكينًا استَطعَم عائشةَ أمّ المؤمنينَ وبينَ يدَيْها عِنَبٌ ، فقالت لإنسانٍ : خُذْ حَبَّةً فأعطِهِ إِيَّها . فجعَل ينظُرُ إليها ويَعجَبُ ، فقالت عائشةُ : أتَعجَبُ ؟ كم تَرَى فى هذه الحبَّةِ من مثقالٍ ذرَّةٍ ؟ العنقودُ لَمَا ذاقَه(١) . الاستذ کار وأمّا قولُه : شاةً وكَفَتَها . فإن العربَ أو بعضَ وجوهِهم، كان هذا مِن طعامِهم؛ يأتون إلى الشاةِ أو الخروفِ ، فإذا سلَخوه غَطَّوْه كلَّه بعَجِينٍ دقيقِ البُرّ وكَفَنوه فيه، ثم عَلَّقوه فى الثُّورِ ، فلا يخرُجُ مِن وَدَ كِه شىءٌ إلا فى ذلك الكفنِ ، وذلك مِن طيِّبِ الطعامِ عندَهم . قال مالكٌ: وبلغنى أن مسكينًا اسْتَطْعَم عائشةَ أَمَّ المؤمنين وبينَ يَدَيْها عنبٌ ، فقالت لإنسانٍ: خُذْ حَبَّةٌ فأَعْطِهِ إِيَّاها(٢). فجعَل ينظُرُ إليها ويعجَبُ ، فقالت عائشةُ: أتعجبُ؟ كم تَرَى فى هذه الحبَّةِ مِن مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ؟(٢) قال أبو عمرَ : قد جاء مِثلُ هذا عن عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ ، وسعدِ بنِ أُبی وَقَّاصٍ . القبس (١) أخرجه ابن عساكر ١٤٤/٣١ من طريق الحسين المروزى به . وهو عند ابن المبارك فى الزهد (٧٨٢) - ومن طريقه أبو نعيم فى الحلية ٢٩٧/١، والطبرانى (١٣٠٦٧). (٢) فى ح، ط ١، ط: ((إياه)). (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٠/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٠٦). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٣٤٦٦) من طريق مالك به . ٦٤٥ الموطأ ذكَر حمادُ بنُ سَلَمَةً، عن ثابتٍ البُنانيّ، عن أبى مدينةً(١) الدارميّ، أن الاستذ کار سائلًا أتى عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ وبينَ يَدَيْه طبقٌ عليه عنبٌ ، فَأَعْطاه عنبةٌ ، (٢ فقيل له٢): أين تقعُ هذه منه؟ قال: فيها مَثاقِيلُ ذَرُّ كثيرٍ(٣) . وحمادُ بنُ سلمةً ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ ، عن عطاءِ بنِ فَؤُوخَ ، أن سعد بن مالك أتاه سائلٌ وبينَ يَدَيْه طبقٌ عليه تمرٌ ، فأعطاه تمرةً ، فقَبَض يدَه، فقال سعدٌ : إن اللهَ يَقبَلُ منها(٤) مِثقالَ الذَّرَّةِ والخَرْدَلَةِ ، وكم فى هذه من مَثاقِيلِ الذَّرِّ؟(٥). قال أبو عمرَ: قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ﴾ [الزلزلة: ٧]. وقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((اتَّقُوا النارَ ولو بَشِقٌّ تمرةٍ)). ومَن اعتاد الصدقةَ، تَصَدَّق مرةً بالكثيرِ ومرةً باليسيرِ، أَلَا تَرَى أن عائشةً فى الحديثِ قبلَ هذا، آثَرَتِ السائلَ بفِطْرِها كلِّه، وفى هذا الحديثِ أعْطَتْه حبَّةً عنبٍ؟ وقال رسولُ اللهِ وَ لَهَ للهُجَيْميِّ: ((لا تَحْقِرَنَّ مِن المعروفِ، شيئًا، ولو أن تُفرِغَ مِن دَلْوِك فى إناءِ المُسْتَشْقِى(٢)). وقد مضى هذا القبس (١) فى ح، م: ((أمامة))، وفى ط ١: ((عرينة))، وعند ابن أبى شيبة: ((هدينة)). وينظر الإصابة ٤/ ٦٠. (٢ - ٢) فى ح، م: ((فقال)). (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٣/٣، والبيهقى فى الشعب (٣٤٦٧)، وابن عساكر ٢٩٤/٣٥ من طريق حماد به . (٤) فى مصدر التخريج: ((منا)). (٥) أخرجه عبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ٥٩٤/١٥ - عن عطاء بن فروخ به . (٦) تقدم تخريجه فى ٣٢٣/٢٢. (٧) فى ح، ط: ((المستقى)). = ٦٤٦ ما جاء فى التعفُّفِ عن المسألةٍ الموطأ المعنى بأوْضَحَ مِن هذا فيما تقدَّم مِن هذا الكتابِ . الاستذ کار التمهيد القبس بابُ التعقُّفِ عن المسألةِ المسألةُ مُحُكْمٌ، عِلَّه(١) الحاجةُ، " فهى مُترتّبةٌ عليها، فإن كانت الحاجةُ ) ضرورةً دنيويةٌ أو دينيةً ، كانت المسألةُ واجبةٌ عندَ الفقهاءِ، وعليه تَدُلُّ قصةُ الخَضِرِ وموسى بَّهِ، حينَ استطعَما أهلَ القريةِ عندَ الحاجةِ، وقصةُ أبى الهيثم بنِ التَّيِّهانِ ، وقد تقدَّم ذلك كلُّهُ(١) ، وإن كانت الحاجةُ فيها مَشَقَّةٌ ، كان السؤالُ مندوبًا إليه ، إذ يجوزُ له احتمالُ المشقّةِ ، وإن كانت الحاجةُ لشهوةٍ كانت مكروهةً؛ لأن اتِّباعَ الشهواتِ مكروة شرعًا ، وكسرَ النفسِ بتركِ الشهوةِ مندوبٌ إليه، وإن كان ذلك نادرًا كان السؤالُ مُباحًا . وقال شيوخُ الزهدِ : السؤالُ حرامٌ إلا عندَ الضرورةِ، فإنه مباحٍ، والأفضلُ له الاستسلامُ لأمرِ اللهِ. وهذا الذى قالوه إنما ينبنى على أصلهم فى التفويضٍ والتوكّلٍ ، فإذا انتقَل الإنسانُ مِن مقاماتِ السلوكِ إلى مُسْتَقَرّ التوكلٍ والتفويضِ، حينئذٍ يترتَّبُ عليه هذا الحُكْمُ، ومَن أراد أن يفعَلَه قبلَ أن يحصُلَ فى ذلك المقامٍ، فهو بمنزلةٍ مَن أراد أن يصلِّىَ قبلَ أن يتوضَّأَ، وهذه المسألةُ بابُها أحكامُ = والحديث أخرجه أحمد ٣٤/ ٢٣٤، ٢٣٦ - ٢٣٩ (٢٠٦٣٢ - ٢٠٦٣٦)، والبخارى فى تاريخه ٢/ ٢٠٥، ٢٠٦، والنسائى فى الكبرى (٩٦٩١ - ٩٦٩٩). (١) فى د، ج: ((عليه)). (٢ - ٢) ليس فى : د . (٣) تقدم فى ٤٤٠/٢٢ - ٤٤٢ . ٦٤٧ الموطأ التمهيد القبس الزكاةٍ ، ولكنها ذكّرها الإمامُ فى الجامع؛ لأنها مقام فى مقاماتِ الأولياءِ، ومنزلةٌ عظيمةٌ مِن آدابِ الشرع، فأدخَلها مع أخواتِها ، وذكر فيه حديثَ سؤالِ الأنصارِ لرسولِ اللهِ وَّه"، ويحتمِلُ أن يكونَ الأنصارُ سألوا رسولَ اللهِ الَ ◌ّله فيما يَحْتاجون إليه، ويحتمِلُ أن يكونَ سألوه ما يَشتغنون عنه لكن بوجهٍ مِن الحاجةِ يَحْسُنُ موقعُه؛ كسؤالِ الرجلِ له الخُلَّةَ التى يرَاها عليه وهو مُشْتَغْنٍ عنها لتكونَ كَفَنَهَ(٢). والاحتمالُ الثانى أغلبُ؛ لقولِهِ وَلِّ بعدَما نفِد ما عندَه: ((ومَن يَشْتعفِفْ يُعِفَّه اللهُ)). والعَفَافُ هو الكَفُّ عما يَعْرِضُ مِن الأملِ ؛ تعلَّق بدينٍ أو بدنٍ أو أملٍ، وكذلك قال: ((مَن يَشْتغْنِ)). يريد: بعِزِّ الطاعةِ وحريةِ النفسِ؛ لقولِه وَّ: ((ليس الغِنى عن كثرةِ العَرَضِ، ولكنَّ الغِنى غِنى النفسِ))(٢). وقولُه ◌َليهِ: ((مَن تصبَّر يُصبِّرْه اللهُ)). إشارةٌ إلى مَن غلبته الحاجةُ، () فَلْيَتكلَّفْ ولْيتعاطَ) أمثالَها من الصَّبِرِ، هذا فى الانتفاعِ، ومثلُه فى الاستدفاعِ فى مكروهٍ يَغْرِضُ، أو بلاءٍ ينزِلُ ، فَلْيتصبّوْ له ولْيُعْطَه مِن الصبرِ، والأصلُ فى التعقُّفِ عن الانتفاعِ كثيرٌ، مِن فنونِه ما رُوى عن عيسى عليه السلامُ، أنه اضطجع ووضَع تحتَ رأسِه حَجَرًا يرفَعُه عن الأرضِ ليعتدِلَ له به وَزْنُ الضَّجْعةِ ، فمرّ به إبليسُ، قال له : يا عيسى، أنت تزعُمُ أنك تتؤُكُ الدنيا، فما بالك استعنتَ بالحجرِ؟ فرمَى به إليه، وقال : خُذْه إليك. ووضَع رأسَه على الأرضِ. (١) سيأتى فى الموطأ (١٩٤٩). (٢) أحمد ٤٨١/٣٧ (٢٢٨٢٥)، والبخارى (١٢٧٧، ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦) من حديث سهل بن سعد . (٣) البخارى (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١) من حديث أبى هريرة . (٤ - ٤) فى د: ((وليتغلظ)). ٦٤٨ الموطأ التمهيد والأصلُ فى الاستدفاع فنونٌ كثيرةٌ، أعظمُها حالُ أيوبَ؛ فإنه نزَل به البلاءُ، القبس فيُروى أنه ما سألَ ربَّه قطُّ كشفَه لحظةً فى زمنٍ بلائِه، اللهمَّ إلا أنه لمَّا اشتدَّ به الكَوْبُ قال: ﴿مَسَِّىَ الُُّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وما سألَ الكشفَ . ويقولُ أهلُ التفسيرِ : إنه ما قال هذه الكلمةَ مع لينِها إلا حينَ مَسَّت الدُّودُ قلبَه، فلما شغَله ذلك عن ذكرِ اللهِ فى قوله: ﴿مَسَّفِىَ الضُّرُّ﴾. (يريدُ: فى" دِينى، وأما بَدَنُه فما سألَ قَطُّ عنه، ثم قال: ((وما أُعطِى أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسعُ مِن الصبرِ)) . وفى بعضِ الأخبارِ: الصبرُ نصفُ الإِيمانِ(١) . وأنا أقولُ: إنه الإيمانُ کلُّه . قال علماؤُنا رحِمهم اللهُ: إنما قال: الصبرُ نصفُ الإيمانِ. لأن الشريعةً قِسْمان؛ مأمورٌ ومنهِىٌّ، والنهىُ يقتضِى تركَ الشهوة ، ولا يُستطائُ ذلك إلا بالصبرِ وإيثارِ التَّعَبِ على الراحةِ . أمَّ المَنْهِيَّاتُ أسهلُ فى الكَفِّ مِن المأموراتِ فى الفعلِ عادةً؛ ولذلك قال النبيُّ وَلِّ: ((إذا أمَرتُّكم بأمرٍ فَأَتُّوا به ما استطعتُم، وإذا ) نهَيتُكم عن شىءٍ ) فاجْتَنِبوه))(٥). وهذا يَدُلُّ على ما أَخبرناه(٦)؛ مِن أن بابَ المأموراتِ يحتاجُ إلى الصبرِ، ولذلك شُرِط فيه الاستطاعةُ، وشُرِط تركُ النَّهي مطلقًا . (١ - ١) فى د: ((يهدنى)). (٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٤٨، ٩٧١٧)، والطبرانى (٨٥٤٤) موقوفا على ابن مسعود، وأخرجه البيهقى (٩٧١٦) مرفوعًا، وقال : والمحفوظ عن ابن مسعود من قوله . وينظر السلسلة الضعيفة (٤٩٩). (٣) فى ج، م:((ما)). (٤) فى د: (( أمر)). (٥) تقدم تخريجه فى ٢٢٨/١٣. (٦) فى ج، م: ((اخترناه)). ٦٤٩ الموطأ التمهيد القبس وأما اليدُ العُلْيا واليدُ السُّفْلى، فقد تكلِّمْنا عليها فى أبوابِ الزكاةِ، وبينَّا اختلافَ العلماءِ فى أن اليدَ العُلْيا يدُ السائلِ أم يدُ المُعْطِى؟(١). فعند الفقراءِ أن اليدَ العُلْيا هى يدُ السائلِ ؛ بحجّتَين فى ذلك؛ أن يدَ السائلِ نائبةٌ عن يدِ اللهِ تعالى، لأجلِ قولِهِ وَلّ: ((إنما تقَعُ فى كَفِّ الرحمنِ قبلَ أَن تقَعَ فى كَفِّ السائلِ)) (٢) . وقولُه فى الحديثِ: العُلْيا هى المُنفِقَةُ، واليدُ الشّفْلى هى السائلةُ(). مِن قولِ الراوى وتأويله، لا مِن قولِ النبيِّ ◌َّلاه وتنزِيلِه، قال الفقراءُ: فيدُ المُعْطِى هى العُلْيا صورةٌ، ويدُ السائلِ هى العُلْيَا(٥) معنًى. والمعانى هى التى تُعتَبرُ ليست الصُّوَرُ. والبابُ عظيمُ القَدْرِ، فَلْيُطْلَبْ فى مكانه، وله أمثلةٌ . وأما مسألةُ عمر وحکیم ؛ فكان حکیم یری أن غيره بالعطاءِ آثر منه لاسْتِغنائه هو عنه، و کان عمر ◌ُشهِدُ علیه أنه قد اوصل إليه حقّه(١) ، وتری عمر أن ما جرى له مع النبيِّ وَ لَّ أَصِلٌ فيما بينَه وبينَ حكيم، وقد بيَّن النبيُّ وَّل أن ما كان عن غيرِ مسألةٍ فهو رزقٌ رَزَقه اللهُ(١)، يريدُ: مِن غيرٍ تَعَبٍ ولا مَهانةٍ ، فإن التَّعَبَ كُلْفةٌ ، والسؤالَ ذِلَّةٌ، ولذلك أشار النبىُ وَّلَهَ على الفقراءِ بالعِزَّةِ، فقال: ((لأُنْ يأخُذَ أحدُكم حَبْلَه (١) ينظر ما تقدم فى ٢٢٤/٨. (٢) فى النسخ: ((الفقهاء)). والمثبت يقتضيه السياق. والمقصود بالفقراء هنا الصوفية. ينظر الرسالة القشيرية ٥٣٧/٢ . (٣) تقدم تخريجه ص ٦١٠، ٦١١. (٤) سيأتى فى الموطأ (١٩٥٠). (٥) فى د: ((السفلى)). (٦) البخارى (١٤٧٢، ٣١٤٣). (٧) سيأتى فى الموطأ (١٩٥١). ٦٥٠ الموطأ التمھید القبس فِيَخْتطِبَ، خيرٌ له مِن أن يسألَ))(١). وأما كيفيةُ السؤالِ المُترتّبةُ على مَن عندَه مالٌ ، فهى مسألةٌ فقهيةٌ، الصحيحُ فيها أنها تجوزُ لكلِّ أحدٍ وبكلِّ حالٍ ، إذا بيَّن سؤالَه، كما بيَّنَّه . نُكْتةٌ: ذكَر مالكٌ رضِى اللهُ عنه أنه بلَغه قولُ رسولِ اللهِ وَّةِ: ((لا تَحِلُّ الصدقةُ لآلٍ محمدٍ، إنما هى أوساُ الناسِ))(٢). والحديثُ صحيحٌ، ضرَب النبيُّ وَلَّهِالمَثَلَ بقوله: ((أرأيتَ لو أن رجلًا بادِنًا(٣) فى يومٍ حارٌّ؟)) (٤) الحديث. وقد اختلف الناسُ فى العِلَّةِ فى تحريم الصدقةٍ على محمدٍ وَلَّهِ وَآلِه؛ فقالت طائفةٌ : إنما حَرُمَت عليهم لنَفْي التُّهْمةِ عنهم ؛ لئلا يقولَ الناسُ : طلَب لنفسِه أو جلَب ◌َلَيًا له شَطْرُه. ومنهم مَن قال: لأنها أوساخُ الناسِ، فَرُمَت عليهم تَنْزِيهًا لهم. وليس يمتنعُ أن تجتمعَ العِلَّتانِ؛ لأنهما لا يتناقضانٍ؛ فأما تحريمُها على الناسِ ، فهو بابٌ مِن الفقهِ، عيَّنها اللهُ تعالى للثمانيةِ أصنافٍ ، وحرَّمها على الصنفِ الواحدِ وهم الأغنياءُ، وأحلَّها لهم على خمسةٍ أحوالٍ ، على ما جاء فى الحديثِ : ((لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنىٌّ إلا لخمسةٍ)) الحديثَ. - (١) سيأتى فى الموطأ (١٩٥٢). (٢) سيأتى فى الموطأ (١٩٥٥). (٣) فى د: ((جاذيا))، وفى م: ((باديا)). والبادن: الضخم. النهاية ١٠٧/١. قال الزرقانى : وفى نسخة بالتحتية ، أى من أهل البادية ، والغالب عليهم عدم النظافة . شرح الزرقانى ٤/ ٥٥٢. (٤) سيأتى فى الموطأ (١٩٥٧) من قول عبد الله بن الأرقم . (٥) تقدم فى الموطأ (٦٠٨). ٦٥١ الموطأ ١٩٤٩ - مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ الليثىِّ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أن ناسًا من الأنصارِ سألوا رسولَ اللهِ وَّه فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفِد ما عندَه، ثم قال: (( ما يكونُ عندى من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومَن يَستعفِفْ يُعِفَّ اللهُ، ومَن يَستَغنِ يُغْنِه اللهُ، ومَن يَتصبَّرْ يُصبِّرْه اللهُ، وما أعطِىَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسعُ من الصبرِ)) . التمهيد مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عطاءٍ بنٍ يزيدَ اللَّشِئِّ(١)، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ، أنَّ ناسًا من الأنصارِ سألوا رسولَ اللهِ بَلَهِ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نَفِدَ ما عنده قال: (( ما يكونُ عندى من خيرٍ فلن أَدَّخِرَه عنكم، ومن يستعفِفْ يُعِفَّه اللهُ، ومن يستغنٍ يغيِهِ اللهُ، ومن تَصَبَّر يُصِّرُه اللهُ، وما أُعطِىَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصَّبِ))(١). القبس (١) قال أبو عمر: ((وعطاء بن يزيد هذا قيل: إنه مولى بنى ليث - فى نسخة: أمية - وقيل: إنه من أنفسهم، ويكنى أبا محمد، وقيل: أبا يزيد. قال الواقدى: توفى عطاء بن يزيد سنة سبع ومائة ، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان من ساكنى المدينة، وبها كانت وفاته؛ وقد روى عنه أهل المدينة وأهل الشام؛ لأنه دخلها، يروى عن أبى أيوب الأنصارى، وأبى هريرة، وأبى سعيد الخدرى، وهو من ثقات التابعين)). تهذيب الكمال ١٢٣/٢٠. (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٩٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٢٠/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٠٧). وأخرجه أحمد ٣٨٨/١٨ (١١٨٩١)، ومسلم (١٠٥٣)، وأبو داود (١٦٤٤)، والترمذى (٢٠٢٤)، والنسائى (٢٥٨٧) من طريق مالك به. ٦٥٢ . الموطأ هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطَُّ)) ، لم يُختَلَفْ فى شىءٍ منه فيما علِمتُ . التمهيد حدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا عمرُ(١) بنُ محمدِ بنِ القاسمِ، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ كاملٍ، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِشْوَرِ ، قالوا : حدّثنا بکرُ بنُ سهلٍ ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ ، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن عطاءِ بنِ یزیدَ اللَّيثى، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أنَّ ناسًا(٢) (٣ من الأنصار٣ٍ) سألُوا رسولَ اللهِ وَل فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم ، ثم سأَلُّوه فأعْطَاهم، حتى (إذا نفِدٌ) ما عنده قال: ((ما يكونُ عندى من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم ، ومن يستعفِفْ یُعِفَّ اللهُ ، ومن تَصَّ(٥) يُصبِّره اللهُ، وما أُعطِىَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسعُ من الصَّبِ)) (١). وأما قولُه: ((فلن أُدَّخِرَه عنكم )). فإنَّه يريدُ: لن أستُرَه عنكم وأمنَعَكمُوه، وأنفرد به دونکم، ونحو هذا . وفى هذا الحديثِ ما كان عليه رسولُ اللهِ وَلِّ مِنِ السَّخاءِ والكرم، هذا إن كان عطاؤُه ذلك من سهم ما(٧) أفاءَ اللهُ عليه، وإن(٢) يكنْ مِن مالِ اللهِ، القبس (١) فى ر: ((عمرو)). (٢) فى م: ((أناسا)). (٣ - ٣) سقط من: ر، ى. (٤ - ٤) فى ر، ى: ((أنفد)). (٥) فى ر، م: ((يصبر). (٦) أخرجه البخارى (١٤٦٩) عن عبد الله بن يوسف به . (٧) فى ى، م: ((وما)). (٨) بعده فى ر: ((لم)). ٦٥٣ الموطأ ١٩٥٠ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ مَ له قال وهو على المنبرِ، وهو يذكُرُ الصدقةَ والتعفُّفَ عن المسألةِ: ((اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفْلَى، واليدُ العُليا هى المُنفقةُ، والسُّفلَى السائلةُ )) . : التمهيد فحَسبُك وما كانُ(١) عليه وَّلَهِ من إنفاذِ أَمْرٍ (١) اللهِ، وإيثارِ طاعتِه، وقسمتِهُ". مالَ اللهِ بين عبادِه، وقد فاز مَن اقتدى به فوزًا عظيمًا، وَخِيهِ . وفيه إعطاءُ السائلِ مرتينٍ. وفيه الاعتذارُ إلى السائلِ. وفيه الحضُّ على التعقّفِ، والاستغناءِ باللهِ عن عبادِه، والتصبرٍ، وأنَّ ذلك أفضلُ ما أُعطِيَه الإنسانُ. وفى هذا كلِّه نهىٌّ عن السؤالِ، وأمرٌ بالقناعةِ والتَّصُرِ(٤) ، وقد مضى القولُ فى السؤالِ ، وما يجوزُ °منه وما لا يجوزُ)، ولمن يجوزُ، ومتى يجوزُ، فيما سلَف من كتابِنا هذا . والحمدُ للهِ . مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ نَّه قال وهو على المِنْتَرِ، وهو يذكُرُ الصدقةَ والتَّعَفُّفَ عن المسألةِ: (( اليدُ انمليًا خيرٌ مِن اليد القبس (١) سقط من: ى، م. (٢) فى ر: ((مال)). (٣) فى م: ((قسمة)). (٤) فى م: ((الصبر)). (٥ - ٥) سقط من: ر. (٦) سيأتى ص ٦٨٥ - ٧١٢ . ٦٥٤ الموطأ التمهيد الشُّفَلَى، واليَدُ العُليا هى المنفقَةُ، والسُّفْلَى السائِلَةُ))(١). لا خِلافَ عَلِمْتُه فى إسنادٍ هذا الحديث ولفظه، واختلف فيه على أيوبَ ، عن نافعٍ، فَرَوَاه حمَّادُ بنُ زيدٍ، وعبدُ الوَارِثِ (١) ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، فقال فيه: ((اليَدُ العُلْيَا المتَعَفِّفَةُ » . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكر بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ ، قال: حدّثنا حمَّادُ بنُ زیدٍ ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ فِيهِ: ((اليَدُ العُلْيا خيرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى، اليَدُ العُليَا المَتَعَفِّفَةُ، واليدُ السُّفْلَى السائِلَةُ))(٣). قال أبو عمرَ: رِوَايةُ مالكِ فى قولِه: ((اليدُ العُليا المنفقةُ)). أَوْلَى وَأَشبَهُ بالأُصولِ مِن قولٍ مَن قال: ((المتَعَفِّفَةُ)). بدَلِيلٍ حديثٍ طارقٍ المحَارِيئِ ، قال: قَدِمْنَا المدِينَةَ، فإذا رسولُ اللهِ وَلَهِ قائِمْ على المِنبَرِ يخطُبُ الناسَ ويقولُ: ((يَدُ المُعْطِى العُلْيَا، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ؛ أُمَّكَ، وأباك، وأُخْتَكَ، وأَخَاكَ، ثم أَذْنَاكَ أَدْنَاكَ » . ذكَرَه النَّسَوِىُّ(٤) ، عن يُوسُفَ بنِ عيسى ، عن الفَضْلِ بنِ موسى، عن يَزِيدَ القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٠/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٠٨). وأخرجه البخارى (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨)، والنسائى (٢٥٣٢) من طريق مالك به. (٢) ذكره أبو داود عقب الحديث (١٦٤٨)، والبيهقى ١٩٧/٤ عن عبد الوارث به . (٣) مسدد فى مسنده - كما فى فتح البارى ٢٩٧/٣. وأخرجه يوسف بن يعقوب القاضى فى كتاب الزكاة - كما فى فتح البارى ٢٩٧/٣ - من طريق حماد به . (٤) النسائى (٢٥٣١). ٦٥٥ الموطأ التمهيد ابنِ زِيَادٍ بنٍ أُبى الجَعْدِ ، عن جامِعِ بنِ شَدَّادٍ ، عن طارِقِ المحَارِبِىِّ . وفى قوله : ((المنْفِقَةُ)). آدابٌ، وفُرُوضٌ، وسننٌ، فمِن الإنفاقِ فَرْضًا؛ الزَّكَواتُ، والكَفَّارَاتُ ، ونفَقَةُ الْبَنِينَ والآباءِ والزَّوْجاتِ ، وما كان مثلَ ذلك مِن النَّفَقاتِ ، ومِن الإنفاقِ سُنَّةً؛ الأضَاحِى، وزكاةُ الفِطْرِ عندَ مَن رَّآها سُنَّةٌ لا فَرْضًا ، وغير ذلك كثيرٌ، والتَّطَوَّعُ كلَّه أدَبٌ وسُنَّةٌ مَنْذُوبٌ إليها ، قال رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((كلُّ مَعْرُوفٍ صدقةٌ))(١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، حدَّثنا أشعثُ، عن أبيه، عن رجلٍ مِن بَنِى يَرْبُوعِ، قال: بَتِنا رسولُ اللهِ وَلَّهِ يخطُبُ الناسَ، فسَمِعتُه(١) يقولُ: ((يَدُ المُعْطِى العُليَا؛ أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وأُختَكَ وَأَحَاكَ، وأَدْنَاكَ أَدْنَاكَ )»(٣) . ومثلُه حديثُ عَطِيئَّةَ السَّعْدِىِّ. ذَكَرَه عبدُ الرَّزَّاقِ (٤) ، عن معمرٍ، عن سِمَاكٍ ابنِ الفَضْلِ ، عن عُروةً بنِ محمدِ بنِ عَطِيئَّةَ السَّعْدِىِّ، عن أبيه ، عن جَدِّه، قال : قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((اليَدُ العُلْيَا المَعْطِيَةُ)). القبس (١) تقدم فى ١٢٤/٢٢. (٢) فى م: (فسمعه)). (٣) أخرجه هناد فى الزهد (٩٦٢) عن أبى الأحوص به، وأخرجه أحمد ١٥٩/٢٧، ٢٥٢/٣٨ (١٦٦١٣، ٢٣٢٠٢)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٨٦٣، ٢٩١٥) من طريق أشعث به. (٤) عبد الرزاق (١٦٤٠٦). ٦٥٦ ٠ الموطأ ومِثْلُه حديثُ أبى الأحوصِ، عن أبيه مالكِ بنِ نَضْلَةَ ، قال : قال رسولُ اللهِ التمهيد نَطِّ: ((الأَيْدِى ثلاثةٌ؛ فِيَدُ اللهِ العُلْيا، ويَدُ المعْطِى التى تَلِيها، ويَدُ السائِلِ السُّفْلَى، أعْطِ الفَضْلَ، وَلا تَعْجِزْ عن نَفسِك)). ذكره أبو داودَ (١)، عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عَبِيدَةُ بنُ محُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا أبو الزَّعْراءِ، عن أبى الأحوصِ . وهذه الآثارُ كلُّها تَدُلُّ على صِحَةٍ ما نَقَل مالكٌ مِن قولِه: ((واليدُ العُليا المنفقَةُ ))(٢). لأنَّ العُلُوَّ فى الإعطاءِ لا فى التَّعَفُّفِ، وقد بان فى هذه الآثارِ ما ذكَوْنا . وباللَّهِ التوفيقُ . حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، حدَّثنا علُّ بنُ محمدِ بنِ مسرورٍ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمانَ ، حدَّثنا سُحْنُونُ بنُ سعیدٍ ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبَرَنى حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحِ وابنُ لَهِيعَةً، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ ، قال : سمِعتُ القَعْقَاعَ بنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ عبد العزيزِ بنَ مَرْوَانَ كتَبَ إليه : أن ازْفَعْ إِلىَّ حاجَتَكَ. فكتَبَ إليه عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يقولُ: إِنِّى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((اليدُ العُلْيا خيرٌ مِن اليدِ السَّفْلَى، وابدَأْ بمَن تعُولُ)). وإِنِّى لا أُحسَبُ اليَّدَ العُليا إِلَّ المعطِيَةَ، ولا السُّفْلَى إِلَّ السَّائلَةَ، وإِنِّى غيرُ سَائِلِكَ شيئًا، ولا رَادِّ رِزِقًا ساقَه اللَّهُ إلىّ منك، والسلامُ(٣). القبس (١) أبو داود (١٦٤٩). (٢) بعده فى م: ((ولم يقل المتعففة)). (٣) أخرجه أحمد ٥٠/٨ (٤٤٧٤)، وأبو يعلى (٥٧٣٠)، والبيهقى فى الشعب (٣٥٤٩)، = ٦٥٧ ( موسوعة شروح الموطأ ٤٢/٢٣ ) .' الموطأ وقد روَى عن النبيِّ وَلَه: ((اليدُ العُليا خيرٌ مِن اليَدِ الشَّفْلَى)). جماعةٌ مِن التمهيد أصحابِهِ؛ منهم حَكِيمُ بنُ حِزَامِ(١)، وأبو هريرةً(٢)، وهى آثارٌ صِحَاحٌ كلُّها . وفى هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ إباحَةُ الكلام للخطِيبِ بكلِّ ما يَصلُحُ مِمَّا يكونُ مَوْعِظَةً ، أو عِلْمًا، أو قُرْبَةً إلى اللهِ عزَّ وجلّ. وفيه الحضُّ على الاكتسابِ والإنفاقِ ، ومعلومٌ أنَّ الإنفاقَ لا يكونُ إلا مع الاكتِسَابِ، وهذا كلُّه مقيَّدٌ بقولِهِ نَّهِ: ((أجمِلوا فى الطَّلَبِ، خُذُوا ما حَلَّ، ودُو(٢) ما حرمَ ))() ... وفيه ذَُّّ المسألَةِ وعَيْثُها، ويقتَضِى ذلكَ حمدَ اليأسِ وذَمَّ الطَّمَع فيما فى أیدِی الناسِ . ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ ، عن جعفرِ بنِ سُليمانَ، عن حميدِ الأعرج، عن عكرمةَ ابنِ خالدٍ ، أنَّ سعدًا قال لابنِهِ حينَ حَضَرَه الموتُ: يا بُنَىَّ، إِنَّكَ لن تَلْقَى أحدًا هو لك أنصحُ مِنِّى؛ إذا أرَدْتَ أن تُصَلِّىَ، فأحسِنْ وُضوءَكَ، ثم صَلِّ صَلَاةً لا تَرَى أَنَّكَ تُصَلِّى بعدَها (٥)، وإِيَّكَ والطَّمَعَ؛ فَإِنَّه فَقْرٌ حاضِرٌ، وعليك باليأسِ ؛ القبس = وابن عساكر ٣٥٥/٣٦ من طريق ابن عجلان به . (١) أخرجه أحمد ٣٣/٢٤ (١٥٣١٧)، والبخارى (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤). (٢) تقدم تخريجه ص ٣٢٧. (٣) فى ن: ((اتركوا)). (٤) تقدم تخريجه فى ٦٦٤/٢١ . (٥) فى ن: ((غيرها)). ٦٥٨ الموطأ التمهيد فإِنَّه الغِنَى، وإِيَّاكَ وما يُعْتَذَرُ منه مِن العملِ والقولِ، ثم اعمَلْ ما بَدَا لك(١). ورَوَى العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: (( لا يَفْتَحُ إنسانٌ على نفسِه بابَ مسألةٍ إلَّا فَتَح اللهُ عليه بابَ فقرٍ ، ولأُنْ يأخُذَ الرجلُ حَبْلًا فيَعْمِدَ إلى الجبَلِ فِيَخْتَطِبَ على ظَهْرِهِ ویأكُلَ منه ، خيرٌ له مِن أن يسألَ الناسَ مُعْطَّى أو مَمنُوعًا ))(١). وقد رُوِى مَعنى قولٍ سعدِ المذكورِ فى هذا البابِ مرفوعًا عن النبيِّ وَّرِ، حدَّثناه سلمةُ بنُ سعيدِ بنِ سَلَمَةَ بنِ حَفْصٍ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عمرَ بنِ أحمدَ ابنِ مَهْدِىِّ البغدادىُّ المعروفُ بالدَّارِقُطنىّ الحافظُ، إملاءً بمصرَ سنةً سِتِّ وخمسينَ وثَلاثِمائةٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البَغَوِىُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ راشدِ بنِ عبدِ ربِّه الواسطىُّ، قال: حدَّثنى أبى راشدُ بنُ عبدٍ ربِّه، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّلَه فقال: يا رسولَ اللهِ، حدِّثْنى حديثًا واجعَلْهُ مُذَكَّرَالى. قال: ((صَلِّ صلاةَ مُؤَدِّع كأَنَّكَ تَرَاه ، فإن لم تكنْ تَرَاه فإِنَّه يَرَاك، وعليك باليأسِ ممَّا فى أيدِى الناسِ تَعِشْ غَنِيًّا ، وإِيَّاك وما يُعْتَذَرُ منه))(٣). القبس (١) أخرجه أحمد فى الزهد ص ١٨٢ عن عبد الرزاق به . (٢) أخرجه أحمد ٢٤٦/١٥ (٩٤٢١)، وأبو يعلى (٦٦٩١)، وابن حبان (٣٣٨٧)، والقضاعى فى مسند الشهاب (٨٢١، ٨٢٢) من طريق العلاء به . (٣) أخرجه القضاعى فى مسند الشهاب (٩٥٢)، والبيهقى فى الزهد (٥٢٨) من طريق الحسن = ٦٥٩ الموطأ ١٩٥١ - مالك، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِ أَرْسلَ إلى عمرَ بنِ الخطّابِ بعطاءٍ، فردَّه عمرُ ، فقال له وَهُ : ((لِمَ رَدَدْتَه؟)). فقال: يا رسولَ اللهِ ، أليسَ أخبَرتَنا رسولُ اللهِ أن خيرًا لأحدِنا ألَّ يأخُذَ من أحدٍ شيئًا؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنما ذلك عن المسألةِ ، فأما ما كان عن غيرِ مسألةٍ ، فإنما هو رزقٌ يرزُقُكَه اللهُ)). فقال عمرُ بنُّ الخطّابِ: أمَا والذى نفْسي بيدِه، لا أسألُ أحدًا شيئًا، ولا يأتينى شىءٌ عن غيرِ مسألةٍ إِلا أخَذتُه . التمهيد وقد مَضَی فیما یجوزُ مِن السُّؤَالِ ، ومَن يجوزُ له، ما فيه كفايةٌ ، فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (١) ، وسيَأْتِى تمالمُ هذا البابِ بما فيه مِن الآثارِ ، فى بابٍ أبى الزِّنَادِ(١) ، إن شاء اللهُ. مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه أَرسَل إلى عمرَ بنِ الخطابِ بعطاءٍ، فَرَدَّه عمرُ، فقال له رسولُ اللهِ وَلَ: ((لِمَ رَدَدْتَه؟)). فقال: يا رسولَ اللهِ ، أليس أخبَرتَنا أنَّ خيرًا لأُحَدِنا ألَّ يأخُذَ مِن أحَدٍ شيئًا؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إنَّما ذلك عن المسألةِ، فأمّا ما كان من غيرِ مسألةٍ ، فإنَّما هو رزقٌ يَرْزُقُكَه اللهُ)). فقال عمرُ بنُ الخطابِ: أمَا والذى نَفْسِى بيدِه، لا أسألُ أحدًا شيئًا ، ولا يأتينى شىءٌ مِن غيرِ مسألةٍ إلَّا أَخَذْتُه(٣). القبس = ابن راشد به، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٤٤٢٧) من طريق راشد بن عبد ربه به. (١) سيأتى ص ٦٦١ - ٦٧٠ . (٢) سيأتى ص ٦٧١ - ٦٨١ . (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٠/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٠٩). ٦٦٠