Indexed OCR Text

Pages 441-460

الموطأ
ولَفْظُ حديثٍ أنسٍ : ((أَكْبَرُ الكَبَائِرِ)) .
التمهيد
وروَى أبو بَكْرَةَ، عن النبيِّ ◌َ مثلَ ذلك، وزاد: ((وشهادَةُ الزُّورِ)) (١).
ورَوَى الشعبىُّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاصى ، أنه قال: جاء أعرابى إلى
رسولِ اللهِ وَله، فقال: ما الكبائِرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((الإشراكُ باللهِ)). قال:
ثم ماذا؟ قال: ((ثم عُقُوقُ الوَالِدَيْن)). قال: ثم ماذا؟ قال: ((ثم اليمينُ
الغَمُوسُ)). قال: وما اليمينُ الغَمُوسُ؟ قال: ((الذى يَقْتَطِعُ مالَ امْرِئُ مسلمٍ
ییمین هو فیھا کاذِبٌ))(٢) .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، عن النبيِّ وَ أَنَّه قال: ((شُرْبُ الخَمْرِ مِن
الكَبَائِرِ » .
وعنه أيضًا، عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال: ((مِن الكبائِرِ أن يَشْبَّ الرجلُ
والِدَيْهِ ))(٢). يَغْنِى: يَسْتَسِبُ(٤) لهما. وهو يذْخُلُ فى بابِ العُقوقِ .
وحديثُ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: (( ما تَعُدُّون الكبائِرَ
فيكم؟)). قُلْنا: الشِّرْكُ باللهِ، والزِّنَى، والسَّرِقَةُ، وشربُ الخمرِ. قال: ((هُنَّ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٢/٣٤ (٢٠٣٨٥)، والبخارى (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧) ، والترمذى
(١٩٠١) .
(٢) أخرجه البخارى (٦٩٢٠) ، وابن جرير فى تفسيره ٦٥٤/٦، ٦٥٥، وابن حبان (٥٥٦٢) ،
والبيهقى ٣٥/١٠ من طريق الشعبى به .
(٣) أخرجه أحمد ٨٣/١١ (٦٥٢٩)، والبخارى (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، وأبو داود (٥١٤١)،
والترمذى (١٩٠٢) .
(٤) فى ص٤: ((يستب)).
٤٤١

الموطأ
التمهيد كَبائِرُ، وفِيهِنَّ عُقُوباتٌ، ألا أَنَهُكم بأكْبَرِ الكبائِرِ؟)). قُلْنا: بلى. قال: ((شَهَادَةُ
(١)
الزُّورِ ))(١).
وفى حديثٍ خُرَيْم بنِ فاتِكٍ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ صلاةَ الصُّبْحِ
يومًا، فَلَمَّا انصَرَفَ قام قائمًا، فقال: ((عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالإِشْرَاكِ باللهِ)) .
ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم تَلاَ: ((﴿فَاجْتَلِبُواْ الْرِّْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَأَجْتَنِبُواْ
قَوْلَ الزُّورِ)))(١) [الحج: ١
وروَى ابنُّ المبارَكِ، عن سفيانَ، عن عاصِمِ ابنِ بَهْدَلَةَ، عن وائلِ بنِ
ربيعةً، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ
باللهِ. ثم قَرأ: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَأَجْتَنِبُواْ فَوْلَـ
(٣)
الزُّورِ﴾(٢).
ورُوِى عن مُحارِبٍ بنِ دِثَارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ : سمِعتُ النبىَّ
وَلَّه يقولُ: ((شاهِدُ الزُّورِ لا تَزُولُ قدَمَاه حتى تَجِبَ له النارُ))(٤) .
قال أبو عمرَ : الفِرارُ مِن الرَّحْفِ مَذْكُورٌ فى حديثِ ابنِ عمرَ المذكورِ ،
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ١٢٢/٦ .
(٢) أخرجه أحمد ١٩٤/٣١ (١٨٨٩٨)، وأبو داود (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٢٣٧٢)، والترمذى
(٢٣٫٠٠٠) .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٥)، وابن أبى شيبة ٢٥٧/٧، والطبرى ٥٣٦/١٦، والطبرانى
(٨٥٦٩)، والبيهقى فى الشعب (٤٨٦٢).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٣٧٣)، وأبو يعلى (٥٦٧٢)، والحاكم ٩٨/٤، والبيهقى ١٢٢/١٠ من
طريق محارب به .
٤٤٢

الموطأ
وفى حديثٍ ابنِ عباسٍ (١)، وفى حديثٍ أبى أيُّوبَ الأنصارِىِّ (١) ، وفى حديثِ التمهيد
عبدِ اللهِ بنِ أنيسِ الجُهَنِىِّ، كلُّها عن النبيِّ وَهِ. وفى حديثٍ أَبِى أَيُّوبَ: ((وَمَنْعُ
ابنِ السبيلِ)). ولا أحْفَظُه فى غيرِه.
وذکَرَ ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنى سليمانُ بنُ بلال ، عن کثیرِ بنِ زیدٍ ، عن
الوليدِ بنِ رَبَاحِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((اتَّقُوا السَّبْعَ
الموبقاتِ)). قُلْنا: وما هى؟ قال: ((الشِّرْكُ باللهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ التى حَرَّم اللهُ إلّا
بالحقِّ، والزّنَى، وأكلُ الرَّبًا، وأكلُ مالِ اليتيم، وشهادَةُ الزُّورِ، وقَذْفُ
المخصَنَاتِ)).
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ أنيسٍ، عن النبيِّ نَّهِ مثلَه فى السَّبْعِ الكبائرِ، إلَّا أَنَّه
ذكَرَ فيهنَّ الْعُقُوقَ، ولم يَذْكُوْ قَذْفَ المحْصَناتِ(١) .
فهذا ما فى الآثارِ المَرْفُوعَةِ مِن الكبائرِ عن النبيِّ مَِّ، وهو يُخرَّجُ فى
التَّفْسِيرِ المرفوع، وهى مَشْهُورَةٌ عندَ أهلِ العِلْمِ بالحديثِ ، ترَكْتُ ذِكْرَ
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٨١/١١، والنحاس فى ناسخه ص ٤٦١، والطبرانى (١٣٠٢٣)
موقوفًا على ابن عباس.
(٢) أخرجه أحمد ٤٨٨/٣٨ (٢٣٥٠٢)، وابن أبى عاصم فى الجهاد (٢٧١)، والنسائى
(٤٠٢٠)، والطحاوى فى شرح المشكل (٨٩٦)، والطبرانى (٣٨٨٥).
(٣) أخرجه أحمد ٤٣٥/٢٥ (١٦٠٤٣)، والترمذى (٣٠٢٠)، والطحاوى فى شرح المشكل
(٨٩٣)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٢٧/٧، والضياء فى المختارة ١٦/٩ (٣)، واللفظ له.
٤٤٣

الموطأ
التمهيد أسانِيدِها خَشْيَةَ الإِطالَةِ .
وأجْمَعَ العلماءُ على أنَّ الجَوْرَ فى الحُكْمِ مِن الكَبَائِرِ لمَن تَعَمَّدَ ذلك عالِمًا
به، رُوِيَتْ فى ذلك آثارٌ شديدةٌ عن السَّلَفِ. وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ لَّمْ
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]. و: ﴿الظَّالِمُونَ﴾
[المائدة: ٤٥]. و: ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. نزَلَتْ فى أهلِ الكتابِ. قال
مُذَيْفَةُ ، وابنُ عباسٍ: وهى عامَّةٌ فينا(١). قالوا: ليس بكُفْرٍ يَتْقُلُ عن المِلَّةِ إذا فعَلَ
ذلك رجلٌ مِن أهلِ هذه الأُمَّةِ، حتى يَكْفُرَ باللهِ وملائكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ
الآخِرِ . رُوِى هذا المعنَى عن جماعَةٍ مِن العلماءِ بِتَأْوِيلِ القرآنِ ؛ منهم ابنُ عباسٍ ،
وطاوسٌ، وعطاء(١) . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ
خَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. والقاسِطُ : الظالِمُ الجائِرُ.
فالذى حصَل فى الآثارِ المذكورَةِ عن النبيِّ وَلَّ مِن ذِكْرِ الكبائرِ، سِنَّةَ عشَرَ
ذَنْبًا؛ الإِشْرَاكُ باللهِ، وقتلُ النَّفسِ المؤمنةِ بغيرِ الحقِّ، وعُقُوقُ الوالِدَينِ
المسلمَيْن، وقَذْفُ المخصَنَةِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، والسّخْرُ، والفِرارُ مِن الزَّحْفِ،
والزِّنَى، وأكلُ الرِّبَا، وشُرْبُ الخمرِ ، والشَّرِقَةُ، واليَمِينُ الغموسُ، وأكْلُ مالٍ
التِيمِ ظُلْمًا، والإلحَادُ بالبَيْتِ الحَرامِ، ومَنْعُ ابنِ السبيلِ، والجَوْرُ فى الحُكْمِ
القبس
(١) ينظر تفسير عبد الرزاق ١٩١/١، وتفسير ابن جرير ٤٥٨/٨، ٤٥٩، وتفسير ابن أبى حاتم
١١٤٣/٤ (٦٤٣٠)، ومستدرك الحاكم ٣١٢/٢.
(٢) ينظر تفسير الثورى ص ١٠١، ١٠٢، وتفسير عبد الرزاق ١٩١/١، وتفسير ابن جرير ٤٦٤/٨ -
٤٦٦، وأخبار القضاة لوكيع ٤٢/١، ٤٣، وتفسير ابن أبى حاتم ١١٤٣/٤ (٦٤٣٣)،
ومستدرك الحاكم ٣١٣/٢، وسنن البيهقى ٢٠/٨.
٤٤٤

الموطأ
عَمْدًا .
التمهيد
ومَن جعَل الاسْتِشبابَ للأبَوَيْنِ مِن بابٍ غيرِ (١) العُقُوقِ، كانت سَبْعَةً عشَرَ ،
عَصَمَنا اللهُ مِن جميعِها برَحْمَتِه .
وقد روى عمرُ بنُ المغِيرَةِ، عن داودَ بنِ أبی هِنْدٍ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ
عباسٍ، عن النبيِّ وٍَّ قال: ((الضِّرَارُ فى الوَصِيَّةِ مِن الكَبَائِرِ))(٢) . هكذا رَواه
عمرُ بنُّ المغِيرَةِ مَرْفُوعًا .
ورَوَاه الثورىُّ(٣)، وزُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةً(٤)، وأبو مُعاوِيَةَ، ومنْدَلُ بنُ علىّ،
وعبيدةُ بنُ حميد(٥) ، کلُهم عن داودَ بنِ أبی هِنْدٍ ، عن عِكْرِمَةً ، عن ابنِ عباسٍ
مَوْقُوفًا، قال: الضِّرَارُ فى الوَصِيَّةِ مِن الكبائِرِ. ثم قرأ: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ
يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾، الآية [الطلاق: ١].
ومِن حديثٍ بُرَيْدَةَ الأُسْلَمِيِّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((إِنَّ أكبرَ الكبائِرِ
الإشراكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوالِدِيْن، ومَنْعُ فَضْلِ الماءِ، ومَنْعُ الفَخْلِ)). وهذا
القبس
(١) سقط من : م .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٨٧/٦، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٨٨/٣ (٤٩٣٩)،
والعقيلى ١٨٩/٣، والطبرانى فى الأوسط (٨٩٤٧)، والدارقطنى ١٥١/٤، والبيهقى ٢٧١/٦ من
طريق عمر بن المغيرة به .
(٣) تفسير الثورى ص ٩١ - وعنه عبد الرزاق (١٦٤٥٦).
(٤) أخرجه ابن المنذر فى تفسيره (١٤٥٣) من طريق زهير بن معاوية به .
(٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٨٦/٦ من طريق عبيدة بن حميد به .
٤٤٥

الموطأ
التمهيد حديثٌ ليس بالقَوِىِّ. ذكَرِه البَزَّارُ(١) ، عن عمرو بنِ مالِكِ، عن عمرَ بنِ علىٍّ
المُقَدَّمِىِّ، عن صالِحِ بنِ حَيَّانَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةً ، عن أبيه . وليس له غیرُ
هذا الإسنادٍ ، ولیس ممّا يُختَجُ به .
وقد روَی حَنَشُ بنُ قَیْسِ الرَّخپیُ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَله: ((مَن جَمَع بينَ صَلاتيْن مِن غيرِ عُذْرٍ فقد أتَى بَابًا مِن أبوابٍ
الكبائِرِ، ومَن شَهِد شَهَادَةً فاجْتاحَ بها مالَ مسلم ، فقد تَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النارِ ، ومَن
شَرِب شَرَابًا حتى يَذْهَبَ عَقْلُه الذى رَزَقَه اللهُ، فقد أَتَى بابًا مِن أبوابٍ
(٢)
الكبائر)) (١).
وهذا حديثٌ وإن كان فى إسنادِه مَن لا يُحْتَجُ بمثله أيضًا ، مِن أجلٍ حَنَشٍ
هذا ، فإنَّ مَعْنَاه صحيحٌ مِن وُجُوهِ .
وقد رَوَی شَبِيبُ بنُ بِشْرٍ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ، أُنَّ رجلًا قال : یا
رسولَ اللهِ، ما الكبائِرُ؟ قال: ((الشِّرْكُ باللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ ، والقُنُوطُ مِن
رَحْمَةِ اللهِ))(٣).
فهذه الكبائرُ مَن وَقَاه اللهُ إِيَّها، وعَصَمَه منها، ضُمِنَتْ له الجنةُ ، ما أَدِّى
القبس
(١) البزار (١٠٧ - كشف ).
(٢) أخرجه الترمذى (١٨٨)، والعقيلى ٢٤٨/١، والطبرانى (١١٥٤٠)، والدارقطنى ٣٩٥/١،
وابن شاهين فى ناسخه (٢٤٤، ٢٤٥)، والحاكم ٢٧٥/١ من طريق حنش به ..
(٣) أخرجه البزار (١٠٦ - كشف) من طريق شبيب بن بشر به .
٤٤٦

الموطأ
فرائِضَه ؛ فإنَّهُنَّ الحسناتُ المذهِبَاتُ للسّيئاتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَن اجْتَنَبَ كبائرَ ما التمهيد
نُهِىَ عنه ، كُفِّرَتْ سَيَاتُه الصغائرُ بالوُضوءِ، والصلاةِ ، والصيامِ ، ومَن مات على
هذا زُخْزِح عن النارِ وأُدْخِل الجنةَ وفاز، مَضْمُونٌ له ذلك؟ ومَن أَتَى كبيرةٌ مِن
الكبائرِ، ثم تاب عنها بالنَّدَمِ عليها، والاسْتِغْفَارِ منها ، وتَرْكِ العَوْدَةِ إليها ؛ كان
كمَن لم يَأْتِهَا قَطُّ ، والتَّائِبُ مِن الذنبِ كمَن لا ذَنْبَ له .
على هذا التَرْتيبِ فى الصغائرِ والكبائرِ وكَفَّارَةِ الذَّنُوبِ، جاء معنى
كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِهِ وَلِ عندَ جماعَةِ العلماءِ بالكتابِ والسُّنَّةِ، ومَن أتى
كبيرةٌ ومات على غيرِ تَوْبَةٍ منها، فأمْرُه إلى اللهِ؛ إن شاء غَفَر له، وإن شاء
عَذَّبَه .
فعلى ما ذكَّرْنا ووَصَفْنا خرَجَ قولُنا: إِنَّ الأحادِيثَ فى اجْتِتابِ الكبائرِ أَعَم
مِن حديثِ هذا البابِ، فى قوله: ((مَن وُقِى ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْهِ دَخَل الجنةَ)).
واللهُ المَوَفِّقُ للصَّوابِ ، لا شَرِيكَ له .
وقد جاء عن النبيِّ وَِِّّ أَنَّه تكفَّلَ بالجنةِ لمَن جاء بخِصالٍ سِتِّ ذَكَرَها .
أخبرنا خَلَفُ بنُ أحمدَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ
عُثْمانَ، حدَّثنا يُونُسُ بنُ عبدِ الأُعلَى، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ، حدَّثنا الليثُ
ابنُ سعدٍ ، عن يَزِيدَ بنِ أبى حَبِيبٍ ، عن سعدٍ ١ بنِ سِنانٍ (١)، عن أنسٍ بنِ مالكِ،
القبس
(١) فى م: ((سعيد)). ينظر تهذيب الكمال ٢٦٥/١٠.
(٢) فى م: ((يسار)).
٤٤٧

٥
الموطأ
التمهيد عن رسولِ اللهِ وَّهِ قال: ((تَكَفَّلوا (١) لی سِنَّا أَتَكَفَّلْ" لكم بالجنةِ ». قالوا : وما
هى يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((إذا حَدَّثَ أحَدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَد فلا يُخلِفْ،
وإذا اؤْتُمِن فلا يَخُنْ، وَغُضُّوا أبصَارَكم، واحْفَظوا فُرُوجَكم، وكُفُوا
أیدیکم»(٣).
وأمَّا رِوايَةُ مَن روَى فى حديثٍ مالِكِ هذا: لا تُخْبِرْنا. على لَفْظِ النَّهْي ،
فيَحْتَمِلُ عندى وجْهَين؛ أحدُهما، أن يكونَ قائلُ ذلك قالَه على مَعْنَى
اسْتِنْباطِها " واسْتِخراجِها إنْ يَتْرُكُهم"، وذلك على وَجْهِ التَّعْلِيمِ والإِدْرَاكِ
بالفِكْرَةِ لها، أو يكونَ رجلًا منافقًا قال ذلك القولَ زَهادَةً فى سَماع ذلك مِن
رسولِ اللهِ وَ لَه وَرَغْبَةً عنه، وكانوا قومًا قد نَهَاه اللهُ عن قَتْلِهم بما أَظْهَرُوه مِن
الإيمانِ، واللهُ أعلمُ أىَّ ذلك كان، وكيف كان .
وأمَّا روايةُ مَن رَوَى: ألا تُخْبِرُنا. فهى بَيْنَةٌ فى الاسْتِفْهامِ على وَجْهِ العَرْضِ
والإِغْراءِ والحَثِّ، كأنها ((لا)) التى للتَّثْرِئَةِ(٥)، دخَلَ عليها ألِفُ الاسْتِفْهَامِ،
فصار مَغْنَاها ما ذکَوْنا .
القبس
(١) فى ص٤: ((تقبلوا)).
(٢) فى ص٤: ((أقبل)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة وأحمد بن منيع فى مسنديهما - كما فى المطالب (٢٩٠٩) - وأبو يعلى
(٤٢٥٧)، وابن عدى ١١٩٢/٣، والحاكم ٣٥٩/٤، والبيهقى (٤٣٥٥) من طريق الليث به .
(٤ - ٤) فى ص٤: ((إخراجها)) ..
(٥) أى الدالة على البراءة من الجنس بنفيه . ينظر حاشية الشيخ محمد الأمير على مغنى اللبيب
٦٦/١ .
٤٤٨

الموطأ
وأمَّا تَكْرِيِرُهُ وَّهِ قولَه: ((ما بينَ لَخَيْئِهِ وما بينَ رِجْلَيْه)). ثلاثَ مَرَّاتٍ ، التمهيد
فِيَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوابًا لتَكْرِيرِ قولِه: ((مَن وَقَّه اللـهُ شَرَّ اثَتَيْنْ)). قال ذلك
ثلاثًا أيضًا. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ على ما رُوِى عنه أَنَّه كان إذا تكَلَّمَ بَكَلِمَةٍ
كَّرَها ثلاثًا (١). وفى هذا رُخْصَةٌ لَمَن كَوَّرَ الكَلامَ يُرِيدُ به التأكيدَ والبَيَانَ،
ولا أُحِبُ (٢) لأحدٍ إذا كَوَّرَ كلمةً ثُرِيدُ تَأْكِيدَها، أنْ يُكَرِّرَها أكْثَرَ مِن
ثلاث . وباللهِ التوفيقُ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ القاسِم بنٍ شعبانَ ،
وحدَّثناهُ خَلَفُ بنُ القاسِم ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُّ رشيقٍ، قالا: حدَّثنا علىُّ بنُ
سعيدِ بنِ بَشِيرٍ، حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بنُ غِيَاتٍ ، قال: حدَّثْنَا فَضَالُ بنُ مُبَيْرٍ ،
قال: سَمِعْتُ أبا أَمَامَةَ الباهِلِيِّ صاحِبَ رسولِ اللهِ وَهِ يَأْثُرُ حديثًا سَمِعَه مِن
رسولِ اللهِ وَ﴿ أَنَّه كان يقولُ: ((اكْفُلُوا لى بسِتُّ خِصَالٍ، أكْفُلْ لكم بالجنةِ ،
إذا حَدَّث أَحَدُكم فلا يَكْذِبْ ، وإذا وَعَدَ فلا يُخْلِفْ ، وإذا اؤْتُمِنَ فلا يَخُنْ،
وامْلِكوا ألسِنَتَكم، وكُفُّوا أَيْدِيَكم، واحْفَظُوا فُرُوجَكم))(١). واللفظُ لحديثِ
حَلَفٍ .
القبس
(١) أخرجه البخارى (٩٤، ٩٥)، والترمذى (٢٧٢٣) من حديث أنس.
(٢) فى م: ((أريد )).
(٣) أخرجه ابن حبان فى المجروحين ٢٠٤/٣، والطبرانى (٨٠١٨)، وابن عدى ٢٠٤٧/٦،
والخطيب ٣٩٢/٧ من طريق فضال بن جبير به .
٤٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/٢٣ )

١٩٢٤ - مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه، أن عمرَ بنَ
الموطأ
الخطَّبِ دخَل على أبى بكرِ الصدِّيقِ وهو يَجِذُ لسانَه، فقال له عمرُ:
مَّهْ ! غفَر اللهُ لكَ. فقال أبو بكرٍ : إن هذا أورَدنى المواردَ.
الاستذكار
مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ ، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب دخل على أبى بكرٍ
الصديقِ وهو يَجبِذُ لسانَهُ(١)، فقال له عمرُ: مَهْ! غفَر اللهُ لك . فقال أبو بكرٍ: إن
هذا أورَدنِى المواردَ(٢).
قال أبو عمرَ : إذا كان أبو بكرٍ - وموضعُه مِن الدِّينِ والفضلِ والسابقةِ أعلى
المواضع - يخافُ من لسانه، ويقول إنه يُورِدُه موارد يخشى منها على نفسِه،
فما ظنُّك بغيرِه؟! وعلى قدرٍ علم الإنسانِ يكونُ خوفُه ووَجَلُه وإشفاقُه؛ ﴿إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوَا﴾ [فاطر: ٢٨]. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّ، جََّانِ﴾
[الرحمن : ٤٦] .
ژُژینا عن ابن مسعود أنه قال : المؤمنُ یری ذنوبه کأنه جالس تحت جبلٍ ،
يخافُ أن يقعَ عليه، فتندَقَّ عنقُه، والفَاجِرُ(١) يَرى ذنوبَه كذُبابِ مرَّ على أنِفِهُ(٤
(٥)
فصرفه بيده .
القبس
(١) يجبذ لسانه : يمده، والجَعَدُّ: لغة فى الجذْبِ، وليس مقلوبَه، وذلك أنهما يتصرفان جميعًا
تصرفًا واحدًا. ينظر الاقتضاب فى غريب الموطأ ٥٢٦/٢، والتاج (ج ب ذ ).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٧٨). وأخرجه
ابن وهب فى جامعه (٣٠٨، ٤١٢)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٣/١، والخطيب فى المدرج ٢٠٤/١،
والبيهقى فى الشعب (٤٩٩٠) من طريق مالك به .
(٣) فى ح: ((الكافر)).
(٤) فى م: ((الضم)).
(٥) أخرجه أحمد ١٣١/٦ (٣٦٢٧)، والبخارى (٦٣٠٨)، والترمذى (٢٤٩٧).
٤٥٠

الموطأ
ورُوِّينا عن أسدِ بنِ موسى، عن عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرامَ ، عن شهر بن الاستذكار
حَوْشبٍ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمِ، عن معاذٍ بنِ جبلٍ ، أنه قال: يا رسولَ اللهِ ،
أُّ الأعمالِ أفضلُ؟ فأخرَج رسولُ اللهِ فَلَهِ لسانَه، ووضَع عليه إصبَعَه،
فاسترجعَ معاذٌ، وقال: يا رسولَ اللهِ، نؤاخذُ بما نقولُ كلّه، ويُكتَبُ علينا؟
قال: فضرَب رسولُ اللهِ وَِّهِ مَنكِبَ معاذٍ، وقال: (( ثُكِلَتك أمُّك يا معاذُ ، وهل
يكُبُ الناسَ على مَناخِرِهم فى النارِ إلا حَصائدُ ألسنتِهم(٦))).
وقد روى الدّراوزدِىُّ خبر مالك هذا، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه، عن
عمرَ، عن أبى بكرٍ مثلَه، وزاد فيه: ليس شىءٌ مِن الجسدِ إلا وهو يشكُو اللسانَ
إلى اللهِ تعالى(١).
وهذا اللفظُ قد رُوِى معناه عن النبيِّ وَلَرِ، مِن حديثٍ أبى سعيد الخدرىِّ
رضِى اللهُ عنه .
حذَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا يعقوبُ بنُ المباركِ ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ
أحمدَ البغدادىُّ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ
ابنُ مهدئٍّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أبى الصَّهْباءِ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن النبيِّ وَ لّهِ، قال: ((إذا أصبح ابنُ آدمَ
القبس
(١) فى ح: ((مهران)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠٩/١٦.
(٢) فى ط: ((الألسنة)).
والحديث تقدم تخريجه ص٤٣٦، ٤٣٧.
(٣) تقدم تخريجه فى ٢٢ /٤٠١.
(٤) فى ح: ((المدروبى))، وفى م: ((المروزى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣١١.
٤٥١

الموطأ
الاستذكار أصبحتِ الأعضاءُ تستعيذُ مِن شرِّ اللسانِ، وتقولُ: اتَّقِ اللهَ فينا، فإنك إن
استقَمتَ استقَمنا، وإن اعوَججتَ اعوَججنا )) ) . ومن حديثٍ عبدِ اللهِ بنِ
عمرٍو، عن النبيِّ وَلَه، أنه قال: ((من صَمَت نجا))(١) . وقال عبدُ اللهِ بنُ
مسعودٍ: أكثرُ الناسِ ذنوبًا يومَ القيامةِ أكثرُهم خوضًا فى الباطلِ".
ورُوِّينا عن سلمانَ الفارسيِّ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنهما قالا: ما شىءٌ
أُحقَّ بطولِ سَجْنٍ من لسانٍ(٤). وقد ذكرنا الأسانيدَ بذلك كلِّه فى
((التمهيدٍ)).
ولقد أحسَن امرُؤُ القيسٍ فى قوله(٥) :
فليس على شىء سواه بخَزَّانِ
إذا المرءُ لم يَخزُنْ عليه لسانَه
وقال آخر(١) :
رأيتُ اللسانَ على أهلِه
وقال منصورٌ الفقيهُ(٧):
إذا ساسه الجهلُ ليئًا مُغِيرًا
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٢ / ٤٠١.
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٩٧/٢٢.
(٣) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣٧٨)، والطبرانى (٨٥٤٧)، والبيهقى فى الشعب (١٠٨٠٨).
(٤) تقدم تخريجه فى ٤٠٢/٢٢، ٤٠٣.
(٥) ديوانه : ص ٩٠.
(٦) البيت بلا نسبة فى عيون الأخبار ١/ ٣٣٠.
(٧) البيتان فى بهجة المجالس ١/ ٨٢.
٤٥٢

الموطأ
ما جاء فى مناجاة اثنين دونَ واحدٍ
١٩٢٥ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، قال: كنتُ أنا وعبدُ اللهِ
ابنُّ عمرَ عندَ دارِ خالدِ بنِ عُقبةَ التى بالسوقِ ، فجاء رجلٌ يُريدُ أن
الاستذكار
قالوا عَبِىٌّ أو جبانُ
خَرِسٌ إذا نَطَقُوا (١) وإن
ولرِّما قتَل اللسانُ
فالعِىُ ليس بقاتلٍ
وقد أفردنا لهذا المعنى بابًا تقصّينا فيه ما للحكماءِ والشعراءِ النَّظْم والنَّقْرِ،
فى كتابٍ ((بهجةِ المجالسِ)) (١) . والحمدُ للهِ.
وذكَّرنا فى ((التمهيدِ)) حديثَ أبى أمامةً الباهلىِّ، قال : سمِعتُ رسولَ اللهِ
وَلَه يقولُ: ((اكْفُلوا لی ستَّ خِصالٍ، أكفُلْ لكم الجنةَ؛ من حدَّث فلا
يكذِبْ، ومن وعَد فلا يُخلِفْ، ومن اؤْتُمِن فلا يَخُنْ، وامْلِكُوا ألسنتكم،
وكفُّوا أيديكم، واحفَظوا فروجَكم))(١) . وهذا الحديثُ من أحسنٍ ما جاء فى
معنى هذا البابِ . والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، قال: كنتُ أنا وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ عندَ دَارٍ التمهيد
وأما البابُ السادسُ فى مناجاةِ بعضِ الناسِ دونَ بعضٍ، فاختلف الناسُ فيه القبس
على أربعةِ أقوالٍ ؛ الأولُ: أن ذلك فى السفرٍ ؛ لأنه موضعُ الثَّقَاةِ ومكانُ الحَذَرِ .
(١) فى م، وبهجة المجالس: ((سألوا)).
(٢) بهجة المجالس ٧٧/١ - ٨٩.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٤٩.
(٤) فى ج، م: ((الخامس)).
٤٥٣

الموطأ يُناجِيّه، وليس مع عبدِ اللهِ أحدٌ غيرِى وغيرُ الرجلِ الذى يُريدُ أن
يُناجيَه، فدعا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رجلًا آخرَ حتى كُنَّا أربعةٌ، فقال لى
وللرجلِ الذى دعا: استأخِرًا شيئًا؛ فإنى سمِعتُ رسولَ اللهِ
صَلىالله
وسيلة
یقول: ((لا یتناجی اثنانِ دونَ واحدٍ» .
التمهيد خالدِ بنِ عُقبةَ التى بالسُوقِ ، فجاء رجلٌ يُريدُ أن يُناجيّه ، وليس مع عبدِ اللهِ أحدٌ
غيرِى وغيرُ الرجلِ الذى يُريدُ أن يُناجيّهِ، فدعَا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رجلاً آخَرَ، حتى
إذا كنَّ أربعةً، قال لى وللرجل الذى دعَا: استَأْخِرًا شيئًا؛ فإنِّى سَمِعتُ رسولَ اللهِ
نَّ يقولُ: ((لا يتناجَی اثنانِ دُونَ واحدٍ))(١).
القبس الثانى: أنه مخافةُ أَن يُخْزِنَ صاحبه، وكذلك جاء فى الحديثِ: ((كراهيةً أن
يُخْزِنَه))(١). فإن كان مِن قولِ النبيِّ وَ فقد انحسَم التأويلُ، وإن كان مِن قولٍ
الراوى فهو أَولى مِن تأويلِ غيرِهِ . الثالثُ: أن ذلك مِن سُوءِ الأدبِ. الرابعُ، ويرتبطُ
بالثالثِ : أنه خلافُ ما يَقْتَضِيه عقدُ المُجالسةِ، فإنهما إنما يَتَجالَسان بالصُّخْبةِ
والأُلْفَةِ والأَنَسَةِ ، فإذا انخذَل عنه إلى السرِّ فقد نقَض هذا الميثاقَ ، وفِعْلُ عبدِ اللهِ بنِ
عمرَ مع عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ يدُلَّ أن الحضَرَ فى ذلك كالسفرٍ ، لكنَّ المَعْنى فى السفرِ
أَوْفَى منه فى الحَضَرِ، وقد تتزايدُ العِلَّةُ الشرعيةُ ،ويبقَى الحُكْمُ على حالِه، وهذا
المنعُ اختلف الناسُ؛ هل يزولُ بالإذنِ أم لا؟ والصحيح أنه يزولُ؛ لأن الحقَّ له ، فإذا
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/١٨و، ١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٨٥).
وأخرجه ابن وهب فى جامعه (٥٢٧)، وأحمد فى الزهد ص١٤٩، ١٥٠ من طريق مالك به.
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٤٦٠ - ٤٦٢.
(٣) فى م: ((أولى)).
٤٥٤

الموطأ
١٩٢٦ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ
وَلِّ قال: ((إذا كانوا ثلاثةَ نفرٍ فلا يَتناجَى اثنانِ دونَ واحدٍ)).
هذا الحديثُ عن ابنِ عمرَ يُفسِّرُ حديثَه عن النبيِّ وَّ أَنَّه قال: ((إذا كانوا التمهيد
ثلاثةً فلا يَتناجَى اثنانِ دُونَ الثالثِ )) . وقد مضَى القولُ فيه، فى بابِ نافعٍ من
كتابنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك ههُنا .
وأمّا روايةُ مَن روَى فى هذا الحديثِ: استَرخِيَا. فمعنَاه: اجلِسَا، وتَحَدَّثا،
وانتَظِرَا قليلاً. وقيل: بل معنَى ((اسْتَرِخِيَا)) و((اسْتَأْخِرًا)) سَوَاءٌ.
مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((إذا كانوا ثلاثةٌ
فلا یتناجی اثنان دُونَ واحدٍ ))(١) .
قال أبو عمرَ: التَّاجِى الَّسَارُّ، وذلك مُكالمَةُ الرجل أخَاه عندَ أُذنِه بما
يُسِرُهُ(١) من غيرِهِ. والنهىُ إِنَّما وَرَد كما تَرَى إذا كانوا ثلاثةً، وأمَّا إذا كانوا أربعةٌ
فما فوقهم ، فلا بأسَ به .
أسقَطه سقَط . وقال ابنُ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ: لا يتناجَ أربعةٌ دونَ واحدٍ . القبس
وصدَقا؛ لأن العِلَّةَ أكثرُ، والتَّقِيَّةَ أعظمُ. هذا فى تناجى الجماعةِ دونَ الواحدِ ، وأما
تناجى الجماعةِ دونَ الجماعة ، فإنه أيضًا مكروة أو مُحّمٌ ، وقد نصَّ اللهُ تعالى عليه،
فقال: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَّجْوَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١١٤]. وقد بيًّّا ذلك على
تفصيل فى تفسيرِ القرآنِ .
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/١٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٨٢). وأخرجه
البخارى (٦٢٨٨)، ومسلم (٣٦/٢١٨٣)، والبغوى فى شرح السنة (٣٥٠٨) من طريق مالك به.
(٢) فى ن : (يستره).
٤٥٥

الموطأ
التمهید
أخبرنا عبدُ الرحمنِ ، حدَّثنا علىٍّ، حدَّثنا أحمدُ ، حدَّثنا سُحْنُونٌ، حدَّثنا ابنُ
وهب ، قال : أخبرنى الليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَّ قال: ((إذا كان ثلاثةٌ فلا يَتناجَى اثنانِ دُونَ الثالثِ ، لا تَدَعُوا صاحبكم نَجِيًّا
للشيطان)) . قال ابنُ شهابٍ: وقال سعيدُ بنُ المسئَّبِ: إلَّا أن يَستَأْذِناه(١).
وقولُه: ((نَجِيًّا للشيطانِ)). يُرِيدُ: لأَنَّه يُوسوِسُ فى صدرِه من جِهَتِهما ما
يُحزِنُه. واللهُ أعلمُ.
وقد أتَى فى الحديثِ أنَّ النهىَ عن ذلك إنَّما وَرَد لِقَلَّا يَحزَنَ الثالثُ ويَسُوءَ
ظُّه، ونحوُ ذلك. وهذا التفسيرُ موجودٌ فى حديثٍ ابنٍ مسعودٍ، عن النبيِّ
ونَ﴾ (١). وقد قيل: "إِنَّ هذا" إنَّما يُكرَّهُ فى السفرِ لا فى الخضرِ. وذلك موجودٌ
. (٦)
فى ٢) حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ وَلَّ(١).
وأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ هذا، فقد رَواه عنه نافِعٌ، وعبدُ اللهِ بنُ دِينَارٍ() ، وأبو
صالِحُ(٨)، والقاسِمُ بنُ محمدٍ (١)، وغيرهم. ورواه عن نافعٍ جماعَةٌ؛ منهم
القبس
(١) فى م: ((يستأذنه)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٦٠ - ٤٦٢.
(٣ - ٣) سقط من: ن، م، وفى ق: ((هذا)).
(٤) بعده فى م : ((وهذا)).
(٥) فى ن : ((عمر).
(٦) سيأتى تخريجه ص ٤٦٢ .
(٧) تقدم فى الموطأ (١٩٢٥).
(٨) سيأتى تخريجه ص ٤٥٩، ٤٦٠.
(٩) سيأتي تخريجه ص ٤٥٩ .
٤٥٦

الموطأ
مالكٌ ، والليثُ، وعبيدُ اللهِ، وأَيُّوبُ (١) . وروايةُ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ مُفسّرةٌ؛ لأنَّه التمهيد
قال : كنتُ مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ عندَ دارٍ عُقبةَ بنِ خالدٍ بالسُّوقِ ، فجاء رجلٌ يُريدُ
أن يُناجيّه، وليس معه غيرى، فدَعا ابنُ عمرَ رَجلاً آخَرَ ، فصِرنا أربعةً ، فقال لى
وللمؤجلِ: استأْخِرًا - أو: انْتَظِرًا - فإِنِّى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((لا
يَتناجَی اثنانِ دُونَ واحدٍ ». رواه مالكٌ(٢) عنه، وسيَأْتِی فی بابِه إن شاءَ اللهُ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا
ابنُّ نُميرٍ ومحمدُ بنُ بِشْرٍ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا كان ثلاثةٌ فلا يَتتاجَى اثنان دُونَ
(٣)
الآخَرِ))(٢).
وأخبرنا ( أحمدُ بنُ قاسم)، قال: حدّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً، قال: حدّثنا
جعفرُ بنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا الليثُ بنُ سعد ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ نَّهِ يَنْهَى إذا كان ثلاثةُ نَفَرِ أن يَتَنَاجَى
اثنانِ دُونَ الثالثِ (٥) .
القبس
(١) سيأتي تخريجه الصفحة التالية .
(٢) تقدم فى الموطأ (١٩٢٥).
(٣) ابن أبى شيبة ٣٩٣/٨ - وعنه مسلم (٢١٨٣) - وأخرجه أحمد ٣٧٦/١٠ (٦٢٧٠) عن ابن
نمير به ، وأخرجه أحمد ٢٩٠/٨ (٤٦٦٤)، ومسلم (٢١٨٣) من طريق عبيد الله بن عمر به .
(٤ - ٤) فى ق : ((قاسم بن أصبع)).
(٥) أخرجه مسلم (٢١٨٣) عن قتيبة به، وأخرجه أحمد ٢٤٠/١٠ (٦٠٥٧)، ومسلم (٢١٨٣) =
٤٥٧

الموطأ
التمهيد
وعندَ اللیثِ فی ھذا إسناد آخر ، عن ابنِ الهادی ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن
ابنِ عمرَ .
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثنا جعفرُ
ابنُ محمد الفِریائیُ ، قال: حدثنا قتيبةُ بنُ سعیدٍ ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زیدٍ ،
عن أيوب ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنّ رسولَ اللهِ ◌ِّے قال: «إذا کان ثلاثةُ نفر
فلا يتناجَی اثنانِ دُونَ الثالثِ ))(١) .
وحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ مروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُّ علىٍّ بنِ داودَ،
قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ المكىُّ أبو غسّانَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
المنذر١ِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عَجلانَ، عن أبيه، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ ، أَنَّه كان يقول: هؤلاء لا يُبالونَ بسَفْكِ الدِّماءِ بينَهم ، وقال رسولُ اللهِ
وَّوَ لَعِظَمٍ محرمةِ المؤمنِ: ((إذا كان ثلاثةٌ فلا يَتناجَى اثنانِ دُونَ واحدٍ)). قال
نافعٌ: فرُبَّما كان لعبدِ اللهِ حاجةٌ، ومعهرَجُلانٍ ، إلى أحدِهما ، فلا يُكلِّمُه حتى
يأتىَّ رابِعٌ، فإذا جاء قال: شَأَنَكَ وصاحِبَك، فإنَّ لى إلى صاحبِى هذا حاجةٌ ()
القبس
= من طريق الليث به .
(١) أخرجه أحمد ٢٥٧/١٠ (٦٠٨٥)، ومسلم (٢١٨٣) من طريق حماد به ، وأخرجه
عبد الرزاق (١٩٨٠٦)، وأحمد ٤١١/١٠ (٦٣٣٨)، والبغوى (٣٥١٠) من طريق أيوب به .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٤٧٦) من طريق إبراهيم بن المنذر به ، وأخرجه البزار (١٦٧٣ -
کشف ) من طريق ابن عجلان به .
٤٥٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: هذا لِئَلَّا يَظُنَّ به أنَّه يَنالُ منه، أو يتَكلَّمُ فيه، وهو معنَى التمهيد
حديثٍ ابنٍ مسعودٍ: ((فإنَّ ذلك يُحِنُه)). قال الشاعرُ(١):
يُروِّعُه السّرارُ بكلِّ أمرٍ(٢) مَخافةَ أن يكونَ به السّرائُ()
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال : حدّثنا جعفر
ابنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلَى بنُ حَمَّادٍ ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً،
عن يحيى بن سعيدٍ ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قال: قال رسولُ اللهِ
مَّ: ((لا يَتناجَى اثنَانِ دُونَ الثالثِ))(٤) .
وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ ، قال(٥):
حدَّثنا مِنْجابُ بنُ الحارث، قال: أخبرنا ابنُ مُشْهِرٍ، عن الأعمشِ، عن أبى
صالحٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا كنتم ثَلاثةً فلا يَتناجَى اثْنَانِ
دُونَ صَاحبِهما )). فقلنا لابن عمرَ: وإن كانوا أربعةً؟ قال: فلا يضُرُه(١).
القبس
(١) هو بشار بن برد، والبيت فى ديوانه ٢٤٧/٣ .
(٢) فى ق: ((أرض)).
(٣) السرار ، من : سارَّ فلان فلانا مسارة وسرارا ، إذا ناجه وأعلمه بسره ، والمراد أنه يحسب كل
متسارين يتحدثان فى شأنه . ينظر الوسيط ( س رر)، وحاشية ديوان بشار ٢٤٧/٣، ٢٤٨.
(٤) أخرجه الحميدى (٦٤٧)، والطبرانى (١٣٠١٤) من طريق ابن عيينة به ، وأخرجه الطبرانى فى
الصغير ٩/٢ من طريق يحيى بن سعيد به .
(٥) بعده فى الأصل ، ق : (و)) .
(٦) أخرجه أحمد ٣١٢/٨، ٦٦/٩ (٤٦٨٥، ٥٠٢٣)، والبخارى فى الأدب المفرد (١١٧٠)،
وأبو يعلى (٥٦٢٥)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٧٨٣) من طريق الأعمش به .
٤٥٩

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا
الأعمشُ، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه. فذكره.
قال أبو صالحٍ: فقلتُ لابنٍ عمرَ: وإن كانوا أربعَةً؟ قال: لا يضُوكَ(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدّثنا
محمدُ بنُ الهَيْثَم أبو الأحوصِ، قال: قال حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ أبو يعقوبَ
الخُنَيْنِىُّ بطَرَسُوسَ، عن داودَ بنِ قَيْسٍ والعُمَرِىِّ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ
المَقْبُرِىِّ، قال : جئتُ ابنَ عمرَ وهو يُنَاجِی رَجلًا ، فجلستُ إليه، فدفَع فى
صَدرِى، وقال: ما لَكَ؟ أمَا سَمِعتَ أَنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((إذا تناجَى اثنَانِ فلا
يَدخُلْ معهما غيرُهما حتى يَستَأذِنَهما))؟(٢)
قال أبو عمرَ : هذا معنَى غيرُ المعنَى الذى قبلَه، وعلى هذا لا يجوزُ لثلاثةٍ
نَفَرٍ أن يتناجَى منهما اثنانٍ دُونَ الثالثِ، ولا يجوزُ لأحدٍ أَن يَدخُلَ على
المُتناجِيَيْنِ فى حالٍ تَناجِيهما.
وأمَّا حديثُ ابنٍ مسعودٍ ، فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
معاويةً ، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ المُستفَاضِ ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ
معاذٍ ، قال : حدّثنا أبی ، قال : حدثنا شعبةُ ، عن الأعمشِ ، عن أبى وائلٍ ، عن
القبس
(١) أبو داود (٤٨٥٢). وأخرجه ابن حبان (٥٨٤) من طريق مسدد به .
(٢) أخرجه أحمد ١٦٧/١٠ (٥٩٤٩)، والدارقطنى فى العلل (٧١/٤ - مخطوط) من طريق
العمرى به .
٤٦٠