Indexed OCR Text
Pages 621-640
الموطأ
" هذا الحديثِ، أنَّ رسولَ اللهِ وََِّ كان يأتِى بَيْرَحَاءَ ويَشرَبُ من ماءٍ فيها التمهيد
طيِّبٍ . فوصَفه بالطِّبِ .
وفيه استعمالُ ظاهرِ الخِطابِ وعُمومِه، وأنَّ الصحابةَ رضِى اللهُ عنهم لم
يَفْهَموا من فحوَى الخطابِ غيرَ ذلك، ألا ترَى أَنَّ أبا طلحةَ حينَ سمِع: ﴿لَن
ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾. لم يَحْتَجْ أن يقِفَ حتى يَرِدَ عليه البيانُ عن
الشىءِ الذى يريدُ اللهُ أَن يُنفِقَ منه عبادُه بآيةٍ أُخرَى، أو سُنَّةٍ مُبيّةٍ لذلك، فإنَّهم
يُحُّون أشياءَ كثيرةً . وفی بدارٍ أبی طلحةً إلى استعمال ما وقع عليه معنَی ◌ُبُّه فى
الإنفاقِ منه ، دليلٌ على استعمالِهِ معنَى العمومِ، وما احتمَل الاسمُ الظاهرُ منه،
فى أقلِّ ذلك أو أكثرِه . وفى هذا ردِّ على مَن أتى من استعمالِ العمومِ لاحتمالِه
التَّخصيصَ، وهذا أصلٌ من أُصولِ الفِقهِ كبيرٌ، خالفَ فيه أهلُ الكوفةِ أَهلَ
الحجازِ، وهو مذكورٌ فى كُتبٍ(٢) الأصولِ بحُجَجِه ووجوهِه، والحمدُ للهِ .
والاستدلالُ على ذلك بأنَّ أبا طلحةَ بَدَر ممَّا يُحِبُّ إلى حائطِه، فأَنفَقه وجعَله
صدقةً للهِ - استدلالٌ صحيحٌ، وكذلك فعَل زيدُ بنُ حارثةَ ؛ بدَرَ ممَّا یحبُّ إلى
فرسٍ له، فجعلها صدقةً ؛ لأنَّ ذلك كلَّه داخلٌ تحت عُمومِ الآيةِ .
ذكَر أسدُ بنُ موسى ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينةً ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
المنكدرِ، قال: لما نزَلتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ . قال زيدُ
القبس
= قال قتيبة: عين بينها وبين المدينة يومان. وينظر معجم ما استعجم ٣/ ٧٤٢.
(١ - ١) سقط من : ق .
(٢) فى ق: (( كتاب)).
٦٢١
٠
الموطأ
التمهيد ابنُّ حارثةَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تعلَمُ أَنَّه ليس لى مالٌ أُحبَّ إلىّ من فرسِى هذا. وكان له
فرِسٌ يُقالُ له : سَبَلٌ. فجاءَ به إلى النبيِّ وَِّ فقال: هذا فى سبيلِ اللهِ . فقال
لأَسامةَ بنِ زيدٍ: ((اقْبِضْه)). فكأنَّ زيدًا وجَد من ذلك فى نفسِه ، فقال رسولُ اللهِ
وَ لّ: ((إنَّ الله قد قَبِلها منك))(١).
ورَواه حمَّادُ بنُّ زيدٍ ، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابنِ المنكدرِ مثلَه(٢) .
وذكَر الحسنُ بنُ علىّ الحُلْوانىُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُّ منصورِ بنِ
حيَّانَ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ محمدٍ ، عن أبيه ، قال: دخَل عبدُ اللهِ بنُ عمرَ
على صفيَّةً بنتٍ أبى عُبيدٍ ، فقال لها : أشعَرْتٍ أَنِّى أَعطِيتُ بنافع ألف دينارٍ ؛
و
أعطانى به عبدُ اللهِ بنُّ جعفرٍ. قالت: فما تَنتظِرُ أن تبيعَ ؟ قال: فهلًا خيرٌ من
ذلك؟ قالت: وما هو ؟ قال: هو حُرِّ لوجهِ اللهِ . قال: أظنُّه تأوَّلَ قولَ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُبُّونَ﴾(٣).
وزُوِّينا عن الثورىِّ أَنَّه بلَغَه أنَّ أُمَّ ولدِ الربيعِ بنِ خُثَيمٍ ، قالت : كان إذا جاء
السائلُ، يقولُ لى: يا فُلانةُ، أعطِى السائلَ سُكّرًا؛ فإنَّ الرَّبيعَ يحبُّ الشُّكّرَ. قال
سُفيانُ: يتأوَّلُ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٥٠٧ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٤/٣ (٣٨١٤) من
طريق ابن عيينة به .
(٢) أخرجه ابن المنذر فى تفسيره (٦٩١) من طريق حماد به.
(٣) أخرجه ابن حبان فى الثقات ٥/ ٤٦٧، والبيهقى فى الشعب (٤٣٤٢) من طريق عاصم بن
محمد به .
٦٢٢
الموطأ
حدَّثناه خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ وأحمدُ بنُ مُطرّفٍ ، التمهيد
قالا : حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال : حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدّثنا
المؤمَّلُ، قال : حدَّثنا سُفيانُ . فذكره .
وقال الحسنُ رحِمَه اللهُ : إِنَّكم لا تَنالُونَ ما تُحبُّون إِلَّا بتركِ ما تَشْتَهُون ، ولا
تُدرِ كُون ما تَأْمُلُونَ إلَّا بالصبرِ على ما تَكرّهون .
وفيه أنَّ لفظَ الصدقةِ يُخرِجُ الشىءَ المتصدَّقَ به عن ملكِ الذى يَملِكُه قبلَ
أَن يَتَصَدَّقَ به ، فإنْ أخرَجها إلى مالكِ، وملَّكَه إِيَّاها، استُغنِىَ بهذه اللفظةِ عن
غيرِها، ولم يكنْ له الرجوعُ فى شىءٍ منها؛ لأنَّ لفظَ الصدقةِ يدُلُّ على (١أن
معطيّها أراد اللَّهَ بها١)؛ لما وعَد اللَّهُ ورسولُه على الصدقةِ من جزيلِ الثَّابِ ، وما
أُرِيدَ به اللهُ فلا رُجوعَ فيه، وهذا ممَّا أجمَعَ المسلمون عليه .
وفى هذا حُجَّةٌ لمالكٍ فى إجازتِه للموهوبِ له والمتصدَّقِ عليه المطالبةَ
بالصدقةِ وإنْ لم يَحُزْها حتى يَحُوزَها، وتصحُ له ما دام المتصدِّقُ أو الواهبُ
حيًّا، وإن لم تُقْبَضْ(٢) . وغيرُه لا يَجعَلُ اللفظَ بالصدقةِ ولا بالهبةِ شيئًا، سواءٌ
كان ( مُعَيَنًا أو غيرَ ) مُعيَّنٍ، حتى تُقْبَضْ(١)، وليس للموهوبِ له عندَهم ولا
للمتصدَّقِ عليه أن يُطالبَ واهبَها بإخراجِها إليه، ولا يُوجِبُ عندَهم لفظُ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((أنه أراد الله بها معطيها).
(٢) فى ق: ((يقبض)).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((لمعين ولا لغير).
٦٢٣
الموطأ
التمهيد الصدقةِ أو الهبةِ من غيرٍ قبضٍ محُكمًا . وممّن ذهَب إلى هذا ؛ الشافعى ، وأبو
حنيفةً، والثَّورىُّ. وسنذكُرُ اختلافَهم فى هذا المعنَى وما شاكلَه من معانى
الهبَاتِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن محميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ومحمدِ بنِ النُّعمانِ بنِ
بشيرٍ، إن شاءَ اللهُ، ونُبيِّنُ وُجُوهَ أقاويلِهم، واعتلالَهم لمذاهبِهم هناك(١) ،
بحول(٢) الله وعونه، لا شريك له .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الكلامَ قد أوجَب حُكمًا ، أقلُّه المطالبةُ -
على ما قال مالكٌ - للمعيَّنِ الموهوبِ له . ومِن طريقٍ القياسٍ، لولا الكلامُ
المتقدِّمُ، ما كان القبضُ يُدرَى ما هو. وباللهِ التَّوفيقُ.
فإذا قال المتصدِّقُ : مالى هذا صدقةٌ للهِ عزَّ وجلَّ. ولم يُملِّكْه أحدًا ، جاز
للإمامِ أن يَصْرِفَه فى أىّ سبيلٍ من سُبلٍ) اللهِ شاء، غيرَ أنَّ الأفضلَ من ذلك
أولَى، هذا إذا لم تَيِنْ مُرادُ المتصدِّقٍ ، فإن بان مُرادُه لم يُتَعَدَّ ذلك الوجْهُ.
وفيه أنَّ الصدقةَ على الأقاربِ من أفضلِ أعمالِ البرّ؛ لأُنَّ. سِولَ اللهِ وَآلآ لم
يُشِرْ بذلك على أبي طلحةَ إلَّا وهو قد اختار ذلك له، ولا يَختارُ له إلَّا الأفضلَ لا
محالةَ، ومعلومٌ أنَّ (" عتقَ الرقابِ) من أفضلِ أعمالِ البرِّ، وقد فضَّلَ رسولُ اللهِ
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٣٧/١٨ - ٥٤٩.
(٢) فى ق: ((بحمد)).
(٣ - ٣) فى ق: ((سبيل)).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((العتق).
٦٢٤
الموطأ
وَِّ الصدقةَ ( على الأقارب١ِ) على العِثْقِ.
التمهيد
حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال: حدَّثنا هنَّدُ بنُ الشَّرِىِّ، عن عبدةَ، عن ابنِ
إسحاقَ ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ ، عن سُليمانَ بنِ یسارٍ ، عن ميمونةَ ،
قالت: كانت لى جاريةٌ فأعتَقتُها، فدَخَل علىَّ رسولُ اللهِ وَلِّ فأخبرتُه فقال:
((أجَرَكِ اللهُ، أمَا إِنَّكِ لو أُعْطَئِتِها أخوالَكِ(٢) كان أعظمَ لأخْرِكِ))(٣).
وروَى مالكٌ(٤) هذا الحديثَ، عن ابنٍ أبى صعصعةً، بقريبٍ من هذا
المعنى . وقد ذكرناه فى موضعه من كتابنا هذا .
وقد قال رسولُ اللهِ وَّلِ لزينبَ النَّقَفِيَّةِ زوجةِ عبدِ الله بن مسعودٍ ، وزینبَ
الأنصاريّةِ، حينَ أنتَاه تسألانه عن النفقة على أزواجِهما، وعلى أيتامٍ فى
حُجورهما، هل يُجزِئُّ ذلك عنهما من الصدقةِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَةِ: ((لكما
أجْرانٍ ؛ أجرُ القَرَابةِ ، وأجرُ الصدقةِ ))(٥) .
وروَى الزهرىُّ، عن محُميدٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أمّه، قالت: قال
القبس
(١ - ١) سقط من: ق .
(٢) فى الأصل، م: ((إخوانك)).
(٣) تقدم تخريجه ص ١٠٨ .
(٤) تقدم فى الموطأ (١٨٧٣).
(٥) أخرجه أحمد ٤٩٠/٢٥ (١٦٠٨٢)، والدارمى (١٦٩٤)، والبخارى (١٤٦٦)، ومسلم
(١٠٠٠)، والترمذى (٦٣٥، ٦٣٦)، والنسائى (٢٥٨٢)، وابن ماجه (١٨٣٤) ..
٦٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ٤٠/٢٣ )
الموطأ
٠٠٠
التمهيد رسولُ اللهِ وَّلَهِ: ((إنَّ أَفضلَ الصدقة على ذى الرّحم الكاشِحِ)) .
قيل فى تأويلِ الكاشحِ هلهُنا : القريبُ . وقيلَ: المبغِضُ المعادِى؛ ( فإِنَّه
طوَى كَشْحَه على بُغضِه وعداوتِه " . وهو الصحيحُ، واللهُ أعلمُ .
وفيه إجازةُ تولِّى المتصدِّقِ قَشْمَ صدقته، وذلك عندَ أصحاب مالكٍ إذا
كان منه إخراجًا لها عن مِلْكِه ويدِه، وتمليكًا لغيره .
وفيه ردّ على مَن كرِهَ أْكلَ الصدقةِ التَّطوُّع للغنىٌّ من غيرِ مسألةٍ ؛ لأنَّ أقاربَ
أبى طلحةَ الذين قسَم عليهم صَدَقتَه تلك ، لم تَيِنْ لنا أنَّهم فُقراءُ ممَّن يَحِلُّ لهم
أخذُ الصدقةِ المفروضةِ ، وقد ذكَّر بعضُ أهلِ العلم أنَّ أَبيَّ بن كعبٍ كان من
أيسَرِ أهلِ المدينةِ، وهو أحدُ الذين قسم عليهم أبو طلحةً صدقته هذه، وقد
عارَضَهُ(١) بعضُ مُخالفِيه، فزعَم أنَّ أَبيًّا كان فقيرًا، واحتجَّ بروايةٍ مَن روَى فى
هذا الحديثِ: فقسَمها أبو طلحةَ بينَ فُقراءٍ أقاربِه . وهى لفظةٌ مُختلفٌ فيها ، لا
تثبُتُ، وعلى أىِّ وجهٍ كان، فإِنَّ الصدقةَ التَّطوُّعَ جائزٌ قبولُها من غيرِ مسألةٍ لكلِّ
أحدٍ ، غنيًّا كان أو فقيرًا، وإن كان التَّرُّهُ عنها أفضلَ عندَ بعضِ العُلماءِ، وسنُبيِّنُ
وجوه هذا المعنى فى بابٍ زيدِ بنِ أُسْلَمَ مِن كتابِنا (*) هذا إن شاءَ اللهُ .
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٣٢٨)، وابن خزيمة (٢٣٨٦) من طريق الزهرى به.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) بعده فى ق: ((قوم من)).
(٤) سيأتى ص ٦٩٤، ٧٠١ - ٧٠٦.
٦٢٦
الموطأ
وفيه دليلٌ على صحّةٍ ما ذهَب إليه فُقهاءُ الحجازِيِّينَ ، حيثُ قالوا فيمن التمهيد
تصدّقَ علی رجلٍ أو علی قوم بصدقةٍ حُسٍ ، ذكر فيها أعقابهم أو لم يذكُرْ ، ولم
يَجعَلْ لها بعدَهم مرجعًا، مثلَ أن يقولَ: على المساكينِ. أو على ما لا يُعدمُ
وُجودُه من صفَاتِ البرِّ. فماتوا وانقَرَضوا، أنَّها ترجعُ حبسًا على أقربِ الناسِ
بالمُحَبِّسِ يومَ ترجِعُ لا يومَ حبَّسَ، ألا ترَى أنَّ أبا طلحةَ إذْ جعَل حائطَه ذاك
صَدقةٌ للهِ ولم يذكُرْ وجْهًا من الوجوهِ التى يُتَقَّبُ بها إلى اللهِ عزَّ وجلّ، أمرَه
رسولُ اللهِ وَِّ أن يَجعلَها فى أقاربِه ، فكذلك كلُّ صدقٍ لا يُجعلُ لها وجة ، ولا
يُذكَرِ لها مَرجعٌ، تُصرَفُ على أقاربِ المتصدِّقِ ، بدليلٍ هذا الحديثِ ، وهذا
عندَ مالكِ فیما لم يُرد به صاحبه حیاً المتصدَّقِ علیه ، فإِنَّه إذا أراد ذلك فھی
عندَه العُمْرَى، ومذهبُه فى العُمْرَى أَنَّها على ملكِ صاحبِها ، تَرجعُ إليه عندَ
انقضاءِ عُمُرِ المُعْمَرِ، أو إلى ورثتِه ميراثًا، وسنذكُرُ قولَه وقولَ غيرِهِ فى العُمْرَى
عندَ ذكرِ الحديثِ فيها فى بابِ ابنِ شهابٍ من كتابِنا هذا، ونُبَيِّنُ وُجوهَ ذلك(١)
إن شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ.
وقد اختلف قولُ مالكٍ فيمن قال : هذه الدَّارُ، أو هذا الشىءُ، حُسٌ على
فُلانٍ ، أو على قومٍ . ولم يُعْقِبْهم ، ولا جعَل لها مرجعًا إلى المساكينِ ونحوِهم،
فمرّةً قال: تَرجِعُ مِلكًا إلى ربِّها، إذا هلَك المحبَّسُ عليه. كالعُمْرَى، ومرَّةً
قال: لا تَرجعُ إليه أبدًا. وهو تحصيلُ مذهبِهِ عندَ أهلِ المغربِ من أصحابِهِ،
القبس
(١) تقدم فى ٥٨٢/١٨ - ٥٩٦.
٦٢٧
م
.
الموطأ
التمهيد وحكَوا عنه منصوصًا(١) فيمن حبَّسَ حَبْسًا على نَفَرِ ما عاشوا، فانقَرَضوا،
فالحَبْسُ راجِعٌ إلى عَصَبَةِ المحبّسِ جميعًا(٢)، ولا يَرجعُ إلى مَن حِبَّسَه، وإنْ
كان حيًّا ، ويَدْخُلُ النِّساءُ فى الغَلَّةِ معهم والسُّكْنَى. ولو تَصدَّقَ بصَدَقَّةٍ ◌ُسٍ
على ولدِهِ ، وولدٍ ولدِهِ، ولم يَجعَلْ له مَرجعًا غيرَ ذلك، فانقَرضَ ولدُه، وولدُ
ولدِهِ، إِلَّ "رجلًا واحدًا)، فأراد بيعَه، فلا سبيلَ له إلى ذلك، فإذا انقرَضَ فهو
حُبُسٌ صَدَقَةٌ على عَصَبَةِ المحبِّسِ ، لا يُامُ ولا يُوهبُ . وإذا انقرض أقربُ الناسِ
إليه من عَصَبَتِهِ، فإلى الذين يَلونَهم، فإذا انقرَض كلَّ مَن تَمَسُّه به رَحِمٌ من
عَصَبَتِه ، رجَعَتْ على ما عليه أحباسُ المسلمين ، يَجْتَهِدُ الحاكمُ فى وضعٍ غَلَّتِها
وكرائِها بعدَ مَرَمَّتِها(٤)، ولا يُبائحُ(٥) شىءٌ من العقارِ إذا جَرَى عليه اسمُ الصدقةِ
الُيُسِ. ولفظُ الولدِ فى التَّحِيسِ يدخُلُ فيه ولدُ الولدِ أبدًا، وكذلك لَفْظُ البناتِ
يدخُلُ فيه بناتُ البنين أبدًا ، إذا اجْتَمَعوا، ولا يُفضَّلُ الأعيانُ إلَّا على قدرٍ
الحاجةِ، وليسَ ولدُ البناتِ من العَقِبٍ ولا من الولَدِ ، إذ ليسُوا من العَصَبَاتِ.
هذا كلُّه تَحصيلُ مذهبٍ مالكِ وأصحابِهِ ، إلّا أنَّ عن بعضِ البغداديِّينَ المالكيِّينَ
خلافًا فى بعضٍ هذا .
القبس
(١) فى م: ((نصوصا)).
(٢) فى الأصل، م: ((حبسا)).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((رجل واحد)).
(٤) فى م: ((صدقتها)). والرم والمرمة: إصلاح الشىء الذى فسد بعضه من نحو حبل يبلى فتَؤُمُّه أو
دار تَومُّ شأنها. اللسان (رم م).
(٥) بعده فى الأصل، م: ((ولا يورث)).
٦٢٨
الموطأ
قال أحمدُ بنُ المعذَّلِ: قيل لمالكِ: فلو قال فى صَدَقَتِه: هى حُسٌ على التمهيد
فُلانٍ . هل تَكونُ بذلك مُحبَّسةً ؟ قال: لا ؛ لأنَّها لمن ليسَ بمجهول، وقد
حَبَّسها على فُلانٍ ، فهى عُمْرَى؛ لأَنَّه أخبر أن تَحبِيسَها غيرُ ثابِتٍ ولا دائم ، وأنَّه
إلى غايةٍ . قيل: فلو قال: هى صَدقةٌ مُحبَّسةٌ ، وفلانٌ يأخذُها ما عاش؟ . قال :
إذنْ تَكونَ مُحبَّسةً. قال: وكذلك لو قال(٢): هى صدقةٌ على فُلانٍ وهى
مُحبّسةٌ .
والألفاظُ التى بها يَنْقِطِعُ مِلكُ الشىءِ عن ربِّه، ولا يَعودُ إليه أبدًا، عندَ مالكِ
وأصحابِه ، أن يقولَ: حبُشٌ صدقةٌ، أو حِبُسٌ لا يُيامع، أو حبُسٌ على أعقابٍ
ومجهولينَ، مثلَ الفقراءِ والمساكينِ، أو فى سبيلِ اللهِ . فإنَّ هذا كلَّه عندَهم
مُؤْبَّدٌ ، لا يَرجعُ مِلكًا أبدًا. وأمّا إذا قال: سُكنَى، أو عُمرَى، أو حياةَ المحبَّسِ
عليه ، أو إلى أجلٍ من الآجالِ . فإنَّها تَرجِئُ ملكًا إلى صاحبها ، أو إلى ورثتِه ، ولا
يكونُ حبسًا مُؤْبَّدًا. ومعنَى قولِ مالكِ: فى أقربِ الناسِ بالمحبِّسِ. يُريدُ
عَصَبَتَه .
واختلف قولُه، وكذلك اختلف أصحابُه ، فيمن يَدخُلُ فى ذلك من
النِّساءِ؛ فقال ابنُ القاسم: كلُّ مَن كان من النساءِ لو كان رجلاً كان عَصَبةٌ
وارثًا ، دخَل فى مَرجعِ الحبسٍ ، ومن لم يكنْ منْهُنَّ كذلك ، فلا مَدْخَلَ له فيه .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((هذا)).
(٢) بعده فى م: ((لهم)).
٦٢٩
الموطأ
التمهيد وروى ذلك عن مالكٍ. وقال ابنُ القاسم : تدخُلُ الأُمّ فى مَرْجِع الحبُسِ ، ولا
تدخُلُ الأخواتُ للأمّ. وقال ابنُ الماجِشونِ: لا يدخُلُ من النساءِ إلَّا مَن يرِثُ،
فأمَّا عمَّةٌ، أو ابنةُ عمّ ، أو ابنةُ أخٍ ، فلا . وروَى أشهبُ ، عن مالكٍ ، أنَّ الأُمّ لا
تَدخُلُ فى مرجِعِ الحبُسِ . ولهم فى هذا البابِ اضطرابٌ يَطولُ ذِكرُه .
وأمَّا الشافعىُ فمَذهبُه نحوُ مذهبٍ مالكِ فى مَرجعِ الحبُسِ خاصَّةً، قال
الشافعىُّ : إذا قال : تَصدَّقْتُ بدارِى على قومٍ ، أو على رجلٍ حىٍّ معروفٍ ، يومَ
تصدَّقَ، أو قال: صدقةً مُحرَّمةً. أو قال: صدقةً موقوفةً. أو قال: صدقةً
مُسبَّلةً . فقد خرَجَتْ من مِلكِه، فلا تَعودُ ميراثًا أبدًا. قال: ولا يجوزُ أن يُخرِجَها
من مِلكِه إِلَّ إلى مالكِ مَنْفَعَتِها يومَ يُخرِبُها إليه، وإنْ لم يُسَبِّلْها على مَن بعدَهم
كانَتْ مُحرَّمَةً أبدًا، فإذا انقرَض المتصدَّقُ بها عليه كانَتْ بحالِها أبدًا ، ورَدَدْنَاها
إلى أقربِ الناسِ بالذى تَصدَّقَ بها يومَ ترجِعُ، وهى على شرطِه من الأَثَرَةِ
والتَّقدمةِ والتَّسويةِ بينَ أهلِ الغِنَى والحاجةِ ، ومِن إخراجِ مَن أخرَج منها بصفةٍ ، أو
ردِّه إليها بصفةٍ .
قال أبو عمرَ : قولُ الشافعىِّ: ولا يَجوزُ أن يُخرِجَها من مِلكِه إلّ إلى مالك
مَنْفَعَتِها. معناه عندِى أن يكونَ المحبَّسُ عليه موجودَ العينِ، ليس يُجْهَلُ ، فإذا
كان كذلك فجائزٌ أن يَتولَّاها له غيرُه إذا أُخرَجَها المحبّسُ من يَدِه، على أنَّ
الشافعىَّ يجوزُ عندَه فى الأوقافِ من تركِ القَبْضِ ما لا يَجوزُ فى الهِبَاتِ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((بحمل)).
٦٣٠
الموطأ
التمهيد
والصَّدَقاتِ المملوكاتِ ؛ لأُنَّ الوقفَ عندَه يَجِی مَجرَی العِتقِ، يتمُّ بالكلام
دونَ القبضِ . قال : ويَحْرُمُ على المُوقِفِ مِلكُه، كما يَخْرُمُ عليه مِلكُ رقبةِ العَبدِ
إذا أُعتَقَه ، إلَّا أنَّه جائزٌ له أن يَتولَّى صَدَقَتَه، وتكونَ بيدِه ليفرِّقَها ويسبَلَها فيما
أُخرَجها فيه ؛ لأنَّ عمرَ بنَ الخطابِ لم يزلْ يِلِى صَدقتَه، فيما بلَغَنا ، حتى قَبَضَه
اللهُ . قال : وكذلك علىّ وفاطمةُ كانا يَلِیانِ صَدَقاتِهما .
قال أبو عمرَ : ليس هكذا مذهبُ مالكِ ، بل مذهبه فيمن حبَّسَ أرضًا أو
دارًا أو نخلا على المساکین ، و کانَتْ فى يديه، يقومُ بها ويُكرِيها ، ويَقْسِمُها فى
المساكينِ، حتى مات والحُبُسُ فى يديه، أنَّه ليس بحُيُسٍ، ما لم يَحُزْه غيرُه،
وهو ميراثٌ، والرّبْعُ(١) عندَه والحوائطُ والأرضُون(٢) لا يَنفُذُ حبُسُها ولا يَتَمّ
حَوزُها حتى يَتولاه غيرُ مَن حبَّسَه، بخلافِ الخَيْلِ والسلاح. هذا تَحصيلُ
مَذهبِهِ عندَ جماعةِ أصحابِه .
وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ، فإنَّ عمرَ (١) بنَ الحسينِ الخِرَقِىَّ ذكَر عنه، قال : إذا
وقَف وقْفًا، ومات المُوقَفُ عليه، ولم يَجعَلْ آخرَه للمساكينِ، ولم يَبْقَ مَّن
وُقِف(٤) عليه أحدٌ، رجَع إلى وَرَثَةِ الواقِفِ، فى إحدَى الرّوايتينِ عنه، والرِّوايةٌ
الأَخِرَى، يكونُ وقْفًا على أقربٍ عَصَبَةِ الواقِفِ .
القبس
(١) الرَّبْع: المنزل والدار بعينها. اللسان (ر ب ع).
(٢) فى الأصل، م: ((الأرض)).
(٣) فی ق: ((محمد)).
(٤) فی ق: « پرثه)).
٦٣١
الموطأ
التمهيد
وزعَم بعضُ الناسِ أنَّ فى هذا الحديثِ ردًّا على أبى حنيفةً وزُفَرَ فى إبطالِهما
الأحباسَ، وردِّهما الأوقافَ، وليس كذلك؛ لأنَّ هذا الحديثَ ليس فيه بيانُ
الوَقْفِ ، ويَحتمِلُ أن تكونَ صَدَقةٌ أبى طلحةَ صَدَقَّةَ تمليكِ للرَّقَبَةِ ، بل الأغلبُ
الظاهرُ من قولِه: فقسَمَها أبو طلحةَ بينَ أقاربِه وبنى عمِّه. أنَّه قسم رَقَبْتَها
وملَّكَهم إيَّها ابتغاء مرضاتِ اللهِ، وإذا كان ذلك كذلك فلا خلافَ بينَ أبی
حنيفةً وزُفَرَ وسائرِ العلماءِ فى جوازِ هذه الصدقةِ إذا حلَّ المتصدَّقُ عليهِ فيها مَحَلَّ
المتصدِّقِ ، وكان له أن يبيعَ، ويَنْتِفِعَ، ويَهَبَ ، ويَتصدَّقَ، ويَصنَعَ ما أُحبُّ .
وإنّما أنكَر أبو حنيفةً وزُفَرٍ تَحْيِيسَ الأُصلِ على التَّمليكِ وتسبيلَ الغَلَّةِ والثمرةِ ،
وهى الأحباسُ المعروفةُ بالمدينةِ ، وفيها تَنازعَ العلماءُ، وأجازَها الأكثرُ منهم ،
وقد قال بجوَازِها أبو يوسفَ ، ومحمدُ بنُّ الحسنِ، رجَع أبو يوسفَ عن قولِ أبی
حنيفةً فى ذلك لمّا حدَّثه ابنُ عُليَّةَ ، عن ابنِ عونٍ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ، عن
عمرَ، أَنَّه استَأْذَنَ رسولَ اللهِ وَلّهِ فِى أَن يَتصدَّقَ بسَهْمِه من خيبرَ ، فقال له رسولُ
اللهِ وَله: ((احبسٍ الأصلَ، وسبّلِ الثَّمَرَةَ))(١). وهو حديث صحيح، وبه يحتمُ
كلُّ مَن أجاز الأخباسَ .
ذگر عیسی بنُ أبانٍ ، قال : أُخپرتُ أنَّه لما بلغ أبا یوسفَ هذا الحديثُ عن
ابنِ عون لقِیَ ابنَ عُلَّةً فسأله عنه، فحدثه به عن ابنِ عونٍ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٢٥٢، وأحمد ٢١٧/٨، ١٦١/٩ (٤٦٠٨، ٥١٧٩)، والترمذى
(١٣٧٥) من طريق ابن علية به .
٦٣٢
الموطأ
عمرَ، أنَّ عمرَ أصاب أرضًا بخيبرَ، فَأَتَى النبىّ ◌َ. وذكَر الحديثَ.
التمهيد
ومِن ◌ُجَّتِهم أيضًا على جَوازِها حديثُ عمرو بنِ الحارثِ(١) أخِى جويريةً
بنتِ الحارثِ زوج النبيِّ عليه السلامُ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّلَهِمات وتخلَّفَ أرضًا
موقوفةً(١) . وحديثُ أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه قال: ((يَنقطِعُ عملُ المرءِ
بعدَه إِلَّ مِن ثلاثٍ ؛ صدقةٍ جاريةٍ بعده، وعلم ينتفع به غيره، وولدٍ يدعُو
٤)
له)). وقد ذكرناه فى كتابٍ (( بيانِ العلمِ » .
فأمّا حديثُ ابنِ عونٍ ، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم،
قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدَّثنا
أشهلُ بنُ حاتمٍ ، قال : حدَّثنا ابنُّ عونٍ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قال : أصاب
عمرُ أرضًا بخيبرَ، فَأَتَّى النبيَّ وَلِّ فاستأُمَرَه فيها، فقال: يا رسولَ اللهِ، إِنِّى
أصبْتُ أرضًا بخيبرَ ، لم أُصبْ مالاً قطُّ أنفسَ عندِى منه، فما تَأْمُرُنى به؟ فقال :
((إِن شِئْتَ حبَّسْتَ أَصلَها، وتَصَدَّقْتَ بِها)). قال: فتَصدَّقَ بها عمرُ؛ أنَّه لا يُاُ
أصلُها، ولا يُوهبُ ، ولا يُورَثُ. قال: فَتَصدَّقَ بها فى الفقَراءِ، والقُرْبَى، وفى
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((بن)).
(٢) فى ق: ((موقفة)).
وسیأتی تخريجه ص ٦٣٥.
(٣) أخرجه أحمد ٤٣٨/١٤ (٨٨٤٤)، والبخارى فى الأدب المفرد (٣٨)، ومسلم (١٦٣١)،
والترمذى (١٣٧٦).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م. وينظر جامع بيان العلم وفضله (٥٢ - ٥٦).
٦٣٣
الموطأ
التمهيد الرِّقابِ، وفى سبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ، لا جناحَ على مَن وَلِيَها أن
يَأْكُلَ منها بالمعروفِ، أو يُطعِمَ صديقًا، غيرَ مُتَأَثِّلِ (١) أو مُتَمَوَّلٍ مالًاً(٢).
وهذا الحديثُ يقولون : إِنَّه لم يروِهِ عن نافعٍ إِلَّ ابنُ عونٍ، وهو ثقةٌ ، لم يروِهِ
مالكٌ ولا غيره ، إلَّا أنَّ مالكًا قد روَى عن زيادِ بنِ سعدٍ ، عن ابنٍ شهابٍ ، أَنَّ
عمرَ بنَ الخطَّابِ قال: لولا أنِّى ذكّرْتُ صَدَقتِى لرسولِ اللهِ وَّله واستَأْمَرْتُه -
أو نحوَ هذا - لرجَعْتُ فيها(٢) . قال مالك: مَخافةَ أن يَعمَلَ الناسُ بذلك فِرارًا
من الحقِّ، ولا يَضَعِونَها مَواضِعَها. وليس هذا الحديثُ فى أكثرٍ
((الموطّتِ)) عن مالكٍ. وممَّن روَاه عنه عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ، وهذه الصدقةُ
هى صدقةُ عمرَ المذكورةُ فى حديثِ ابنِ عونٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ.
واللهُ أعلمُ .
وفی ابنِ عونٍ هذا قال الشاعر(٤):
القبس
(١) غير متأثل: غير جامع، يقال: مال مؤثل، ومجد مؤثل، أى: مجموع ذو أصل، وأثلة
الشىء: أصله. النهاية ٢٣/١.
(٢) أخرجه البخارى (٢٧٣٧، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣)، ومسلم (١٥/١٦٣٢)، وأبو داود (٢٨٧٨)،
والنسائى (٣٦٠٢، ٣٦٠٣)، وابن ماجه (٢٣٩٦)، وابن خزيمة (٢٤٨٣ - ٢٤٨٥) من طريق
ابن عون به .
(٣) فى الأصل، م: ((عنها)).
والأثر أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٩٦/٤ من طريق مالك به .
(٤) البيت فى عيون الأخبار ١٣٩/٢ منسوب لابن مُنَاذِر، وذكره ابن حجر فى تهذيب التهذيب
١٥٣/٩ ولم ينسبه .
٦٣٤
الموطأ
خُذوا عن مالكٍ وعنِ ابنِ عونٍ ولا تَرْؤُوا أحاديثَ ابنِ دابٍ(١) التمهيد
وأمّا حديثُ عمرو بنِ الحارثِ، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ ،
قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا يوسفُ
ابنُ عدىٍّ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن أبى إسحاقَ، عن عمرو بنِ
الحارثِ، قال: ما ترَك رسولُ اللهِ وَ لَه دينارًا ولا درهمًا، ولا عَبدًا ولا
أمةٌ ، إِلَّ بَغْلتَه البيضاءَ التى كان يَركَبُها، وسلاحَه، وأرضًا جعَلها صدقةً فى
أبناءِ السبيلِ(٣).
وحديثُ أبى هريرةَ قد ذكرناه من طُرُقٍ فى ((كتابِ العلم)) (١). فهذه الآثارُ
وما أشْبهَها ممَّا لا مَدْخَلَ للتَّأويلِ فيها، بها احْتَجَّ مَن أجاز الأوقافَ . وأمّا حديثُ
أنسٍ هذا، فمُحتَمِلٌ للتَّأويلِ الذى ذكَرنا، والأغلبُ فيه عندَنا ما وَصَفْنا ،
والاحتجائجُ به فى مَرْجِعِ الحُبُسِ على أقاربِ المحبّسِ حُبُسًا حسنٌّ قوىٌّ. وباللهِ
التوفيقُ .
قال أبو عمرَ : كان منِّ هذا القولُ قبلَ أن أرَی حدیثَ عبدِ العزيزِ بنِ أبی
سلمةً، عن إسحاقَ ، عن أنسٍ هذا، وفيه : فباع حسّانُ نصيبه من معاويةً . على
القبس
(١) هو عیسی بن یزید بن بكر بن داب اللیثی المدنی، کان أخباریا علامة نسابة، لکن حدیثه واه ،
قال البخارى وغيره : منكر الحديث . لسان الميزان ٤ / ٤٠٩.
(٢) أخرجه البخارى (٤٤٦١)، والنسائى (٣٥٩٦)، والدارقطنى ١٨٥/٤ من طريق أبى الأحوص
به .
(٣) جامع بيان العلم وفضله (٥٢ - ٥٦).
٦٣٥
الموطأ
التمهيد ما ذكّرناه فيما تَقدَّمَ مُلَخَّصًاً(١) ، فعادَ ما ظنَنَّاه يَقِينًا. والحمدُ للهِ .
(" وقولُه: ((بخٍ، بخٍ)). كما تقولُ: صَهٍ، صَهٍ، لمن تُسَكِّتُه، وقد يُخَفَّفان
جميعًا ، قال الشاعر:
* بَحْ بَخْ لوالدِه وللمولودِ) *
وأمّا قوله: ((بخ، ذلك مالٌ رابخ)). فإنَّه أراد : مالٌ رابح صاحبُه ومعطِیه،
فحُذِفَ. وحقيقتُه عندَ أهلِ المعرفةِ باللسانِ أنه على النسبِ، أى: مالٌ ذوربح،
كما يقولون: هَمّ ناصبٌ، وعيشةٌ راضيةٌ ، أى: هَمّ ذو نَصَبٍ ، وعيشةٌ ذاتُ
رضًا، وذلك معروفٌ من كلامِ العربِ، يقولونَ: مالٌ رابخ ، ومَتجرّ رابح. كما
قالوا : ليلٌ نائمٌ ، أى : يُنام فيه .
وهكذا رواه يحتَى: ((مالٌ رابخ)). مِن الرِّبح، وتابعَه على ذلك جماعةٌ .
ورواه ابنُ وهبٍ وغيرُه بالياءِ المنقوطةِ باثنتين من تحتِها. وقال فى تَفْسيرِه:
إِنَّه يروحُ على صاحبِه بالأجرِ العظيمِ". وقيل: الرايحُ القريبُ المسافةِ الذى
يروح خيرُه ويقرُّبُ نفتُه. وإلى هذا ذهَب الأخفشُ، وقال: أصلُه من الرّوْحةِ ،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((ملحقا)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) هو أعشى همدان، وهو عجز بيت فى ديوانه ص ١١٣، وصدره :
٠
بين الأشج وبين قيس باذخ *
(٤ - ٤) سقط من: ق .
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((وقال الأخفش)).
٦٣٦
الموطأ
أىْ: هو مالٌ يَروحُ عليكَ ثَمَرُه وخيرُه متى شِئْتَ. والأوَّلُ أولَى عندِى. واللهُ التمهيد
أعلمُ .
قال أبو عمرَ: الأقاربُ الذين قسَم أبو طلحةً صَدَقَتَه عليهم ؛ حسَّانُ بنُ
ثابتٍ وأبىّ بن كعبٍ .
أُخبرنى عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
بكرِ بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ الأشعثِ ، قال: حدَّثنا موسى
ابنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةً، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ، قال :
لما نزلَتْ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾. قال أبو طلحةً:
يا رسولَ اللهِ ، أرَى ربَّنَا يَسألُنا أموالَنا ، وإنِّى أَشهِدُكَ أَنِّى قد جعَلْتُ أُرضِى
بأرِيحاءً(١) له. فقال رسولُ اللهِ وَلَةِ: ((اجْعَلْها فِى قَرابَتِك)». فقسَمَها بينَ
حسَّانَ بنِ ثابتٍ وأُبِىِّ بنِ كعبٍ().
قال أبو داود : وبلَغنى عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصارىِّ أنَّه قال: أبو طلحةً
الأنصارىُّ : زیدُ بنُ سهلٍ بنِ الأسودِ بنِ حرامٍ بن عمرو بنِ زیدِ مناً بن عدىِ بنِ
عمرو بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ . وحسَّانُ بنُ ثابتٍ بن المنذرِ بنِ حرامٍ ، يجتمعانِ فی
حرامٍ ؛ وهو الأبُ الثالثُ . وأَتَىُّ بنُ كعبِ بنِ قيسٍ بنِ عتيكِ بنِ زيدِ بنِ معاوية بنِ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((بيرحا)).
(٢) أبو داود (١٦٨٩). وأخرجه أحمد ٤٣١/٢١ (١٤٠٣٦)، ومسلم (٤٣/٩٩٨)، وابن خزيمة
(٢٤٦٠) من طريق حماد بن سلمة به .
٦٣٧
الموطأ
١٩٤٥ - مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال:
((أعطُوا السائلَ وإن جاءَ على فرسٍ)) .
التمهيد عمرٍو بنِ مالكِ بنِ التّجّارِ. قال الأنصارىُّ: بينَ أبى طلحةَ وَأَبَيِّ ستَّةُ آباءٍ. قال:
وعمرُو بنُ مالكِ يَجمَعُ حسَّانَ وأبىّ بنَ كعبٍ وأبا طلحةَ .
قال أبو عمرَ: أمَّا حسّانُ ، فيَلقَاه أبو طلحةَ عندَ أبيه الثالثِ، وأمَّا أَبيّ فيلقَاه
أبو طلحةً عندَ أبيه السَّابعِ .
قال أبو عمرَ: وفى هذا أيضًا ما يَقضِى على القَرابةِ أنَّها ما كان فى هذا
القُعْدُدِ (١) ونحوِه، وما كان دُونَه فهو أُخْرَى أن يَلحَقَه اسمُ القَرابةِ .
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَِّ قال: ((أَعْطُوا السّائلَ وإن جاء
على فَرَسٍ ))(١).
لا أعلمُ فى إرسالٍ هذا الحديثِ خلافًا بينَ رواةٍ مالكِ ، وليس فى هذا اللفظِ
مُسْنَدٌ يُخْتَجُ به فيما علِمتُ .
وفيه من الفقهِ الحضُّ على الصدقة . وفيه أن الفرس إذا كان صاحبه محتاجًا
إلیه ، لا غِنَی به عنه لضعفه عن التصژف فى معاشِه على رجليه ، فإن مِلْگه للفرسِ
لا يُخرِجُه عن حدِّ الفقرِ، ولا يُدخِلُه فى حكم الأغنياءِ الذين لا تَحِلُّ لهم
القبس
(١) رجل قعدد: قريب من الجد الأكبر، والقعدد أملك القرابة فى النسب ، وفلان أقعد من فلان ،
أى: أقرب منه إلى الجد الأكبر. اللسان (ق ع د).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢١٠٢).
٦٣٨
الموطأ
الصدقةُ، وقد أطلقَ رسولُ اللهِ وَ لّه إعطاءَه وإن جاءَ على فرسٍ، ولم يَقُلْ: من التمهيد
صدقةِ التطوعِ دونَ الصدقةِ الواجِبةِ . فجائزٌ أن يعطَى من كلّ صدقةٍ .
ومحملُ الدَّارِ التى لا غِنَى بصاحبها(١) عن سكناها، ولا فضلَ له فيها عما
يَحتاجُ إليه منها، والخادمِ الذى لا غِنَى به عنه - محمَلُ الفَرَسِ . وهذا قولُ
جمهورٍ فقهاء الأمصار ، وقد تقدّم القول فى ذلك فى بابٍ حدیثِ زیدِ بنِ أسلمَ ،
عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن الأسَدِىِّ، مِن كِتابِنا هذا، فأعْنَى ذلك عن إعادَتِهِ
(٢)
ههُنا (٢) .
ويحتمِلُ أن يكونَ وَ أراد بقولِه فى هذا الحديثِ، الحضَّ على إعطاءٍ
السائلِ ، وألا يُرَدَّ، كائنًا من كان، إذا رضِى لنفسِه بالسؤالِ، إذ الأغلبُ مِن هذه
الحالِ أنها لا تكونُ إلَّا عن حاجةٍ ، نَدبًا إلى نوافلِ الخيرِ وصدقَةِ التطوعِ، وفعلٍ
البرِّ والإِحسانِ بكلٌ مستَعطِفي (١٢) ، إذا لم يُعلَمْ أَنَّ غِىٌ مستكثِرٌ بالسؤالِ، مع ما
كان منه رَّ مِن التغليظِ فى المسألَةِ وكراهيتِها . وقد تقدَّمَ هذا المعنى مجوَّدًا ،
فلا وجة(٤) نلإ كثار فيه .
وقد رُوِى(١) معنى هذا الحديث مسندًا عن النبيِّ وَلَه مِن حديث الحسينِ
القبس
(١) فى م: ((لصاحبها)).
(٢) سيأتى ص ٦٨٧ - ٦٨٩.
(٣) فى ص ٤، م: ((مستضعف)).
(٤) فى ص ٦: ((معنى)).
(٥) بعده فى ص ٦: ((نحو)).
٦٣٩
الموطأ
التمهيد ابنٍ علىٍّ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ(١) ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زُهيرٍ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ ، قال: حدَّثنا وكيع، عن
سفيانَ ، عن مصعبٍ بنِ محمدٍ ، عن يَعلى بنٍ أبى يحيى، عن فاطمةً بنتٍ
حسينٍ، عن أبيها، قال: قال رسولُ اللهِ وَليِ: ((للسائلِ حقٌّ وإن جاء على
(٢)
فرسٍ))) .
وحدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ علىِ بنِ الحسنِ
بمروَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يعقوبَ(٢) الأصمُ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ
النعمانِ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الملكِ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، عن عروةً ،
عن عائشةً، عن النبيِّ وَ لِّ قال: ((لولا أن السؤَّالَ يكذِبونَ، ما أفلَح من
(٤)
رڈهم))().
وقد روَى عمرُ بنُ راشدٍ ، عن مالكِ بنِ أنسٍ ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن
القبس
(١) بعده فى ص ٤: ((حدثنا أصبغ)) .
(٢) أخرجه أحمد ٢٥٤/٣ (١٧٣٠)، وابن خزيمة (٢٤٦٨) من طريق وكيع به، وأخرجه أبو داود
(١٦٦٥)، والطبرانى (٢٨٩٣)، والبيهقى ٢٣/٧ من طريق الثورى به .
(٣) بعده فى ص ٤: ((عن))، وفى م: ((حدثنا)).
(٤) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٣٩٨) من طريق الأصم، عن عباس الدورى، عن عبد الصمد بن
النعمان به، وأخرجه القضاعى فى مسند الشهاب (١٤٢٨) من طريق الدورى ، عن عبد الصمد به ،
وأخرجه العقيلى ٢/ ٢٧٥، وابن الجوزى فى الموضوعات ١٥٦/٢ من طريق عبد الله بن عبد الملك به.
٦٤٠