Indexed OCR Text
Pages 421-440
الموطأ
تَنظُروا فى ذنوبِ الناسِ كأنكم أربابٌ ، وانظُروا فِى ذنوبِكم كأنكم عبيدٌ ، فإنما الاستذكار
الناسُ مُجْتَلَّى ومُعَافّى، فارحَموا أهلَ البلاءِ، واحمدوا اللهَ على العافيةِ" .
قال أبو عمرَ : هذا عندى أفضلُ كلامٍ قيل فى معناه، أو مِن أفضلٍ كلامٍ
قيل؛ أجمَعُه للخيرِ وأدلَّه عليه، ولقد أحسَن القائلُ(١):
فهُمُ أبناءُ چِنْسِكْ
ارْحَمِ الناسَ جميعًا
رِ كما تَبْغى لنفسِْ
ابغٍ للناسِ من الخيـ
وقد حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدٍ (٢) اللهِ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنی
عبدُ اللهِ ، قال: حدَّثنى بَقِىٌّ، قال: حدَّثنى أبو بكرٍ ، قال: حدَّثنى أبو خالدٍ
الأخْمَرُ، عن محمدِ بنِ عَجلانَ، عن محمدِ بنِ يعقوبَ ، قال : قال عيسى ابنُ
مريمَ : لا تُكْثِروا الكلامَ بغيرِ ذِكْرِ اللهِ فَتَفْسُوَ قلوبُكم ، فإن القلبَ القَاسیّ بَعِيدٌ مِن
اللهِ ولكنْ لا تعلمون ، ولا تَنظُرُوا فِى ذنوبِ العبادِ كأنكم أربابٌ ، وانظروا فى
ذنوبِكم كأنكم عبيدٌ، فإنما الناسُ مُبتلّى وُمعافى، فارحَموا أهلَ البلاءِ،
واحمَدوا اللهَ على العافيةِ(٤).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٧٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٧/١٧ و - مخطوط )، وبرواية
أبى مصعب (٢٠٧٥). وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٣٥)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٢٨/٦،
والبيهقى فى الشعب (٥٠٢٣) ، وابن عساكر ٤٤٢/٤٧، ٤٤٣ من طريق مالك به .
(٢) هو أبو العتاهية ، والبيتان فى ديوانه ص ٢١٦.
(٣) فى ط : ((عبيد)).
(٤) ابن أبى شيبة ٥٤٨/١١، ١٩٣/١٣ - وعنه ابن أبى عاصم فى الزهد (٦٠).
٤٢١
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: هو عندى ، واللهُ أعلمُ ، محمدُ بنُّ يعقوبَ بنِ عُتبةً (١) بنِ
المغيرةِ بنِ الأُخْتَسِ(٢) .
حدَّثنى أحمدُ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ ، قال: حدّثنی
بقىٍّ، قال: حدَّثنى أبو بكرٍ، قال: حدَّثنى عُبيدُ (١) اللهِ بنِ موسى، قال: حدَّثنى
شَيبانُ، عن آدمَ بنِ علىّ، قال: سمِعتُ أخا بِلالٍ مُؤَذِّنِ النبيِّ ◌َ يقولُ: الناسُ
ثلاثةٌ ؛ فسالِمٌ ، وغانمٌ، وظالِمٌ لنفسِه . قال: فالسالِمُ الساكِتُ ، والغانِمُ الذى
يَأْمُرُ بِالخيرِ وينهَى عَن المنكرِ، والظالِمُ لنفسِه الناطقُ بالخَنا(*) والمعينُ على
(٥)
الظلم(٥) .
قال أبو بكرٍ(١): وحدَّثنى سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الربيعِ بنِ خُثَيْمِ(١)، ("عَن
نُسَيْرٍ(١) بِنِ ذُعْلُوقٍ، عن بكرِ بنِ مَاعٍِ(١٠)، قال: كان الربيعُ بنُ خُثَيم يقولُ): لا
القبس
(١) فى ح، م: ((عيينة)). وينظر التاريخ الكبير ٢٦٧/١، وتهذيب الكمال ٣٥١/٣٢، والإصابة
٦/ ٤٤٢.
(٢) فى ح: ((الأحصر)، وفى م: ((الأحسر).
(٣) فى الأصل، م: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/١٩.
(٤) الخنا: الفحش فى القول. النهاية ٢ / ٨٦.
(٥) ابن أبى شيبة ١٤/ ٢٢. وأخرجه أحمد فى الزهد ص٢٠٦، والبيهقى فى الشعب (٥٠٧٢) من
طريق شيبان به .
(٦) ابن أبى شيبة ١٦/١٤.
(٧) فى الأصل، ط ١، م: ((خيثم)). وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٧٠.
(٨ - ٨) ليس فى: الأصل.
(٩) فى ح: ((بشر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٩/٢٩.
(١٠) فى ط: ((عامر))، وفى م: ((مساعد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٦/٤.
٤٢٢
الموطأ
١٩٢١ - مالكٌ، أنه بلَغَه أن عائشةَ زوجَ النبيِّ وَلَهِ كانت تُرسِلُ
إلى بعض أهلِها بعدَ العَتَمةِ فتقولُ: ألا تُرِيحُون الكُتَّابَ ؟
خيرَ فى الكلامِ إلا فِى (١) تسعٍ؛ تهليلُ اللهِ، وتَشبيحُ اللهِ، وتكبِيرُ اللهِ ، وتحميدُ الاستذكار
اللهِ، وسؤالُك الخيرَ، وتعوُّذُكُ مِن الشرّ، وأمرُك بالمعروفِ، ونهيُك عن
المنكرِ ، وقراءتُك القرآنَ .
ورُوِّينا عن سِيبويْه أنَّهُ قال: رأيتُ الخَليلَ بنَ أحمدَ فى المنامِ، فقال
لى: أرأيتَ ما كثَّا فيه، فإِنِّى لم أَنْتَفعْ بِشىءٍ منه، إنَّما انتفعتُ بقولٍ :
سُبحانَ اللهِ، " والحمدُ للهِ)، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا
قوةَ إلا باللهِ، وأمرٍ بمعروفٍ، ونهي عن منكرٍ، وقولٍ بالحقِّ) .
مالكٌ، أنه بلغه أن عائشةَ زوجَ النبيِّ وَلِّ كانت تُرْسِلُ إلى أهلِها بعدَ العَتَمةِ
فتقولُ : ألَا تُرِيحُونَ الكتَّابَ ؟(٤)
قال أبو عمرَ : الكُتَّابُ ههُنا الكِرَامُ الكَاتِبُونُ ، وهم الحفظةُ الرقباءُ، قال
اللهُ عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. فكأن عائشةً
رضِى اللهُ عنها ذَهبَت إلى أن النومَ راحةٌ للحفظةِ ؛ لأنه لا يُكْتَبُ على النائِم
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((سبع أو)).
(٢ - ٢) سقط من: ح، م.
(٣ - ٣) سقط من: ح، م. وينظر بغية الوعاة ١ / ٥٦٠.
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٧٦). وأخرجه
البيهقى فى الشعب (٤٩٩١) من طريق مالك به .
٤٢٣
الموطأ
ما جاء فى الغِيبةٍ
الاستذكار شىءٌ؛ قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((رُفِع القلمُ عن ثلاثٍ))". فذكَر منهم النائم حتى
يستيقظَ .
وروَى أبو بَرزةَ الأُسلمىُّ، عن النبيِّ بَ لّ أنه نهى عن النومِ قبلَ صلاةٍ
العشاءِ، وعن الحدِيثِ بعدَها (١).
وكرِهِ وَّ السَّمَرَ إلا لمُصلِّ أو مسافرٍ(٣) .
وكان عمرُ بنُ الخطابِ يشدِّدُ فى ذلك(٤) . وقال مجاهدٌ: لا يجوزُ السمرُ
بعدَ العشاءِ إلا لمُصلِّ أو مسافرٍ أو مُذاكرٍ بعلمُ .
التمهيد
القبس
وأما البابُ الرابعُ: فى الغِيبةِ، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعَضُكُم
بَعْضَا﴾ [الحجرات: ١٢]. معناه: يذكُرُه بما فيه مما يكرَهُ، فإن ذكره بغيرِ ما فيه
فهو البُهْتانُ، حرَّم اللهُ تعالى ذلك؛ لأنه تناولُ الأعراضِ، وكما حرَّم على الناسٍ
تناولَ أموالِ الناسِ ودمائِهم بغيرِ حقٌّ ، كذلك حرَّم عليهم تناولَ أعراضِھم بغیرِ
حقٌّ ، ولا فَرْقَ بِينَ الأحوالِ الثلاثةِ ، وقد حَفَّ اللهُ تعالى الدماءَ بالقِصاصِ ، وحَفَّ
الأموالَ بالقطع، وحَفَّ الأعراضَ بالحدِّ، كلُّ ذلك ◌ُجُبٌ لا يَحِلُّ اختراقُها ،
(١) تقدم تخريجه فى ٤٤/١٢، ٤٥، ٥٩٥/٢٠ .
(٢) تقدم تخريجه فى ١١٥/٥.
(٣) تقدم تخريجه فى ١١٧/٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٢١٣٢، ٢١٣٤، ٢١٣٦)، وابن أبى شيبة ٢٧٩/٢، والطحاوى فى شرح
المعانى ٤ / ٣٣٠.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢١٤٣)، وابن أبى شيبة ٢٨١/٢، والدارمى ٤٨٤/١.
٤٢٤
الموطأ
١٩٢٢ - مالك، عن الوليدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ صِيَّادٍ، أن المُطْلِبَ بنَ
عبدِ اللهِ بنِ مُوَيطِبِ المخزوميَّ أخبره ، أن رجلاً سألَ رسولَ
اللهِ وَّ: ما الغِيبةُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أن تذكُرَ من المرءِ ما
يَكرَّهُ أن يَسمَعَ)). قال: يا رسولَ اللهِ، وإن كان حقًّا؟ قال رسولُ
اللهِ وَهِ: ((إذا قلتَ باطلًا فذلك البُهتانُ)).
مالكٌ، عن الوليدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ صِيَّادٍ، أن المطّلِبَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ التمهيد
محُوَيْطِبِ المخزوميَّ أخبره، أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ وَّهِ: ما الغِيبةُ؟ فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أن تذكُرَ من المرءِ ما يكرّهُ أن يسمَعَ)). فقال رجلٌ: يا رسولَ
اللهِ ، وإن كان حقًّا؟ قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إذا قلتَ باطلًا، فذلك البهتانُ)).
هكذا قال يحيى : المطَلِبُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حويطِبٍ . وإنما هو المطَّلِبُ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ. كذلك قال ابنُ وهبٍ ١، وابنُ القاسمِ، وابنُ بُكيرٍ،
القبس
فمَن اختَرقها بالأدنى(٢) أُدُّب، ومَن اخترتها بالأقصى حُدَّ، ترتیبُ حكيم
للمصلحةِ، وتدبيرُ عزيزٍ له القَهْرُ والغَلَبةُ. أخبرنا أبو سعدٍ (١) الزَّنْجَانُ قال: قال لنا
أبو القاسم القُشَيرىُّ: قال اللهُ عزَّ وجلَّ فى الغِيبةِ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِهِ مَيْنَا﴾ [الحجرات: ١٢]. فذكَر وجوهًا؛ أولُها وأَوْلاها تنزيلُ الغائبِ منزلةً
الميتِ؛ لأن الحاضرَ ينتصِرُ لنفسِه إذا سمِع عِرْضَه، والغائبَ لا ناصرَ له مِن نفسِه
کالميتٍ .
(١) ابن وهب فى جامعه (٢٩٦).
(٢) فى ج، م: ((الأذى)).
(٣) فى ج، م: ((سعيد).
٤٢٥
الموطأ
التمهيد ومُطَرِّف، وابنُ نافع، والقَعْنَبِىُّ ، عن مالكٍ فى هذا الحديثِ: حَنْطَبٌ ، لا
مُوَيْطِبٌ ، وهو الصوابُ إن شاء اللهُ.
(٢ وهو المطَّلِبُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المطلبِ بنِ حنطب المخزومىُّ، عامَّةُ
أحاديثه مراسيلُ، وتُؤْسِلُ عن الصحابةِ ، يحدِّثُ عنهم ولم يسمَعْ منهم، وهو
تابعٌّ مدنيٌّ ثقةٌ، يقولون: أَدْرَك جابرًا. واخْتُلِف فى سماعِه من عائشةً،
وحدَّث عن ابنِ عمرَ (٢)، وأبى هريرةَ، وأبى قتادةَ، وأَمّ سلَمةً ، وأبى موسى،
وأبى رافعٍ، ولم يسمَعْ من واحدٍ منهم" .
وليس هذا الحديثُ عند القَعْنبيِّ فى ((الموطأُ))، وهو عندَه فى الزياداتِ ،
وهو آخرُ حديثٍ فى كتابِ الجامعِ من ((موطّاً ابنٍ بُكيرٍ)) (٤)، وهو حديثٌ
مرسلٌ . وقد روَى العلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، عن النبيِّ
وَلِ مثلَه .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، حدَّثنا علىُ بنُ محمدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ
داودَ ، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى عبدُ العزيزِ
ابنُّ محمدٍ ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، أنه قيل :
يا رسولَ اللهِ، ما الغِيبةُ؟ فقال: ((ذكرك أخاك بما يكرهُ». قال: أرأيتَ إن كان
القبس
(١) أخرجه أبو القاسم الجوهرى فى مسند الموطأ (٧٨٥) من طريق القعنبى به .
(٢ - ٢) سقط من: ف.
(٣) فى م: ((عامر)).
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٥/١٨و - مخطوط).
٤٢٦
الموطأ
فى أخى ما أقولُ ؟ قال: ((إن كان فيه ما تقولُ فقد اغتَبتَه، وإن لم يكنْ فيه ما التمهيد
تقولُ فقد بهَتَّه))(١).
حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُغيثٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ
الرحمنِ ، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ المُستفاضِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
المثنى ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ ، قال: سمِعتُ العلاءَ
ابنَ عبد الرحمنِ يحدِّثُ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ أنه قال:
((هل تدرون ما الغيبةُ؟)). قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: ((ذكرك أخاك بما
يكرهُ)). قال: أرأيتَ إن كان فى أخى ما أقولُ؟ قال: ((إن كان فيه ما تقولُ فقد
اغتبته ، وإن لم يكنْ فيه ما تقولُ فقد بهنّه))(٣).
قال أبو عمرَ : رواه جماعةٌ عن العلاءِ كما رواه شعبةُ سواءً، وهذا حديثٌ.
يخرَّجُ فى التفسيرِ المسنَدِ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
[الحجرات: ١٢]. فبيَّن رسولُ اللهِ وَّلَهِ الغِيبةَ، وكيف هى، وما هى، وهو المبيِّنُ
عن اللهِ عزَّ وجلَّ - صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ أسامةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
أبى السَّمْح، حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٧٤)، والترمذى (١٩٣٤)، وأبو يعلى (٦٥٣٢) من طريق عبد العزيز بن محمد به.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٧٦/٢١، ٣٧٧ عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٥٦/١٢،
٦/١٦ (٧١٤٦، ٩٩٠١)، وابن حبان (٥٧٥٨) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه مسلم
(٢٥٨٩)، والنسائى فى الكبرى (١١٥١٨)، وابن حبان (٥٧٥٩) من طريق العلاء به .
٤٢٧
الموطأ
التمهيد وهب، حذَّثنا ابنُ زيدٍ، قال: قال محمدُ بنُّ المنْكَدِرِ: رأيتُ النبيَّ مَّه فى النوم
خرَج من هذا البيتِ ، فمرَّ برجلين أعرِفُهما وأعرِفُ أنسابَهما ، فقال : عليكما
لعنةُ اللهِ والملائكة والناس أجمعين؛ فإنَّكما لا تُؤُمنان باللهِ ولا باليومِ الآخرِ .
فقلتُ : أجلْ يا رسولَ اللهِ ، فعليهما لعنةُ اللهِ والملائكة والناس أجمعين، فما
ذنبُهما؟ قال : ذنتهما أنهما يأكُلان لحومَ الناسِ.
قال أبو عمرَ: يصحِّحُ هذا قولُه ◌َلِّ: ((من كان يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ
فليقُلْ خيرًا أو لِيسكُتْ)) (١) . وهذا وما كان مثلَه إنما معناه نقصانُ الإيمانِ وعدمُ
كمالِهِ ، لا الكفر، وقد بيًّّا مثلَ هذا فى غيرِ موضعٍ. والحمدُ للهِ .
أخبرنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا علىّ، حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا سُحْنُونٌ، حدَّثنا
ابنُّ وهبٍ ، عن ابنِ لَهِيعةَ ، قال : أخبرنى سليمانُ بنُ كيسانَ ، قال: كان عمرُ بنُ
عبدِ العزيزِ إذا ذُكِرِ عندَه رجلٌ بفضلٍ أو صلاحٍ، قال: كيف هو إذا ذُكِر عندَه
إخوانُه ؟ فإن قالوا : إنه ينتقِصُّهم وينالُ منهم . قال عمر: ليس هو كما تقولون .
وإن قالوا : إنه يذكُرُ منهم جميلًا وخيرًا، ويُحسِنُ الثناءَ عليهم. قال: هو كما
تقولون إن شاء اللهُ .
قال أبو عمرَ: يكفى فى ذمِّ الغِيبةِ قولُ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
اجْتِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ اُلَّنِ إِنَّ بَعْضَ اَلَّنِ إِنْهُ وَلَا تَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ [الحجرات: ١٢].
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٧٩٤).
٤٢٨
الموطأ
التمهيد
قال الشاعرُ(١):
ـفسقُ لا رخصةَ فيهِ
احذَرِ الغِيبةَ فَهْی الْـ
كلٍ من لحمٍ أخيهِ
إنّما المغتابُ كالآً
وروَى ابْنُ عُليَّةَ، عن يونسَ بنِ عبيدٍ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال : ظلمٌ
لأخيك المسلم أن تقولَ أسوأً ما تعلَمُ فيه .
وعن الحسن البصرىِّ أنه سأله رجلٌ فقال: يا أبا سعيدٍ ، اغتبتُ فلانًا وأنا
أُريدُ أن أستحِلُّه؟ فقال: لم يكفِك أن اغتبته حتى تُريدُ أن تبهتَه !
وعن قتيبةً بنِ مسلم أنه سمع رجلًا يغتابُ آخرَ، فقال: أمسِكْ عليك،
فواللهِ لقد مضَغتَ مضْغَةً طالما لفَظها الكرامُ(١) .
وعن عتبةً بن أبى سفيانَ أنه قال لابنِه (١) عمرو: إياك وإستماعَ الغِيبةِ ، نزّةْ
سمعَك عن الخَنا، كما تنزّهُ لسانك عن البَذا، فإن المستمِعَ شريكُ القائلِ،
وإنما نظَر إلى أُخبثِ ما يكونُ فى وعائِه، فألقاها (*) فى وعائِك.
ولقد أحسن القائلُ(*):
القبس
(١) هو أبو القاسم بن عباد، والبيتان فى التمثيل والمحاضرة ص١٢٣، وبهجة المجالس ٣٩٨/١.
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى ذم الغيبة (١٦١)، وفى الصمت (٢٩٨).
(٣) فى ف: ((أيه)).
(٤) فى ف: ((فألقاه)).
(٥) نسبها المصنف فى بهجة المجالس ٤٠١/١ إلى محمود الوراق، ونسبها فى معجم الأدباء ١٦٣/١٠
إلى الحسين بن محمد السهواجى، والبيت الأول والثانى بلا نسبة فى الزهرة ٩٨/٢، ٩٩، وعجز البيت
الثانى فيه هو عجز البيت الثالث عندنا .
٤٢٩
الموطأ
وعَدِّ عن الموضع المُشْتَبِة
التمهيد تحوّ(١) من الطُّرْقِ أوساطَها
ـجٍ كصونِ اللسانِ عن القولِ بِهْ
وسمعَك صُنْ عن سماعِ القبيـ
ــحٍ شريكٌ لقائلِه فانْتَبِةْ
فإِنَّك عندَ استماعِ القبيـ
وهذا مأخوذٌ من قولٍ كعبٍ بنِ زهيرٍ ١ ، واللهُ أعلمُ :
فالسامعُ الذَّمِّ شريكٌ له ومُطْعِمُ المأكولِ كالآكلِ
وكان أبو حازم يقولُ: أربحُ التجارةِ ذكرُ اللهِ ، وأخسرُ التجارةِ ذكرُ الناسِ.
يعنى بالشرِّ.
وهذا بابٌ يَحْتَمِلُ أن يُفْرَدَ له كتابٌ ، وقد أكثَر العلماءُ والحكماءُ من ذمّ
الغِيبةِ والمغتابِ ، وذِّ النميمةِ والنَّامِ ، وجاء عنهم فى ذلك من نظمِ الكلامِ ونثرِه
ما يطولُ ذكرُه ، ومن ؤُفِّق كفاه من الحكمةِ يسيرها إذا استعمَلها ، وما توفيقى إلا
باللهِ . وقد ذكّرنا فى كتابٍ ((بهجةِ المجالسِ)) (١ فى بابِ الغِيةِ من النظم والنثرٍ ما
فيه كفايةٌ . والحمدُ للهِ .
-
القبس
(١) فى الزهرة ومعجم الأدباء: ((توتّ)).
(٢) بهجة المجالس ٤٠١/١، وخزانة الأدب ١٥٤/٩، ونسبه الحصرى فى زهر الآداب ٤٩٧/١ إلى
محمد بن حازم الباهلى، وبلا نسبة فى الحيوان ١٥/١، والزهرة ٢/ ٩٨.
(٣) بهجة المجالس ٣٩٧/١ - ٤٠٥.
٤٣٠
الموطأ
ومن أحسنٍ ما قيل فى هذا المعنى قولُ القائلِ(١) :
التمهيد
حينَ يَلْقانى(٢) وإن غبتُ شَتَمْ
إن شوّ الناسِ من تَكْشِرُ(٢) لى
إذا يخلو له لحمى كَدَمْ
ويُحَيِّينى إذا لاقيتُه و
منه أُذْناىَ وما بى مِن صَمَمْ
وكلامٌ سيئ قد وُقِرتْ
فى لحومِ الناسِ كالسَّبْعِ الضَّرِمُ (6)
لا يرانى رائعًا فى مجلس
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ
عبدِ اللهِ الشافعىُّ ببغدادَ إملاءً يومَ الجمعةِ سنةً تسع وأربعين وثلاثمائةٍ ،
قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ رَوْحِ، قال: حدَّثنا شَبَابةُ بنُ سوَّارٍ، قال حدَّثنا
المغيرةُ بنُ مسلم، عن يحيى البكّاءِ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عمرَ، فجاءه
رجلٌ فوقَع فى الحجَّاحِ وشتَمه، فقال ابنُ عمرَ: أرأيتَ لو كان شاهدًا،
أكنتَ تقولُ هذا؟ فقال: لا. فقال: كنا نعُدُّ هذا نفاقًا على عهدِ رسولِ
(٥)
اللهِ مَلة(٥).
القبس
(١) هو المثقب العبدى، والأبيات فى ديوانه ص٢٢٩، ٢٣٠ سوى البيت الثانى، ونسب البيت
الأول إلى المتلمس الضبعى ، وهو فى ديوانه ص٣٢٥ .
(٢) فى م: ((يشكر)). ويكشر: يضحك، والكشر: بدو الأسنان عند التبسم. اللسان (ك شر).
(٣) فى الأصل: ((ألقاه)). وهى رواية .
(٤) الضرم: الجائع، وضرٍم الأسد: إذا اشتد حر جوفه من الجوع. اللسان ( ض رم ).
(٥) أخرجه الخطيب فى الموضح ٤٨٢/٢ من طريق عبد الله بن روح به.
٤٣١
الموطأ
ما جاء فيما يُخافُ من اللسانِ
١٩٢٣ - مالكٌ، عن زيد بنٍ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، أن
رسولَ اللهِ وَ لهَ قال: ((مَن وَقَاه اللهُ شرَّ اثنتينٍ وَلَج الجنةَ)). فقال
رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، لا تُخبِرْنا. فسكَت رسولُ اللهِ وَ لغيره، ثم عاد
رسولُ اللهِ وَلِّ فقال مثلَ مقالته الأُولى، فقال له الرجلُ : لا تُخِونا یا
رسولَ اللهِ. فسكَت رسولُ اللهِ وَّهِ، ثم قال رسولُ اللهِ وَِّ ذلك
أيضًا، فقال الرجلُ: لا تُخبِرْنا يا رسولَ اللهِ. ثم قال رسولُ اللهِ وَه
مثلَ ذلك أيضًا، ثُم ذَهَب الرجلُ يَقولُ مثلَ مَقالِهِ الأُولَى، فأسكَته
رجلٌ إلى جَتْبِهِ، فقال رسولُ اللهِ وَلّ: ((مَن وقاه اللهُ شرَّ اثنتينِ ولَج
الجنةً ؛ ما بينَ لَخْتِیه وما بينَ رِ جْلَيْه ، ما بینَ لَحْيَیه وما بینَ رِجْلَيْه ، ما
بِينَ لَحْيَيه وما بينَ رِجْلَيْه)).
التمهید
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال:
((من وَقَّاهُ اللهُ شرَّ اثْنَتَيْنٍ وَلَجَ الجَنَّةَ)) . فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ، لا تُخيِونا.
فسكّت رسولُ اللهِ وَّهِ، ثم عاد رسولُ اللهِ وَّه فقال مثلَ مَقالَّهِ الأُولَى، فقال
له الرجلُ: لا تُخبِرْنا يا رسولَ اللهِ. فسكَت رسولُ اللهِ وَّهِ، ثم قال رسولُ اللهِ
وَ لَه ذلك أيضًا، فقال الرجلُ: لا تُخبِرْنا يا رسولَ اللهِ، ثم قال رسولُ اللهِ ◌ِه
مثلَ ذلك أيضًا، ثم ذهَب الرجلُ يقولُ مثلَ مَقالَتِهِ الأُولَى، فأسْكَتَه رجلٌ إلى
جَتْبِهِ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((من وَقاه اللهُ شَرَّ اثْنَتَيْن وَلَجَ الجَنَّةَ؛ ما بينَ لَحْيَئِهِ
القبس
٤٣٢
٠
الموطأ
وما بينَ رِجْلَيْهِ، ما بينَ لَخْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْهِ، ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ التمهيد
(١)
رِجْلَيْه))(١).
هكذا قال يحيى فى هذا الحديثِ : لا تُخْبِرْنا. على لفظِ النَّهْىِ ثلاثَ
مَرَّاتٍ، وأعاد الكلامَ أربعَ مَرَّاتٍ . وتابَعَه ابنُ القاسِمِ وغيرُه على لَفْظِ: لا
تُخْبِرْنا . على النَّهْي ، إلّا أنَّ إعادَةَ الكلامِ عندَه ثلاثُ مرَّاتٍ .
وقال القَعْنَبِىُّ: ألا تُخْبِرُنا؟ على لَفْظِ العَرْضِ والإغْراءِ والحَثِّ ، والقِصَّةُ
عندَه مُعادَةٌ ثلاثَ مَرَّاتٍ أيضًا، وكلُّهم قال: ((ما بينَ لَخْيَتِهِ وما بينَ رِجْلَيْهِ)) .
ثلاثَ مَرَّاتٍ .
وأمَّا ابنُ بُكَيْرٍ، فليس عندَه هذا الحديثُ فى ((الموظّأُ))، ولا عندَه مِن
الأربعةِ الأبوابِ المتَّصِلَةِ ، إِلَّ بابُ: ما يُكْرَهُ مِن الكَلام. فيه أوْرَد أحاديثَ
الأبوابِ الأربعَةِ ، إِلَّ هذا الحديثَ.
ولا أعْلَمُ عن مالكٍ فيه خِلافًا فى إزسَالِ هذا الحديثِ، وقد رُوِىَ مَغْناه
مُتَّصِلًا مِن ◌ُقٍ حِسَانٍ عن جابٍِ(٢)، وعن سَهْلِ بنِ سَغدٍ(٢) ، وعن أبى
موسَى(١)، وعن أبى هريرةَ، إلّا أنَّ ◌َفْظَ أبى هريرةَ: ((إِنَّ أْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٧٥)، وبرواية يحيى بن بكير (٧/١٧و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٢٠٧٧) . وأخرجه ابن وهب فى جامعه (٣٠٩) عن مالك به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٣٤، ٤٣٥.
(٣) أخرجه أحمد ٣٣٠/٣٢ (١٩٥٥٩)، والبخارى فى تاريخه ٥٤/٧، وأبو يعلى (٧٢٧٥)،
والحاكم ٣٥٨/٤، والبيهقى فى الشعب (٥٧٥٥).
٤٣٣
(موسوعة شروح الموطأ ٢٨/٢٣ )
الموطأ
التمهيد الأجوفانِ؛ البَطْنُ والفَرْجُ)) (١).
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبى بكرِ المُقَدَّمِىُّ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُّ
علىٍّ، عن أبى حازِمٍ، عن سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ، عن النبيِّ بَّهقال: ((مَن يَتَكَفَّلُ لى
بما بينَ لَحْيَيْه وما بينَ رِجْلَيْهِ وأَضْمَنُ له الجَنَّةَ؟ »(٢) .
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ،
قال : حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثَنِى المُغِيرَةُ بنُّ سِقْلابٍ ، قال : أخبرنا
مَعْقِلٌ - يَغْنِى ابنَ عُبَيْدِ اللهِ العَبْسِىَّ - عن عمرو بنِ دِينَارٍ، عن جابرٍ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((من ضَمِنَ لى ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ له الجَنَّةَ))(٣).
وحدَّثنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم الحافظُ قراءةً منَّى عليه، قال: حدّثنا
محمدُ بنُّ جعفرٍ بنِ سليمانَ غُندَرٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ علىٍّ بنِ المُثنَّى ، قال :
حدَّثنا عاصمُ بنُ(١) عمرَ بنِ علىٍّ بنِ مُقَدَّمٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن أبى حازمٍ،
عن سهلٍ بنِ سعدِ الساعدِىِّ، عن النبيِّ وٍَّ قال: ((مَن ضمِنَ لى ما بينَ لحْيَئِه
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٧/١٥ (٩٠٩٦)، والبخارى فى الأدب المفرد (٢٨٩)، وابن ماجه
(٤٢٤٦)، والترمذى (٢٠٠٤).
(٢) أخرجه البخارى (٦٤٧٤، ٦٨٠٧)، وأبو يعلى (٧٥٥٥)، وأبو نعيم فى الحلية ٢٥٢/٣، والبيهقى
٨/ ١٦٦، والبغوى فى شرح السنة (٤١٢٢) من طريق محمد بن أبى بكر به، وأخرجه أحمد ٤٧٩/٣٧
(٢٢٨٢٣)، والبخارى (٦٨٠٧)، والترمذى (٢٤٠٨)، وابن حبان (٥٧٠١) من طريق عمر بن على به.
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٤٩٨١)، والقضاعى فى مسند الشهاب (٥٤٦) من طريق الوليد
ابن شجاع به .
(٤) بعده فى م: ((على بن)).
٤٣٤
الموطأ
التمهيد
ورجلَيه ضمِنتُ له الجَنَّةَ))(١).
وحدَّثنى أبو القاسم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ جعفرٍ بنٍ سليمانَ بنِ دُرَّانَ
غندَرٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ علىٍّ ومحمدُ بنُّ أبى بكرٍ بنِ سليمانَ ، قالا :
حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثنا المغيرةُ بنُ سِقْلابٍ، قال: حدَّثنا معقِلُ
ابنُّ عُبيدِ اللهِ، عن عمرو بن دينارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((من ضَمِنَ لى ما بينَ لخيَيه وما بين رجليه ضَمِنتُ له
(٢)
الجنَّةً))(٢).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الحَضْرَمُّ، قال: حدَّثنا خالِدُ
ابنُّ الحارثِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن أبى حازم ، عن أبى هريرةَ ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهِ قال: ((من وَقَّاه اللـهُ شَرَّ اثْنَتَيْنِ دخَل الجَنَّةَ؛ شَرَّ ما بينَ لَحْيَيْه
وشَرَّ ما بينَ رِجْلَيْه))(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وأحمدُ بنُ محمدٍ ، قالا : حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ،
قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ علىِّ العَدَوِىُّ، قال: حدَّثَنِى خِرَاشُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال :
حدَّثنى مَؤلاى أنسُ بنُ مالكِ، قال: خرَج رسولُ اللهِ وَلِّ على أصحابِهِ،
فقال: ((من ضَمِنَ لى اثْنَتَيْنِ ضَمِنْتُ لهُ الجَنَّةَ)). قال أبو هريرةَ: فداكَ أبى وأُمّى
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٥٩٦٠) عن عاصم بن عمر بن على به .
(٢) أبو يعلى (١٨٥٥، ٢١٠٩).
(٣) أخرجه الترمذى (٢٤٠٩) ، وابن حبان (٥٧٠٣) من طريق ابن عجلان به .
٤٣٥
الموطأ
التمهيد يا رسولَ اللهِ، أنا أُضْمَنُهما(١)، ما هما؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَةِ: ((مَن ضَمِنَ ".
لى ما بينَ لَحْيَتْه وما بينَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ له الجَنَّةَ))(٣).
قال أبو عمرَ: معلوم أنَّه أراد بقولِه: ((ما بينَ لَحْتَيْه)). اللِّسانَ، و: ((ما بينَ
رِجْلَيْهِ)). الفَرْجَ. واللهُ أعلمُ . • ولهذا ما" أرْدَفَ مالِكٌ(٥) حديثَه فى هذا البابِ
بحديثه عن زيدٍ بنٍ أسلمَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ دخَل على أبى بكرٍ
الصُّدِّيقِ وهو يَجْبِذُ لِسانَه، فقال له عمرُ: مَهْ! غفَر اللهُ لك. فقال أبو بكرٍ: إِنَّ
هذا أوْرَدَنى الموارِدَ. وفى اللِّسانِ فى معنَى هذا البابِ آثارٌ كثيرةٌ ، منها مرفُوعَةٌ ،
ومنها من قولِ السّلَف. وقد ذكر ابن المُبارَكِ وغیرُه فى ذلك أبوابًا .
وجَدْتُ فى أصلِ سماع أبى بخَطِّه رحِمه اللهُ ، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسِمِ
ابْنِ هِلالٍ حدَّثَهم ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْتَاقِىُ، قال: حدَّثنا نَصرُ بنُ
مَرْزُوقٍ ، قال: أخبرنا أسدُ بنُ موسى قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُّ بَهْرَامَ، عن
شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ غَنْمٍ ، عن مُعاذٍ بنِ جَبَلٍ ، أَنَّ سألَ رسولَ
اللهِ وَّهِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أُّ الأعمالِ أفْضَلُ؛ الصلاةُ بعدَ الصلاةِ
المفروضَةِ؟ قال: ((لا، ونِعمَّا هى)). قال: فالصَّومُ بعدَ صومِ رمضانَ؟ قال :
((لا، ونِعمَّا هو )). قال: فالصدقةُ بعدَ الصَّدَقَةِ المفروضَةِ؟ قال: ((لَا، ونِعمًا
القبس
(١) بعده فى مصدر التخريج: ((لك)).
(٢) فى ص ٤: ((يضمن)).
(٣) أخرجه ابن عدى ٩٤٦/٣ عن الحسن بن على به .
(٤ - ٤) فى م: (( لذلك)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٩٢٤) .
٤٣٦
الموطأ
هى)). قال: يا رسولَ اللهِ، فأيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: فأخْرَجَ رسولُ اللهِ وَلَّ التمهيد
لِسانَه، ثم وضَعَ عليه ◌ِصبَعَه، فاسْتَرْجَع مُعَاذٌ وقال: يا رسولَ اللهِ ، أَتُؤَاخِذُ بما
نقولُ كلّه ويُكْتَبُ علينا؟ قال: فضَرَب رسولُ اللهِ وَِّ مَنْكِبَ مُعَاذٍ ، وقال:
« تَكِلَئِكَ أُمُّكَ يا مُعَاذُ، وهل يَكُبُ الناسَ على مَنَاخِرِهم فى النارِ إِلَّ حَصَائِدُ
ألسنتهم؟))(١).
ومِن أَحْسَنٍ ما قيل فى هذا المعنَى من النَّظْمِ المحكّمِ قولُ نَصْرِ بنِ أحمدَ (٢):
وكلُّ امرئُ ما بينَ فَكَّيْه مَقْتَلُ
لِسَانُ الفَتَى حَتْفُ الفَتَّى حينَ يجْهَلُ
إذا لم يكنْ قُفْلٌ على فيهِ مُقْفَلُ
وكم فاتحِ أَبْوابَ شَرِّ لنَفْسِه
فى أبياتٍ قد ذكرتُها فى كتابٍ ((العِلْم)) فى بابِها (٢) .
وسيَأْتِى فى بابٍ سعيدِ المَقْبُرِىِّ عندَ قولِهِ وَ له: ((مَن كان يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ
الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أُو لِيَضْمُتْ)). ما فيه كِفايَّةٌ فى فَضْلِ الصَّمْتِ ()، إن شاء اللهُ.
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفْيانَ، حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ
زُهَيْرِ، حدَّثنا مُسْلِمٌ، قال: حدَّثنا جَرِيرُ بنُّ حازِمٍ، عن الأعْمَشِ، عن خَيْثَمَةً،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٨٣/٣٦، ٤٣٣ (٢٢٠٦٣، ٢٢١٢٢)، وابن ماجه (٧٢)، والبزار
(٢٦٦٩) من طريق ابن بهرام به ، وأخرجه البزار (٢٦٧٠)، والطحاوى فى شرح المشكل
(١٤٧٨)، والطبرانى فى مسند الشاميين (٢٩٣٨) من طريق شهر بن حوشب به .
(٢) البيتان فى بهجة المجالس ٨٦/١، وفى تاريخ بغداد ٢٩٧/١٣، ٢٩٨.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ٥٥١/١ .
(٤) تقدم فى ٣٩٤/٢٢ - ٤٠٣.
٤٣٧
الموطأ
التمهيد عن عدىِّ بنِ حاتِم، قال: أيْمَنُ امرئُ وأَشْأْمُه، ما بينَ لَحْيَيْهِ(١).
وقال ابنُّ مسعودٍ : أَعْظَمُ الخَطايا اللسانُ الكذُوبُ(٢) .
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ أنَّ الكبائرَ أكثرُ ما تكونُ، واللهُ أعلمُ ، من الفَمِ
والفَرْجِ، ووَجَدْنَا الكفرَ، وشُرْبَ الخَمْرِ، وأكلَ الرِّبا، وقَذْفَ المحْصَناتِ ،
وأكلَ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا، مِن الفَم واللِّسانِ، ووَجَدْنا الزِّنَى من الفَرْجِ.
وأحْسَبُ أنَّ المرادَ مِن الحديثِ أَنَّه مَنِ اتَّقَى لِسانَه وما يَأْتِى مِن القَذْفِ والغِيبةِ
والشّبٌّ، كان أَعْرَى أنْ يَتَّقِىَ القتلَ، ومَن اتَّقَى شُرْبَ الخمرِ كان حَرِيًّا باتِّقَاءِ
يَئِعِها، ومَن اتَّقَى أْلَ الرِّبًا، لم يَعْمَلْ به؛ لأَنَّ البُغْيَةَ مِن "العَمَلِ بِه٣) التَّصَرُّفُ فى
أكْلِه. فهذا وَجْهٌ فى تَخْصِيصِ الجارِحَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ فى هذا الحديثِ ،
وضَمانِ الجنةِ لمَن وُقِىَ شَرَّهما، وهذا التَّأَوِيلُ على نحوٍ قولٍ عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه
فى الصَّلاةِ: ومَن ضَيِّعَها كان لِمَا سِوَاها أضْيَعَ، ومَن حَفِظَها حَفِظَ دِينَهُ(٤) .
فكأنَّ قولَه ◌َّهِ: مَنِ اتَّقَى الغِيبَةَ، وقولَ الزُّورِ، واتَّقَى الزِّنَى، مع غَلَبَةٍ ( شَهْوَةٍ
النِّساءْ) على القُلوبِ، كان للقَتْلِ أهْيَبَ وأَشَدَّ تَوَقًُّا. واللهُ أعلمُ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك منه وَّ خِطابًا لقومٍ بأعْيانِهم، اتَّقَى عليهم مِن
القبس
(١) أخرجه ابن المبارك (٣٧٣) عن جرير به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٥/١٣ - ٢٩٧، وهناد (٤٩٧).
(٣ - ٣) فى ص٤: ((عمله)).
(٤) تقدم فى الموطأ (٥) .
(٥ - ٥) فى ص٤: ((الشهوة للنساء)).
٤٣٨
الموطأ
التمهيد
اللِّسانِ والفَرْج ما لم يَتَّقِ عليهم مِن سائرِ الجَوارِحِ .
ويَحْتَمِلُ أيضًا أن يكونَ قولُه ذلك معه كلامٌ لم يَسْمَعْه الناقِلُ؛ كأنَّه قال :
مَن عَافاه اللهُ ، وَوَقَاه كذا وكذا ، وشَرَّما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْهِ ، ولَج الجنةَ . فسَمِع
الناقِلُ بعضَ الحديثِ ولم يَسْمَعْ بعضًا ، فتَقَل ما سَمِع .
وإنَّما حُمِلْنا على تَخْرِيجِ هذه الوُجوهِ؛ لإجماعِ الأَمَّةِ أنَّ مَن أحْصَنَ
فَرْجَه عن الزِّنَى، ومنَعَ لِسانَهَ مِن كلِّ سُوءٍ، ولم يَتَّقِ ما سِوَى ذلك مِن القتلِ
والظُّلْم، أنَّه لا تُضْمَنُ له الجنةُ، وهو إن مات - عندَنا - فى مَشِيئَةِ اللهِ
تعالى، إن شاء غَفَر له، وإن شاء عذَّبَه، إذا مات مسلمًا. وقولُهُ وَلَهِ: ((اتَّقُوا
المُوبِقَاتِ المُهْلِكاتِ ))(١) . يَعْنِى الكبائرَ. أَعَمُّ مِن هذا الحديثِ. قال اللهُ عَزَّ
وجلّ: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَنُدْخِلْكُم مُّدّخَلَا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. والمُدْخَلُ الكريمُ: الجَنَّةُ .
وقد اختلف العلماءُ فى الكبائرِ، فأمَّا ما أتَى منها فى الأحادِيثِ المرفوعةِ عن
النبيِّ بَّهِ - وهو المَفْزَعُ عندَ الشَّازُع - فحدّثنا أحمدُ بنُ قاسِم بن عيسى، قال :
حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابَةَ البغدادىُّ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ
الْتَغَوِىُّ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ الجعدِ ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ عُتْبَةَ، قال : حدَّثنی
طَيْلَسَةُ بنُ علىّ، قال: أَتَيْتُ ابنَ عمرَ عَشِيئَّةَ عَرَفَةً، وهو تحتَ ظِلٌ أَرَاكِ ، وهو
يَصُبُّ على رأسِه الماءَ، فسأَلْتُه عن الكبائرِ؟ فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَله
يقولُ: ((هُنَّ تِسْعٌ)). قلتُ: وما هُنَّ؟ قال: ((الإشراكُ باللهِ، وقَذْفُ
المخْصَنَةِ)). قال: قلتُ: قبلَ الدَّمِ؟ قال: نعم، ((وقَتْلُ النفسِ المؤمِنَةِ ، والفِرَارُ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٤٣ .
٤٣٩
الموطأ
التمهيد مِن الزَّحْفِ ، والسّخْرُ، وأكلُ الرِّبًا، وأكلُ مالِ اليَتِيم، وُقُوقُ الوالِدَينِ(١)،
والإلحادُ بالبيتِ الحَرامِ ؛ قِبْلَتِكم أحياءً وأمواتًا))(١).
قال أبو عمرَ : طَيْلَسَةُ هذا يُعْرَفُ بِطَتْلَسَةَ بنِ مَّاسٍ، ومِيَّاسٌ لَقْبٌ ، وهو
طَيْلَسَةُ بنُ علىَّ الحَنَفِىُّ، يُقالُ فيه: طَيْلَسَةُ وطَيْسَلَةُ .
وقد روَى هذا الحديثَ يحيى بنُ أبى كثيرٍ، وزِيَادُ بنُّ مِخْرَاقٍ ، عن طَيْلَسَةَ،
عن ابنِ عمرَ مَرْفُوعًا(١) . فهذا حديثُ ابنِ عمرَ .
ورَوَى ابْنُّ مسعودٍ أَنَّ النبيَّ نَّهِسُئِل: أىُّ الكبائرِ أَعْظَمُ؟ فقال: ((أن تُشْرِكَ
باللهِ وهو خَلَقَك، وأن تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أن يَأْكُلَ معك، وأن تُزَانِىَ حَلِيلَةً
(٤)
جارٍكَ )) (4).
وفى حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى(*)، وأنسٍ بنِ مالكٍ(٦)، عن النبيِّ
وَله : ((الكبائرُ؛ الشِّرْكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التى حَرَّمَ اللهُ، وتُقُوقُ الوالِدَيْنِ)).
القبس
(١) بعده فى مصادر التخريج عدا الخرائطى والخطيب: ((المسلمين)).
(٢) البغوى فى الجعديات (٣٣٣٩) - ومن طريقه الذهبى فى سير أعلام النبلاء ٣٢١/٧ - وأخرجه الخرائطى
فى مساوئ الأخلاق (٢٤٧)، والبيهقى ٤٠٩/٣ ، والخطيب فى الكفاية ص ١٠٥ من طريق أيوب به .
(٣) أخرجه ابن راهويه - كما فى المطالب (٣٩٣٥) - والبخارى فى الأدب المفرد (٨)، وابن
جرير ٦٤٦/٦ - ٦٤٧ من طريق زياد بن مخراق به .
(٤) أخرجه أحمد ٢٠٢/٧ (٤١٣٢)، والبخارى (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦)، والترمذى (٣١٨٣).
(٥) أخرجه البخارى (٦٦٧٥)، والنسائى (٤٠٢٢). وسيأتى بنحوه الصفحة التالية .
(٦) أخرجه أحمد ٣٤٣/١٩ (١٢٣٣٦)، والبخارى (٦٨٧١)، ومسلم (٨٨)، والترمذى
(١٢٠٧)، والنسائى (٤٠٢١)، والطحاوى فى شرح المشكل (٨٩٧).
٤٤٠