Indexed OCR Text
Pages 361-380
الموطأ النبيُّ ◌َه دارَنا، فحَلَتْنا له مِن شاةٍ لنا داجِنٍ. فكلُّ هذه الألفاظِ ليست فى التمهيد ((الموطأُ)). وقولُه أيضًا: وعمرُ ناحيَّةً، فقال عمرُ: أُعْطِ أبا بكرٍ. ليست فى ((الموطأُ)). وقولُه: فَمَضَتْ سُنَّةً. ليس فى ((الموطأُ))، ولا فى حديث ابنٍ عبينةً أيضًا. وسائرُ الألفاظِ كلِّها محفوظةٌ عن ابنٍ عيينةً، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ . وقد بَلَغَنى عن بعضٍ مَن تَكلَّف الكلامَ فى هذا الشَّأْنِ ، أَنَّه قال : الأعرابى فى هذا الحديثِ هو خالدُ بنُّ الوليدِ . وهذا منه إعْفالٌ شديدٌ ، وإقدام على القول بالظَّنِّ الذى هو أكْذَبُ الحديثِ ، أو تَقْلِيدٌ لمَن سَلَك فى ذلك سَبِيلَه، وَهْمّ بَيِّنٌّ، وَغَلَطِّ واضِحٌ، مِن وَجْهَيْن؛ أَحَدُهما، أنَّ الأعرابيّ كان عن يَمِينِهِ (١) وَّ فى حديثٍ أنس هذا، وخالِدُ بنُّ الوليدِ كان فى قِصَّةِ ابنِ عباسٍ عن يَسارِهِ (وَلَه، وابنُ عباسٍ عن يَمِينِه(١). والآخرُ، أنَّه اشتبه علیه حدیثُ سهل بن سعد فى الأشْياخِ مع الغُلامِ ، مع حديثٍ أنسٍ فى أبى بكرٍ والأعرابيّ، وإنَّما دخَلَت عليه الشبهةُ فى ذلك، واللهُ أعلمُ ؛ لأنَّ فى حديثٍ سهلٍ : وعن يمينه غلامٌ، وعن يساره الأشياخُ، والأشياخُ أحَدُهم خالدُ بنُ الوليدِ . وقِصَّةُ ابنِ عباسٍ وخالدٍ غيرُ قصةِ أبى بكرٍ والأعرابيّ ، وحديثُ أنسٍ غيرُ حديثٍ سهلٍ بن سعدٍ ، فقِفْ علی ذلك، ولا تلتفِتْ إلی سواه. وستذْكُرُ حدیثَ سهل فى بابِ أُبی حازٍ(٣) إن شاء اللهُ(٤). القبس (١) فى ص ٤: ((يمين رسول الله)). (٢) سيأتى تخريجه ص٣٦٦ - ٣٦٨. (٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٩٠). (٤) بعده فى م: ((وقد روى مفسرا: عن يمينه ابن عباس، وعن يساره خالد بن الوليد. وسيأتى = ٣٦١ الموطأ فى هذا الحديثِ مِن روايةِ مالِكٍ مِن الفقهِ إباحَةُ شُوْبِ اللبنِ، وأنَّ ذلك التمهيد ليس مِن الإسراف؛ لأَنَّه مُسْتَجِيلٌ أن يَأْتِىَ رسولُ اللهِ وَلَ فِى أَكْلِه أو شُرْبِه سَرَفًا . وفيه دليلٌ على أنَّ مَن قُدِّمَ إليه شىءٍ يأْكُلُه أو يَشْرَبُه حَلالًا ، فليس عليه أن يَسْألَ: من(١) أين هو؟ وما أصلُه؟ إذا عَلِمِ طِيبَ مَكْسَبٍ صاحِبِه فى الأغلبِ مِن أمرِه، ألا تَرَى أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه لم يَسْألِ الذى أتاه باللبنٍ: مِن أين لك هذا ؟ وفيه إجازَةُ خَلْطِ اللبنِ بالماءِ لمن أراد شُرْبَه، ولم يُرِدْ به البيعَ ؛ لأنَّ قولَه : قد شِيبَ بماءٍ . أى: قد خُلِط بماءٍ، ومعنى الشَّوْبِ الخَلْطُ ، وَجَمْعُه أَشوابٌ . وإنَّما قُلْنا : إذا لم يُرِدْ به البيعَ . لأنَّ خَلْطَ الماءِ باللبنِ غِشٌِّ، وقد قال رسولُ اللهِ وَلَه : ((مَن غَشَّنا فليس منَّا))(١). وقد بلَغَنى أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ أهْراقَ لبنا قد شِيبَ بماءٍ، على مُرِيدٍ بيعِه والغِشِ به . وفيه مُجالسَةُ أهلِ الباديةِ وتَقْرِيئُهم، إذا كان لذلك وَجَةٌ . وفيه أنَّ المجلِسَ عن يمينِ الرجلِ وعن يَسارِهِ سَواءٌ، إذ لو كان الفضلُ عن يمينِ الرجلِ، لما آثَرَ به رسولُ اللهِ وَلِهِ أَعرابيًّا على أبى بكرٍ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القبس = ذكر ذلك الحديث فى باب أبى حازم إن شاء الله تعالى والله المستعان)). (١) فى م: ((ر)). ٠٠ (٢) تقدم تخريجه فى ٥٤٩/١٦، ٥٥٠ . ٣٦٢ الموطأ ذلك أيضًا دليلًا على أنَّ مَن سبق مِن مَجْلِسٍ العلم إلى مكانٍ كان أوْلَى به مِن التمهيد غيرِه، كائنًا مَن كان، ودَلِيلًا على أنَّه لا يُقامُ أحَدٌ مِن مَجْلِه لأُحَدٍ ، وإنْ كانَ أفضَلَ منه . وفيه مِن أدبِ المُؤْاكَلَةِ والمجالسَةِ أنَّ الرجلَ إِذا أكَلَ أو (١) شَرِبَ، ناوَلَ فَضْلَه الذى عن(١) يَمِينِه، كائِنًا مَن كان، وإن كان مَفْضُولًا وكان الذى على يساره فاضلا . وفى القیاسٍ على هذا النّصِ فى هذا الحديث ، أنْ لو کان کافِرًا، كان الأُدَبُ والسُنَّةُ أَن يُؤْثَرَ مَن على اليمينِ أبدًا على مَن كان على اليسارِ بفضلٍ الشرابٍ، واللهُ أعلمُ. وكان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُحِبُّ التََّّامُنَ فى أمرِهِ كُلِّه، كذلك ثَبَت عنه ◌َ(٣) . وفيه مُواسَاةُ المجلساءِ فیما یأتی صاحِبَ المجلسِ مِن الهدايا، وقد ژُوِى مَرْفُوعًا: ((جلَساؤُكم شُرَكَاؤُكم فى الهَدِيَّةِ))(٤). وهذا، إِن صَحّ، فعلى النَّذْبِ إلى التحابِّ ، وبِّ الجَلِيسِ، وإكرامِ الصديقِ ، وهذا كلَّه مِن محاسنِ الأخلاقِ . وقد حَكَى بعضُ الناسِ عن مالِكِ فى هذا الحديثِ شيئًا خِلافَ ما يُوجِبُه ظاهِرُه، ولا يَصِحُ. وباللهِ العِضْمَةُ والتوفيقُ . القبس (١) فى ص ٤: ((و)). (٢) فى م: ((على)). (٣) تقدم تخريجه فى ٢/ ٣٧١. (٤) أخرجه عبد بن حميد (٧٠٤)، والطبرانى (١١١٨٣)، والبيهقى ١٨٣/٦ من حديث ابن عباس . وينظر فتح البارى ٢٢٧/٥. ٣٦٣ ١٧٩٠ - مالكٌ، عن أبى حازمٍ بنِ دينارٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الموطأ الأنصارىِّ، أن رسولَ اللهِ وَ أَتِىَ بشرابٍ فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ، وعن يسارِهِ الأشياخُ، فقال للغلام: ((أتاذنُ لى أن أُعطِىّ هؤلاء؟)) . فقال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ ، لا أُوثِرُ بنصيبى منك أحدًا . قال: فتَلَّه رسولُ اللهِ وَلَه فى يدِه. التمهيد وروی مَنْدَلُ بنُ علىٍّ، عن ابنِ جریچٍ، عن عمرو بنِ دینارٍ، عن ابنٍ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن أَنَّتْه هديَّةٌ وعنده قومٌ، فهم شُرَ كاؤُه (١) فيها))(١). مالكٌ، عن أبى حازمٍ بنِ دينارٍ ، عن سهلِ بنِ سعدِ الساعدىِّ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ أَتِى بشرابٍ فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ، وعن يسارِهِ الأشياخُ، فقال للغلام: ((أَتَأْذَنُ لى أن أُعْطِىَ هؤلاء؟)). فقال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ ، لا أُوثِرُ بنَصيبى منك أحدًا. قال: فتَلَّه (٢) رسولُ اللهِ وَلِ فِى يدِه (١). روَى ابنُ أبى حازمِ هذا الحديثَ ، عن أبيه، فقال فيه: وعن يساره أبو القبس (١) أخرجه عبد بن حميد (٧٠٤)، والطبرانى (١١١٨٣)، وفى الأوسط (٢٤٥٠) من طريق مندل بن على به . (٢) تله: أى: ألقاه. النهاية ١٩٥/١. (٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٨٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٤٦). وأخرجه أحمد ٣٧/ ٤٨٠، ٥١٠ (٢٢٨٢٤، ٢٢٨٦٧)، والبخارى ( ٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠)، ومسلم (١٢٧/٢٠٣٠)، والنسائى فى الكبرى (٦٨٦٨) من طريق مالك به . ٣٦٤ الموطأ بكرٍ. ثم ساق معنى حديثٍ مالكِ سَواءً(١) . وذِكْرُ أبى بكر فى هذا الحديثِ التمهيد عندَهم خطأٌ ، وإنما هو مَخْفوظٌ فى حديثِ ابنِ شِهابٍ ، وقد مضى القولُ فى معنی هذا الحدیث فی بابِ ابنِ شهاب ، عن أنسٍ (١١) . ولا يجوزُ عندى لأحدٍ شرِب ماء١٢ً، أو لبنًا ، أو غيرَ ذلك مِن الأشربةِ الحلال ، وحولَه مَن ◌ُريدُ أن يَشْرَبَ مِن ذلك معه ممَّن به الحاجةُ إليه ، أو لیس به حاجةٌ إليه ، إذا وسِعَهم ذلك الشرابُ ، أن يُناوِلَ مَن علَى يسارِهِ البَّةَ بحالٍ ، فاضلاً كان أو مَفْضولاً، حتى يُشاوِرَ مَن على يمينه ، فإنه حقٌّ له بالسنةِ الثابتةِ فى هذا الحديثِ، فإن أذِن له فعَل، وإلا فهو أحقُّ بالشرابِ ) مِن الذى على يسارِهِ . وهذا نصِّ صحيحٌ ثابتٌ ، لا يُلْتَفَتُ إلى ما خالَفه مِن آراءِ الرجالِ . وباللهِ التوفيقُ، وهو المستعانُ . القبس (١) ذكره الحافظ فى فتح البارى ٣١/٥ عن المصنف. (٢) تقدم ص٣٦٢ - ٣٦٤. وجاء بعده فى الأصل، م: ((أخبرنا يحيى بن يوسف، قال: حدثنا يوسف بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو عيسى الترمذى، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم، حدثنا على بن زيد، عن عمر بن أبى حرملة ، عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد ابن الوليد مع رسول الله# على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله وَ ل﴾. وأنا عن يمينه وخالد عن شماله، فقال لى: الشربة لك، وإن شئت آثرت بها خالدا؟ فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا. ثم قال رسول الله وَلي: من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه. ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه. وقال رسول الله (ص 18: ليس شىء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن)). (٣) فى ص ١٦: ((عسلا)). (٤) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((بالشرب)). ٣٦٥ الموطأ والشرابُ المذكورُ فى هذا الحديثِ كان لبنًا . التمهید حدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةً، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ حمزةَ ، قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُّ جعفرٍ، قال: أخبرنى أبو حازمٍ، عن سهلٍ بن سعدٍ ، قال: أُتِى رسولُ اللهِ لَه بِقَدَحِ مِن لبنٍ، وغلامٌ عن يمينِه، والأشياخُ أمامَه وعن يسارِهِ، فشرِب رسولُ اللهِ بَّهِ، ثم قال للغلامِ: ((يا غلامُ، أَتَأَذَنُ لى أن أُسْقِىَ الأشياخَ؟)). قال: ما أُحِبُّ أن أُوثِرَ بفضلٍ شَرْيتك على نفسى أحدًا مِن الناسِ. فناولَهَ رسولُ اللهِ وَلّهِ وترَك الأشياخَ. ٠٠ والغلامُ المذكورُ فى هذا الحديثِ هو ابنُ عباسٍ، والأشياخُ ؛ خالدُ بنُ الوليدِ ، أو منهم خالدُ بنُ الوليدِ . حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحِ المُفْرِئُ ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ جعفرِ المُنادِى، حدَّثنا العباسُ بنُ محمدِ الدُّورِىُّ، حدِّثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ البزازُ(١) ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زَكَريا الخُلْقَانِىُّ (٢) أبو زِيادٍ، عن سفيانَ، عن علىّ ابنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَتِى النبىُّ ◌َ بَقَعْبِ مِن لبنٍ، فشرِب منه ، وابنُ عباسٍ عن يمينِهِ ، وخالدُ بنُ الوليدِ عن يسارِه ، فقال : (( يا بنَ عباسٍ، إِنَّ الشَّرْبَةَ لك، فإن شِئْتَ أَن تُؤْثِرَ بها خالدًا)). فقلتُ: ما أنا القبس (١) فى الأصل، ص ١٧، ص ٢٧، م: ((البزار)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٧٠. (٢) فى ص ١٦: ((الحلقانى)). وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٩٢. ٣٦٦ الموطأ بمُؤْثِرٍ بشُؤْرِك علىَّ أحدًا . التمهيد وقد روَى الحميدىُّ هذا الحديثَ عن سفيانَ، فخالَف فى إسنادِه الخُلْقانيَّ، والحميدىُّ أَثْبَتُ منه . حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، حدَّثنا قاسم، حدَّثنا الترمذىُّ، حدَّثنا الحميدىُّ ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا علىُّ بنُ زيدِ بنِ جُدْعانَ، عن عمرَ (١) بنٍ(٢) حَرْمَلَةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَلْتُ مع رسولِ اللهِ وَ لَّهِ على خالتى مَيْمونةَ، ومعنا خالدُ ابنُّ الوليدِ ، فقالت له ميمونةُ : ألا نُقَدِّمُ إليك يا رسولَ اللهِ شيئًا أهْدَتْه لنا أمّ عقيقٍ(٢)؟ قال: ((بلى)). فأنَّه بضِبابٍ مَشْوِيَّةٍ، فلمَّا رآها رسولُ اللهِ وَلِهِ تَفَل ثلاثَ مراتٍ، ولم يَأْكُلْ منها، وأمَرَنا أن نَأْكُلَ، ثم أَتِى رسولُ اللهِ وَلَّهِ يإِناءٍ فيه (٤) لبنّ، فشرِب وأنا عن يمينه وخالدٌ عن يسارِهِ، فقال لى رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((الشَّرْبَةُ لك يا غُلامُ، وإن شِئْتَ آثَوْتَ بها خالدًا)). فقلتُ: ما كنتُ لأُوثِرَ بسُؤْرِ رسولِ اللهِ وَ ﴿ أحدًا. ثم قال: ((مَن أَطْعَمَه اللهُ طعامًا، فليقُل: اللَّهُمَّ القبس (١) فى ص ١٦: ((عمرو)). وهو عمر - ويقال: عمرو - بن حرملة، ويقال: ابن أبى حرملة. ينظر تهذيب الكمال ٢٩٦/٢١. (٢) بعده فى ص ١٧، م: ((أبی)). (٣) فى الأصل: ((عفيق))، وفى ص ١٧، ص ٢٧، م: ((عفيف))، وفى غوامض الأسماء: ((عتيق))، والمثبت من ص١٦ موافق لما عند الحميدى. وصواب اسمها: ((أم مُفَيْد)). ينظر الاستيعاب ٤/ ١٩٢٠، والإصابة ٨/ ١٩١. (٤) فى ص ٢٧: ((من)). ٣٦٧ الموطأ التمهيد بارِْ لنا فيه، وأبدِلْنا به ما هو خيرٌ منه، ومَن سَقاه اللهُ لَبْنًا، فليقُل: اللَّهُمّ بارِكْ لنا فيه وزِذْنَا منه؛ فإِنِّى لا أَعْلَمُ شيئًا يُجْزِئُ مِن الطعامِ والشرابِ غيرُه))(١). ورواه شعبةُ، عن عمرٍو (٣) بن(٩) حَرْمَةً(٥)، عن ابنِ عباسٍ مثلَه(٦) .... وقال أبو داودَ الطَّالسيّ(٧) : كذا قال(٨) شعبةُ، وغيرُه يقولُ: عمرُ بنُّ أبى(١) خزملةً . وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ أن مَن وجَب له شىءٌ مِن الأشياءِ لم يُدْفَعْ عنه ، ولم يُتَسَوَّرْ عليه فيه إلا بإذنه ، صغيرًا كان أو كبيرًا ، إذا كان ممَّن يجوزُ له إذنُه ، وليس هذا مَوْضِعَ: ((كَبُرْ، كَبَرْ))(١٠). لأن السّنّ إنما يُراعى عندَ اسْتِواءِ المَعانی والحقوقِ ، وكلُّ ذى حقٍّ أولَى بحقٌّه أبدًا، والمناوَلةُ على اليمينِ مِن الحقوقٍ الواجبةِ فى آدابِ المجالسةِ . وفى هذا الحديث دليلٌ على أن المجلَساءَ شُركاءُ فى الهَديةِ ، وذلك على القبس (١ - ١) فى ص ١٧، ص ٢٧، م: ((بما)). (٢) الحميدى (٤٨٢) - ومن طريقه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء ٥٩/١ مختصرا . (٣) فى ص ١٧، ص ٢٧، م: ((عمر). (٤) بعده فى ص ١٧، م: ((أبى)). (٥) فى ص ١٦: ((جرمل)). (٦) أخرجه أحمد ٣٤٤/٤ (٢٥٦٩) من طريق شعبة به . (٧) الطيالسى (٢٨٤٦). (٨) بعده فى ص ١٦: ((لى)). (٩) سقط من: ص ١٦، ص ٢٧. (١٠) تقدم فى الموطأ (١٦٩٣، ١٦٩٤). ٣٦٨ الموطأ جامعُ ما جاء فى الطعام والشرابٍ ١٧٩١ - مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً، أنه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: قال أبو طلحةَ لأمّ سُليم: لقد سمِعتُ صوتَ جهةِ الأدبِ والمروءةِ والفضلِ والأخُوَّةِ لا على الوُجوبِ ؛ لإجماعِهم على أن التمهيد المطالَبةَ بذلك غيرُ واجبةٍ لأحدٍ. وبالله التوفيقُ. وقد رُوِى عن النبيِّ وَّ: « جلساؤُ کم شُرَ کاؤُ كم فى الهدِئَّةِ)) (١) . پاسنادٍ فیه ◌ِينٌ. مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةً، أنَّه سمِع أنسَ بنَ مالكِ القبس . ما جاء فى الطعامِ والشّرَابِ الطعامُ والشَّرَابُ خِلْقَةٌ للآدمىِّ وعادةً ، فأدخَل مالكٌ ما تَعلَّقَ به فى الحديثِ مِن ذكرٍ فى أى نوعٍ كان ، على معنَى الجمعِ؛ لأنه فى كتابٍ الجامعِ، ثم بدأ بحديثٍ البَرَكةِ والمُعْجزةِ للنبىِّ وَِّ فِى شَأْنِ أَمَّ سُلَيمٍ، حينَ جعَل اللهُ تعالى له قليلَ الطعامِ كثيرًا، وهى مُعجِزةٌ مِن ألفٍ معجزةٍ، فَيَّدْناها له، ومعجزاتُه أنواعٌ؛ منها تكثيرٌ القليلِ، وتقليلُ الكثيرِ، والارتفاعُ فى الهواءِ مِن الثقيلِ، وإنطاقُ العَجْماءِ، وتَغَيُرُ العالَمِ العُلْوِىِّ - بانْشِقاقِ القمرِ ، وإنشاءِ السَّحَابِ ، وإرسالِ المَطَرِ - واضطرابُ الشَّجَرِ ، وذِلَّةُ العزيزِ، وعِزَّةُ الذليلِ، وقَبِضُ الأَيدِى عن الحَرَكاتِ ، والأَلْشُنِ عن النّطْقِ، إلى أن ينتهىّ فى عددِها إلى ألفٍ، فَلْيُنْظَرْ فى مسطورِها فى كتابٍ ((أنوارٍ الفجرِ)) . (١) تقدم تخريجه ص ٣٦٣. ٣٦٩ ( موسوعة شروح الموطأ ٢٤/٢٢) الموطأ رسولِ اللهِ وَ لَ ضعيفًا أعرِفُ فيه الجوعَ، فهل عندَك مِن شىءٍ؟ فقالت : نعم. فأخرجتْ أقراصًا مِن شعيرٍ، ثم أخَذتْ خِمارًا لها ، ثم لقَّتِ الخُبزَ ببعضِه، ثم دسَّته تحت يَدِی ورگُّتنی ببعضِه ، ثم أرسلَتْنى إلى رسولِ اللهِ وَّه. قال: فذهَبتُ به، فوجَدتُ رسولَ اللهِ وَه جالسًا فى المسجدِ ومعَه الناسُ، فقمتُ عليهم، فقال رسولُ اللهِ وَ له : ((أرسلَكَ أبو طلحةً؟)). قال: فقلتُ: نعم. قال: ((لطعام؟)). قال: قلتُ: نعم. فقال رسولُ اللهِ مَلَ لمَن معه: ((قوموا)). قال: فانطلق ، وانطلقَتُ بين أيديهم حتى جئتُ أبا طلحةً فأخبرتُه، فقال أبو طلحةَ: يا أمّ سُليمٍ، قد جاء رسولُ اللهِ وَلَّ بِالناسِ وليس عندنا من الطعامِ ما نُطعمُهم. فقالت : اللهُ ورسولُه أعلم . قال : فانطلَق أبو طلحةً حتى لقِىَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ، فَأَقبلَ رسولُ اللهِ وَه وأبو طلحةً معه حتى دخَلا، فقال رسولُ اللهِ وَالَ: «هلُمِّى يا أمَّ سُليم ما عندَكِ)). فأَتَتْ بذلك الخبزِ، فأمَر به فقُتَّ، وعصَرتْ عليه أُمُّ سُلِيمٌ ◌ُكَّةً لها فآدَمتْه، ثم قال رسولُ اللهِ وَِّ ما شاءَ اللهُ أن يقولَ ، ثم قال: التمهيد يقولُ: قال أبو طلحةَ لأمّ سُليم: لقد سَمِعْتُ صوتَ رسولِ اللهِ وَ لَّهِ ضعيفًا أغْرِفُ فيه الجوعَ، فهل عندكٍ من شىءٍ؟ فقالت: نعم. قال: فأخْرَجَتْ أقراصًا من شعيرٍ، ثم أخذَتْ خِمارًا لها، ثم لفَّتِ الخبزَ ببعضِه، ثم دسَّتْه تحتَ بَدِی وردّتْنى ببعضِه، ثم أرسلَتنى إلى رسولِ اللهِ وَله. قال: فذهَبْتُ به، فوجدْتُ القبس ٣٧٠ الموطأ ((ائذَنْ لعشَرةٍ)). فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذَنْ لعشَرةٍ)). فأذِن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال : ((ائذنْ لعشَرةٍ)). فأذِن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال : (( ائذَنْ لعشَرةٍ)). فأذن لهم، فأكلوا حتى شيعوا، ثم خرجوا، ثم قال : ((ائذَنْ لعشَرةٍ)). حتى أكَل القومُ كلُّهم وشبِعوا، والقومُ سبعونَ رجلًا، أو ثمانونَ رجلًا. رسولَ اللهِ وَ هِ جالسًا فى المسجدِ ومعه الناسُ، فقمْتُ عليهم، فقال رسولُ التمهيد اللهِ وَّهِ: ((أرسلَك أبو طلحةً؟)). فقلتُ: نعم. فقال: ((بطعامٍ؟)). قال: قلتُ: نعم. فقال رسولُ اللهِ وَّه لمن معه: ((قوموا)). فانطَلَقوا، وانطلقْتُ بين أيديهم ، حتى جئتُ أبا طلحةَ، فأخبَرْتُه، فقال أبو طلحةَ: يا أَمَّ سُليم ، قد جاءَ رسولُ اللهِ وَّه والناسُ، وليس عندنا من الطعام ما نُطْعِمُهم، فقالت: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: فانطلَق أبو طلحةً حتى لَقِى رسولَ اللهِ وَلَّهِ، فَأَقبَل رسولُ اللهِ وَّه وأبو طلحةً معه حتى دخَلا، فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((هلمِّى يا أُمَّ سُليم ما عندكِ )). فَأَتَتْ بذلك الخبزِ، فأمَر به ففُتَّ، وعصرَتْ عليه أُمّ سُليمٍ عُكَّةً(١) لها فَآدَمَتْه، ثم قال رسولُ اللهِ وَلّهِ ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، ثم قال: ((ائذَنْ لعشَرةٍ)). فأذن لهم، فأكلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: ((ائذَنْ العشَرةٍ )). فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذَنْ القبس (١) الشكّة: وعاء من جلد مستدير تختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص. اللسان (ع ك ك). ٣٧١ الموطأ التمهيد لعشَرةٍ)). فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: ((ائذَنْ العشَرةٍ)). فأذِن لهم، فأكّلوا حتى شبعوا ثم خرَجوا، فقال: ((اثذَنْ لعَشَرَةٍ)). حتى أكَل القومُ كلَّهم وشبِعوا، والقومُ سبعون أو ثمانون رجلاً (١). قال أبو عمرَ: هذا من أثبَتِ ما يُروَى من الحديثِ وأحسنِهِ أَتِّصالًا، وكذلك سائرُ حديثٍ إسحاقَ عن أنسٍ . قال أبو عمرَ : احتجَّ بعضُ أصحابِنا بهذا الحديثِ فى جوازٍ شهادةِ الأعمى على الصوتِ ، وقال: لم يَمنَعْ أبا طلحةً ضعفُ صوتِ رسولِ اللهِ وَلّ عن تمييزِه ؛ لعِلمِه به ، فكذلك الأعمَى إذا عرَف الصوتَ. وعارضه بعضُ مَن لا يرَى شهادةَ الأَعمَى جائزةً على الكلامِ، بأنَّ أبا طلحةً قد تغيَّر عندَه صوتُ رسولِ اللهِ مَّله مع علمِه بصوتِه، ولولا رُؤيتُه له لا شتبه علیه فی حینِ سماعِه منه وما عرَفَه . والتَّشغيبُ فى هذه المسألةِ طويلٌ . وفى هذا الحديثِ ما كان عليه رسولُ اللهِ وَّهِ وأصحابُه من ضيقِ الحالِ، وشَظَّفِ العيشِ، وأَنَّه كان ◌َِّ يجوُ حتى يَبلُغَ به الجومُ والجھْدُ إلى ضعفٍ الصوت، وهو غيرُ صائم . القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٨٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٤/١٧ ظ، ١٥و - مخطوط)، ورواية أبى مصعب (١٩٤٨). وأخرجه عبد بن حميد (١٢٣٦)، والبخارى (٤٢٢، ٣٥٧٨، ٥٣٨١، ٦٦٨٨)، ومسلم (١٤٢/٢٠٤٠)، والترمذى (٣٦٣٠)، والنسائى فى الكبرى (٦٦١٧) من طريق مالك به . ٣٧٢ الموطأ وفيه أنَّ الطعامَ الذى لمثلِهِ يُدعَى الضَّيفُ، ولا يُدعَى إلّا لأرفع ما يُقدَرُ عليه، التمهيد کان عندهم الشعیرَ، وقد کان أکثر طعامهم التمر فى أوَّلِ الإسلامِ، و کان یمُّ بهم الشهرُ والشهرانِ ما تُوقَدُ فى بيتِ أحدِهم نارٌ، وذلك محفوظٌ معناه من حديثٍ عائشةً(١) وغيرِها . وفيه قَبُولُ مواساةٍ الصديقِ وأكلُ طعامِه ، وأنَّ ذلك ليس بصدقةٍ ، وأَّما كان صِلةً وهديَّةً، ولو كان صَدَقةٌ ما أكَله رسولُ اللهِ وَةِ . وفيه أنَّ الرجلَ إذا دُعىَ إلى طعامٍ جاز لجلسائه أن يَأْتُوا معه إذا دعاهم الرجلُ ، وإنْ لم يَدْعُهم صاحبُ الطعامِ ، وذلك عندى محمولٌ على أنَّهم علِموا أنَّ صاحِبَ الطعامِ تَطيبُ لهم نفسُه بذلك. ووجْةٌ آخرُ، أن يكونَ الطعام يكفيهم، وقد قال مالكٌ: لا ينبغِى لمن دُعِى إلى طعامٍ أنْ يَحمِلَ مع نفسِه غيرَه، إذ لا يدرِى هل يُسرُّ بذلك صاحبُ الطعام أم لا؟ قال مالكٌ: إِلَّ أنْ يُقالَ له : ادعُ مَن لِقِيتَ . وفيه اكتراثُ المؤمنِ عندَ ضيقِ الحالِ ، إذا نزل به ضيفٌ ، وليس معه ما يكفيه من الطّعامِ . وفيه فَضلُ فطنةٍ أَمَّ سُليم ؛ لحُسنٍ جوابِها زَوجَها حينَ شكَى إليها كثرةً من ٠ القبس (١) أخرجه أحمد ١٨٩/٤٣ (٢٦٠٧٧)، والبخارى (٢٥٦٧، ٦٤٥٨، ٦٤٥٩)، ومسلم (٢٩٧٢)، والترمذى (٢٤٧١)، وابن ماجه (٤١٤٤). ٣٧٣ الموطأ التمهيد حلَّ به مع قلَّةٍ طعامِه، فقالت له: اللهُ ورسولُه أعلم. أنْ: لم يأْتِ بهم إلَّا وسيُطعمُهم . وفيه الخروج إلى الطريقِ لمن قصَدَ (١)، إذا كان أهلًا لذلك؛ لأنَّه من البرّ . وفیه أَنَّ صاحب الدارِ لا يَستَأْذِنُ فی داره، وأُنَّ من دخل معه يستغنى عن الإذن . وفیه أُنَّ الصَّدیقَ الملاطف یَأْمُؤُ فی دارٍ صَدیقه بما ◌ُحِبُّ ، ويُظهرُ دالَّتَه فى الأمرِ والنّهي والتَّحكْمِ؛ لأَنَّه اشترط عليهم أنْ يُقَتَّ الخُبزُ، وهو فعلٌ يَرضَاه أهلُ الكَرَمِ من الضيفِ ، ولقد أحسن القائلُ(١): يَستَأَنشُ الضَّيفُ فى أبياتِنا أبدًا فليس يعرِفُ خلقٌ أَيُّنَا الضَّيفُ وفيه أنَّ الإنسانَ لا يُدخَلُ عليه بيتُه إلَّا معه أو بإذنه، ألا ترى إلى قولِهِ وَهِ: ((ائْذَنْ لعشَرةٍ))؟ وقد استحبَّ بعضُ(١) أهلِ العلم ألا يكونَ على الخِوانِ الذى عليه الطعامُ أكثرُ من عشَرةٍ . وفيه أنَّ الثَّرِيدَ أعظمُ بَرَكّةً مِن غيرِهِ مِن الطعامِ، ولذلك اشترَط به رسولُ اللهِ وَِّ. واللهُ أعلمُ. القبس (١) بعده فى م: ((له)). (٢) نسبه الصورى فى الفوائد المنتقاة ص ٧٣ إلى على بن محمد الحمانى - وعنده: ((يسترسل، أنسا)). بدلا من: ((يستأنس، أبدا)) ونسبه المصنف فى بهجة المجالس ٢٩٦/١ إلى العلوى صاحب الزنج. (٣) سقط من: م. ٣٧٤ الموطأ وفيه أنَّ لصاحبِ الطعامِ أنْ يُقَدِّمَ إلى طعامِهِ ممَّن حضَره مَن شاءَ، من غيرِ التمهيد قُرْعَةٍ ، وإن كان قد دَعاهم جميعًا، إذا علم أنَّ كلّ واحدٍ منهم يَصِلُ من الطّعام إلی ما یکفیه فى ذلك الوقتِ . وفيه إباحَةُ الشِّبَع للصالحين، وقد رُوِى أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ كان آخِرَهم أكْلًا، وذلك مِن مكارم الأخلاقِ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ بَّهِ أَنَّه قال: (( سَاقی القومِ آخِرُهم شُرْبًا))(١). وفيه العَلَمُ الساطعُ النُُّ، والبرهانُ الواضحُ، من أعلامِ تُبُوَّتِهِ بَّهِ، وقد رُوِى هذا المعنَى وشِبْهُه من وُجوهٍ كثيرةٍ . منها ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبَغَ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُّ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ ابنُ محمد المحاربيُّ ، عن عبدِ الواحدِ بنِ أیمن ، عن أبيه ، قال : قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ اللهِ: حدِّثْنا بحديثٍ سمِعْتَه من رسولِ اللهِ وَ لَّهِ أَزْوِيه عنك. قال: فقال جابر: كنَّا مع رسولِ اللهِ نَّهِ يومَ الخندقِ نَخْفِرُه، فَبِثْنَا ثلاثةَ أَيَّامٍ لا نَطعَمُ طعامًا، ولا نَقْدِرُ عليه، فعرَضَتْ فى الخندقِ كُذْيَةٌ(١) ، فجئتُ إلى رسولِ اللهِ وَ لَه فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، هذه كُذْيَةٌ قد عرَضَتْ فى الخندقِ. فَرَشَشْنا عليها القبس (١) أخرجه أحمد ٢٣٥/٣٧ (٢٢٥٤٦)، والدارمى (٢١٨١)، ومسلم (٦٨١)، والترمذى (١٨٩٤) من حديث أبى قتادة الأنصارى. (٢) الكدية: قطعة غليظة صلبة لا تعمل فيها الفأس. وأكدى الحافر: إذا بلغها. النهاية ١٥٦/٤. ٣٧٥ الموطأ التمهيد الماءَ. فقام رسولُ اللهِ وَّله وبَطْنُه مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، فَأَخَذ المِعْوَلَ أو المِسْحَاةَ، ثم سمَّى ثلاثًا، ثم ضرَب، فعادَتْ كَثِيبًا أَهْيَلَ(١)، فلمَّا رأيتُ ذلك مِن رسولِ اللهِ وَله، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، اثذَنْ لى. فأذِنَ لى، فجِئْتُ امرأتى، فقُلْتُ: ثَكِلتْكِ أُمُكِ، إِنِّى قد رأيتُ من رسولِ اللهِ وَّهِ شيئًا لا " صبرَ لى" عليه، فما عندكٍ؟ قالت: عندِى صائحٌ مِن شعيرِ " وعَنَاقٌ". قال: فطحنًّا الشعيرَ، وذبَحْنا العَناقَ وأصلَخْناها، وجعَلْناها فى البُرْمَةِ، وعجَنتِ الشعيرَ، فرجَعْتُ إلى رسولِ اللهِ وَلِّ، فلبِئْتُ ساعةً، ثم اسْتَأْذنْتُ الثانيةَ، فأذِنَ لى، فجِئْتُ فإِذا العَجِينُ قد أمكّن، فأمَرْتُها بالخبزِ، وجعَلَتِ القِدْرَ على الأنَافِيَّ(٤)؛ ثم جِئْتُ رسولَ اللهِ وَلَّ، فسارَرْتُه فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنَّ عِندَنا طُعَيمًا (٥) لنا ، فإِنْ رأيتَ أن تقومَ معى أنت ورجلٌ أو رجلانِ معك فعلْتَ؟ فقال: ((ما هو؟ وكم هو؟)). فقُلْتُ: صاعْ من شعيرٍ وعَناقٌ. قال: ((ارجع إلى أهْلِك، فقُلْ لها لا تَنْزِعِ القِدْرَ من الأَثَافِىِّ، ولا تُخْرِجِ الخُبْزَ(١) من الثّورِ حتى آتِيَ)). ثم قال للناسِ: ((قوموا إلى بيتٍ جابرٍ)). فاسْتَحْيَيْتُ حياءً لا يَعلَمُه إِلَّ اللهُ. فقُلْتُ لامرأتى: ثكِلَتْكِ أَمُكِ، قد جاء رسولُ اللهِ وَلِّ بأصحابِه أجمعين. فقالت: القبس (١) كثيب أهيل: رمل سائل. النهاية ٢٨٩/٥. (٢ - ٢) فى ق: ((أصبر)). (٣ - ٣) سقط من: م. والعناق: الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. النهاية ٣١١/٣. (٤) الآثافى: هى الحجارة التى تنصب وتجعل القدر عليها. اللسان (أ ث ف). (٥) فى الأصل، م: ((طعاما)). (٦) فى ق: ((العجين)). ٣٧٦ الموطأ أكان رسولُ اللهِ وَِّ سألَكَ كم الطَّعامُ؟ قلتُ: نعم. فقالت: اللهُ ورسولُه التمهيد أعلمُ ، قد أخبَرَتَه بما كان عندَنا. قال: فذهَب عنّى بعضُ ما أجِدُ ، وقُلْتُ : لقد صَدَقْتِ. قال: فجاء رسولُ اللهِ وَّهِ فدخَل، وقال لأصحابه: ((لا تَضَاغَطوا)). قال: ثم برَّك على التّنُورِ وعلى البُزْمَةِ، فجعَلْنا نأْخُذُ من التَّنُورِ الخبزَ، ونأْخُذُ اللحمَ مِن البُزْمَةِ، فَتَفْوُدُ ونَغْرِفُ ونُقَرّبُ إليهم، وقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لِيَجلِسْ على الصَّحْفةِ سبعةٌ أَو ثمانيةٌ)). فلمَّا أكّلوا، كشَفنا التَّنُّورَ والثُرْمَةَ ، فإِذا هما قد عادا إلى أملاً ما كانا ، فتْرُدُ ونَغْرِفُ ونُقَرِّبُ إليهم، فلم " نزَلْ نفعل١ُ) ذلك، كلَّما فتَحْنا عن التّنُورِ وكشَفْنا عن الثُرْمَةِ، وجَدْناهما أملاً ما كانا، حتى شَبع المسلمون كلُّهم، وبقِى طائفةٌ مِن الطعامِ، فقال لنا رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ الناسَ قد أصابَتْهم مَخْمَصَةٌ، فَكُلوا وأُطْعِموا)). قال: فلم نَزَلْ يومَنا نَأْكُلُ ونُطْعِمُ. قال: فأخبرنى جابرٌ أنَّهم كانوا ثمانمائةٍ ، أو ثلاثَمائةٍ . شَكَّ أيمنُ(١) . حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم الحافظُ رحِمه اللهُ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ابنِ ناصحِ المفسّرُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ علىِّ بنِ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعينٍ، قال: حدّثنا عبدُ الأعلَى بنُ عبدِ الأعلَى ، عن سعيد الجُرَئِىِّ ، عن أبى القبس (١ - ١) فى الأصل، م: ((يزل)). (٢) ابن أبى شيبة ٤٦٦/١١ - ٤٦٩ - ومن طريقه أبو عوانة (٩٩٣٨)، والبيهقى فى الدلائل ٤٢٢/٣ - ٤٢٤. وأخرجه ابن أبى شيبة ٤١٨/١٤، وأحمد ١٢١/٢٢ (١٤٢١١)، والبخارى (٤١٠١)، والبيهقى فى الدلائل ٤١٥/٣ - ٤١٧، ٤٢٢ - ٤٢٤ من طريق عبد الواحد بن أيمن به . ٣٧٧ الموطأ ١٧٩٢ - مالكٌ، عن أبى الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، أن التمهيد الوردِ، عن أبى محمدِ الحَضْرَمِيِّ، عن أبى أيوبَ الأنصارِىِّ، قال: صنَعْتُ لرسولِ اللهِ وَ ل﴿ ولأبى بكرٍ طعامًا قَدْرَ ما يَكْفيهما، وأَتَيُهما به، فقال رسولُ اللهِ وَّه: ((اذهَبْ فادْعُ لِى ثلاثِين من أشرَافِ الأنصارِ)). قال: فشَقَّ ذلك عَلَىَّ، وقُلْتُ: ما عندى شىءٌ أَزِيدُه. قال: فكانِى تَغافَلْتُ، ثم قال: ((اذْهَبْ فادْعُ لى بثلاثين من أشرافِ الأنصارِ)). قال: فَدَعَوْتُهم فجاءوا، فقال: ((اطعَموا)). فأكّلوا حتى (١) صَدَروا(٢)، ثم شهِدوا أنَّه رسولُ اللهِ ، ثم بايَعُوه قبلَ أن يخرجوا، ثم قال: ((اذهَبْ فادُ لى سِتِينَ من الأنصارِ)). قال أبو أيوبَ: فواللهِ لأَنَا بالسِّّينَ أْوَدُ منِّى بالثلاثين. قال: فدَعْوتُهم، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((كُلوا)). فأكلوا حتى صَدَروا (٢)، وشهِدوا أنه رسولُ اللهِ ، وبايعوه قبلَ أن يخرجوا، ثم قال: ((اذهبْ فادُ لى تسعينَ من الأنصارِ )). قال: فلأَنا أجودُ بالتسعينَ والستين منى بالثلاثينَ. قال: فدعوتُهم فأكّلوا حتى صَدَروا ()، وشهِدوا أنه رسولُ اللهِ ، وبايعوه قبلَ أن يخرجوا. قال: فأكّل من طعامى ذلك مائةٌ وثمانونَ رجلًاً(٣) . مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَهـ القبس حديثٌ: ((طعامُ الاثنَين)). زاد فيه مسلمٌ: ((وطعامُ الأربعةِ كافى (١) فى ق، م: ((ثم)). (٢) فى النسخ: ((صدوا). والمثبت من مصادر التخريج. (٣) أخرجه الفريابى فى دلائل النبوة (١٢)، والطبرانى (٤٠٩٠)، وأبو نعيم فى الدلائل (٣٣٤)، والبيهقى فى الدلائل ٩٤/٦ من طريق عبد الأعلى به . ٣٧٨ رسولَ اللهِ وَ له قال: ((طعامُ الاثنين كافِى الثلاثةِ، وطعامُ الثلاثةِ كافِى الأربعةِ)) . الموطأ التمھید قال: ((طعامُ الاثنينِ كافِى الثلاثةِ، وطعامُ الثلاثةِ كافِى الأربعةِ)) (١). قال أبو عمرَ: هكذا جاءَ هذا الحديثُ فى ((الموطأً)) وغيره من حديثٍ أبى الزِّنادِ بهذا الإسنادٍ ، وقد روَى أبو الزبيرِ، عن جابرٍ ما هو أعم من هذا. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال : أخبرنا أبو الزبيرِ ، أنَّ سَمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: سمِعتُ النبىّ وَّه يقولُ: ((طعامُ الواحدِ يَكْفِى الاثنَيْنِ، وطعامُ الاثنَيَنِ يَكْفِى الأربعةَ، وطعامُ الثمانيةِ)) (١) . واختلف العلماءُ فى تأويله؛ فمنهم من قال: إن معناه: أن الرجلَ لا القبس يجوغُ على نصفٍ عادتِه، فتَخصُلُ له فضيلةُ المُشاركةِ ، ولا يُحِسُّ بنَقْصِ العادةِ. وقيل: إن معناه أن الله تعالى يَضَعُ مِن بَرَكتِه فيه التى وضَعُ لَنَبِّهِ وَه، فيَّرِيدُهم حتى يَكْفِيَهم. وهذا إذا صَحَّتْ نِيْتُهم فيه وانطَلَقَت ألسنتُهم به، فإن قالوا : لا يَكْفِينا. قيل لهم: ((البَلاءُ مُوَكَّلٌ بالمنطقِ))(١). (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٩٠)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٤٩). وأخرجه البخارى (٥٣٩٢)، ومسلم (٢٠٥٨)، والترمذى (١٨٢٠)، والنسائى فى الكبرى (٦٧٧٣) من طريق مالك به . (٢) مسلم (٢٠٥٩) . (٣) سقط من : ج ، م . (٤) سيأتى تخريجه فى شرح الأثر (١٨٨٩) من الموطأ . ٣٧٩ . الموطأ ١٧٩٣ - مالكٌ، عن أبى الزبيرِ المكىِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أن رسولَ اللهِ وَّلَه قال: ((أغلِقوا البابَ، وأَوْكُوا السُّقاءَ، وأكفِئوا الإناءَ، أو خمّروا الإناءَ، وأطفئوا المِصباحَ؛ فإن الشيطانَ لا يفتحُ غلَقًّا، ولا يَحُلُّ وِكاءً، ولا يكشِفُ إناءً، وإن الفُوَيْسِقَةَ تُضرِمُ على الناسِ بيتَهم)). التمهيد الأربعةِ يَكْفِى الثمانيةَ))(١) . فأمَّا الكِفايةُ والاكتفاءُ، فليس بالشِّبَع والاستغناءِ، ألا ترَى إلى قولٍ أبى حازم رحِمه اللـهُ: إذا كان لا يُغنِيكَ مَا (٢) يَكفِيكَ، فليس فى الدنْيا شىءٌ يُغنِيكَ(٢)؟ ومِن هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ، أَخَذ عمرُ بنُ الخطابِ فِعَلَه عامَ الَّمَادةِ حين كان يُدخِلُ على أهلِ كلِّ بَيْتٍ مثلَهم، ويقولُ : لن يَهْلِكَ امرؤٌ عن نِصْفِ قُوتِه . مالكٌ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((أَغْلِقُوا حديثٌ: قال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: قال النبيُّ وَلّهِ: ((أَغْلِقوا البابَ)) إلى آخرِه . أما القبس قولُه : ((فإن الشيطانَ لا يفتحُ غَلَقًا)). فإن الله عزَّ وجلَّ خلَق الشياطينَ يَتَصرَّفون فى الهيئاتِ تَصَرُّفَنا فى الحَرَكاتِ ، فكما يكونُ الإنسانُ قائمًا وقاعدًا وماشيًا وجالسًا ، ويَمْنةٌ ويَشْرةً ، وخلفَ وقُدَّامَ ، فإِنَّ الشيطانَ تارةً يكونُ إنسانًا ، وتارةً يكونُ ثُعْبانًا ، (١) أخرجه أحمد ٣٢٣/٢٣ (١٥١٠٤)، ومسلم (١٧٩/٢٠٥٩)، وأبو عوانة (٨٤٠٤)، والبيهقى فى الشعب (٥٦٣٤) من طريق روح به، وأخرجه الدارمى (٢٠٨٧)، وابن ماجه (٣٢٥٤) من طريق ابن جريج به . (٢) بعده فى ص ١٧: ((لا)). (٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢٣٢. ٣٨٠