Indexed OCR Text

Pages 421-440

الموطأ
انتهَينا إلى البحرِ، فإذا حوثٌ مثلُ الظَّرِبِ ، فأكَل منه ذلك الجيشُ ثمانَ عشرةَ التمهيد
ليلةً، ثم أمَر أبو عبيدةَ بضِلَعَيْنٍ من أضلاعِه فتُصِبا، ثم أمَر براحلةٍ فرُحِلتْ، ثم
مرّت تحتَهما ولم تُصِبْهما(١) . قال مالكٌ: الظَّرِبُ الجُبَيلُ.
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ صحيحٌ مجتمَعٌ على صحته . وفيه من الفقهِ
إرسالُ الخلفاءِ السّرايا إلى أرضِ العدوِّ، والتأميرُ على السريةِ أوثقَ أهلِها. وفيه أن
المواساةَ واجبةٌ بينَ المسلمين بعضِهم على بعضٍ، إذا خِيف على البعضٍ
التلفُ ، فواجبٌ أن يُرمقه(٢) صاحبُه بما یردُّ مُهجته ويشاركه فیما بیده ، ألا ترى
أن رسولَ اللهِ وَ لِّ قد أدْخَل على من ملَك زادًا فى زادِه أن يَشْرَكَ معه فيه غيرَه
فى حديثٍ سُويدِ بنِ النعمانِ (١)؟ وهو عندى ضربٌ من القضاءِ بذلك.
ولوجوبٍ المواساةِ عندَ الشدَّةِ ارْتَفع عندَ أهلِ العلمِ قطعُ السارقِ إذا سرَق شيئًا
من الطعامِ فى عامٍ سَنَّةٍ ، واللهُ أعلمُ. وفى جمع الأزوادِ بركةٌ وخيرٌ، وقد
ذكرنا فى معنى الزادِ فى السفرِ ما فيه مَفْنعٌ فى بابٍ يحيى بن سعيدٍ ، عن بُشیرِ بنِ
(٥)
يسارٍ(٥).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٦/١٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٥٣). وأخرجه
أحمد ١٩١/٢٢ (١٤٢٨٦)، والبخارى (٢٤٨٣، ٤٣٦٠)، ومسلم (٢١/١٩٣٥)، والنسائى
فى الكبرى (٨٧٩٢) من طريق مالك به .
(٢) رمَّقه: أمسك رَمَّقه، والرمق: بقية الحياة. المحكم ٦/ ٢٥٠.
(٣) تقدم فى الموطأ (٤٨).
(٤) السنة: الجدب. المصباح المنير (س ن هـ).
(٥) ينظر ما تقدم فى ٢ /٥٦٨، ٥٦٩.
٤٢١

الموطأ
التمهيد
وفيه أكلُ مَيْنَةِ البحرِ من دوابُّه وغيرِها؛ لأن دوابَّه إذا جاز أكلُها ميّةً
فسمكُه أولى بذلك؛ لأن السمكَ لم يُختَلَفْ فى أكلِه، واختُلِف فى أكلِ
الدوابٌ منه؛ فكان أبو حنيفةً وأصحابُه، والحسنُ بنُ حىٍّ، يقولون (١) : لا
يُؤْكَّلُ من حيوانِ البحرِ شىءٌ إلا السمكَ ما لم يكنْ طافيًا، فإذا كان طافيًا لم
يؤكَلْ أيضًا . وقال ابنُ أبى ليلَى ، ومالكٌ، والأوزاعىُّ، والليثُ ، والشافعىُّ: لا
بأسَ بأكلٍ كلُّ ما فى البحرِ؛ سمكًا كان أو دائَّةٌ. وهو أحدُ قولي الثورىٌّ.
وروَى أبو إسحاقَ الفَزَارِىُّ، عن الثورىِّ أنه لا يؤكّلُ من صيدِ البحرِ إلا
السمكُ. وقال الشافعىُّ: ما يعيشُ فى الماءِ حَلّ أكلُه، وأخذُه ذکاتُه، ولا
يحتاجُ إلى ذكاتِه (١) . وقد ذكرنا هذه المسألةَ مجوَّدةً ممهَّدةً فى بابٍ صفوانَ
ابنِ سُليم ١، وأتينا فيها من أقاويلِ العلماءِ بأكثرَ مما ذكرنا هلهنا، والصحيحُ فى
هذا البابِ أنه لا بأسَ بأكلٍ ما فى البحرِ من دائَّةٍ وحوتٍ، وسواءً ميتُه وحُّه فی
ذلك، بدليلٍ هذا الحديثِ المذكورِ فى هذا البابِ، وبدليلٍ قولِه ◌َّه فى
البحرِ: ((هو الطَّهُورُ ماؤه، الحِلَّ ميَتُه))(٤). ولا وجة لقولٍ من قال: إن
أصحابَ رسولِ اللهِ وَ يَ كانوا مضطرّين ذلك الوقتَ إلى الميتةِ، فمن ههنا (٥)
جاز لهم أكلُ تلك الدائَّةِ. وهذا ليس بشىءٍ؛ لأَن أكلَهم لم يكنْ على وجهِ ما
القبس
(١) فى الأصلى: ((يقولان)).
(٢) فى ف: ((ذكاة)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٨٨/٢ - ٤٩٣.
(٤) تقدم فى الموطأ (٤٠).
(٥) فى الأصل، م: ((هناك)).
٤٢٢

الموطأ
تؤكّلُ عليه الميتةُ للضرورةِ، وذلك أنهم أقاموا عليها أيامًا يأكلون منها، ومن التمهيد
اضْطُرَّ إلى الميتةِ ليس يباحُ له المُقام عليها ، بل يقالُ له: خذْ منها ما تحتاجُ،
وانتقِلْ منها إلى طلبِ المباح من القوتِ . وقد ذكرنا فى بابٍ صفوانَ بنِ سُليم
من صحيحِ الأثرِ ما يدُلُّ على أن رسولَ اللهِ وَل ◌ِ أَباح ذلك لغيرِ المضطرّ. وفى
قولِهِ وَرَ فى هذا الحديثِ للبحرِ (١): ((هو الطَّهُورِ ماؤُه، الحِلُّ ميتتُه)). ما
يكفى ويُغْنِى عن قولٍ كلِّ قائلٍ. والحمدُ للهِ .
وقد احتجّ بهذا الحديثِ من أجاز أكلَ اللحم الذَّكِّ إذا صَلَّ(١) وأنْتَن،
وليس فى هذا الحديث بيانُ ذلك بما يرفَعُ الإشكالَ .
وقد رُوى عن مالكِ أنه قال: لا بأسَ بأكلِ الطافى من السمكِ ما لم يُنْتِنْ .
وهو قولُ جمهور العلماءِ. وفى حديثٍ أبى ثَعلبةَ الخُشَنىِّ أن رسولَ اللهِ وَه
قال له فى الصيدِ الذى يغيبُ عن صاحبِهِ: ((يأْكُلُه ما لم يُنْتِنْ)). وعلى أن هذا
الخبرَ فى أكلِ هذه الدابَّةِ قد تأوَّل فيه قومٌ الضرورةَ كما ذكّرتُه لك .
وحديثُ أبي ثعلبةَ هذا حدَّثَنَاه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسم،
حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، حدَّثنا موسى بنُ معاويةً ، حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى القزَّازُ، عن
معاويةً بن صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن جبيرِ بنِ نُغيرٍ ، عن أبيه، عن أبى ثعلبةً
الخُشَنىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كُلوا الصيدَ وإن وجدتموه بعد ثلاثةِ
القبس
(١) فى ف، م: ((البحر)).
(٢) صلَّ اللحم يصِلّ صُلولا، وأصلَّ: أنتَن، مطبوخًا كان أو نيئًا. اللسان (ص ل ل).
٤٢٣

الموطأ
التمهيد أيامٍ ما لم يُنْتِنْ))(١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ سيّدٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الباجىُ، حدَّثنا محمدُ
ابنُ عبدِ الملكِ بنِ أيمنَ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ . فذكره
بإسنادِه سواءً.
وأما حديثُ جابرٍ هذا فقد رُوى من وجوهٍ كثيرةٍ كلُّها ثابتةٌ صحيحةٌ ، وقد
رواه هشامُ بنُ عروةً، عن وهبٍ بن کیسانَ .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبى الموتِ
المكثُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زيدِ بنِ هارونَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ المنذرِ
الحزامئُ، قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یحیی بن عروةَ، عن هشام بنِ
عروةَ، عن وهبٍ بنِ كيسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: خرجنا فى سريّةٍ
بعثها(٢) رسولُ اللهِ وَِّهِ ونحن ثلاثمائةِ رجلٍ، فقلَّت أزوادُنا حتى ما كان
يُصِيبُ كلَّ رجلٍ منا إلا تمرةً، فجئنا البحرَ، فإذا نحن بحوثٍ ألقاه البحرُ ميًّا ،
فأقمنا عليه، فمكثنا اثنتى عشرةَ ليلةً نأكُلُ منه، ثم قدِمنا على رسولِ اللهِ وَّل
فأخبَرْناه، فقال: (( نعم الجارُ البحرُ، هو الطّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مينته))(٣).
القبس
(١) أخرجه مسلم (١٠/١٩٣١)، والنسائى (٤٣١٤) من طريق معن بن عيسى به، وأخرجه أحمد
٢٨٠/٢٩ (١٧٧٤٤)، ومسلم (٩/١٩٣١)، وأبو داود (٢٨٦١) من طريق معاوية بن صالح به .
(٢) فى ف، م: (( بعثنا)).
(٣) أخرجه البخارى (٢٩٨٣)، ومسلم (٢٠/١٩٣٥)، والترمذى (٢٤٧٥)، والنسائى (٤٣٦٢)،
وابن ماجه (٤١٥٩) من طريق هشام به. ووقع عند الترمذى زيادة: ((هشام عن أبيه)) .=
٤٢٤

الموطأ
التمهيد
وقد رواه أبو الزُّبيرِ عن جابرٍ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ عمرَ بنِ یحیی ، قال :
حدَّثنا علىُّ بنُ حرب ، قال : حدثنا سفيانُ بنُ عیینةً ، عن أبی الزبيرِ ، عن جابرٍ
ابنِ عبدِ اللهِ، قال: بعَثنا النبىُّ وَِّ فى سريةٍ مع أبى عبيدةَ، فَأُلقَى لنا البحرُ
حوتًا، فأكّلنا منه نصفَ شهرٍ، وأَتَدْنا منه، وادَّهَنَّا بوَدَكِه(١) ، حتى ثابت(٢)
أجسامُنا(٣).
فگر عبد الرزّاقِ(٤) ، عن معمرٍ ، عن أيوب ، عن أبى الزبير ، عن مولّی لأبى
بكرٍ ، عن أبى بكرٍ ، قال : كلُّ ما فى البحرِ من دابَّةٍ قد ذبَحَها اللهُ لك فكُلُها .
قال(٥) : وأخبرنا الثوریُّ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبی بشیرٍ ، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباسٍ قال: أشهَدُ على أبى بكرٍ أنه قال : السمكةُ الطافيةُ حلالٌ لمن أراد
أكلها .
وهذا البابُ فيه زياداتٌ فى بابٍ صفوانَ بنِ سُليم من هذا الكتاب (١).
القبس
= وهو خطأ نبه عليه المزى فى التحفة (٣١٢٥).
(١) الودَك: دسم اللحم ودهنه الذى يستخرج منه. التاج (ود ك).
(٢) ثابت: رجعت إلى الصحة. النهاية ٢٢٧/١.
(٣) أخرجه الحميدى (١٢٤٣) عن سفيان به .
(٤) عبد الرزاق (٨٦٥٤).
(٥) عبد الرزاق (٨٦٥٥).
(٦) ينظر ما تقدم فى ٤٨٨/٢ - ٤٩٣.
٤٢٥

الموطأ
١٧٩٧ - مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عمرو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ،
عن جدَّتِه، أن رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((يا نساءَ المؤمناتِ ، لا تحقِرَنَّ
إحداكنَّ لجارتِها ولو كُراعَ شاةٍ مُحرَقًّا)).
التمهيد
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عمرو بنِ مُعاذٍ الأشهلِىِّ، عن جَدَّتِهِ ، أنَّها
قالت: قال رسولُ اللهِ وَهِ: (( يا نساء المؤمنات، لا تَحْقِرَنَّ إحدا كنَّ لجارَتِها
ولو ◌ُراغَ شاةٍ مُخْرَقًا))(١).
قال صاحبُ ((العينٍ))(٢): الكُرائحُ من الإنسانِ ومن الدَّوابِ وسائرٍ
المواشِى، ما دُونَ الکعبِ .
وفى هذا الحديثِ الحَضُّ على الصَّلَةِ والهدِيَّةِ بقليلٍ الشىءِ و کثیرِه، وفى
ذلك دليلٌ على برِّ الجارِ وحفظِه؛ لأنَّ من نُدِبْتَ إلى أنْ تُهْدِیَ إليه وتَصِلَه، فقد
مُنِغْتَ من أذاه، وأَمِرْتَ بِيرٌّه . والآثارُ فى الهدايا وحسنٍ الجوارِ كثيرةٌ معروفةٌ ،
وفى ذكرِ القليلِ من ذلك ما يُتَبَّهُ على فضلِ الكثيرِ منه لمن فَهِم معنَى الخطابِ .
وباللهِ التوفيقُ. ولقد أحسن القائلُ(٣):
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٣٢)، وبرواية يحيى بن بكير (٢٠/١٨و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٥٤). وأخرجه أحمد ١٥٧/٢٧، ٢٥١/٣٨، ٤٤٠/٤٥ (١٦٦١١،
٢٣٢٠٠، ٢٧٤٤٩)، والدارمى (١٧١٤)، والبخارى فى الأدب المفرد (١٢٢)، من طريق
مالك به. ووقع فى رواية محمد بن الحسن: ((معاذ بن عمرو)). وهو وهم، ينظر تهذيب
الكمال ٢٤٦/٢٢.
(٢) العين ١٩٩/١.
(٣) ينظر آداب الصحبة ص ٩٩، وتاريخ دمشق ٢٥٥/١٧، ٣٥٨/٤١، والمعجم فى أصحاب
القاضى الصدفى لابن الأبار ص ٢٤.
٤٢٦

الموطأ
التمهيد
افعلِ الخيرَ ما استطعتَ وإن كان قليلاً فلن تُطِيقَ بَكُلُّة
رِ إذا كنتَ تارِكًا لأُقَلِّة
ومتى تَفْعَلُ الكثيرَ من الخيـ
وأحسنُ من هذا قولُ محمود الورّاقِ :
(لوقد) رأيتَ الصغيرَ من عملِ الـ ـخيرِ ثوابًا عَجِئْتَ من كبَرِه
أو قد رأيتَ الحقيرَ من عملِ الشرِّ جزاءً أَشْفَقْتَ من حذَرِهْ
وجَدَّةُ عمرٍو بنٍ معاذٍ هذا قيلَ: إِنَّ اسمَها حوَّاءُ بنتُ تَزِيدَ بنِ السَّكَنِ.
مَدِنَّةٌ ، وقد قيلَ: إِنَّها جدَّةُ ابنٍ بُجَيْدٍ أيضًا. وحديثُ كلِّ واحدةٍ منهما قد
رُوِىَ عن صاحبتِها(١)، وسنذكُرُ بعضَ ذلك الاختلاف فى البابِ الذى
يَلى هذا البابَ، فى حديثٍ زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ بُجَيْدِ الأنصارِىِّ إن
شاء اللهُ(٣) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح رحِمه اللهُ، حدَّثنا علىُ بنُ " فارسٍ بنِ شجاعٍ"
البغدادِىُّ بمصرَ (١) ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّارِ الصُّوفِيُ، حدَّثنا عثمانُ بنُ أبی
شيبةً ، حدَّثنا عمرُ بنُ عُبيدٍ ، عن الأعمشِ ، عن شقيقٍ ، عن عبدِ اللهِ ، قال : قال
القبس
(١ - ١) فى م: ((لقد)).
(٢) فى م: ((صاحبته)).
(٣) ينظر ما تقدم ص ٣١٩ - ٣٢٢.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((شجاع بن فارس)). والمثبت مما تقدم ص ٤٦ .
(٥) سقط من: م.
٤٢٧

١٧٩٨ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بن أبى بكرٍ ، أنه قال: قال رسولُ
الموطأ
اللهِ وَّهِ: ((قاتَلَ اللهُ اليهودَ، نُهُوا عن أكلِ الشَّحم، فباعُوه فأكَلوا
ثمنَه)) .
التمهيد رسولُ اللهِ وَلِلّهِ: ((اقبلوا الهديَّةَ، وَأَجِيبوا الدَّاعِيّ)) (١).
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((قاتَل اللهُ
القبس
حديثٌ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (قاتَلَ اللهُ اليهودَ، ثُهُوا عن أكْلِ الشُّحومِ))
الحديثَ. ليس فى الأمم طائفةٌ أعظمُ تَعَلَّقًا بالظاهرِ مِن اليهودِ، ومنه هلكوا،
فإنهم رَأَوا فى التوراةِ: جاء اللهُ، ونزَل اللهُ. فأخذوا بظاهرٍ هذه الألفاظِ.
فاعْتَقَدوه جِسْمًا، ونُهُوا عن الصيدِ للحوتِ، فكان يأتِيهم يومَ سَبتهم، ويومَ لا
يَشْبِتون لا يأتيهم، فسَكّروا الجداولَ يومَ السبتِ ، فلما أراد الحوثُ أن يخرج لم
يَجِدْ مَنْفَذًا، فَجَرُّوه فى يوم الأحدِ فأخَذوه، فمُسِخوا قِرَدةٌ وخنازيرَ، ونُهُوا عن
أكْلِ الشُّحومِ، فقالوا: نَبِيعُها ونأكُلُ ثمنها؛ لأن أَكْلَ الثمنٍ ليس بأكلٍ المثمونِ .
وهذه الطريقةُ أراد أن يَسلُكَ داودُ فى الدينِ، فقال: ما قال اللهُ تعالى لا يُزَادُ
عليه. فهَمَّ بالبُنْيَانِ وهَدَمَ الكُلَّ؛ ولهذا كان مذهبُ مالكِ أشرفَ المذاهبِ؛
لِيَّعِه المعانىَ، وإعراضِه عن الظاهرِ، إذا وجَدها، ألّا تَرى إلى قولِه فيمن حلّف
ألَّ يَأْكُلَ هذا الطعامَ، وأَلَّ يَلْتَسَ هذا الثوبَ، أنه لا يَنْتفِعُ بهما فى حالٍ ، إذا كان
المقصودُ معنَى المَنَّ، أو ما يَعُمُّ ؟ وقال أبو حنيفةَ والشافعىُ: يَبِيعُه ويأكُلُ ثمنه .
وهذه فَتْوى يهودیةٌ .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٥٥٥، والبزار (١٦٩٧)، وأبو يعلى (٥٤١٢)، والشاشى (٥٧٩)،
وابن حبان (٥٦٠٣) من طريق عمر بن عبيد به .
٤٢٨

الموطأ
التمهيد
اليهودَ، ثُهُوا عن أكلِ الشَّحم، فباعوه فأكلوا ثَمنَه ))(١).
وهذا الحديثُ قد رُوِى عن النبيِّ وَ لِّمِسنَدًا مُتَّصِلًا مِن وجوهِ شتَّى، كلُّها
ثابتةٌ عن النبيِّ وََّ؛ مِن حديثٍ عمرَ، وأبى هريرةَ، وابنٍ عباسٍ، وجابرٍ ،
وغيرهم .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا
سفیانُ ، قال : حدثنا عمرو بنُ دینارٍ ، قال : اخترنی طاوسٌ ، أنه سمِع ابنَ عباسٍ
يقولُ: بَلَغ عمرَ بنَ الخطّابِ أنَّ سَمُرَةَ باع خمرًا، فقال: " قاتَل اللهُ سمُرةَ، ألم
يعلَمْ أَن رسولَ اللهِ وَهِ قال٢١: ((قاتَل اللهُ اليهودَ، حُرِّمَت عليهمُ الشحومُ،
فجَمَلوها فباعُوها))(٣) ؟
قال أبو عمرَ: قولُه: ((جمَلوها)). يعنى: أذابوها، لا خِلافَ بينَ أهلِ اللغةِ
فى ذلك، وقد جاء أيضًا مُفسَّرًا فى الحديثِ .
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
مُضَرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ سلَّم الكوفىُ، قال : حدَّثنا أبو بكرٍ -
يعنى ابنَ عيَّاشٍ - عن الأعمشِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ وَل
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٥٥).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) الحميدى (١٣) - وعنه البخارى (٢٢٢٣).
٤٢٩

الموطأ
التمهيد قال: ((لعَن اللهُ اليهودَ، محُرِّمَت عليهم شُحومُ الأنعام، فأذابوها ثم باعوها
وأكّلوا أثمانَها))(١).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ، قال): حدَّثنا مُسدّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ، أن بِشرَ بنَ المفضَّلِ وخالدَ بنَ عبدِ اللهِ
حدَّثاهم المعنى، عن خالدِ الحذَّاءِ، عن بركةً أبى الوليدِ ، عن ابنِ عباسٍ قال :
رأيتُ رسولَ اللهِ فَ لَّ جالسًا عندَ الرُّكنِ. قال: فرفَع بصرَه إلى السماءِ
فضحِك، ثم قال: ((لعَن اللهُ اليهودَ)). ثلاثًا، قال: ((إن اللهَ حرَّمَ عليهم
الشحومَ، فباعُوها وأكَلُوا أَثْمانَها، وإن اللهَ إذا حرَّم على قومٍ أكلَ شىءٍ حرّم
عليهم ثمنَه)). ولم يَقُلْ عن خالدِ بنِ عبدِ اللهِ: رأيتُ. وقال: ((قاتَل اللهُ
(٣)
اليهود))(٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
احمدُ بُ زُهیرٍ ، قال : حدثنا یحیی بنُ أيوب، قال : أخبرنا مُشَیم ، قال : أخبرنا
خالدٌ، عن بركةً أبى العُربانِ المجاشعيِّ(١) ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُحَدِّثُ،
قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَه يقولُ: ((لعَن اللهُ اليهودَ، محُرِّمتْ عليهم
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٠٦/٨ من طريق مسلم به.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أبو داود (٣٤٨٨). وأخرجه أحمد ٩٥/٤ (٢٢٢١)، والبخارى فى تاريخه ١٤٧/٢ من
طريق خالد الحذَّاء به.
(٤) فى النسخ: ((المحاربى)). والمثبت كما فى المسند، وينظر الإكمال ٢٣٢/١، وتهذيب الكمال
٤٧/٤.
٤٣٠

الموطأ
الشُّحومُ، فباعوها وأكَلو! أثمانَها، وإن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنَه)) (١) . قال التمهيد
أحمدُ بنُ زُهيرٍ: كذا قال: عن بركةً أبى العُزيانِ. وسمِعتُ أبى يقولُ: وأبو
العُريانِ الذى يُحَدِّثُ عنه خالدٌ اسمُه أنيسٌ .
وأخبرنا أحمدُ بنُّ قاسم بنِ عیسى ، قال: حدَّثنا ◌ُبَیدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
حَبَابةَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال : أخبرنا على
ابنُ الجَعْدِ ، قال: أخبرنا حمَّادُ بنُّ سلمةَ، عن أبى الزبيرِ ، عن جابرٍ ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَعَن اللهُ اليهودَ، محُرِّمت عليهم الشحومُ، فباعوها وأكَلوا
(٢)
أثمانها )»(٢).
قال أبو عمرَ : قد فشّر ابنُ عباسٍ رضِى اللهُ عنه فى حديثه معنَى هذا
الحديثِ، وذلك قولُهُ وَ ال ◌َ: ((إِن الله إذا حرَّم على قومٍ أَكْلَ شىءٍ حرَّم ثمنَه)).
وفى هذا رَدِّ على مَن ذهَب إلى إجازةٍ بيعِ الزيتِ الذى تقَعُ فيه الميتةُ ، مع امْتِناعِه
مِن أكلِه وإقرارِه بنَجاسَتِهِ . وقد دفَع هذا التأويلَ بعضُ مَن أجاز ذلك بأن قال :
إن هذا الحديثَ وما كان مثلَه، إنما خرَج على ما قد حُرِّم بذَاتِه، مثلَ الخمرِ
وشُحُومِ الميتةٍ ، وأمَّا الزَّيتُ الذى تموتُ فيه الفأرةُ فإنما تَنَجَس بالمجاوَرةِ
وليس بنَجِسٍ الذاتِ ، ولو كان نَجِسَ الذَّاتِ ما جاز الانتفاعُ به ، ولا استِعمالُه
فى شىءٍ، كما لا يجوزُ استِعمالُ الخمرِ ولا الخنزيرِ ولا الميتةِ فى شىءٍ. وقد
ذكرنا هذه المسألةً مُجوَّدةً فی بابِ ابنِ شهاب، عن عُبیدِ اللهِ ، مِن کتابِنا
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤١٦/٤ (٢٦٧٨)، والطبرانى (١٢٨٨٧) من طريق هشيم به.
(٢) البغوى فى الجعديات (٣٣٥٥).
٤٣١

الموطأ
التمهيد هذا(١) . والحمدُ للهِ .
وفى هذا الحديثِ إباحةُ الدعاءِ على اليهودِ ، وإباحةٌ لعنهم ؛ اقتداءً به فى
ذلك وَاهِ.
أخبرنا محمدٌ، حدَّثنا علىُ بنُ عمرَ الحافظُ، قال: تفَرَّد حبيبٌ، عن
مالك ، عن محمدِ بنِ عمرو، عن خالدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَرمَلَةً ، عن الحارثِ بنِ
خُفَافٍ بنِ إِيماءٍ، قال: ركَع رسولُ اللهِ بِ لهثم رفَع رأْسَه، فقال: ((غِفارُ غفَر
اللهُ لها، وأسْلَمُ سالَمَها اللهُ، وُصَيَّةُ عصَت اللهَ ورسولَه، اللَّهُمَّ العَنْ بنى
لِخْيَانَ ورِعْلًا وذَكْوَانَ)). قال خُفَافٌ: فجُعِل لعنُ الكفارِ مِن أجلِ ذلك . وتفَّد
به حبيب عن مالك، وهو صحيح لمحمد بن عمرو .
وقد ثبت عن ابنٍ مسعودٍ أنه لما لعَن الواصلةَ والمستَوصِلةَ . الحديث .
أنكرت ذلك عليه امرأةٌ ، فقال ابنُ مسعودٍ: ما لى لا ألعَنُّ مَن لعَنه رسولُ اللهِ
وَه، ومَن لَعْنُه فى كتابِ اللهِ؟ وقد ذكرنا هذا الخبرَ فيما مضَى مِن هذا
الكتابِ(٢) . وقد لعَن رسولُ اللهِ وَآكِلَ الرّبا ومُؤْكِلَهُ(٤) ، واليهودَ، وغيرَهم،
ومُحالٌ أن تكونَ لعنتُه لهؤلاء رحمةً عليهم، فمَن لعَن مَن يَستحِقُّ أَن يُلعَنَّ
فمُباحٌ، ومَن لَعَن مَن لا يَستحِقُّ اللعنَ فقد أثِم، ومن ترَك اللعنَ عندَ الغضبِ ولم
القبس
. .
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٨٨٤) من الموطأ.
(٢) تقدم تخريجه فى ٧٦/٨.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٦٤٩، ٦٥٠.
(٤) تقدم تخريجه فى ٨/ ٧٥.
٤٣٢

الموطأ
يَلْعَنْ مسلمًا ولم يَسُبُّه، فذلك مِن عزمِ الأُمورِ .
التمهيد
أخبرنا عبدُ الرحمنِ ، أخبرنا علىّ، حدَّثنا أحمدُ ، حدَّثنا سُحنُونٌ، حدَّثنا
ابنُ وهبٍ ، أخبرنى يونسُ بنُ يزيدَ ، عن نافعٍ، قال: لم أسمَعْ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
يلعَنُ خادمًا قطَّ غيرَ مرةٍ واحدةٍ ؛ غضِب فيها على بعضٍ خدمِه ، فقال : لعنةُ اللهِ
عليك، كلمةٌ لم (١) أُحِبُّ أن أقولَها .
وقد لعَن رسولُ اللهِ وَِّ المختَّفِىَ (" والمختفية٢َ). يعنى نَاشَ القبورِ().
ولعَن الخمر وشاربها. الحديث(٤). وقد ذكّر مالكٌ(*)، عن داودَ بنِ
الخُصَينِ، أنه سمع عبدَ الرحمنِ الأعربج يقولُ: ما أدرَكتُ الناسَ إلا وهم
يَلْعَنون الكفرةَ فى رمضانَ .
قرأْتُ على سعيدِ بنِ نَصرٍ وعبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أن قاسمَ بنَ أصبغَ
حدَّثهم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ عبدُ اللهِ بنُ
الزبيرِ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، قال: حدَّثنا مِشْعَرٌّ، قال: أخبرنا عبدُ الملِكِ بنُ
عُمَيرٍ ، قال : أخبرنى فُلانٌ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : رأيتُ عمر يقولُ بيدِه وهو
على المِنبرِ هكذا - يعنى : يُحرِّكُها يمينًا وشمالًا - : عُوَيمِلٌ لَنا بالعراقِ ؛
القبس
(١) بعده فى ص ١٦: ((أكن)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) تقدم فى الموطأ (٥٦٤).
(٤) تقدم تخريجه فى ٧٥/٨، ٧٦.
(٥) تقدم فى الموطأ (٢٥٢).
٤٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٨/٢٢ )

١٧٩٩ - مالك ، أنه بلغه أن عیسی ابن مریم کان یقول : یا بنی
الموطأ
إسرائيلَ، عليكم بالماءِ القَرَاحِ ، والبَقْلِ الْبَرِّىِّ، وخبزِ الشعيرِ، وإياكم
وخبزَ الثُرِّ؛ فإنكم لن تقوموا بشُكرِه .
التمهيد ◌ُوَيمِلٌ لنا بالعراقِ ، خلَط فى فىءِ المَسلمين أثمانَ الخَنازيرِ والخمر، وقد قال
رسولُ اللهِ وَ﴿: ((لعَن اللهُ اليهودَ، محُرِّمَت عليهم الشحومُ، فجمَلوها
فباعُوها). قال سفيانُ: ((جمَلوها)) يعنى: أذابوها(١).
مالكٌ ، أنه بلغه أن عيسى ابنَ مريمَ كان يقولُ: يا بنى إسرائيلَ، عليكم بالماءِ
الاستذكار
حديثٌّ : قال عيسى ابنُ مريمَ: يا بنى إسرائيلَ، عليكم بالماءِ الفَرَاحِ. إلى آخرِه.
القبس
خلَق اللهُ تعالى لابن آدمَ حاجةً إلى الطعام والشراب، ورَكّب له الشهوةَأ کثرمِن
الحاجةِ، وندَبه إلى تَرْكِ الشَّهَواتِ ، والاقتصارِ على المِقْدارِ المُحتاج إليه مِقْدارًا
وصفةً، لِيَاسًا ومَطْعَمًا، فلا يأْكُلَنَّ كثيرًا، ولا يَلْبَسَنَّ رقيقًا؛ ولذلك قال فى
الحديث: (حَسْبُ ابنِ آدمَ لُقَيماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه))(١). وندَب إلى الاقتصار على
جِلْفٍ (١) الخبزِ والماءِ)، ولو أن الخَلْقَ بأجمعهم يَتْتدِبون إلى ما نُدِبوا إليه مِن ذلك
لهلكوا؛ لأنها كانت تُذْهِبُ القوةَ التى تكونُ بها عمارةُ الدنيا ، وإقامةُ معاشٍ الخلقِ
فيها وأسبابُهم ، فلم يكنْ بُدٌّ مِن الزيادةِ فى الأكلِ وجودًا لإقامةِ الدنيا، وتَهْيئةٍ
(١) الحميدى (١٤).
(٢) الترمذى (٢٣٨٠)، والنسائى فى الكبرى (٦٧٦٨، ٦٧٧٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩).
(٣) الجلف: الخبز وحده لا أدم معه، وقيل: الخبز الغليظ اليابس، ويروى بفتح اللام ، جمع
جِلْفة، وهى الكسرة من الخبز . النهاية ٢٨٧/١ .
(٤) أحمد ٤٩٣/١ (٤٤٠)، وعبد بن حميد (٤٦)، والترمذى (٢٣٤١).
(٥) فى م: ((إشباعهم)).
٤٣٤

الموطأ
الْقَرَّاحِ، والبَقْلِ البَرِّىِّ ، وخبزِ الشعيرِ، وإِيَّاكم وخبزَ الُرِّ، فإنكم لن تقوموا الاستذكار
(١)
بشُكْرِه(١).
قال أبو عمرَ: الماءُ القَرَاحُ هو الصافى الذى لا يَشُوبُه شىءٌ؛ لم يُمزَجْ
بعسلٍ ولا زَبِيبٍ(٢) ولا تمرٍ، ولاَ غيرِ ذلك مما تُصنعُ منه الأشربةُ .
أسبابِها، ولم يكنْ بُدٌّ مِن الاقتصارِ على القليلِ؛ لإقامةِ السُّنَّةِ، ولَتَضْعيفِ الشَّهْوةِ القبس
حتى تتشمّرَ ١ المعصيةُ ، وتظهَرَ الطاعةُ ، ولمَّا انتهى العلمُ والحكمةُ إلى هذا القَدْرِ ،
قسَم اللهُ عزَّ وجلَّ الخلقَ قسمَين؛ قِسْمًا يَشْرَ لهم التقليلَ والطاعةَ، وقِسْمًا سَخّره
للكثرةِ وقَدَّر عليه المعصيةَ، وأمَر الأنبياءَ صلواتُ اللهِ عليهم عيسى ومحمدًا
وسواهما أن يَنْدُبوا الخلقَ فى الجملةِ، ثم يظهَرُ بالتيسيرِ مَن أرادَ اللهُ له العِضمةَ،
ويظهَرُ بالتَّشْخيرِ مَن قَدَّر اللهُ له أن يَقَعَ فى الوَرْطَةِ ، وقولُ عيسى عليه السلامُ: فإنكم
لن تَقومُوا بِشُكْرِهِ. كلام صحيح، فإن «سَدَّ الجَوْعَةِ) وسَتْرَ العورةِ على الإطلاق
والجملةِ بأولٍ درجاتِ الحاجةِ، نعمةٌ عظيمةٌ، إذا أراد المَرْءُ أن يعلم مقدارَها
فلْيَنْظُرْها فى سِواه، وليُقَدِّرها فى نفسِه، فكيف أن يَضُمَّ إلى ذلك الإسرافَ، حتى
تنكيرَ الشهوةُ فى لَذَّةِ الطعامِ ، وفى زينةِ اللَّباسِ ، وإذا استرسَل على ذلك هلَك ولم
يَتَأْتُ(٥) له أَمَلٌ، فإنه أَمَدّ لا غايةً له، ولهذا المعنى قيل للنبىِّ وَّهِ: ﴿وَلَا تَمُدَّذَ
عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾. إلى قوله: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ [طه: ١٣١] .
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٧ ظ - مخطوط)، والموطأ برواية أبى مصعب (١٩٥٦).
وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٢٨/٦، والبيهقى فى الشعب (٤٥٨٤)، وابن عساكر ٤٢٥/٤٧ -
من طريق مالك به .
(٢) فى م: ((زيت)).
(٣) فى م: ((تستر)). وتتشمر: تتقلص. ينظر التاج (ش م ر).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((شدة الجوع)).
(٥) فى د .: ((يأْت)).
٤٣٥

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : ما جاء مِن الآثارِ فى أن قولَ العبدِ على طعامِه : الحمدُ للهِ .
شكرُ تلك النعمةِ - يُعارِضُ خبرَ عيسى هذا. وقد رُوِى عن النبيِّ وَلَه مِن
حديث جابرٍ أنه قال: ((أفضلُ الشكرِ: الحمدُ للهِ)) (١) . وكان عيسى عليه
السلامُ أشدَّ الأنبياءِ زُهْدًا فى الدنيا، وإن كانوا كلُّهم زُمَّادًا فيها ، وما بُعِث نبىٌّ
قَطُّ إِلَّ بالزهدِ فى الدنيا والنهي عن الرغبةِ فيها .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنا أبى ، قال:
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يونسَ ، قال: حدَّثنا بَقِئُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ
أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عاصم ( والأعمشِ)، عن أبى صالحِ رفَعه
إلى عيسى(٢) عليه السلامُ، قال: قال لأصحابِهِ : أنَّخِذوا المساجدَ مساكنَ،
واتَّخِذوا البيوتَ منازلَ، وانْجُوا مِن الدنيا بسلامٍ، وكلوا مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وزاد
الأعمشُ فيه: واشربوا مِن الماءِ الفَرَاحِ().
(٥)
قال: وحدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ ،
قال: كان عيسى عليه السلامُ لا يرفعُ غداءً لعشاءٍ، ولا عشاءً لغداءٍ، وكان
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٦٩/٧.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) فى الأصل، م: ((النبى)).
(٤) ابن أبى شيبة ٥٤٨/١١، ١٩٢/١٣، ١٩٣. وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٥٦٣) عن
شريك به، وفيه: عن أبى صالح ، عن أبى هريرة .
(٥) فى الأصل: ((عبيد الله)).
٤٣٦

الموطأ
يقولُ : إن مع كلِّ يومٍ رزقَه. وكان يلبَسُ الشَّعَرَ، ويأكلُ الشجرَ، وينامُ حيثُ الاستذكار
(١)
أستى(١) .
ورُوِّينا أن عيسى عليه السلامُ قال له الحواريُّون : يا عيسى ابن مريم، ما
تأكلُ(٢)؟ قال: خبزَ الشعيرِ. قالوا: وما تَلَبَسُ(١) ؟ قال: الصوفَ . قالوا: وما
تفترِشُ(٤)؟ قال: الأرضَ. قالوا: كلُّ هذا شديدٌ. قال: لن تنالوا ملكوتَ
السماواتِ والأرضِ حتى تُصِيبوا هذا على لذةٍ. أو قال: على شهوةٍ(٥).
وروَى أبو معاويةً، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، قال: جاء
رسولُ اللهِ وَلَّهِ إلى أهلِ الصُّفَّةِ، فقال: ((كيف أصبحتُم؟)). قالوا: بخيرٍ .
فقال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((أنتم اليومَ خيرٌ أم إذا غُدِىَ على أحدٍ كم بجَفْنةٍ ورِيحَ
عليه بأُخرى، وستَر أحدُكم بيتَه كما تُسترُ الكعبةُ؟)). قالوا : يا رسولَ اللهِ،
نُصِيبُ ذلك ونحن على ديننا؟ قال: ((نعم)). قالوا: فنحن يومئذٍ خيرٌ،
نتصدَّقُ ونُعتِقُ. فقال رسولُ اللهِ بَلَهِ: ((لا(١)، بل أنتم اليومَ خيرٌ؛ إنكم إذا
أصبتُم ذلك تحاسَدتُم وتقاطعتُم وتباغَضُم)) (٢).
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٥٤٧/١١، ٥٤٨، ١٩٢/١٣.
(٢) فى الأصل، ح، هـ، ط: ((نأكل)).
(٣) فى الأصل، ح، هـ، ط: ((نلبس)).
(٤) فى الأصل، ح، هـ، ط: ((نفترش).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٤٩/١١، ١٩٣/١٣.
(٦) سقط من: م.
(٧) أخرجه هناد فى الزهد (٧٦٠) عن أبى معاوية به .
٤٣٧

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: ومن الدليلِ على أن رسولَ اللهِ وَله كان يَصُدُّ أصحابَه
ويردّعُهم عن خواطرِ حبِّ الدنيا ، وما يَعْرِضُ فى القلوبِ مِن تَمَنِّيها ، وتُزهِّدُهم
فيها، ما ثبت عنه وَّلِّ أنه سألَتْه ابنتُه فاطمةُ رضِى اللهُ عنها خادمًا تَخدُمُها ، مما
أفاء اللهُ عليه، تصونُها عن الطحينِ ومؤنةِ البيتِ ، فقال لها: ((ألا أدُلَّك على ما
هو خيرٌ لك مِن ذلك؟ تُسبّحِينَ اللهَ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وتحمَّدِينَه
ثلاثًا وثلاثين، وتُهلِّليتَه أربعًا وثلاثين)»(١).
ومثلُ ذلك حديثُ عقبةَ بنِ عامٍ، قال: خرّج علينا رسولُ اللهِ وَه
ونحن فى الصَّفَّةِ، فقال: ((أَيُكم يُحِبُّ أن يغدوَ كلَّ يومٍ إلى بُطْحَانَ أو إلى
العَقِيقِ (١)، فيأتىَ منه بناقتَيْنِ كَوْماوَيْنَ(٢) فى غيرِ إثم ولا قطيعة رحمٍ؟)).
فقلنا: يا رسولَ اللهِ، كلُّنا نحِبُّ ذلك. قال: ((أفلا أدُلُكم على ما هو خيرٌ
مِن ذلك، يغدو أحدُكم إلى المسجدِ، فيتعلَّمُ آيةٌ مِن كتابِ اللهِ، خيرٌ له
مِن ناقةٍ، وآيتين خيرٌ له مِن ناقتَيْنِ، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاث، وأربعٌ خيرٌ
له من أربعٍ، ومِن أعدادِهن مِن الإبلِ ))(4).
وقال ◌َله لأصحابه: ((واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنى أخافُ
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٤٣)، وأحمد ٤١/٢ (٦٠٤)، والبخارى (٣١١٣)، ومسلم (٢٧٢٧)،
والترمذى (٣٤٠٨، ٣٤٠٩) من حديث على بن أبى طالب .
(٢) بطحان والعقيق: واديان من أودية المدنية. معجم البلدان ٦٦٢/١، ٦٩٩/٣.
(٣) ناقة كوماء: أى مشرفة السنام عاليته. النهاية ٤/ ٢١١.
(٤) أخرجه أحمد ٦٢٦/٢٨، ٦٢٧ (١٧٤٠٨)، ومسلم (٨٠٣)، وأبو داود (١٤٥٦).
٤٣٨

الموطأ
١٨٠٠ - مالك، أنه بلغه أن رسولَ الله ◌ُلټ دخل المسجد فوجد
فيه أبا بكرِ الصدِّيقَ وعمرَ بنَ الخطّابِ، فسألهما، فقالا: أخرَجنا
الجوع. فقال رسولُ اللهِ وَله: ((وأنا أخرَجنى الجوعُ)). فذهبوا إلى
أبى الهيثم بنِ التَّهانِ الأنصارىِّ، فأمَر لهم بشعيرِ عندَه يُعمَلُ، وقام
يَذْبَحُ لهم شاةً، فقال رسولُ اللهِ إِلَهِ: ((نكُبْ عن ذاتِ الدَّرِّ)). فذبح
لهم شاةً، واستعذَب لهم ماءً ، فثُلِّق فى نخلةٍ ، ثم أَثُوا بذلك الطعامِ
فأكّلوا منه، وشربوا من ذلك الماءِ، فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((لتُسْأَلُنَّ
عن نعيمٍ هذا اليومِ )) .
عليكم ما يفتَحُ اللهُ لكم مِن زهرةٍ الدنيا ، فتنافسُون فيها كما تنافَس مَن قبلكم ، الاستذكار
نتھلگکم کما أهلكتهم))(١).
والآثارُ فى هذا المعنى كثيرةٌ عنه بَّهِ جدًّا، ومَن فهِم وؤُفِّق فالقليلُ
يكفيه .
مالكٌ، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ وَّهِ دخَل المسجدَ فوجَد فيه أبا بكرِ التمهيد
حديثُ أبى الهيثم بنِ التِيُّهَانِ ، أدخَله مالكٌ بلاغًا، وهو صحيح سندًا، وكان القبس
مقصِدُه فيه أن يُبَيِّنَ معيشةَ النبيِِّرَ﴿ وأصحابِهِ، فإنهم كانوا إذا وجَدوا تَمَتَّعُوا ، وإذا
فَقَدوا صبّروا، وإذا رأَوا ذا الحاجةِ عادُوا عليه بما فى أيديهم حتى يعودُوا مثلهم،
(١) تقدم تخريجه فى ٥٢٢/٨، ٥٢٣.
٤٣٩

الموطأ
التمهيد الصدِّيقَ وعمرَ بنَ الخطابِ ، فسألهما، فقالا: أخرَجَنا الجوعُ يا رسولَ اللهِ .
فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((وأنا أخرَجنى الجويُ)). فذهبوا إلى أبى الهيثم بنِ
التَّيَّهانِ الأنصارىِّ، فأمَر لهم بشعيرٍ عندَه يُعمَلُ، وقام فذبَح لهم شاةً ، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((نَكِّبْ عن ذاتِ الدَّرِّ(١)). فذتَح لهم شاةً، واستعذّب لهم
القبس وهذا أمرّ لا طاقةً لأحدٍ به، وأنت تَرى المُختاجِين إلى الغذاءِ، العُراةَ مِن اللِّاسِ،
وبأیدی الخلقِ مِن الأموال ما لو أخرجوا منها ما لا يُحسُّ (١ به ستروهم وأشتعوهم،
ولكنَّ اللهَ تعالى قبض أيديهم حتى يحكُّمَ فيهم ، ليَهْلِكَ مَن ملك عن بيِّنَةٍ ، ويَحْيَا
مَن حئّ عن بيِّنةٍ .
وفيه مِنِ السُّنَّةِ أن النبىَّ وَّهِ لمَّا غَلَبتْه الحاجةُ خرّج لِيَشْتطِعِمَ كما فعَل أخوه
موسى عليه السلامُ مع الخَضِرِ، حينَ (٢) أَتَيا أهلَ قريةٍ اسْتَطْعَما أهلَها .
ورأى الصوفيةُ الصَّبْرَ على القضاءِ حتى يأتىَ الرزقُ قَشْرًا، وقد جَرَّبوا ذلك
فوجَدوه، وجاءَهم كما أرادُوه. وقيل لبعضِهم وقد حَضَّ على التفويضِ
والتوكّلِ، و("نهى أن" يَتَعرَّضَ أحدٌ للطلبٍ، أو يُعلِمَ بشرًا بالحاجةِ، قال له
بعضُهم : فادخُلْ فى بيتٍ ، واطمِس عليك البابَ، وافتَعْ فى أعلاه كَوَّةً حتى تَرى إنْ
نزّل عليك منها رِزْقٌ . قال: قد واللهِ فعَلْتُ ذلك تسعةَ أَشْهُرٍ، والتجرِبةُ تقَعُ فى ثلاثةِ
أيامٍ . وهذا الذى قالوه حقٌّ فى دين اللهِ عزَّ وجلَّ، وفى سيرتِه ومحكْمِه ، ولكنَّها منزلةٌ
(١) نكب : أعرض عنها، وذات الدر ذات اللبن. وينظر النهاية ١١٢/٢، ١١٢/٥.
(٢) فى م: ((يعاش)).
(٣) فى ج، م: ((حتى)).
(٤ - ٤) فى د، ج: ((هى أن لا)).
٤٤٠