Indexed OCR Text
Pages 541-560
الموطأ
((عليك بخُوَيْصَّةِ نفسِك، ودَعْ عوامَّهم)) (١).
التمهيد
حدّثنا أبو محمد عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ بنِ یحیی ، قال : حدّثنا أبو
بكرٍ محمدُ بنُّ بكرِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الرزاقِ الثَّمَّارُ بالبصرةِ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ،
قال : حدَّثنا أبو الربيع سليمانُ بنُّ داودَ العَتَكِىُّ، قال: حدَّثنا ابنُّ المباركِ، عن عُثْبةَ
ابنِ أبى (٢) حَكيم، قال: حدَّثنى عمرُو بنُ جاريةً(٢) اللَّخْمِىُ، قال: حدَّثنى أبو
أُمَّةَ الشَّغْبانىُّ ، قال: سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنِىِّ ، فقلتُ: يا أبا ثعلبةَ، كيف تقولُ فى
هذه الآيةِ: ﴿عَلَيَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ قال: أما واللهِ لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ
رسولَ اللهِ وَ ل﴿ فقال: ((بل(" ائْتَمِروا بالمعروفِ ، وتَناهوا عن المنکرِ ، حتى إذا
رأيتَ شُخًا مُطاعًا، وهَوّى مُتَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذى رأي برأيه،
فعليك بنفسِك(١)، ودَع العوامّ)). وقال: ((مِن ورائِكم أيامٌ، الصبرُ فيها كقَبْضٍ
على الجمرِ ، للعاملِ فيهم مثلُ أجرٍ خمسينَ رجلًا يعمَلُون مثلَ عملِه))(١).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٥٦٦/١١ (٦٩٨٧)، وأبو داود (٤٣٤٣)، والنسائى فى الكبرى (١٠٠٣٣)
من طريق يونس ، عن هلال به بدون ذكر أبى إسحاق .
(٢) سقط من: ر، ر !. وينظر تهذيب الكمال ٣٠٠/١٩.
(٣) فى ر١: ((حارثة)). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٦٢.
(٤) ليس فى : الأصل، م.
(٥) فى ر١: ((نفسك)).
(٦) أخرجه البيهقى ٩٢/١٠ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٤٣٤١). وأخرجه
البخارى فى خلق أفعال العباد (١٧٠)، والترمذى (٣٠٥٨) من طريق ابن المبارك به ، وأخرجه ابن
ماجه (٤٠١٤)، والطحاوى فى شرح المشكل (١١٧١ - ١١٧٣)، والطبرانى فى مسند الشاميين
(٧٥٤) من طريق عتبة به .
٥٤١
١٩٣٥ - مالك، عن إسماعيلَ بنِ أبى حَكيمٍ، أنه سمع عمرَ بنَ
الموطأ
عبدِ العزيزِ يقولُ: كان يقالُ: إن الله تباركَ وتعالى لا يُعذِّبُ العامّةَ
بذنبِ الخاصَّةِ ، ولكنْ إذا عُمِلَ المنكَرُ جهارًا استَحَقُّوا العقوبةَ كلُّهم .
التمهيد
قال أبو عمرَ : قد قدّمنا فی باپ یحیی بن سعیدٍ ، عن عبادة بنِ الولیدِ ، مِن
الآثارِ ما يوضِّحُ أن الحَرَجَ مرفوعٌ عن كلِّ مَن يخافُ على نفسِه فى تَغْيِيرِ المنكرِ ،
أو يَضْعُفُ عن القيامِ بذلك(١).
وفى هذا البابِ مِن الحديثِ المرفوعِ وغيرِهِ ما يكفِى ويشفِى لمن ؤُفِّق
لفهمِه، واللهُ الموفِّقُ لا شريكَ له .
2
الاستذكار
مالكٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى حكيم، أنه سمِع عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقولُ :
كان يقالُ: إن الله لا يعذِّبُ العامَّةَ بذنبِ الخاصَّةِ، ولكن إذا صُنِع(٢) المنكر
جهارًا استحقُّوا العقوبةَ كلُّهم(٣).
قال أبو عمرَ: هذا المعنى ثابتٌ عن النبيِّ ◌َلّ، وعن أصحابِه والتابعين.
وهذا الحديثُ قد رواه يحيى بنُ سعيدِ الأنصارىُّ، عن رجلٍ ، عن عمرَ بنِ
القبس
(١) تقدم فى ١٥٩/١٢ - ١٦٢.
(٢) فى ح: ((صنعوا)).
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٩٣). وأخرجه
عبد الله بن المبارك فى الزهد (١٣٥١)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد ص ٢٩٤، وأبو نعيم
فى الحلية ٥/ ٢٩٨، وأبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (٣٢٨)، والبيهقى فى الشعب
(٧٦٠٢) من طريق مالك به .
٥٤٢
الموطأ
عبدِ العزيزِ. وممكنٌ أن يكونَ الرجلُ إسماعيلَ بنَ أبى حكيم. ذكره أسدُ بنُّ الاستذكار
(١)
موسى ، عن محمدِ بنِ مسلمِ الطائفىِّ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ .
وروی ر کیٹ ، عن إسرائیلَ ، عن أبى إسحاق ، عن عبيد اللهِ بنِ جریرٍ ، عن
أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصى، هم أعزّ
وأمنَعُ ، لا يُغَيِّرون، إلا عمَّهم اللهُ بعقابِهِ))(١). ذكَرِه ابنُ أبى شيبةَ، عن وكيعٍ .
وذكَره أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ ، عن أبى إسحاقَ ، عن
عبيدِ اللهِ بنِ جريرٍ، عن أبيه، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((ما مِن رجلٍ
يكونُ فى قومٍ يَعمَلُ فيهم بالمعاصى، يقدِرون أن يُغَيِروا عليه ، فلا يُغَيِرون ، إلا
أصابهم اللهُ بعقابٍ(٣) قبلَ أن يَمُوتوا))(٤).
قال أبو عمرَ: هذا واضحٌ فى أنه لا يلزَمُ التغييرُ إلا مَن (°لديه القدرةُ)
والعزةُ والمنعةُ، وأنه لا يستحِقُّ العقوبةَ إلا مَن هذه حالُه، وأما من ضعف
عن ذلك؛ فالفرضُ عليه التغييرُ بقلبِهِ، والإنكارُ، والكراهةُ. قال عبدُ اللَّهِ
ابنُ مسعودٍ : بحَسْبِ المؤمن إذا رأى منكرًا لا يستطيعُ له تغييرًا، أن يعلمَ اللَّهُ
.
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٢٦٩)، وابن أبى شيبة ١٣/ ٤٦٩، ونعيم بن حماد فى الفتن (١٧٣٥) من
طريق يحيى بن سعيد به وعندهم ذكر (إسماعيل بن أبى حكيم)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٣٤.
(٣) فى ح، م، وعند أبى داود: ((بعذاب)).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٣٣٩)، وابن حبان (٣٠٠، ٣٠٢) من طريق أبى الأحوص به.
(٥ - ٥) فى ح، م: ((القوة).
٥٤٣
الموطأ
الاستذكار مِن قلبِه أنه له كارةٌ (١) .
وروَى الحسنُ، عن ضَبةَ بنِ مِخْصَنٍ، عن أَمِّ سلمةَ، قالت : قال رسولُ اللهِ
نَله: « يكونُ عليكم أمراءُ، تعرِفون وتنكِرونَ، فمن أنكَر فقد تَرِئٍ، ومن كرِه
فقد سَلِم، ولكن من رضِى وتابَع، فأبعده اللهُ)) . قيل: يا رسولَ اللهِ ، أُفلا
تقتُلُهم؟ قال: ((لا، ما صلُّوا))(٢) .
وقد ذكرتُ أسانيدَ هذه الأحاديثِ، وكثيرًا منها فى ((التمهيدِ)).
قال أبو عمرَ: يقولون : من رضِى بالفعلِ فكأنه فعَله . قال الحسنُ رحِمه
اللهُ : إنما عقَر الناقةَ رجلٌ واحدٌ، فعمَّهم اللهُ بالعقوبةِ؛ لأنهم عمُّوا فعلَه بالرّضا .
ومن أحسنٍ ما رُوِى فى ذلك حديثُ العُرْسِ(٢) بنِ عَميرةَ الكندىِّ، عن
النبيِّ نَّهِ أنه قال: ((إن القومَ لَيصنَعون المنكرَ، فيكونُ مَن حضَرهم كمن
غابَ عنهم)) - يعنى إذا أنكَر ولم يرضَ - ((ويكونُ من غاب عنهم كمن
حضَرهم، إذا رضِى فِعلَهم))(٢). هذا معنى الحديثِ دونَ لفظِه، كتبتُه من
حفظی .
حدَّثنا أحمدُ بنُ " محمدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُْ الفضلِ، حدَّثنا محمدُ بنُ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ١٢/ ١٦١.
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٣٥.
(٣) سقط من: ح، م.
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٣٦.
(٥ - ٥) سقط من: ح، م.
٥٤٤
الموطأ
ما جاء فى الثُّقى
جريرٍ ، حدَّثنا جعفرُ بنُ مكرمٍ ، قال: حدَّثنا قُرِيشُ بنُ أنسٍ ، عن ابنِ عونٍ ، عن الاستذكار
الحسن، عن الأحنفِ ، أنه كان جالسًا عندَ معاويةً، فقال: يا أبا بحرٍ ، ألا
تتكلَّمُ؟ قال: إنى أخافُ اللهَ إن كذَبتُ ، وأخافُكم إن صدَقتُ (١).
وحدَّثنا أحمدُ ، حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ سهلٍ وسهلُ
ابنُّ موسى - واللفظُ له - قالا: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعىِّ ، قال :
سمِعتُ بلالَ بنَ سعيدٍ يقولُ : إن الخطيئةَ إذا أَخْفِيت لم تَضُرَّ إلا صاحبَها ، وإذا
ظهَرتْ فلم تُغيّرْ ضرَّتِ العامّةَ(٢).
بابُ ما جاء فى الثّقَى
بابُ ما جاء فى الثُّقَى
القبس
هذه ترجمةٌ عظيمةٌ أفرَدها مالكٌ رحِمه اللهُ دونَ غيرِهِ مِن المُصنِّفِين،
وعجبًا لهم، كيف أغفَلوها وهى عمادُ الدينِ! قال لى شيخُنا أبو بكرِ الفِهْرىُّ
بالمسجدِ الأقصى، طهّره اللهُ تعالى: كنتُ فى مدينة البصرةِ أَدرَّسُ فى بيتى،
حتى دخَل علىّ رجلٌ مِن أصحابِنا، فقال لى: يا أبا بكرٍ، إن الله تعالى لم
يوصِنا) بمذهبٍ أبى حنيفةً، والشافعىِّ، ومالكِ، ولكنه قال: ﴿وَلَقَدْ وَضَّيْنَا
(١) تقدم تخريجه ص ٥٣٩.
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٣١.
(٣ - ٣) فى ج، م: ((يوصينا)).
٥٤٥
(موسوعة شروح الموطأ ٣٥/٢٣)
الموطأ
الاستذكار
القبس
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٣١]. ثم خرج عنَّا إلى العبادة،
فما دخَل المدرسةَ أبدًا، وقد ذكرها اللهُ تعالى فى مواضع كثيرةٍ مِن كتابِهِ، وعلَّق بها
سعادةَ الدنيا والآخرةِ، ورتَّب عليها اثنتَىْ عشْرةَ خصلةٌ؛ أوَّلُها التوفيقُ ، قال اللهُ
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾
تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٥َ
[الأحزاب: ٧١،٧٠]. وثمرتُها القَبولُ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
اٌلْمُثَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وكان لعامٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ خمسمائةٍ نخلةٍ ، فكان
یصلِّی تحت کلِّ نخلةٍ منها ر کعتین کلَّ یوم ، فلما احتُضِر کان ییکی ، فقيل له فى
ذلك ، فقال: تعِبتُ دَهْرى، وحُرِمْتُ القَبولَ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾. وخاتمتُها الخلودُ فى جنَّةِ عدنٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
ومِن الحقِّ المتوَكِّدِ، والغرضِ اللازمِ فى كلِّ ساعةٍ ، المُتجدِّدِ لكلِّ أحدٍ ، أن
يعرِفَ حقيقتها ومَحِلَّها؛ فأما حقيقتُها، فهى فُغْلَى مِن: وفَى يقِى وِقايةٌ و ◌َقْوى .
أَبدلت الواؤُ تاءً، كما فعَلوا فى كثيرٍ، والتُّقَى التى ترجّم بها مالكٌ رضِى اللهُ عنه،
هى جمعُ تُقاةٍ ، وهو حجابٌ يجعَلُه العبدُ بينَه وبينَ الذنبِ مِن العزم ، قال اللهُ تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدُ(١) لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. أى: لم
يَجعَلْ بينَه وبينَ المعصيةِ وقايةً فى الاحترازِ مِن عدوٍّ كان محُذِّر منه .
(١) روى القصة مختصرة ابن سعد ١٠٦/٧، وابن أبى الدنيا فى المحتضرين (١٧٩) ، وابن جرير
فى تفسيره ٣٢٨/٨، وابن عساكر ٣٣/٢٦، كلهم عن عامر بن عبد الله أبى عمرو العنبرى وليس
كما ذكر المصنف .
(٢) فى ج: ((نجعل)).
:
٥٤٦
الموطأ
الاستذكار
وأما محِلُّها، فالعينُ والأذنُ واللسانُ والقلبُ، وأحوج ما يكونُ إليها الإمامُ، القبس
ولذلك أشار مالك إلى الجميع بالترجمة ، ثم اقتصر فيما جلب تحتها على قولِ عمرٌ
ابنِ الخطابِ: لَتَّعِيَنَّ اللهَ أو لَيْعَذِّبَّكَ اللهُ(١).
فأما العينُ، فهى الرائدُ، ( وهى الرَّبِيئةُ) ، فإذا اطَّلِعَتْ أرسَلت إلى القلبِ ما
حصَلِ عندَها مِن علم، وتحصَّل عندَها ما يجوزُ وما لا يجوزُ، وفى القلبِ لكلِّ شىءٍ
وجْهُ(١) ، على ما يأتى تفسيرُه ، فإذا كفَّت عمَّا لا يجوزُ ولم تُرسِلْ إلى القلبِ إلا الخيرَ،
استراعَ مِن تعِها وتخلّص مِن شَغَبِها، ولقد أحسن فى ذلك القائلُ حيثُ قال(4):
لقلبِك يومًا أُتْعَبَتْكَ (*) المناظرُ
وأنت إذا أرسلتَ طَرْفَك رائدًا
عليه ولا عن بعضِه أنتَ صابرُ
رأيتَ الذى لا كُلُّه أنت قادرٌ
وهذا وإن كان أخَذ طرفًا من المعنى ، فإن الفقيه عطاءً شيخَ الشافعيةِ بالمسجدِ
الأقصى فقهًا وعلمًا، وشيخَ الصوفيةِ طريقةً ، استوفَى لنا هذا المعنى فيما أَنشَدَنا
فقال :
بجِسْمى وقلبى قالَتا لى لُم القَلْبًا
إذا لُمْتُ عَينِيَّ اللَّتَينَ أضرّتا
-
(١) سيأتى فى الموطأ (١٩٣٦).
(٢ - ٢) فى ج، م: ((وهو المرئية)). والربيئة: الطليعة يتقدم القوم. اللسان (ر ب أ).
(٣) فى م: ((وجد)).
(٤) البيتان فى عيون الأخبار ٢٢/٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ١٢٣٨/٣.
(٥) فى ج، م: ((أسلمتك)).
٥٤٧
الموطأ
الاستذ کار
فإِن لُمْتُ قلبى قال عيناكَ جَرَّا إِلىَّ الرَّزَايا(١) ثم لى تجعَلُ الذَّنْبا
القبس
وهذا "مِن الحقِّ الذى) اسْتَوفاه الشاعرُ، وَلَاه فى أبدعِ وصفٍ مِن النَّظْمِ،
وهو الذى بيَّنِه النبيُّ وَّ فى حديث أبى هريرةَ، قال: ((إن اللهَ كتَب على ابنِ آدمَ
حظّه مِن الزّنى، أدرَك ذلك لا محالةَ ؛ فالعَيْنانِ تَزْنِيان ، واليدانِ تَزْنیانٍ ، والرجلانِ
تَزْنيانِ ، والنفسُ تَمنَّى وَتَشْتِهِى، والفَرْجُ يصدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه))(١). ومِن مُشْنٍ
إسلام المرءِ تَوْكُه النظرَ إلى ما لا يحتاج إليه، كما أن ((مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تَزْكُه ما
(٤)
لا يَغْنِيه)» (*).
وقد أخبرنا أبو سعدٍ ) الصوفىُ قال: حضَر الصوفيةُ دعوةً فى منزلٍ، فَقُدِّم
الماءُ، وصُبَّ على الأيدِى، فغسَل واحدٌ وقَبَض يدَه آخرُ، فقال له جليشُه: لِمَ
قبضتَ يدَك ؟ قال: الصوفيةُ لا تستخدمُ النساءَ. قال له: ما هذا الأدبُ الشَّمِئُ(١)،
منذُ أربعينَ سنةً دخَلتُ هذه الدارَ، ما علِمتُ إن كان الذى يطرَحُ الماءَ رجلٌ أو
امرأةٌ .
وأما الأُذُنُ ، فهى أيضًا رائدٌ عظيمٌ، وطليعةٌ كبيرةٌ على وَعْىِ الأُصواتِ ، وفيها
باطلٌ عظيمٌ، وتخليطٌ كثيرٌ، يرجعُ إلى اللسانِ ، على ما يأتى بيانُه إن شاء اللهُ تعالى.
(١) فى ج، م: ((الرؤيا)).
(٢ - ٢) فى د: ((معنى البديع)). والمثبت من ج، م، ونسخة على حاشية (( د)).
(٣) تقدم تخريجه فى ٦٨/٣ .
(٤) تقدم فى الموطأ (١٧٣٧) .
(٥) فى ج، م: ((سعيد)).
(٦) فى د: ((إنى)).
٥٤٨
الموطأ
الاستذكار
وتحصيلُ حجابِه وتحصينُ ( ١ الحائلِ بينَه وبينَ المعاصى الذى هو تَقْواه ، ألَّا يُداخِلَ القبس
مَظانَّ اللغوِ والباطلِ ابتداءً، ثم إن سمِع كلامًا وعَى أحسنَه وأرسَل سَيِّئَه، كما قال
اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. قال علماؤنا
رحمةُ اللهِ عليهم: فجاء فى هذه الآيةِ بُكْتَتَين بديعتَين :
الأُولى: قولُه: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾. مطلقًا، ثم قال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ﴾. مُقيَّدًا بالإحسانِ؛ لأنه ليس فى قُدْرتِه الاستماعُ إلى الحسنِ دونَ
القبيح فلم يُكلَّفْ فيه التمييزَ، وفى قُدرتِه اتِّاعُ الأحسنِ دونَ القبيح فكُلِّفَه (١).
وأما اللسانُ ، فقد تقدَّم بيانُه بما فيه فائدةٌ وآفةٌ ، وتفصيلُ القولِ فيه ، فليؤخَذْ
منه .
وأما القلبُ ، فهو البحرُ العَجَّاج، فيه الفوائدُ بأجمعِها، والآفاتُ بجملتِها ، وقد
أشارَ النبيُّ وَ لَه إلى " ذلك مِن الثَّقوى)، فقال: ((أن تحفَظَ الرأسَ وما وعَى، والبطنَ
وما حوّى، وأن تذكُرَ المقابرَ والبِلى(١)). إشارةً إلى كسرٍ شهوةِ النفسِ، وتحقيرٍ
الأملِ بالنظرِ فى المآلِ، وبقدرٍ تَوجّهِ الآفاتِ على القلبِ من سُبْلِها وأبوابِها ، فعلى
كلِّ بابٍ غَلَقٌّ مِن التَّقْوى، وحجابٌ مِن العِصْمةِ ؛ أَمَّهاتُها بابُ الشركِ ، حجابُها
التَّوحيدُ ، فإن عرَض لك الشيطانُ فيه بشُبْهةٍ ، فدواؤُه الأدِلَّةُ ، وهى حجابٌ ، وذلك
(١) فى ج، م: ((تحصيل)).
(٢) فى ج، م: (( بكلفة)).
(٣ - ٣) فى د: ((بيان ذلك من التقى)).
(٤) فى م: ((البلاء)).
والحديث أخرجه أحمد ١٨٧/٦ (٣٦٧١)، والترمذى (٢٤٥٨) من حديث ابن مسعود ..
٥٤٩
الموطأ
الاستذ کار
القبس أمرٌّ مُستمِرٌ مُمكِنٌ، فإن عرَض لك بداءِ الوَسواسِ ، فدواؤُه الاستعاذةُ ، وقد قال النبى
وَ ﴿ فى مِثْلِ هذا: ((لا يزالُ الشيطانُ يقولُ: مَن خلَق كذا؟ مَن خلَق كذا؟ فيقالُ:
اللهُ. حتى يقولَ: مَن خلَق اللهَ؟! فإذا وجَد أحدُكم ذلك فليقُلْ: لا إله إلا الله))(١).
فأمَرِ النبىُّ نَّهِ بجوابٍ إِبليسَ فى كلِّ سؤالٍ؛ لأنه سؤالٌ صحيحٌ ، فلما سأل عمَّا لا
يُسألُ وذكَر ما لا يُعقَلُ، أمَر بالإعراضِ عنه والرجوع إلى التوحيدِ، وهذا كما جرَى
لأهلِ النارِ؛ فإنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعَمَلٌ﴾
قيل لهم: ﴿أَوَلَّمْ نُعَمَِّّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
ثم استغائوا، فقيل لهم: ﴿أَلَمّ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (٣) قَالُواْ
رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥، ١٠٦]. فقيل
لهم: ﴿أَخَْتُواْ فِيَهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. فلم يَستحِقُّوا جوابًا؛ لأنهم سألوا مُحالًا ،
قالوا: ﴿غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. فأقرُّوا بأن القضاء والقدرَ سبَق عليهم بالشِّقْرةِ ، ثم
قالوا : انقُضْ قضاءَك وبدِّلْ كلامَك وأخرِجْنا. فخسَئوا، وأُغلِقَتَ عليهم أبوابُ
الجحيم، ولم يُكلَّموا أبدًا .
وأما بابُ المعصيةِ ، فدواؤُه الطاعةُ ، فإنه ما مِن معصيةٍ إلا وبحِذائِها طاعةٌ ، ولا
ذنبٍ إلا وبإزائِه مَغْفرةٌ، ولكن الذى يُعِينُ على الطاعةِ ، بتيسيرِ اللهِ تعالى وتقديرِه ،
(٢)
أن النفسَ أمَّارةٌ بالشُوءِ، كما قال الصِّدِّيقُ(٣) .
(١) البخارى (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤) من حديث أبى هريرة .
(٢) فى د: ((قدرته)).
(٣) يعنى به يوسف عليه السلام .
٥٥٠
الموطأ
الاستذكار
القبس
قال شیوُ(١) الصوفية: هی موكب اجتمعت فیھا شِرائُ خِصالِ الدواب ، فھی
حَرونٌ، جَمُوحٌ، شَمُوسٌ(٢) ، فإذا أردتَ استخدامَها فقَلِّلْ عَلَفَها، فإنك إذا أعطيتَها
قُوَّتَها بالعَلَفِ قوِيت عليك، وثَّقُلْ حِمْلَها بالطاعةِ والدُّكُوبِ ، فإنك إذا خفَّفتَ حِمْلَ
الدابةِ الشَّمُوسِ اضطربت فيه وسقَط، وإذا ثقَّتَه اشتغلَت به عن كلِّ شيءٍ ، ولازِم
ذلك دائمًا؛ فإن الطريقَ إذا طالَ على "الدابةِ الحَمُولِ" هانَتْ ولانَتْ، ولا
تُرِخْها ، فإن راحتَها إجمامٌ، إلا بمقدارِ ما تَرى أنه يديمُ بها المتاعَ والخدمةً ، ولا
تُعَجِّلْ لها الهَلَكةَ ، وتستعينُ بعدَ ذلك كلِّه بالتضرع إلى اللهِ عزَّ وجلّ فى الإعانةِ على
ما تصدَّيتَ له مِن هذه المحاولةِ ، وتَتضرّمُ إليه فى الإعانة ، فإن رأيت ذلك قد حصل
لك فدُمْ عليه، وإن رأيتَه قد تعذَّر عليك فإِيَّك أن تَسْتحسِرَ، فـ ((يُستجابُ
لأحدِ كم ما لم يَعْجَلْ» (١). وكُنْ سائلًا فى التوبةِ، إن لم تَكُنْ تائبًا ومُتعرّضًا لنَفَحاتِ
رحمةِ اللهِ تعالى، حتى يأتيَك ما قُدِّر لك، واجتهِدْ أُولًا فى تحصيلِ هَدْيِك،
والإكثارِ مِن عملك، والإقلالِ مِن قولِك، فإن ذلك جزءٌ مِن خمسةٍ وعشرينَ جزءًا
مِن النبوةِ، وقد قال النبيُّ بَّر فى الحديث الصحيح: ((إن الله لا ينظُرُ إلى
صُوَرِكم وأموالِكم))(٨) الحديث. ولم يَقُلْ: وأقوالِكم.
(١) فى ج، م: ((شيخ)).
(٢) الحرون من الدواب: التى إذا استُدِرَّ جريُها وقفت . والجموح: الفرس الذى يجرى سريعا يغلب
فارسه ، والشموس : التی شردت وجمحت ولم تستقر . ينظر اللسان (ح ر ن ، ج م ح، ش م س).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((الدواب الحمولة)).
(٤) فى ج، م: ((تريحها)).
(٥) فى ج، م: ((تستحضر)). وتستحسر: تمل وتنقطع. ينظر اللسان (ح سر).
(٦) تقدم فى الموطأ (٤٩٩).
(٧) يعنى به قوله وَّلقول: («الهدى الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة)).
وتقدم تخريجه فى ٧٤٢/٢٢، ٧٤٣
(٨) مسلم (٣٣/٢٥٦٤، ٣٤) .
٥٥١
الموطأ
١٩٣٦ - مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ ، عن أنسٍ
ابنِ مالكِ ، قال : سمِعتُ عمرَ بن الخطّابِ ، وخرجتُ معَه حتى دخل
حائطًا فسمِعتُه وهو يقولُ، وبينى وبينَه جدارٌ، وهو فى جوفٍ
الحائطِ : عمرُ بنُ الخطابِ أميرُ المُؤمنينَ ! بَخ بَخ ! واللهِ يا ابنَ
الخطَّبِ لتَّقِيَنَّ اللهَ أو لَيُعَذِّبَنَّكَ.
الاستذكار
مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحة ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، قال :
سمِعتُ(١) عمرَ بنَ الخطابِ، وخرَجتُ معه حتى دخَل حائطًا فسمِعتُه وهو
يقولُ، وبينى وبينَه جدارٌ، وهو فى جوفِ الحائطِ : عمرُ بنُ الخطابِ أميرٌ
المؤمنين! بَخٍ بَخٍ ! واللهِ يا ابنَ الخطابِ لتُّقِيَنَّ اللهَ أو ليُعذِّبِنَّكَ (٢).
قال أبو عمرَ : قال اللهُ تعالى: ﴿خَيْرَ الزَّادِ الثَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] . یریدُ زادَ
الآخرةِ .
والتقْوَى اسم جامعٌ لطاعةِ اللهِ ، والعملِ بها فيما أمَر به ونهَى عنه ، فإذا انتَهى
القبس
وبهذه النكتةِ التى ختَمْنا الكلامَ بها ، ختَم مالكٌ الباب ليربطَ آخرَه بأولِه ، قال :
عن القاسم بنٍ محمدٍ : أدرَكتُ الناسَ وما يعجبون بالقولِ. يريدُ بذلك أنه يُنْظَرُ إلى
عملِه ولا يُنْظَرُ إلى قولِه. فقولُ عمرَ للأئمةِ ، وقولُ القاسمِ لسائرِ الناسِ .
(١) فى ح: ((صحبت)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٢٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٧/١٧ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٠٩٢). وأخرجه ابن سعد ٢٩٢/٣، وعبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد
ص ١١٥، وأبو نعيم فى معرفة الصحابة ٧٢/١، وابن عساكر ٢٤٠/٤٧ من طريق مالك به .
٥٥٢
١٩٣٧ - مالكٌ، قال: بلَغنى أن القاسمَ بنَ محمدٍ كان يقولُ: الموطأ
أدرَكتُ الناسَ وما يَعجَبونَ بالقولِ .
قال مالكٌ: يُريدُ بذلك العملَ، إنما يُنظَرُّ إلى عملِه ولا يُنظَرُ إلى قولِه.
الاستذ کار
المؤمنُ عمّا نهاه اللهُ عنه، وعمل بما أمره اللهُ، فقد أطاع الله واتَّقاه ، ﴿وَمَن
ج
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٣،٢]،
و﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَغْيِهِ، يُسْرَا﴾ [الطلاق: ٤].
والتّقى اسم أيضًا لخشيةِ اللهِ ، و ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾
[فاطر: ٢٨]. فمن خشِىَ اللهَ واتِّقاه، وانتهى عمّا عنه نهاه ، وقام بما افترَض عليه
فهو العالم، بشهادة الله له بذلك ، وحسبك !
وأما قولُه : بخ بخ ! أميرُ المؤمنين ! فهو توبيخٌ منه لنفسِه، وتوبيخُ النفسِ
وتقريعُها عبادةٌ ، كما أن الرِّضًا عنها هَلكةٌ .
وقولُه : لتَّقِيَنَّ اللهَ أو لِيُعذِّبَنَّكَ. يعنى: إن شاء. وهو مقيَّدٌ بقولِ اللهِ تعالى:
﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
مالكٌ ، قال: بلَغنى أن القاسمَ بنَ محمدٍ كان يقولُ: أدركتُ الناسَ وما
يُعجَبون بالقولِ. قال مالكٌ: يريدُ بذلك العملَ، إنما يُنظَرُ إلى عملِه ولا يُنظَرُ إلى
(١)
قولِه(١) .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٩/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٩٥). وأخرجه
ابن وهب فى جامعه (٤٠٦)، وابن أبى الدنيا فى الصمت (٦٣٤)، والبيهقى فى الشعب (٥٠٤٦)
من طريق مالك به .
٥٥٣
الموطأ
القولُ إذا سمِعتَ الرعدَ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : رُوِّينا عن الحسنِ أنه قال : إذا سمِعتَ من الرجلِ كلامًا حسنًا
فِرُوَيدًا به، فإن وافَق قولُه فعلَه فذلك، وإلا فإنما يُزرِى على نفسِه. وقال
المأمونُ : نحن إلى أن نوعظَ بالأعمالِ أحوجُ منَّا إلى أن نوعظَ بالأقوالِ .
قال أبو عمرَ: يكفى من هذا كلُّه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ
مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣،٢].
بابُ القولِ إذا سمِعتَ الرعد
القبس
القولُ فى الرعدِ
هذا فَنٌّ مِن العلم لم يَرَ مالكٌ رحِمَه اللهُ أن يُخْلِىّ عنه كتابَه، نبّه عليه العلماءُ،
وحذَفه حَذْفًا كثيرًا نُفَاةُ" العامَّةِ الذين لا يفهمونه إن ذُكِر ، ولا يُنزِلونه على منازلِه
إن سمع، ونحن نشيرُ إلى نُكْتَةٍ تكشِفُ بعضَ قِناعِه، فنقولُ : إن العلومَ كلَّها
محمودةٌ ، وليس شىءٌ مِن العلومِ مذمومًا؛ لأن العلمَ شريفٌ بذاتِه على الإطلاقِ ، ثم
يَشْرِفُ بشَرَفٍ مُتَعلَّقاتِهِ ، وأشرفُ العلومِ ما تَعلَّقَ باللهِ تعالى وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه
فى خلقِه، وترتيبٍ مُلْكِه لعبادِه وشرائعِه، وكلُّ علم مُطْلَقٍ بعيدٍ مِن اللهِ تعالى، إذا
صرَفْتَه إليه انصرَف، كما أن كلَّ فعلٍ مُطْلَقٍ مِن أفعالِ الخَلْقِ مما يَقْصِدون به
منافعَهم الخاصةً بهم وأغراضَهم العارضةَ لهم؛ كالأكلِ واللَِّاسِ والتَّطَئِبِ والنكاح،
إذا رجَعْتَه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ رَجَع، فيكونُ الكلُّ عبادةَ بعدَ أن كان عادةً ، فتأكُلُ
(١ - ١) فى م: ((وحذقه حذقا كثيرا قفاه)).
٥٥٤
الموطأ
الاستذكار
لتَقْوَى على الطاعةِ ، وتلبّسُ الثيابَ لِتَسْتُرَ ما أمَرك اللهُ تعالى به مِن العَوْرةِ، القبس
وتستجِيدُها(١) لتُصرّحَ بأَثَرِ نِعمةِ اللهِ عندَك، وتَتَطيِّبُ - كما تقدَّم - للأغراضِ
السابقةِ الدينيّةِ، وتَطَأُ مُعْتَصِمًا بالحلالِ طالبًا للولدِ؛ لتكثيرِ أَمَّةِ النبىِّ ◌َّهِ، مُعْصِمًا.
لأُهلِك عن تَعَلَّقِ البالِ بالرجالِ ، وهكذا إلى آخرِ الحالِ ، فإذا ثبت هذا، وفهِمْتُم أن
شَرَفَ العلم ابتداءً بذاتِهِ ، فالجملةُ المقصودةُ التى يُعِث لها الأنبياءُ أن يُؤْشِدوا إلى
الأفعالِ المُنْجِيةِ مِن أَهوالِ الآخرِةِ ، التى لا يَهْتدِى العقلُ إلى تفصيلها ، ولا يتمكّنُ
بانفرادِهِ مِن تَخْصیلِها، فيَصْطفى اللهُ تعالى مِن بعضٍ عبادِه مَن يُبيِّنُها لبقيتهم ، ومع
أن هذا هو المقصودُ فلا بُدَّ مِن توابعَ فى عمارة الدنيا ، وقد بيًّا فى كتابِ العلمِ مِن
((المُقْسِطِ )) أن ◌ُصُولَ العلم تنقسمُ إلی اثنین مِن وجهٍ، وإلی ثلاثةٍ مِن وجهٍ، وإلی
أربعةٍ مِن آخرَ، وهكذا إلى عشَرةٍ ، إلى مائةٍ ، إلى ألفٍ ، والقِشْمةُ الأولى وهى علم
الدنيا وعلمُ الدين، ولو شاء ربُّك لخلق الخلقَ للجنة ابتداءً، ولكنّه اسگنهم دارًا
سابقةً لها، وأحوجَهمُ(١) فيها إلى المعاشِ والرّياشِ، وكلَّفَهم فيها التكسُّبَ، وبنَى
"نُضبةَ الخلقةِ) فى الابتداءِ على ذلك، وإليه وقعت الإشارةُ فی القرآنِ فی آیاتٍ ؛
منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ
عَدَدَ أُلْسِنِينَ وَاَلْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. فاقتضَت هذه الآيةُ الإشارةَ الجُمَّلِيَّةَ إلى
جميع الدنيا بما فيها ، والتنبية على ما اشتَمّلت عليه مِن جميعٍ معانيها، ومن أصلٍ
(١) فى ج، م: ((تستجد)). واستجاد الشىء: طلب الجيد منه.
(٢) فى ج، م: ((أخرجهم)).
(٣ - ٣) فى ج: ((نصبة الخلق))، وفى م: ((نصية الخلق)). والنصبة: السارية المنصوبة لمعرفة
علامة الطريق. التاج (ن ص ب).
٥٥٥
الموطأ
الاستذكار
القبس نظام الدنيا وترتيبِ المعاشِ فيها معرفةُ الحسابِ ، وهو على قِسْمَين مِن وجهِ معرفةٍ
الأعدادِ الجُمَليَّةِ المُتصرّفةِ بينَ أيدِى الخلقِ فى المَكِيلِ والمَوزونِ بالحِسِّ، كما أن
الوزنَ يُعْرَفُ فى حسابِ السماءِ بالعقلِ، وللعقلِ ميزانٌ، كما أن للحِسِّ آخرَ،
وإليه وقعت الإشارةُ بقولِه تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَّعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧].
ومعرفةُ حسابِ السماءِ كان بضرورةِ اختلافٍ الأزمنةِ ، لضرورةٍ ترتيبٍ المعاشِ
عليها، بضرورةٍ ١ حاجةٍ الخلقِ إليها، وهو أمرٌ مُشاهَدٌ؛ لأن الله تعالى: ﴿جَعَلَ فِي
السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيْرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. وهى الآيةُ الأُخرى
المُشتمِلةُ على المصالحِ المُنبِّهِ على ارتباطِ المنافعِ. وقد سُئِل مالكٌ عن قولِه
تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوِجٍ تُشَيِّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . قال :
هى قصورٌ فى السماءِ. فَلَحَن فى الجوابِ لَحْنًا فهِمه أصحابُه، وقالوا : هى الاثنا
عشَرَ بُرْجًا؛ التى هى الحَمَلُ، والثَّورُ، والتوءِمانِ(٢) ، والشّرَّطانُ، والأسدُ،
والسّنبلةُ، والميزانُ، والقَوْسُ(٤)، والعقربُ، و"الجَدْئُ، والعذراءُ ، والحوتُ.
وقال بعضُ المتعلّقين بالمعانى: فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْثُ
وَلَوْ كُمْ فِىِ بُرُوجٍ تُشَّدَةٍ﴾: إشارةٌ إلى أن الفسادَ والفَناءَ فى السماواتِ والأرضِ. رَدًّا
على مَن يقولُ: إنه ليس فى السماواتِ فَنَاءٌ ولا فسادٌّ. ولمّا كان نُزُولُ الشمسِ
والقمرِ فى هذه البروجِ لترتيبِ المعاشِ مُشاهَدًا فى القمرِ مُسْتَدَلًا عليه فى الشمسِ،
(١ - ١) فى د: ((سماء الحساب)). والمثبت من ج، م، ونسخة على حاشية ((د)).
(٢) فى د: ((لضرورة)).
(٣) ويسمى التوعمان بالجوزاء . ينظر أحكام القرآن ٤٦١/١ .
١) (٤) فى ج، م: ((الرامى)). ويسمى القوس بالرامى. المصدر السابق.
(٥ - ٥) فى ج، م: ((الساقى)). ولم يذكر المصنف من أسماء البروج اسم الدلو، كما أنه أشار إلى أن اسم
السنبلة يطلق على العذراء . وبهذا يكون المذكور هنا أحد عشر برجا فقط. ينظر المصدر السابق .
٥٥٦
الموطأ
الاستذكار
والعادةُ وحالةُ الهيئةِ ونظامُه عندَهم مِن الحسابِ معلومٌ، نظَمه الناسُ ورَّبوه ؛ إمّا القبس
مُجَّدًا للمنافعِ ككْتُبِ الأَنْواءِ، وهذا أمرٌ مجمِع منه ما تكلَّمَت فيه الصحابةُ ؛ فقد
رُوى عن عمر أنه قال فى حينِ الاستسقاءِ: كم بَقِى لنَوْءِ الثَّرِيًّا؟! (١) وألمَح به مالكٌ
فى بابِ الاستمطارِ بالنجومِ ، فإنه لم يَقُلْ : بابُ كراهيةِ الاسْتمطارِ . ولم يَقُلْ : بابُ
جوازِ الاستمطارِ . وإنما أطلَق القولَ لاحتمالِ الحالِ الجوازَ والتحريمَ، وهذا أصلٌ
فى أبوابٍ كتابِهِ، إذا كان الشىءُ جائزًا قال : بابُ جوازٍ كذا. وإذا كان حرامًا
ممنوعًا قال: بابُ تحريم كذا، أو بابُ منعٍ كذا". وقد بيَنَّا فى كتابِ الصلاةِ
انقسامَ الحالِ فيها إلى الجوازِ والمنعِ، أمَّا القولُ فى الرعدِ فلم يُتِهِمْ مالكٌ رضِى اللهُ
عنه فيه القولَ لأجلِ تَخْلِيطِ الأوائلِ فيه، حتى قالوا: إنه اضْطِكاكُ الأجرام . وهو قولٌ
يَخْرِقُ الاحترامَ، ويوجِبُ الاحترامَ، وقد بيًّّا فسادَه فى موضعِه، وهذا بيِّنٌ مِن
الحسابٍ فيه، فإنه دَعْوى فى أمرٍ غالبٍ لا يدُلُّ عليه دليلٌ عقلىٌّ ولا شرعىٌّ، ومَن
ادَّعاه فطالِيوه بتَرْكِه (٢) ، فإنه يَفتضِحُ فى خَرْقِهِ، وإنما بناه مالكٌ رضِى اللهُ عنه ،
لأجلٍ أن الناسَ يَأْثيرون(٥) فيه عن النبيِّ نَّهِ أشياءَ لا أصلَ(١) لها ، أمثَلُها حديثٌ يَزْوِيه
شُتَيرُ بنُ نهارٍ (١، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قال ربُّكم عزَّ وجلّ: لو
(١) تقدم تخريجه فى ٤٦٨/٦.
(٢ - ٢) سقط من : ج ، م .
(٣ - ٣) فى م: ((أبين من الإطناب)).
(٤) فى ج، م: ((بذكره )).
(٥) فى د، ج: ((لا يأثرون))، وفى م: ((يؤثرون)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٦) فى م: ((أحل)).
(٧) فى ج: ((نيار)). ويقال فيه: سمير بن نهار. ينظر تهذيب الكمال ٣٧٨/١٢.
٥٥٧
الموطأ
الاستذكار
القبس أن عبادى أطاعُونى لأَسقيتُهم المطرَ بالليلِ، ولأطلَعتُ عليهم الشمسَ بالنهارِ ،
ولم أُسمِغهم صوتَ الرعدِ)) (١) . تفرّد به محمدُ بنُ واسعٍ، عن شُتَيْرِ بنِ شکَلِ
(٢)
أخبرناه، ولهذا قال عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ فيما رواه فى ((الموطأ))، عن عامٍ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ ، عن أبيه، أنه كان إذا سمع صوتَ الرعدِ تَرَك الحديثَ
وقال: سبحانَ الذى يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه والملائكةُ مِن خِيفتِه. ثم يقولُ: إن
هذا لوعيدٌ ( ) لأهلِ الأرضِ شديدٌ (٢) . وفى روايةٍ أخرى بإسنادِه، عن أبى هريرةَ،
أن النبيَّ وَ كان إذا سمع صوتَ الرعدِ قال: ((اللهمَّ لا تَقْتُلْنا بغضبِك، ولا
تُهْلِكْنا بعذابِك، وعَافِنا قبلَ ذلك))(٢). وفى روايةٍ أُخرى عنه، أن النبىّ
كان يقولُ إذا سمِعه: ((سبحانَ مَن يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه)) . وعن الصحابةِ
رضِى اللهُ عنهم فى ذلك آثارٌ كلّها لم تُرِدْ مِن طريقٍ صحيحٍ، فخرّج مالكٌ
رضِى اللهُ عنه حديثَ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ ؛ لصِحَّتِّه عندَه، ولأَنْهِ يدُلُّ على أنه
وعيدٌ كما جاء التصريح به فى هذه الأحاديثِ. واللهُ أعلمُ .
أنا أبو الحسينِ الحنبلىُّ ، أنا أبو يعلى بنُ عبدِ الواحدِ، أنا أبو علىٌّ بنُ شعبةً، أنا
(١) الطيالسى (٢٧٠٩)، وأحمد ٣٢٧/١٤ (٨٧٠٨).
(٢) فى م: ((مشكل)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٦/١٢، ٣٧٨، وسياق الكلام يقتضى أن
يقول : شتير بن نهار . ولعله سهو .
(٣ - ٣) ليس فى : د.
(٤) ليس فى : د .
ص
(٥) الموطأ (١٩٣٨) عن عامر بن عبد الله بن الزبير .
(٦) لم نجد هذه الرواية فى الموطأ وفيما بين أيدينا من مصادر من حديث أبى هريرة. وسيأتى الكلام
الصفحة التالية على الصواب من حديث ابن عمر .
(٧) ابن جرير فى تفسيره ٤٧٧/١٣، وابن مردويه - كما فى تخريج أحاديث الكشاف ١٨٤/٢ .
٥٥٨
الموطأ
١٩٣٨ - مالك، عن عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، أنه كان إذا سمِع
الرعدَ ترَك الحديثَ وقال: سبحانَ الذى يُسبِّحُ الرعدُ بحمدِه
والملائكةُ من خِيفِه. ثم يقولُ: إن هذا لَوعيدٌ لأُهلِ الأرضِ شديدٌ .
مالكٌ، عن عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، أنَّه كان إذا سَمِع الرعدَ ترَك الحديثَ الاستذكار
وقال : سبحانَ الذى يُسبِّعُ الرعدُ بحمدِه والملائكةُ من خيفتِه. ثم يقولُ : إن
هذا لوعيدٌ لأهلِ الأرضِ شديدٌ .
هكذا رواه يحيى، لم يُجاوِزْ به عامًا. ورواه غيره من رواةٍ ((الموطأُ))،
فقالوا فيه : مالكٌ، عن عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ ، عن أبيه (١) .
قال أبو عمرَ : جمهورُ أهلِ العلمِ مِن أهلِ الفقهِ والحديثِ يقولون: الرعدُ
أبو العباس أحمدُ بنُ محمدٍ ، أنا محمدُ بنُ عيسى، أنا قُتَيبةٌ، ثنا عبدُ الواحدِ بنُ القبس
زيادٍ، عن حجاج بن أرطاةَ ، عن أبى مطرٍ ، عن سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن
أبيه، أن رسولَ اللهِ وَلِّ كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ والصواعقِ قال: ((اللهمَّ لا تَقْتُلْنا
بغضبِك، ولا تُهْلِكْنا بعذابِك، وعافِنا قبلَ ذلك)). قال محمدٌ : هذا حديثٌ
(٣)
غريب(٢).
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٩٤). وأخرجه
ابن أبى شيبة ٢١٥/١٠، ٢١٦، وأحمد فى الزهد ص ٢٠١، والبخارى فى الأدب المفرد
(٧٢٣)، وابن أبى الدنيا فى المطر والرعد (٩٧)، والخرائطى فى مكارم الأخلاق (٥٦١)، وأبو
الشيخ فى العظمة (٧٨٣)، والبيهقى ٣٦٢/٣ من طريق مالك به .
(٢) فى م: ((زناد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٥٠/١٨.
(٣) الترمذى (٣٤٥٠). وأخرجه أحمد ٤٧/١٠، ٤٨ (٥٧٦٣)، والبخارى فى الأدب المفرد
(٧٢١)، والنسائى فى الكبرى (١٠٧٦٤) من طريق عبد الواحد بن زياد به، وسيأتى ص ٥٦٣.
٥٥٩
الموطأ
الاستذكار ملكٌ يزجُرُ السحابَ . وقد يجوزُ أن يكونَ زجره لها تسبيحًا ؛ لقول الله تعالى:
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ،﴾ [الرعد: ١٣]. والرعدُ لا يعلَمُه الناسُ إلا بذلك
الصوتِ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك تسبيحَه؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّن شَىءٍ إِلَّا
يُسَبِّحُ بِّدِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْفَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقد قال أهلُ العلم
بتأويلِ القرآنِ فى قولِه تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِِّى مَعَهُمْ﴾ [سبأ: ١٠]. أى:
سبِّحی معه .
وروَی بکیرُ بنُ شهاب ، عن سعیدِ بنِ جبیرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : أقبَلَتْ
يهودُ إلى النبيِّ بَهَ، فقالوا: أخبرنا عن الرعدِ، ما هو؟ قال: ((ملكٌ من
الملائكةِ مُوكَّلٌ بالسحابِ ، معه مخاريقُ (١) من نارٍ ، يسوقُ بها السحابَ حيث
شاء اللهُ)). قالوا: فما هذا الصوتُ الذى يُسمَعُ؟ قال: ((زَجرُه السحابَ إذا
زجرَه؛ حتى يَنتهِىَ إلى حيثُ أُمِرِ)). قالوا: صدّقتَ(١).
ورُوِى عن علىّ قال : الرعدُ مَلَكٌ، والبرقُ مخارقُ من حديدٍ(٢) .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاصى ، أن كعبًا أرسَل إليه يسألُه عن الرعدِ ،
القبس
(١) جمع مِخْراق: وهو فى الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا. أراد آلة يزجر بها
الملك السحاب ويسوقه. ينظر النهاية ٢٦/٢.
(٢) أخرجه أحمد ٢٨٤/٤، ٢٨٥ (٢٤٨٣)، والترمذى (٣١١٧)، والنسائى فى الكبرى
(٩٠٧٢) من طريق بكير به .
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٦٢/١، ٣٦٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥/١ (١٩٠)،
وأبو الشيخ فى العظمة (٧٧١)، والبيهقى ٣٦٣/٣.
٥٦٠