Indexed OCR Text

Pages 461-480

الموطأ
قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قالا: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ التمهيد
أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن الوليدِ بنِ كَثيرٍ، عن أبى نُعيمٍ
وهب بن کیسان ، سمعه من عمرَ بنِ أبی سلِمةً، قال : كنتُ غلامًا فى حجرٍ
رسولِ اللهِ وَله، وكانت يدى تَطِيشُ فى الصَّحْفةِ، فقال: ((يا غلامُ، سمِّ
اللهَ، وكُلْ بيمينِك، وكُلْ مما يَلِيك))(١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا
سفيانُ ، قال : حدَّثنا الوليدُ بنُ كَثيرٍ ، أنه سمِع أبا نُعيم وهبَ بنَ كيسانَ يقولُ :
سمِعتُ عمرَ بنَ أبى سلمةَ يقولُ: كنت غلامًا فى حَجْرِ رسولِ اللهِ وَله ،
وكانت يدى تَطِيشُ فى الصَّخفةِ، فقال لى رسولُ اللهِ وَلَّهِ: (( يا غلامُ، إذا
أکلتَ فسم الله ، و گُلْ بیمینك، و گُلْ مما يليك)). فما زالت تلك طِعْمتى".
م (٣)
بعدُ(٣).
قال أبو عمرَ : وقد سمِع أبو وَجْزةَ السَّعْدىُّ هذا الحدیثَ من عمرَ بنِ أبی
سلِمةَ ، وأبو وجزةَ أصغرُ سنًّا من أبى نُعيمٍ وهبٍ بن كيسانَ، وأقلُّ لقاءً.
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٠٤/٨ - وعنه مسلم (١٠٨/٢٠٢٢)، وابن ماجه (٣٢٦٧).
(٢) طِعمتى: أى حالتى فى الأكل. النهاية ١٢٦/٣.
(٣) الحميدى (٥٧٠). وأخرجه البخارى (٥٣٧٦)، ومسلم (١٠٨/٢٠٢٢)، والنسائى فى
الكبرى (١٠١٠٩) من طريق سفيان به .
٤٦١

الموطأ
١٨٠٦ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه قال: سمِعتُ القاسمَ
ابنَ محمدٍ يقولُ: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ فقال له: إن لى
یتیمًا وله إبل ، أفاُشرَبُ من لبنِ إِبله ؟ فقال ابنُ عباسٍ : إن كنتَ تبغِی
ضالَّةً إِيلِه، وتَهْتَأُ جزباها، وتَلُطُّ حوضَها، وتسقيها يومَ وِرْدِها،
فاشرَبْ غيرَ مُضِرٍّ بنسلٍ، ولا ناهِكٍ فى الحلبِ .
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال : حدَّثنا إبراهيم
ابنُ عبدِ الرحیم ، قال : حدثنا موسى بنُ داود، قال : حدثنا سليمانُ بنُ بلالٍ ، عن أبی
وجزةَ السَّغدىِّ، قال: أخبرنى عمرُ بنُ أبى سلِمةً، قال: دعانى النبىُّ وَلّل إلى طعامٍ
نأكُلُه، فقال: ((ادنُ، فسم الله، و گُلْ بيمينك، و گُلْ مما يليك))(١) .
وقد روى هذا الحدیث هشامُ بنُ عروةً ، فاختُلِف علیه فيه ؛ فمنهم من رواه
عن هشام بن عروةً، عن أبى وجزةً، عن عمرَ بن أبى سلمةً (١) . ومنهم من رواه
عن هشامٍ بن عروةَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبى سلمةَ. هكذا رواه معمرٌ،
ورَوْحُ بنُ القاسمِ()، عن هشامٍ بنِ عروةَ .
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ أنه سمِعه يقولُ: جاء
الاستذكار
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٥٧/٢٦ (١٦٣٣٩) عن موسى بن داود به.
(٢) أخرجه الطيالسى (١٤٥٥)، وابن حبان (٥٢١١) من طريق هشام به .
(٣) أخرجه الترمذى (١٨٥٧)، والنسائى فى الكبرى (١٠١٠٦)، والطحاوى فى شرح المشكل
(١٥٣) من طريق معمر به .
(٤) أخرجه الطبرانى (٨٣٠٢)، وفى الأوسط (٧٧٧٠)، وفى الدعاء (٨٨٥)، وابن السنى فى
عمل اليوم والليلة (٣٥٦) من طريق روح به .
٤٦٢

الموطأ
رجلٌ إلى عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، فقال له: إن لى يتيمًا وله إبلّ ، أَفأشربُ مِن لبنٍ الاستذكار
إيلِه ؟ قال ابنُ عباسٍ : إن كنتَ تبغِى ضالَّةً إِيلِه، وتَهْنَأُ جَزْباها ، وتَلُطُّ حوضَها ،
وتسقِيها يومَ وِزْدِها، فاشرَبْ غيرَ مُضِرٌّ بنَسْلٍ، ولا نَاهِكٍ فى الحَلْبِ(١).
قال أبو عمرَ : يحيى بنُ سعيدٍ أحسنُ سياقةً لهذا الخبرِ مِن الزهرىِّ ؛ رواه
معمرّ وغيرُه ، عن الزهرىِّ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، قال : جاء رجلٌ إلى ابنٍ
عباس فقال : إن فى حجْرِی یتامی وأموالهم عندی ، وهو یستأذِنُه أن یشربَ مِن
ألبانِها وأن يُصِيبَ منها، فقال: ألست تَلُوطُ(٢) حوضَها، وتبغِى ضالَّتَها، وتَهْنأَ
جَزباها؟ قال: بلى. قال: فأصِبْ مِن رِسْلِها. يعنى لبنَها (٣).
ورواه سفيانُ بنُ عُيِينةً، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسمِ () ويحيى بنِ سعيدٍ))،
عن القاسم بن محمدٍ، عن ابنِ عباسٍ. فذكره . قال: وزاد عبدُ الرحمنِ :
فاشرَبْ مِن فضلِ الدَّرِّ .
٠
قال سفيانُ: وحدَّثنى ابنُ أبى(١) نجيحٍ، قال: قال لى القاسمُ بنُ محمدٍ :
ما سمعتُ نُتْیا أحسنَ مِن قُتْیًا ابنِ عباسٍ هذه فی الیتیم ، إلا أن یکونَ حدیثٌ عن
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٣٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/١٧ و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٦٦).
(٢) فى ح، هـ، و، م: ((تلط)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٦/١، وابن جرير فى تفسيره ٦/ ٤٢٠، والبيهقى ٤/٦ من
طريق معمر به .
(٤ - ٤) فى و: ((عن محمد).
(٥) سيأتى تخريجه من طريق سفيان عن يحيى بن سعيد فى شرح الحديث (١٨٨١) من الموطأ.
(٦) سقط من: م.
٤٦٣

الموطأ
(١)
وعَلِيّا
الاستذكار رسولِ اللهِ
وقال سفيانُ، عن عمرٍو، عن الحسنٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ نَله
فقال : فی خْرِی یتیم وله مالٌ، أنآكُلُ مِن مالِه؟ قال : (( نعم بالمعروفِ ، غيرَ
مُتَأْتِّل مالًا(١) ، ولا واقٍ مالَك بمالِهِ)). قال: أفأضرِبُه؟ قال: ((مما كنتَ ضاربًا
منه ولدك))() .
واختلف أهلُ العلم فيما يَحِلُّ لولىٌّ(٤) اليتيم مِن مالِهِ بعدَ إجماعِهم أن أكلّ
مَالٍ اليتيم ظلمًا مِن الكبائرِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اُلْيَتَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَعْلَوْنَ سَحِيْرًا﴾ [النساء: ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَّنِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾
[الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤]. وقال: ﴿وَثَلُواْ الْيَشَ حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنّ
ءَانَسْتُم ◌ِنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَوَّ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَن
كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌّ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. فقيل:
الغَنِئُ لا يَحِلُّ له أكلُ شىءٍ مِن مالِ اليتيمِ. وقيل: بل له أن يأْكُلَ منه بمقدارٍ
قيامِه عليه وخدمتِه فيه ١٢، وانتفاع اليتيمٍ به فى محُسْنٍ نظرِه له . وهذا يُشبِهُ قولَ
القبس
(١) ذكره المصنف فى الاستيعاب ٣/ ٩٣٥.
(٢) أى غير جامع للمال. النهاية ٢٣/١.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٨/١، وسعيد بن منصور (٥٧٢ - تفسيره)، وابن جرير فى
تفسيره ٤٢٥/٦، والنحاس فى ناسخه ص ٣٠٠ من طريق سفيان بن عيينة به .
(٤) فى ح، هـ، و، ط، م: ((لوالى)).
(٥) فى الأصل، م: ((له)).
٤٦٤

الموطأ
ابنِ عباسٍ المذكورَ. وقد قيل: يستقرِضُ مِن مالِه، فإن أيسَر ردَّه. وقال بهذه الاستذكار
الأقوالِ جماعةٌ مِن علماءِ السلفِ ، وليس هذا موضعَ تقصِّى القولِ فى ذلك.
وأما قولُه فى حديثٍ مالكٍ: تبغِى ضالَّتَها . يعنى: تطلُبُ ما ضَلَّ منها وما
شرّد حتى تصرِفَه. وقولُه: تَهْنأَ جَرباها. فالهِنَاءُ طِلاءُ القَطِرانِ ، يعنى : تَظْلِى
جَزباها بالقَطِرانِ. قال دُرَيدُ بنُ الصِّمَّةِ (١) فى الخنساءِ، ونظَر إليها وهى تَهْناً
الجزیی مِن إبلها :
كاليومِ هانِئٌ أَيْثُقٍ لحزبٍ
ما إن رأيتُ ولا سمِعتُ به
يضعُ الهِنَاءَ مواضعَ النَّقْبِ(٢)
مُتَبَذْلًا(٢) تبدو مَحاسِنُه
وقال إبراهيم بن هَرْمةً(4) :
آقِطُ ألبانَها وأُسْلؤُها(١)
لستُ بذى (ْثُلَّةٍ مُؤَثِّلَةٍ)
أحبِسُها(٢) للقِرى وأَمْتَؤُها
لكننى قد علمتِ ذو إِبلٍ
القبس
(١) ديوانه ص ٢٣، ٢٤ (ضمن رسالة ماجستير: دريد بن الصمة حياته وشعره).
(٢) فى ح، هـ، م: ((متبدلا)).
(٣) فى الأصل، م: ((الثقب)). والنقب: القطع المتفرقة من الجرب. اللسان (ن ق ب).
(٤) شعر إبراهيم بن هرمة ص ٥٩ ، وفيه البيت الأول.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((ثلة المؤثلة))، وفى ح، هـ، م: ((قلة مؤثلة))، وفى الديوان: (( ثلة مؤنفة)).
(٦) مال مؤثل: أى مجموع، وآقط ألبانها: أى أصنع من ألبانها الأقط ، وأسلؤها: أى أطبخ سمنها
وأعالجه. اللسان (أ ق ط ، أ ث ل).
(٧) فى ح: ((أحسب))، وفى هـ: ((أحس))، وفى م: ((أحسبها)).
٤٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٣٠/٢٢)

الموطأ
١٨٠٧ - مالك، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أنه كان لا يؤتى
أبدًا بطعام أو شرابٍ، حتى الدَّواءِ، فيَطعمه أو يشرَبَه ، حتى يقولَ:
الحمدُ للهِ الذى هدانا وأطعمنا وسقانا ونقَّمنا، اللهُ أكبرُ، اللهمَّ أَلْفَتْنا
نعمتُك بكلٌ شرٌّ، فأصبحنا منها وأمسينا بكل خيرِ، نسألُك تمامَها
وشُكرَها، لا خيرَ إلا خيرُك، ولا إله غيرك، إلهَ الصالحين وربَّ
العالمين ، الحمدُ للهِ ، ولا إلهَ إلا اللهُ، ما شاء اللهُ لا قوَّةً إلا باللهِ ، اللهمَّ
بارِكْ لنا فيما رزقْتنا وقِنا عذابَ النارِ .
وقولُه: وَلُطُّ حوضَها. وقد روى: وتَلُوطُ حوضَها. أى: تُصلِحُ الحوضَّ
الاستذ کار
بسَدِّ المواضعِ التى يخرجُ منها الماءُ. قال الشاعر:
* ولِيطَتْ حِياضُ الموتِ وسْطَ العشائرِ »
وقولُه: وتسقِيها يومَ وزدِها. يعنى يومَ تَرِدُ الماءَ لتشربَ. وقولُه: غيرَ مُضِرٍ
بنَسْلِ. يعنى لا " يكونُ شريكًا) مُضِرًّا بالأولادِ. يَنْهاه عن الشّرَف؛ لأنه إذا
أسرَف أضرَّ بفُضْلانِها . والحَلَبُ بتحريكِ اللام اللبنُ نفسُه، والحَلْبُ بتسکینٍ
اللامِ مصدرُ: حلَبتُ .
مالك ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه، أنه کان لا يُؤْتَی أبدًا بطعام أو شراب
حتى الدواءِ، فَيَطْعَمَه أو يشربَه، حتى يقولَ: الحمدُ للهِ الذى هَدَانا وأطعَمنا
القبس
(١ - ١) فى ح، ط ١: ((يكن شريك))، وفى هـ، و: ((يكن شريكا))، وفى ط: «يكون
شريك )).
٤٦٦

الموطأ
قال يحيى: سُئل مالكٌ: هل تأكُلُ المرأةُ مع غيرِ ذی مَحرمٍ أو مع
غلامِها ؟ فقال مالكٌ : ليس بذلك بأسٌ ، إذا كان ذلك على وجهِ ما
يُعرّفُ للمرأةِ أن تَأْكُلَ معَه من الرجالِ .
قال : وقد تأكلُ المرأةُ معَ زوجِها ومعَ غيرِهِ ممَّن يُؤْاكلُه، أو معَ
أخيها، على مثلِ ذلك. ويُكرّهِ للمرأةِ أن تخلوَ مع الرجلِ ليسَ بينَها
وبينَه حُرمةٌ .
وسَقَّانا. إلى آخرِ الحديثِ(١).
الاستذ کار
فالحمدُ للهِ على الأكلِ والشُّربِ مع التسميةِ سُنّةٌ مسنونةٌ ؛ التسميةُ أولًا
والحمدُ(١) آخِرًا. والدعاءُ كثيرٌ لا يكادُ يُحصى، وخيرُه ما كان من الداعى بنِيَّةٍ
ويقينٍ بالإجابة ، ويكفِى مِن ذلك قولُه فى أولِ الطعامِ : بسم الله الرحمن الرحيمِ .
وفى آخرِهِ: الحمدُ للهِربِّ العالمين ، اللهمَّ بارِكْ لنا فيما رزَقْتنا وقِنا عذابَ النارِ .
شعل مالكٌ هل تأكُلُ المرأةُ مع غيرٍ ذی مخرَمِ أو مع غلامها ؟ قال : ليس
بذلك بأسٌ ، إذا كان ذلك على وجهٍ ما يُعرفُ للمرأةِ أن تأكُّلَ معه مِن الرجالِ .
وقد تأكُلُ المرأةُ مع زوجِها ومع غيرِه ممن يُؤْاكِلُهُ(١، أو مع أخيها ، على مثلٍ
ذلك. ويُكرهُ للمرأةِ أن تخلوَ مع الرجلِ ليس بينَها وبينَه ◌ُزمةٌ .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٩٦٧).
(٢) بعده فى الأصل، و، م: ((لله)).
(٣) سقط من: ح، هـ، م.
(٤) غير منقوطة فى: الأصل، ط١، وفى ح، هـ، و، ط: ((تؤاكله)). والمثبت من الموطأ.
٤٦٧

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: فى كتابِ اللهِ تعالى شفاءٌ مِن هذا المعنى، قال اللهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ [النور: ٣١]. كما قال: ﴿قُل
لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقال رسولُ اللهِ وَلَةٍ: (( لا
يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ ليس منها بذى مَخْرَمٍ ، ولا تسافرِ امرأةٌ بَريدًا فما فوقَه إلا مع
ذى محرمٍ)) (١). وقال جريرٌ: سألتُ رسولَ اللهِ وَهِ عِن نَظْرةِ الفجأةِ، فَأَمَرِنى
أن أصرِفَ بصرِى (١). وقال بَِّ لعلىِّ رضِى اللهُ عنه: ((لك النظرةُ الأُولى
وليست لك الأخرى)) (٢). وهذا يفسّرُ حديثَ جريرٍ(٢) ، أنه أمره أن يصرِفَ
بصرَه عن النظرةِ الثانيةِ ؛ لأن الأولى غُلِب عليها بالفجأةِ . ولقد كرِه الشعبىُّ أن
يُدِيمَ الرجلُ النظرَ إلى ابنته أو أمُّه أو أُختِه، وزمانُه خيرٌ مِن زماننا هذا. وحرامٌ
على الرجلِ أن ينظُرَ إلى ذاتٍ محرمٍ(٤) نظرَ شهوةٍ تُردِّدُها. وقال عاصم الأحولُ:
قلتُ للشعبىِّ: الرجلُ ينظُرُ إلى المرأةِ لا يرى منها مُحَرَّمًا؟ قال: ليس لك أن
تَثْقُبَها(٥) بعينِك(٦).
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٤٦٨)، وأحمد ٤٠٨/٣ (١٩٣٤)، ومسلم (١٣٤١) من حديث ابن
عباس دون قوله: ((بريدا فما فوقه)). وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ من
حديث أبى هريرة مقتصرًا على الشطر الثانى .
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٨٢/١٥.
(٣) فى ح، هـ: ((جابر)).
(٤) فى الأصل، ط: ((محرمة)).
(٥) فى ح، هـ، م: « تنقبها)).
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٤/٤ من طريق عاصم به.
٤٦٨

الموطأ
قال أبو عمرَ : فأين المُجالسةُ والمُؤاكلةُ مِن هذا؟! وقال مجاهدٌ فى قولٍ الاستذكار
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْذِنَكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾ . قال:
[النور: ٥٨]. قال : الذين
عبيدُكم المملوكون، ﴿ وَلَِّنَ لَمْ يَبْلُغُوْ اَلُْلُمُ مِنْكُرْ﴾
لم يحتلِموا مِن أحرارٍ كم . وقال ابنُ جريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ
مِنْكُمُ الْخُلُمُ فَلْيَسْتَخْذِنُواْ﴾ [النور: ٥٩]. قال: واجبٌ على الناس جميعًا أن
يستأذنوا "إذا احتلَموا)؛ أحرارًا كانوا أو عبيدًا(٢) . وقال سفيانُ، عن أبى
محصينٍ، عن أبى عبد الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: ﴿لِيَسْتَعْذِنَكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ
أَيْمَئِكُرْ﴾. قال: النساءُ، ما ◌ُنِى بها إلا النساءُ. قال سفيانُ: نحن نقولُ: عُنِى
بها الرجالُ؛ إذا بلغوا الحُلُمَ استأذَنوا(٤) . وقال أبو إسحاقَ الفَزَارىُّ: قلتُ
للأوزاعىِّ : ما حَدُّ الطفلِ الذى يستأذِنُ؟ قال: ابنُ أربع سنينَ. قال: لا يدخُلُ
على المرأةِ حتى يستأذِنَ .
قال أبو عمرَ : قد جاءت رُخْصةٌ فى المملوكِ الوَغْدِ(*) وفى معانٍ مِن هذا
البابِ تركتُ ذكرَها ؛ لأنى لم أره مِن الصوابِ ، إلا أن يكونَ المملوكُ مِن غيرِ
أَولى الإزبةِ، فيكونَ حكمُه حكمَ الأطفالِ الذين لا يفطِنون العوراتِ النساءِ،
القبس
(١) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ٣١٣، ٣١٩، وابن جرير فى تفسيره ٣٥٢/١٧.
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، م.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٥٨/١٧، ٣٥٩ من طريق ابن جريج به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٠/٤ من طريق سفيان به .
(٥) الوغد: الخفيف الأحمق الضعيف العقل. اللسان (وغ د).
٤٦٩
٠

الموطأ
ما جاء فى أكل اللحم
١٨٠٨ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عمرَ بنَ الخطّابِ قال:
إياكم واللحمَ، فإن له ضَراوةٌ كضراوةِ الخمرِ .
الاستذكار وكم مِن المماليكِ الأوغادِ أتَى منهم الفسادُ!
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن عمرَ بنَ الخطابٍ قال : إيَّاكم واللحمَ؛
فإن له ضَرَاوةً كضَرَاوِ الخمرِ (١).
قال أبو عمرَ: هذا يَدُلِّ على أن الخمرَ مَن ابتُلِى بها فَلَّما يُقلِعُ عنها ولا
يتوبُ منها. وأما اللحم فسيِّدُ الإدامِ، وهو غايةُ التنُم والرفاهية ، ويُروى عن
القبس
حديثٌ : كان عمرُ رضِى اللهُ عنه يَنْهَى عن اللحم إذا كان ضَرَاوةً للمرء، حتى
إنه رأى جابرَ بنَ عبدِ اللهِ ومعه حِمَالٌ منه، فعاتَبه وقال: إنى أُخشَى أن تكونَ ممَّن
قال اللهُ تعالى فيه: ﴿أَذَهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْ فِى حَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وهذا
الذى ندَب إليه عمرُ مِن أدبِ الشريعةِ، فإن مِن حُسْنٍ معاشِ المرءِ ألّا يَشْترسِلَ على
الشهواتِ دائمًا ؛ فإنه إذا اعتادَها ففَقَّدها لم يستطع الصبرَ عنها؛ فإمَّا أَن يَتَكلَّفَ ما لا
يجوزُ، وإمّا أن يُقِيمَ مُعَذَّبَ النفسِ، هذا إذا قام بحقِّها، وأمَّا إن قصَّر فيه؛ مثلَ أن
يشبَعَ فلا يُطِيعَ، أو تَبيتَ شبعانًا وجارُهُ غَوْثانًا(١) ، فقد صار ذلك فى حدِّ المعصيةِ ،
وخرَج عن بابِ المُباحِ، وفى مثلِه يقالُ: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأَسْتَعْنَعْتُمْ
◌ِهَا﴾ . يريدُ: فلم تُطِيعوا ولم تُواسُوا.
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٧و، ١٤ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٦٢).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٠٩).
(٣) فى ج، م: ((طيانًا)). وغرثان: جائع. ينظر التاج (غ ر ث).
٤٧٠
.

الموطأ
النبيِّ وَّ مِن حديثٍ عبدِ اللهِ بنِ جعفر بن أبى طالبٍ، وقد ذكرناه فى الاستذكار
((التمهيدِ))، أنه قال: ((سيِّدُ إدامِ الدنيا والآخرةِ اللحمُ))(١). وأمَر رسولُ اللهِ
وَّ بالوليمةِ ولو بشاةٍ ). وقال: ((لا تقطّعوا اللحمَ بالسكينِ على الخِوَانِ فإنه
مِن فعلِ الأعاجم))(١). وكان ◌َِّ يأْكُلُ اللحمَ، وكان يُعجِبُه لحمُ الذِّراع(٤).
ورُوى عنه ◌ِ لّ أنه قال: ((أطيبُ اللحم لحم الطيرِ(٥)). وقال سَفينةُ: أَكَلتُ
مع رسولِ اللهِ ◌ّ﴾ لحمَ حُبَارَى(١). و کان عمرُ مُخشَوِنًا فی أکلِه ولباسِه،
وكذلك فى كتابِهِ إلى أهلِ البصرةِ : إيَّكم والتنثُمَ وزِىَّ العَجَمِ،
واحشوشِنوا(٢) . و کان حريصًا على أن تكون رعيتُه تَقْتدِی به فى الزهدِ فی
الدنيا والرضا بخُشُونِةِ العيشِ، وقد روى عنه أنه قال فى بعضٍ خُطَبِه على
المنبرِ : ولا تأكُّلُوا البيضَ ؛ فإنما البيضةُ لقمةٌ ، فإذا تُرِكت صارت دجاجةً ثمنَ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٤٦/١٥.
(٢) تقدم فى الموطأ (١١٧٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٧٨)، والبيهقى ٢٨٠/٧ من حديث عائشة.
(٤) أخرجه أحمد ٣٨٤/١٥ (٩٦٢٣)، والبخارى (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤)، والترمذى
(٢٤٣٤) من حديث أبى هريرة.
(٥) كذا فى النسخ، وفى مصادر التخريج: ((الظهر)).
والحديث أخرجه الحميدى (٥٣٩)، وأحمد ٢٧٣/٣ (١٧٤٤)، وابن ماجه (٣٣٠٨)،
والنسائی فی الکبری (٦٦٥٧) من حديث عبد الله بن جعفر.
(٦) الحبارى: طائر طويل العنق، من الفصيلة الحبارية من رتبة الكركيات، ومنه عدة أنواع، رمادی
اللون على شكل الإوزة فى منقاره طول. الوسيط (ح ب ر).
والحديث أخرجه أبو داود (٣٧٩٧)، والترمذى (١٨٢٨)، والبزار (٣٨٣٧) من حديث سفينة.
(٧) تقدم تخريجه ص ٢١٣، ٢١٤.
٤٧١

الموطأ
١٨٠٩ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عمرَ بنَ الخطّاب أدرَك
جابرَ بنَ عبدِ اللهِ ومعَه حِمالُ لحم، فقال: ما هذا؟فقال: يا أميرَ
المؤمنينَ، قَرِمنا إلى اللحم، فاشتريتُ بدرهم لحمًا. فقال عمر:
أما يريدُ أحدُكم أن يَطوىَ بطنَه عن جارِه أو ابنٍ عمّه؟ أين تذهَبُ
عنكم هذه الآيةُ: ﴿أَذَهَبْتُمْ لِبَتِكُمْ فِ حَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم
بِهَا﴾؟ [الأحقاف: ٢٠]
الاستذكار درهم (١).
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ أدرَك جابرَ بنَ عبدِ اللهِ
ومعه حِمَالُ لحم، فقال: ما هذا؟ قال: يا أميرَ المؤمنينَ، قَرِئْنا(٢) إلى اللحم،
فاشتريتُ بدرهم لحمًا. فقال عمرُ: أما يريدُ أحدُكم أن يطوىَ بطنَه عن جارِه
وابنٍ عمِّه؟ أين تذهَبُ عنكم هذه الآيةُ: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتْبَتِكُمْ فِىِ حَاتِكُمُ الدُّنْيَا
وَأُسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا﴾(٣)؟
قال أبو عمرَ: رُوِى هذا الخبرُ عن عمرَ مِن وُجُوهِ ؛ منها ما ذكَرَه سُنيدٌ ،
قال: حدَّثنى ( معتمرُ بنُ" سليمانَ التيمىُّ، عن أبيه، قال: أبصَر عمرُ بنُ
الخطابٍ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ قد علَّق لحمًا بيدِه، فقال : ما هذا؟ قال : قرِمْنا إليه .
القبس
(١) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٧٩٦/٣، ٧٩٧.
(٢) القَرَّم : شدة شهوة اللحم حتى لا يصبر عنه. النهاية ٤٩/٤.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٦٣).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، وفى ط: ((معمر عن)).
٤٧٢

الموطأ
قال: وكلما اشتهَى أحدُكم شيئًا أكَله! أفلا يطوِى بطنَه لجارِه وضيفِه؟ أين الاستذكار
تذهَبُ عنكم هذه الآيَةُ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَتِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا﴾؟
قال سُنيدٌ : وحدَّثنى جريرٌ، عن عمارةَ بنِ القَعقاعِ، عن أبى زرعةً بنٍ
عمرٍو، قال: دخَل عتبةُ بنُ فَوْقَدٍ على عمرَ فى السَّحَرِ وهو يكدِمُ(١) كمكًا
شاميًّا (" ويتفوَّقُ لبناً) ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، لو أمرتَ بطعامٍ لَّنٍ(١) فصُنع
لك؟ قال: يا بنَ فَرْقدٍ ، ألستُ أقدرَ أحياءِ العربِ على طعامٍ طَيِّبٍ(٤)؟ قال
عتبةُ: نعم، ما أحدٌ أقدرَ على ذلك منك. قال : إنى سمِعتُ اللهَ تعالىْ ذمَّ
قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِكُمْ فِىِ حَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية .
وقال ابنُ جريج وقتادةُ : بلَغنا عن عمر أنه قال : لو شئتُ كنتُ أطيبكم
طعامًا، وألينَكم لباسًا ، ولكنى أستبقِى طَيِّباتى(٩).
قال أبو عمرَ : هذا طريقُ الزهدِ فى الدنيا ، وقد رضِى اللهُ عزَّ وجلّ ذلك مِن
عبادِه إذا كان رغبةً فى الآخرةِ وإيثارًا لها(٧)، وإن كان قد أباح الطيباتِ وهى
الحلالُ، وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ﴾ الآية [المائدة: ٥].
القبس
(١) بياض فى: و، وفى هـ، م: ((يكرم)). والكَدْم: العض بأدنى الفم. اللسان (ك د م).
(٢ - ٢) فى ح، هـ، م: ((ويتفرق لبنها)). وتفوق اللبن: أن يشربه فواقا فواقا، أى: قليلا قليلا.
ينظر التاج (ف و ق).
(٣) فى م: ((من لبن)).
(٤) فى الأصل، م: ((واحد)).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((رسول الله اَخرٍ)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٧/٢ من طريق قتادة به.
(٧) فى ط ١: ((فى الدنيا)).
٤٧٣

الموطأ
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىِّ أَخْرَجَ لِبَادِهِ، وَالَِّبَتِ مِنَ
الاستذكار وقال :
الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. فأكلُ اللحم الحلالِ مباح، ومِن السُّنَّةِ والشريعةِ
ذبحُ الغنمِ ونحرُ البُذْنِ ، والأكلُ منها وإطعامُ القانع والمُعْتَرّ، فأكلُ ما حلَّ مِن
اللحمِ وغيرِهِ مباحٌ، وأكلُ ما حرم لا يَحِلُّ، خَشِنًا كان أو غيرَ خشنٍ،
إلا أن مَن يترُكُ الدنيا حبًّا فى الآخرة، نال فى(١) الآخرةِ أعلى درجةٍ .
وما التوفيقُ إلا باللهِ .
قال أبو عمرَ : ظاهرُ الآيةِ يَدُلَّ على أنها فى الكفارِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ:
﴿وَبَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَتْبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا﴾
الآية . ولكنَّ فعلَ عمرَ وقولَه هو فعلُ أهلِ الزهدِ وقولُهم ؛ رُوِّينا عن عمرَ أنه قدِم
عليه ناسٌ مِن أهلِ العراقِ ؛ فيهم جريرُ بنُ عبدِ اللهِ التَجَلُّ ، فأتاهم بَفْنةٍ قد
صُنِعت بخبٍ وزيتٍ ، فقال لهم: كُلُوا . فأكّلوا أكلًا ضعيفًا، فقال لهم عمرُ:
قد أرى أكلَكم ، إنكم تُريدون الحلوَ والحامضَ، والحارَّ والباردَ ، كلَّ ذلك
قذفًا فى البطونِ(٣).
وروَى سفيانُ بنُ عُينةً، عن أبى فَرْوةَ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى ،
قال : قدِم ناسٌ مِن أهلِ العراقِ على عمرَ، فرآهم يأكلون أكلًا ضعيفًا، فقال:
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((المباح حلال)).
(٢) فى ح، هـ، و، ط ١، ط: ((من)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٥/١٣، وأبو نعيم فى الحلية ٤٩/١.
٤٧٤

الموطأ
يا أهلَ العراقِ، لو شئتُ أن يُدَهْمَقَ (١) لكم لفعلتُ ، ولكنا نستبقِى مِن دُنيانا ما نجِدُه الاستذكار
فى آخريِنا؛ أما سمعتُم الله تعالى يقولُ لقومٍ: ﴿أَذَهْتُمْ لَتِكُمْ فِى حَاتِكُمُ الدُّنْيَ﴾؟
ذكره أبو بكرٍ (١) بنُ أبى شيبةَ وغيرُه، عن ابنِ عُيِينةً.
وروى ابنُ وهپ ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بنِ أبی هلالٍ ، عن
موسىٍ بنِ سعدٍ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أن عمرَ بنَ الخطابٍ كان يقولُ : واللهِ
ما نَعبأُ(١) بِلَذَّاتِ العيشِ(٤) أن نأمُرَ بصغارِ المِغْزَى فَتُسمَطَ (٥) لنا، ونأمرَ بلُبَابٍ
الحِنْطةِ فيُخبزَ لنا، ونأمرَ بالزَّبِيبِ فِيُنبذَ لنا فى الأسقيةِ، حتى إذا صار مثلَ عينٍ
اليعقوب(١) أكَلنا هذا وشرِبنا هذا، ولكنا نريدُ أن نستبقىَ طيباتِنا؛ لأنا سمِعنا
الله يقولُ لقومٍ: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِكُمْ فِى حَاتِكُمُ الدُّنْيَ﴾(٧).
وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا جعفرٌ، ( حدثنا
عفانُ" ، قال: حدثنا جريرُ بنُ(١) حازم، قال: حدَّثنا الحسنُ ، أن عمرَ قال : إنى
القبس
(١) يدهمق: أى يُلَيَّ الطعام ويجود. النهاية ١٤٦/٢.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٧٣/١٣.
(٣) فى الأصل، ح، هـ: ((نعى))، وفى م: ((نفى)).
(٤) فى ح، هـ، م: ((الدنيا)).
١
(٥) سمُط الجَدْىَ: نتف عنه الصوف ونظفه من الشعر بالماء الحار ليشويه. اللسان (س م ط).
(٦) اليعقوب: ذَكّر الحَجَل. يريد أن الشراب صار فى صفاء عينه. النهاية ٢٩٨/٥.
(٧) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤٩/١ من طريق ابن وهب به.
(٨ - ٨) بياض فى: و، وليس فى: الأصل، ح، هـ، م. وينظر تهذيب الكمال ١٦٠/٢٠،
١٦١.
(٩) بعده فى م: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٢٤.
٤٧٥

الموطأ
الاستذكار واللهِ لو شئتُ لكنتُ مِن ألينِكم طعامًا، وأَرَقِّكم عيشًا، إنى واللهِ ما أجهَلُ
كراكر (١)، " وأسنمةً، وصِلاءً(٣) ، وصلائقَ(٤)، وصِنابً(٥)٢) ، ولكنى سمِعتُ
الله تعالى عيَّر قومًا بأمرٍ فَعَلوه، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا
وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ الآية(١).
قال أبو عمرَ : فى الآيةِ الجزاءُ بعذابِ الهُونِ على الكفرِ والفسوقِ لا على
أكلِ اللحم ، والحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ ، والزُّهدُ فى الدنيا مِن أرفعِ الأعمالِ ، إذا
كان على علمٍ وسُنَّةٍ. واللهُ المستعانُ .
وقد ذكَر الدُّولابىُ فى كتابِه فى ((فضائلُ(٢) مالكٍ))، قال: قال الزبيرُ بنُ
بَكَّارٍ : حدَّثنى إسماعيلُ بنُ أبى أَويسٍ، قال: كان لمالكِ فى لحمِه كلّ يوم
درهمان ، وكان يأمُرُ طَّاخَه كلَّ يومٍ جمعةٍ يعملُ له ولعيالِه طعامًا كثيرًا ، قال:
وكان له طَبَاحٌ يُقالُ له : سَلَمةُ .
قال: وحدَّثنى مُطَرّفُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: (٨كان مالكٌُ رحِمه اللهُ لو لم
القبس
(١) فى النسخ: (( كذا وكذا)). والمثبت من مصادر التخريج. وكراكر جمع كركرة، بالكسر،
وهى زَوْر البعير، وهى من أطايب ما يؤكل من الإبل. ينظر النهاية ١٦٦/٤.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) الصِّلاء بالمد والكسر: الشواء. النهاية ٣/ ٥١.
(٤) الصَّلائق: الرقاق، وقيل الحملان المشوية، ويروى بالسين. النهاية ٣/ ٤٨.
(٥) الصِّناب: الخردل المعمول بالزيت، وهو صباغ يؤتدم به. النهاية ٣/ ٥٥.
(٦) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٥٧٩)، وأبو عبيد فى غريب الحديث ٢٦٣/٣، ٢٦٤، وابن
سعد ٢٧٩/٣، وأبو نعيم فى الحلية ٤٩/١ من طريق جرير به .
(٧) فى الأصل: ((حديث)).
(٨ - ٨) فى الأصل: ((حدثنى مالك بن عبد الله)).
٤٧٦

الموطأ
ما جاء فى لُبسِ الخاتمِ
١٨١٠ - مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أن
رسولَ اللهِ وَلَ كان يلبَسُ خاتمًا مِن ذهبٍ، ثم قام رسولُ اللهِ ◌ِّ
فنبَذَه وقال: (( لا ألبَسُه أبدًا)). قال: فنبَذ الناسُ خواتمَهم.
يَجِدْ درهمين يبتائُ بهما لحمًا كلّ يومٍ إلا أن يبيعَ فى ذلك بعضَ متاعِه (١) ، الاستذكار
الفعَل. قال: وكانت تلك وظيفتَه(٢) فى لحمِه .
التمهيد
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَالنِّ
القبس
ما جاء فى لُبْسِ الخاتمِ
ذكَر حديثَ ابنِ عمرَ، أن النبيُّ وَلِّ كان يَلْبَسُ خاتَمًا مِن ذَهَبٍ ثم نبَذَه .
والأصلُ فى الخاتم وسَبَبٍ كَشْبِهِ، أن النبيُّ وَِّ أرادَ أن يَكْتُبَ إلى الأعاجم،
فقيل له : إنهم لا يَقْرَءون كتابًا إلا مختومًا. فأَّخَذ خاتَمًا كلُّه مِن فضةٍ، فَصُّه
منه (٢) ، وقد نَذْ خاتمًا كان فى يدِه مِن فضةٍ(٢)، والذى اسْتَقَوّ الحالُ عليه، أنه أنَّخَذ
خاتمًا فضَّةً(٩) فَصُّه مِن فضةٍ وزْنَ درهمَين. وقد جاء إلى النبيِّ وَ لَ رجلٌّ وعليه خاتمٌ مِن
(١) فى ح، هـ: ((ثيابه)).
(٢) غير واضحة فى ط، وفى الأصل، ح، م: ((وصفته))، وفى هـ: ((وضيفته)). والوظيفة من كل
شىء: ما يقدَّر له فى كل يوم من رزق أو طعام، ووظف الشىء على نفسه: ألزمها إياه . ينظر اللسان
(و ظ ف).
(٣) سيأتى ص ٤٨٧، ٤٨٨ .
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٨٤ .
(٥) سقط من : ج ، م .
٤٧٧

الموطأ
التمهيد كان يَلْبَسُ خاتمًا من ذَهبٍ، ثم قام رسولُ اللهِ وَّهِ فَتَبَذه، وقال: ((لا ألبَسُه
أبدًا)). قال: فتَبَذْ الناسُ خَواتِمَهم.
فى هذا الحديثِ(١) دليلٌ على أنَّ الأشياءَ على الإباحةِ حتى يَرِدَ الشرعُ
بالمنعِ منها، أَلَا تَرَى أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِهِ كان يتَخَتَّمُ بالذهبِ؟ وذلك، واللهُ
القبس شَبّهٍ؛ يعنى الصُّفْرَ()، فقال له: ((إنى لأجِدُ منك ريحَ الأصنامِ)). وجاء إليه آخر وعليه
خاتمٌ مِن حديدٍ ، فقال له: ((ما لى أرى عليكَ حِلْيةً أهلِ النارِ؟)). وجاءه آخَرُ وعليه
خاتمٌ مِن ذَهَبٍ ، فقال: ((اطرَعْ عنك حِلْيةً أَهلِ الجَنَّةِ) (١) . وقد رُوِى أنه كان للنبيِّ
وَلَِّ خاتمُ حديدٍ قد لُؤَّى عليه بفضةٍ. وروى ابنُ مسعودٍ قال: كان النبيُّ نَّه
يَكْرَهُ عَشْرَ خِلالٍ مِن البِدْعةِ، كما كان يُحِبُّ عَشْرَ خِلالٍ مِن الفِطْرةِ. قال ابنُ
مسعودٍ : الصَّفْرَةُ - يعنى الخَلُوقَ - وتَغْيِيرُ الشَّيْبِ، وَجَوَّ الإزارِ، والتَّخَتُمُ بالذهبِ ،
والتَُّجُ بالزّينةِ لغيرِ مَحِلِّها، والضَّرْبُ بالكِعابِ (١)، والرُّقَى إلا بالمُعوِّذاتِ، وعَقْدُ
الثَّمَائِم، وعزلُ الماءِ، وفسادُ الصَّبىِ، يعنى الغِيلَةَ(). وقال علىٍّ: نَهانى
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٧١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٤/١٨ و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٦٩). وأخرجه أحمد ٣٠٠/٩ (٥٤٠٧)، والبخارى (٥٨٦٧)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٢٦٢/٤، وفى شرح المشكل (١٤١١) من طريق مالك به .
(٢) فى ق: ((الباب)).
(٣) الصفر : النحاس يصبغ فيصفرّ . اللسان (ش ب هـ) .
(٤) سيأتي تخريجه ص ٤٩٧، ٤٩٨ .
(٥) أبو داود (٤٢٢٤)، والنسائى (٥٢١٠).
(٦) الكعاب : فصوص النرد ، واحدها كعب وكعبة . النهاية ١٧٩/٤ .
(٧ - ٧) ليس فى : د.
(٨) أبو داود (٤٢٢٢)، والنسائى (٥١٠٣).
٤٧٨

الموطأ
أعلمُ، على ما كانوا عليه، حتى أمَرَه اللهُ بما أمَرَه به من تركِ النَّخَتُّم بالذهبِ ، التمهيد
فَتَهَى رسولُ اللهِ وَ لَه عن النَّخَتُّم بالذهبِ للرّجالِ. قال سعيدُ بنُّ جبيرٍ: كان
الناسُ على جاهِلَّهم حتى يُؤْمَرُوا أو يُنْهَوا (١) . ومن حديث مالك ، عن نافعٍ،
عن إبراهيم بنِ عبدِ اللهِ بنِ مُنَيْنٍ، عن أبيه، عن علىٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِنَھَى
عن لُبْسِ القَسِّىِّ والمعَصْفَرِ، وعن تَخَتُّم الذهبِ. الحديث(١). وهذا لو حمَلْناه
على عُمومِه، ما جازَ للرّجالِ ولا للنساءِ، ولكنْ قد جاءت آثارٌ تَخُصُّ النساءَ،
قد ذكرناها ، والحمدُ للهِ، فی باپٍ نافعٍ(٣) وغيره.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
رسولُ اللهِ وَّهِ أن أَتَختَّمَ فى هذه وهذه. يعنى: الوسطَى والسَّبَّابةَ ) . فتأوَّله القبس
الترمذىُّ(٥) على أنه يُكْرَهُ النَّخَتُّمُ فى الإصْبعَين. وليس كذلك، وإنما المعنى فيه،
واللهُ أعلمُ ، ألَّ يَتَشبَّهَ الرجالُ بالنساءِ بالتخُّم فى الأصابعِ كلِّها، وقد صَعَّ عن النبىِّ
وَه أنه تَخَتَّم فى يمينه وفى يسارِهِ) ، واستقرَّ الأكثرُ على أن يُختَّمَ فى اليسارِ،
وهى زينةٌ، فرُخِّص فيها، أصلُها الحاجةُ كما قدَّمْنا، ولكن رُخِّص فيها لجميعٍ
الأُمَّةٍ ، وليس لها عندى معنَّى، بل هى ثِقَلْ لليدِ وشُغُلّ للتَالِ.
(١) تقدم تخريجه فى ٤٥٣/٢٠.
(٢) تقدم فى الموطأ (١٧٤).
(٣) تقدم ص ٢٠٤ - ٢٠٦، وفى ٢٣٦/٤، ٢٣٧.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٩٥، ٤٩٦ .
(٥) الترمذى (١٧٨٦).
(٦) ينظر ما سيأتى ص ٤٩٠ - ٤٩٣، ٤٩٥.
٤٧٩

الموطأ
التمهيد محمدُ بنُ غالبٍ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مَرزوقٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ ، قال :
حدَّثنا قتادةٌ، عن النَّضْرِ بنِ أنسٍ ، عن بَشيرِ بنِ نَهِيكِ، عن أبى هريرةَ ، أنَّ النبيَّ
﴿َُّ نَّهَى عن خاتَمِ الذهبِ(١) .
قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ غالبٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ الرَّقِّى، قال :
أخبرنا شعبةُ ، قال : أخبرنا أشعثُ بنُ سليم ، قال : سمِعتُ مُعاويةً بنَ سويدِ بنِ
مُقرّنٍ، قال: سمِعتُ البَراءَ بنَ عازبٍ يقولُ: نهَى(٢) رسولُ اللهِ وَل عن
خاتَمِ الذهبِ ، أو حليةِ الذهبِ . شكَّ شعبةُ .
قال : وحدَّثنا محمدُ بنُ يونسَ الكديمىُّ ، قال: حدَّثنا أبو بكر الحنفىُ عبدُ
الكبيرِ بنُ عبد المجيدِ ، قال: حدَّثنا مِسعرُ بنُ كِدام، عن أشعثَ بنِ أبی
الشعثاءِ، عن معاويةَ بنِ سويدِ بنِ مقرّنٍ ، عن البراءِ ، قال: نُهينا عن سبع ، وأمرِنا
بسبعٍ؛ أُمرنا باتّباعِ الجنائِ() ، وتشميتِ العاطِسِ، وعيادةِ المريضِ ، وإجابةٍ
الدَّاعِى، وإْرارِ القسم، ونَصْرِ المظلوم، ورَدِّ السَّلامِ، ونُهِينا عن خائَمِ
الذَّهَبِ، وآنِيةِ الفِضَّةِ، والقَسِّئُ، " والمِيثَرةِ، والحَرِيرِ، والدِّيباجِ،
القبس
(١) قاسم بن أصبغ فى مصنفه - كما فى فتح البارى ٣١٦/١٠، ٣١٧ - وأخرجه البخارى
(٥٨٦٤) من طريق عمرو بن مرزوق به، وأخرجه أحمد ٨٧/١٦ (١٠٠٥٢)، والبخارى
(٥٨٦٤)، ومسلم (٢٠٨٩)، والنسائى (٥٢٨٨) من طريق شعبة به.
(٢) فى ص: ((نهانا)).
(٣) فى ص: ((الجنازة)).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، ص، م.
٤٨٠