Indexed OCR Text
Pages 401-420
الموطأ
وذكَر مالكٌ (١)، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رأَى أبا التمهيد
بكرِ الصديقَ وهو آخِذٌ بلسانِهِ يَهُدُّه وهو يقولُ: ها ، إنَّ ذا أوْرَدنى الموارِدَ .
ورواه الدَّراوزدیُّ ، عن زیدِ بنِ أسلم ، عن أپیه مثله ، وزاد فيه : وقال : لیس
شىءٌ مِن الجسدِ إلا وهو يَشْكو اللسانَ إِلى اللهِ(١).
وروَی حمادُ بنُ زیدٍ ، عن أبی الصَّهْباءِ ، عن سعیدِ بنِ جبیرٍ ، عن أبى سعيد
الخُذْرِىِّ يَرفَعُه قال: ((إذا أُصْبَحَ ابنُ آدَمَ، أُصبَحتِ الأعضاءُ تستَعِيذُ من شَرِّ
اللِّسَانِ وتقولُ: أَّقِ اللهَ فينا، فإِنَّك إن استَقَمتَ استَقَمنا، وإن اعوَجَجتَ
اعوجُجنا)).
حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح، قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حامدٍ بنٍ تَوقَالٍ
البَغْدادىُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيبِ بن حمزةَ التَّلْخىُّ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عُبَيدِ بنِ حِساپٍ(٢) ، قال: حدثنا حمادُ بنُّ زیدٍ ، قال: حدّثنا أبو
الصَّهْباءِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن أبى سعيدِ الخُذْرىِّ يَرْفَعُه. فذكَرَه(٤).
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٩٢٤).
(٢) أخرجه أحمد فى الزهد ص ١١٢، وابن أبى الدنيا فى الصمت (١٣)، والبزار (٨٤)، وأبو
يعلى (٥)، وابن السنى فى اليوم والليلة (٧) من طريق الدراوردى به، وعند أحمد بدون هذه
الزيادة .
(٣) فى م: ((حباب)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٦٠.
(٤) أخرجه أحمد ٤٠٢/١٨ (١١٩٠٨)، وعبد بن حميد (٩٧٧)، والترمذى (٢٤٠٧) من طريق
:
حماد بن زيد به .
وجاء بعده فى ص ١٧: ((ومن أصحاب حماد من يوقفه على أبى سعيد وحدثنا أحمد بن =
٤٠١
(موسوعة شروح الموطأ ٢٦/٢٢ )
الموطأ
التمهيد
وأخبرنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا يعقوبُ بنُ المباركِ، حدَّثنا إسحاقُ
ابنُّ أحمدَ البغدادىُّ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حدَّثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أبى الصَّهْباءِ، عن
سعيدِ بنِ لجبَيٍ، عن أبى سعيد الخُذْرئِّ، عن النبيِّ وَلِهِ. فذكره بمعنَاه
(١)
مرفوعًاً(١).
قال ابنُ مَهْدیٍّ: رأيتُ سفيان الثورىّ ( جالسًا عندَ) حماد بن زيدٍ يَكتُبُ
هذا الحديثَ .
قال أبو يوسف يعقوبُ بنُ المبارَكِ : هکذا وجدتُه فی کتابی؛ عن أبى
يعقوبَ الكاغَذِىِّ، وحدَّثناه يحيى بنُ زكريا ، عن يعقوبَ الدَّوْرقىِّ، فلم يَحُزْ به
أبا سعيدِ الخُذْرِئَّ .
قال: ("وحدَّثناه٣) إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ ،
عن أبى الصَّهْباءِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ موقوفًا .
وروَى شعبةُ ، عن الأعمشِ، عن صالحٍ بنٍ خَبَّابٍ ، عن مُصَيْنِ بنِ عقبةً ،
القبس
= فتح قال حدثنا عبد الله بن حامد بن ثرثال البغدادى قال حدثنا الحسن بن الطيب قال حدثنا داود
ابن بلال قال حدثنا عبد السلام بن هاشم عن خالد بن برد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله
** من رد غيظه دفع الله عنه عذابه ومن حفظ لسانه ستر الله عورته ومن اعتذر إلى الله قبل الله
عذره ) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ١٨٢/١ من طريق يعقوب به.
(٢ - ٢) فى ص ١٦: ((جائيا بين يدى).
(٣ - ٣) فى ص ١٦: ((وحدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا)).
٤٠٢
الموطأ
عن سَلْمانَ قال: ما من شىءٍ أحقُّ بطولِ السجنِ من اللسانِ .
التمهيد
وروَى الحكمُ، عن أبى وائلٍ، عن ابنٍ مسعودٍ مثلَه(١).
ومن هلهنا أخَذ(٢) القائلُ قولَهُ(٣):
وما شىءٌ إذا فكّرتَ فيه أحقَّ بطولِ سَجنٍ من لسانٍ
ومن الآدابِ أيضًا والسننِ فى هذا الحديثِ الحضُّ على برِّ الجارِ وإكرامِه؛
قوله پيچهو: « ومن كان يُؤمِنُ بالله واليوم الآخرِ فلْيُكرِم جاره)). وقد ثبت عن
النبيِِّ نَّ﴿ مِن حديثٍ مالكٍ وغيرِهِ، أَنَّه قال: ((ما زال جبريلُ يُوصِيني بالجارِ
حتى ظَنَنْتُ أَنَّه سيُورِّثُه))(٤) . واللهُ عز وجل قد أَوْصَى بالجارِ ذِى القُربِى والجارِ
الجُنُبِ (٥) . قالوا : الجارُ ذو القُرتِى جَارُكُ مِن قَرابِتِك. والجارُ الجُنُبُ قالوا :
الجارُ المجانِبُ . وقالوا : الجارُ مِن غيرٍ قَرايتك من قومٍ آخَرِین.
القبس
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (٢٣)، وابن أبى عاصم فى الزهد (٢٤) من طريق أبى وائل
به .
(٢) فى الأصل، م: ((اتخذ)).
(٣) البيت بلا نسبة فى جمهرة الأمثال للعسكرى ٢٣/١، وبهجة المجالس ٨٣/١، ونسبه ياقوت
فى معجم الأدباء ١٥٩/١٠ إلى الحسين بن محمد التجيبى، وشطره الأول:
هفلا والله ما فى الخلق خلقه
(٤) أخرجه البخارى (٦٠١٤)، وفى الأدب المفرد (١٠١)، ومسلم (٢٦٢٤) من طريق مالك به
من حديث عائشة .
(٥) يشير إلى الآية ٣٦ من سورة (النساء)).
٤٠٣
الموطأ
وروَى الأوزاعىُ، عن الزهرىِّ قال: جاء رجلٌ يَشكُو جارَه، فأمَر النبىُ
التمهيد
وَّه هُناديًا يُنادى: ((ألا إنَّ أربعين دَارًا جارٌ، فلا يَدخُلُ الجنةَ مَن خاف جارُه
بَوائِقَه)). قال الزهرىُّ: أربعين دارًا يمينًا وشمالاً، وبينَ يدَيه ومن خلفِه .
ذكَره سُنَيْدٌ ، عن محمدِ بنِ كثيرٍ، عن الأوزاعىِّ .
قال سُنَئِدٌ : وأخبرنا حجاج، عن ابن أبى ذئبٍ ، عن سعيد المقبُرىِّ، عن
أبى شُرَيح الكَعبِىِّ، أن النبيَّ وَّه قال: ((واللهِ لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يُؤْمِنُ ، واللهِ لا
يُؤْمِنُ)). قالها ثلاثًا (١)، قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((الجَارُ الذى(١) لا
يَأْمَنُ جارُه بَوائِقَه)). قالوا: وما بَوائِقُه؟ قال: ((شُ))(٢).
وفيه الخَضُّ على إكرامِ الضَّيفِ وإجازتِه، وفى ذلك دليلٌ على أن الضِّيافةً
ليست بواجبةٍ، وأنها مستحبةٌ مندوبٌ إليها غيرُ مفترَضَةٍ؛ لقولِه وَّه:
(( جائِزْتُه)). والجوائزُ لا تَجِبُ فرضًا؛ لأنها إتحافُ الضيفِ بأطيبٍ ما يُقْدَرُ
عليه من الطعامِ . قال ابنُ وهبٍ: وسمِعتُ مالكًا يقولُ فى تَفسيرٍ: ((جائِزْتُه يومٌ
وليلةٌ)). قال : يُحْسِنُ ضيافته ويُکرِمُه .
وروَى ابنُّ لهيعةً، عن يزيد بن أبى حَبيبٍ ، عن أبى الخيرِ، عن عقبةً بنِ
القبس
(١ - ١) فى ص ١٦: ((ثلاث مرات)).
(٢) سقط من: ص ١٦.
(٣) أخرجه أحمد ٢٩٢/٢٦ (١٦٣٧٢) عن حجاج به، وأخرجه البخارى (٦٠١٦)، والطبرانى
١٨٧/٢٢ (٤٨٧)، والبيهقى فى الشعب (٩٥٣٤) من طريق ابن أبى ذئب به .
٤٠٤
الموطأ
التمهيد
عامرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((لا خيرَ فيمَن لا يُضِيفُ)).
رواه ابنُّ وهبٍ، وقُتَيةٌ(١) ، والوليدُ بنُ مسلم، عن ابن لهيعةً.
وروَی أبو تؤبةً الربیُ بنُ نافعٍ، عن بقیةً، عن الأوزاعىِّ ، أَنَّه قال له : يا أبا
عمرٍو، الضيفُ يَنْزِلُ بنا، فتُطعِمُه الزَّيْتونَ والكامَخَ()، وعندَنا ما هو أفضلُ
منه ، العسلُ والسمنُ؟ فقال: إنما يَفعَلُ هذا مَن لا يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ .
قال أبو عمرَ: لا أعلَمُ خلافًا بينَ العلماءِ فى مدح مُضيفِ الضيفِ وحمده
والثناءِ بذلك عليه ، وكلُّهم ◌َنْدُبُ إلى ذلك، ويَجعَلُه من مكارم الأخلاقِ وشُننٍ
المُرسَلِين؛ لأنه ثبت أنَّ إبراهيم عليه السلام أولُ مَن ضيّف الضيفَ(١)، وخَضَّ
رسولُ اللهِ وَّهِ على الضِّيافةِ، وندَب إليها. واختَلَف العلماءُ فى وجوبِها
فرضًا؛ فمنهم مَن أوْجَبها، ومنهم مَن لم يُوجِئْها، وكلَّ مَن لم يُوجِئُها يَنْذُبُ
إليها ويَسْتَحِبُّها. وممَّن أوجَبها الليثُ بنُ سعدٍ، قال ابنُ وهب : سأَلتُ الليثَ
عن عبدٍ مَملوكٍ تَمُوُ به فيُقَدِّمُ إليك طعامًا، لا تَدْرِى هل أُمَرَه سيدُه أم لا؟ فقال
الليثُ : الضِّيافةُ حقٌّ واجبٌ، وأرْمجو ألّا يكونَ به بأسٌ. وقال مالكٌ: لا تجوزُ
هِبةُ العبدِ المأذونِ له، ولا دعوتُه، ولا عارِيَتُّه، ولا يجوزُ له إخراج شىءٍ من مالِه
بغيرِ عِوَضٍ إلَّ أن يأْذَنَ له سيدُه. وهو قولُ الشافعىِّ والحسنِ بنِ حىٍّ. وقال
الليثُ : لا بأسَ بضِيافتِه . وقد روَى الربيعُ، عن الشافعيّ أنه قال : الضِّيافةُ على
القبس
(١) أخرجه ابن عدى ١٤٦٦/٤ من طريق قتيبة به.
(٢) الكامَخ: ما يؤتدم به، أو المخللات المشهية. الوسيط (ك م خ).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٧٧٦) .
٤٠٥
الموطأ
التمهيد أهلِ الباديةِ والحاضرةِ، حقٍّ واجبٌ فى مَكارم الأخلاقِ . وقال مالكٌ: ليس
على أهلِ الحَضَرِ ضيافةٌ . وقال سُخنونٌ: إنما الضَّيافةُ على أهلِ القُرَى، وأما
الحَضَرُ فالقُنْدُقُ(١) يَنْزِلُ فيه المسافرُ.
ومن حجةٍ مَن ذهَب هذا المذهبَ ما حدَّثتاه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
يوسُفَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا بكوُ بنُ محمدِ بنِ
العَلاءِ القُشَيْرِىُّ القاضى، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّئُ(١)، قال: حدَّثنا
إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أخى عبدِ الرَّزاقٍ ، قال: حدَّثْنَا عبدُ الرَّزاقِ ، عن سفيانَ ،
عن مُتَيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الضَّيافةُ
على أهلِ الوَّبَرِ ، وليست على أهلِ المدرِ ))(٣).
قال أبو عمرَ: هذا حديثٌ لا يَصِحُ، وإبراهيمُ بنُّ أَخى عبدِ الرزاقِ مَتروكُ
الحديثِ ، مَنسوبٌ إلى الكذبِ، وهذا ممَّا انفرد به، ونُسِب إلى وضعِه .
ومما احتَجَّ به بعضُ مَن ذهَب مذهبَ الليثِ فى الضِّيافةِ حديثُ شعبةً ، عن
: :
منصورٍ ، عن الشعبىِّ، عن المِقْدامِ(٤) أبى كرِيمةً قال: قال رسولُ اللهِ
القبس
(١) الفندق: الخان السبيل من هذه الخانات التى ينزلها الناس مما يكون فى الطرق والمدائن. التاج:
(فندق) .
(٢) فى ص١٧: ((الكجى))، وفى ص ١٦: ((الكحى))، وفى ص ٢٧: ((الكنجى)). والكشى
يقال بالشين والجيم. ينظر الأنساب ٣٦/٥، ٧٧.
(٣) أخرجه ابن عدى ١/ ٢٧١، والقضاعى فى مسند الشهاب ٢٩٠/١ من طريق أبى مسلم به.
(٤) بعده فى ص ١٦، ص ١٧: ((بن)). وينظر أسد الغابة ٥/ ٢٥٤.
٤٠٦
الموطأ
(( ليلةُ الضَّيفِ حَقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلم ، فإن أصبَحَ بفِنَائِه، فإنَّه دَيْنٌ ، إن شاء التمهيد
اقتضاه، وإن شاء تركه)»(١).
وروَى الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ ، عن أبى الخيرِ، عن عقبةً بنٍ عامٍ
قال : قلنا : يا رسولَ اللهِ ، إنك تَبعَثُنا، فتَمُوُّ بقومٍ لا يَقْرُوننا، فما ترَى ؟ فقال لنا
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن نزَلُم بقومٍ فأمَرُوا لكم بما ينبغِى للضُّيفِ فاقتلوا ، فإن لم
يفعَلُوا فخُذُوا منهم حَقَّ الضيفِ الذى ينبغِى لهم)) .
حدَّثناه محمدُ بنُ خليفةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ الآجرِّئُّ بمكةَ ،
قال: حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُّ سعيدٍ، قال: حدَّثنا
الليثُ . فذكره(٢) .
وروَى عبدُ الرحمنِ بنُّ أبى عوفِ الجُرَشِىُّ، عن المِقْدامِ بنِ مَعْدِ يكَرِّبَ،
أن رسولَ اللهِ وَّ قال: ((أيُّما رجلٍ أضاف قومًا فلم يَقْرُوه، كان له أن
يُعْقِتَهم (١) بمثلٍ قِرَاهِ))(1).
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٢/٤، والطبرانى ٢٦٣/٢٠ (٦٢٢) من طريق شعبة به.
(٢) أخرجه البخارى (٦١٣٧)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢) عن قتيبة به، وأخرجه
أحمد ٥٧٩/٢٨ (١٧٣٤٥)، والبخارى (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وابن ماجه (٣٦٧٦) من
طريق الليث به .
(٣) يعقبهم: أى: يأخذ منهم عوضا عما حرموه من القرى، وهذا فى المضطر الذى لا يجد طعاما
ويخاف على نفسه التلف، يقال: عقّبهم مشددا ومخففا، وأعقبهم، إذا أخذ منهم عُقْبَى وعُقْبة،
وهو أن يأخذ منهم بدلا عما فاته. النهاية ٢٦٩/٣.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٠٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٢/٤، والطبرانى ٢٨٢/٢٠
(٦٦٧) من طريق عبد الرحمن به .
۔۔
٤٠٧
1
الموطأ
وروَى مُعاويةُ بنُّ صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن أبى هريرةَ، عن النبىّ
وَّهِ مثلَه(١).
التمهيد
وروَى المثنَّى بنُ الصَّبَّاحِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ ، عن النبيِّ
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ يوسفَ، حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ، حدّثنا
علىَّ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى مَطَرٍ، حدّثنا محمدُ بنُ علىٍّ بنِ مَرْوانَ، حدَّثنا سليمانُ
ابنُّ حربٍ أبو أيوبَ ، حدَّثنا الوليدُ ، حدّثنا حَرِيزُ) بنُ عثمانَ الرَّحَبیُّ، عن
عبد الرحمن بن أبى عوفي المجرَشئ ، عن المقدام بن مَعْدِ یگرِبَ الکندئِّ، عن
رسولِ اللهِ وَل﴿ قال: ((مَن نَزَل بقومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوه))(٥) .
فاحْتَجّ بهذه الآثارِ مَن ذهَب مذهبَ الليثِ فى وُجوبِ الضِّيافةِ . واحتَجُوا
أيضًا بما رُوِى فى تأويل قوله عز وجل: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُوَهِ مِنَ الْقَوْلِ
[النساء: ١٤٨]. قال مجاهدٌ: ذلك فى الضِّيافةِ إذا لم يُضَفْ ()،
إِلَّا مَن ظُلِ﴾
القبس
:
(١) أخرجه أحمد ٥٠٩/١٤ (٨٩٤٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٢٤٢، وفى شرح المشكل
(٢٨١٦، ٢٨١٧) من طريق معاوية به.
(٢) فى ص ١٧، م: ((خالد)).
(٣) بعده فى ص ١٧، م: ((سواء)).
(٤) فى ص١٦: ((حزير))، وفى ص ٢٧: ((جرير)). وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٥٦٨.
(٥) أخرجه الطبرانى ٢٨٣/٢٠ (٦٧٠) من طريق الوليد به، وأخرجه أحمد ٤١٠/٢٨
(١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤) من طريق حريز به .
(٦) فى ص ١٧: ((يضيف)).
٤٠٨
٠
الموطأ
فقد رُخِّص له أن يقولَ فيه .
التمهيد
ذكّره وَكيعٌ، عن ابنِ عبِينَةَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (١).
وقال ابنُ جريجٍ، عن مجاهدٍ: نزَلَت فى رجلٍ ضاف رجلًا بفَلاةٍ من
الأرضِ، فلم يُضِفْهُ(٢)، فنزَلَت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾. ذكَر أنه لم يُضِفْه،
لا يَزِيدُ على ذلك(٣).
قالوا : فهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن ذلك ظُلمّ ، والظلمُ مَمنوعٌ منه ، فدَلَّ علی
وجوبِ الضِّيافةِ .
واخْتَجَّ الآخرون بحديثٍ سعيدٍ بن أبى سعيدٍ هذا، عن أبى شُرَيْحِ الكعبىِّ
العَدَوىِّ، عن النبيِّ بَ طِّ المذكورِ فى أولِ هذا البابِ . وقد رواه اللیثُ ، عن
سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ، كما رواه مالكٌ سَواءً(٤) . وفيه دليلٌ على أن الضِّيافةَ إِكْرام
وبِرٌّ وفَضيلةٌ لا فريضةٌ. ومما يَدُلُّ على ذلك أيضًا ما رواه عبدُ الرحمنِ بنُ أبى
ليلَى، قال: حدَّثنا المِقْدادُ بنُّ الأسودِ ، قال: جئتُ أنا وصاحبٌ لى، قد
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦٢٨/٧ عن ابن وكيع، عن سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن
إبراهيم بن أبى بكر ، عن مجاهد. وأخرجه سعيد بن منصور (٧٠٧ - تفسير)، وابن جرير فى
تفسيره ٦٢٨/٧، ٦٢٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٠/٤ (٦١٧٠) من طريق سفيان، عن
ابن أبى نجيح، عن إبراهيم بن أبى بكر، عن مجاهد.
(٢) فى ص ١٧: ((يضيفه)).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦٢٩/٧ من طريق ابن جريج به .
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٥/٢٦ (١٦٣٧٤)، والبخارى (٦٠١٩، ٦٤٧٦)، ومسلم ١٣٥٢/٣
(١٤/٤٨)، والترمذى (١٩٦٧) من طريق الليث به.
٤٠٩
:
الموطأ
التمهيد كادَت تَذْهَبُ أبصارُنا وأسماءُنا من المُجُوعِ، فَجَعَلْنا نَتَعَرَّضُ للناسِ، فلم
يُضِفْنا(١) أحدٌ، فَأَتَينا النبىَّ مَّةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ ، أصابَتا مجوٌ شديدٌ ،
فتعَرَّضْنا للناسِ، فلم يُضِفْنا أحدٌ ، فَأَتَيناك. فذهَب بنا إلى منزله، وعندَه أربعةُ
أعْتُزٍ، فقال: ((يا مِقْدَادُ ، احلُبُهنَّ، وجَزَّى اللَّبنّ لكلِّ اثنَينِ جزءًا))(١). ففى هذا
الحديثِ أن المِقْدادَ وصاحبه قد اسْتَضافا، فلم يُضَيَّفاً ، ولم يَأْمُرْهما النبىُّ
وَ لِّ أن يأخذا ممَّن استَضافا قَدْرَ ضيافتِهما مع شدةِ حاجتِهما ، فدلَّ ذلك أن
الضِّيافةَ غيرُ واجبةٍ بجمْلةً، أو كانَت واجبةً فى بعضِ الأوقاتِ فتُسِخَت ، وأهلُ
العلم يَأْمُّرون بالضِّيافةِ ، ويَتْدُبون إليها ويَسْتَحِبُونها، وهى عندَهم على أهلِ
البَوادِى آكَدُ(٤) . وقولُهم: ليس على أهلِ الحَضَرِ ضيافةٌ. يَدُلُّ على تأكيدِ سُنَتِها
على أهلِ الباديةِ، ومنهم مَن سوَى بينَ الباديةِ والحاضرةِ فى ذلك. وأما
اختلافُهم فى إيجابِها فرضًا، فعلى ما تقَدَّم ذكرُه، وأما الآيةُ فقد مضَى عن
مُجاهدٍ فیها فى هذا الباب ما ذگونا .
وقال سعيدٌ، عن قتادةً فى قولِه: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَهِ مِنَ الْقَوْلِ
إِلَّا مَنْ ظُلِمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٨]. قال: عذَر اللهُ المظلومَ، كما تَسْمَعون، أن
القبس
(١) فى ص ١٧: ((يضيفنا)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٨/٣٩ (٢٣٨٠٨)، وأبو يعلى (١٥١٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٣/٤،
وفی شرح المشکل (٢٨١١) من طريق ابن أبی لیلی به .
(٣) فى م: ((يضافا)).
(٤) فى ص١٦، ص١٧، ص ٢٧: ((أوكد)).
٤١٠
الموطأ
يَدعوَ على مَن ظَلَمه(١).
التمهيد
وقال ابنُ لجرَيْجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾. قال: إِلَّا مَن
آثر(٢) ما قيل له(٣).
فلم يقلْ هؤلاء: إن الآيةَ نزَلَت فى الضِّيافةِ . ولا فى قولِهم شىءٌ يَدُلُّ على
أنَّ الآيةَ لم تَنزِلْ فى الضِّيافةِ. وقال الطَّحاوىُّ: الضِّيافةُ من كرامةِ الضيفِ على
حديثٍ أبى شُرَيْحِ الكَعبىٌّ، وفيه دليلٌ على انتفاءٍ وجوبِها. قال: وجائزٌ أنْ
تكونَ كانت واجبةً عند الحاجة إليها ؛ لقلة عددٍ أهلِ الإسلام فى ذلك الوقتِ ،
وتَباعُدِ أوطانِهم، وأمَّا اليومَ فقد عمَّ الإسلامُ، وتقارَب أهلُه فى الجِوارِ . قال :
وفى حديثٍ أبى شُريح: ((جائزتُه يومٌ وليلة)). قال: والجائزةُ مِنْحةٌ، والمِنْحةُ
إنما تكونُ عن اختيارٍ ، لا عن وجوبٍ . وبالله التوفيقُ .
ومما يَدُلُّ على أن الضِّيافةَ ليست بواجبةٍ فرضًا، قولُ رسولِ اللهِ وَّه:
((مَن كان يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلُكرِمْ جارَه، ومَن کان يُؤْمنُ باللهِ واليومِ
الآخِرِ فليُكرِم ضيفَه)). وقد أجمعوا أنَّ إكرامَ الجارٍ ليس بفرضٍ، فكذلك
الضيفُ .
وفى هذا الحديث وما كان مثلَه دليلٌ على أن الضِّيافةَ من مكارمِ الأخلاقِ
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦٢٦/٧ من طريق سعيد به.
(٢) أثر الكلام أثْرًا: رواه وحكاه. ينظر اللسان (أ ث ر).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧/ ٦٢٧، ٦٢٨ من طريق ابن جريج ، عن مجاهد .
٤١١
الموطأ
. التمهيد فى الحاضرةِ والباديةِ. ويَجوزُ أن يَحْتَبَّ بهذا مَن سؤَّى بينَ الضِّيافةِ فى
الباديةِ والحاضرةِ، إلّا أنَّ أكثرَ الآثارِ فى تَأْكِيدِها إنَّما ورَدَت فى قومٍ
مُسافِرِين مُنِعوها .
٠
ومما يَدُلُّ على أنها ليست بواجبةٍ فرضًا ما حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
يوسفَ ، حدَّثنا الحسنُ بنُّ إسماعيلَ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ عاصم، حدَّثنا جعفرُ بنُ
محمد القَلانِسیُّ ، حدّثنا أحمدُ بنُ یونُسَ ، حدّثنا سفيان ، وهو الثوریُّ ، عن
أبى إسحاقَ ، عن أبى الأحوصِ ، عن أبيه قال: قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، إنى مرَرْتُ
برجلٍ فلم يُضِفْنى، ولم يَقْرِنِى، أفأُ جازِيه؟ قال: ((لا ، بلِ اقْرِهِ))(١).
حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
جعفرُ بنُّ محمدٍ الفِزيائىُ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ
مَخلَدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ بن أبى كثيرٍ، قال: حدَّثنا العَلاءُ بنُ عبدِ
الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((حَقُّ الضَّيفِ
ثَلاثُ ليالٍ ، وما سِوَى ذلك فهو صدَقةٌ ».
ورؤَى أبو صالحٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ مِثْلَهُ(١).
وروَى شَريكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ قال : سمِعتُ عمرَ
ابنَ الخطاب يقول : إكرام الضيف يوم وليلةٌ ، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيام ، فإنْ أصابَه
القبسر،
(١) أخرجه ابن حبان (٣٤١٠)، والطبرانى (٦٠٦) من طريق أحمد بن يونس به.
(٢) أخرجه إبراهيم الحربى فى إكرام الضيف (١٠٣ - ١٠٥) من طريق أبى صالح به.
٤١٢
الموطأ
بعدَ ذلك مرضّ أو مطرّ فهو دينٌّ عليه .
التمهيد
قال أبو عمرَ : يَنْبغِى له أن يَتَنَزَّهَ عمَّا كان مِن الضِّیافةِ صدقةً، کما ینْتَغی له
النَّزَهُ عن الصدقةِ، وليست صدقةُ التطوع بمحَرَّمةٍ على أحدٍ، (( إِلَّا أن١َّ)
السؤالَ مَكروة على ما بينَّا فيما سلَف من هذا الكتابِ(١) . والحمدُ للهِ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ ، حدَّثنا الحسنُ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جابٍ ، حدَّثنا
إسحاقُ بنُ أحمدَ القَطَّانُ، حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا عثمانُ بنُّ عمرَ،
حدَّثنا أبو عامرِ الخَزَّزُ، عن نافعٍ قال: كان ابنُّ عمرَ إذا قدِم مكةً نزَل
على أصهارِهِ، فيَأْتِيه طعامُه من عندِ دارٍ خالدِ بنِ أَسيدٍ، فيأكُلُ مِن
طعامِهِم ثلاثةَ أيام ، ثم يقولُ: اخْبِسِوا عنا صدقتَكم. ويقولُ لنافع: أنْفِقْ
من عندك(٢) .
وقولُهُ وَّهِ: ((لا يَحِلُّ له أن يَثْوِىَ عندَه حتى يُجرِجَه)). يُريدُ: أن يُقيمَ
عندَه حتى يُخْرِجَه، والثَّواءُ: الإقامةُ . قال عنترةُ(٤) :
* طالَ الثَّواءُ على رسومِ المَنزِلِ *
وقال الحارثُ بنُ حِلّزةً(٥) :
القبس
(١ - ١) فى ص ١٦: ((لأن)).
(٢) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٩٥٢، ١٩٥٣) من الموطأ.
(٣) بعده فى م: ((الآن)).
(٤) شرح ديوانه ص ٩٩.
(٥) شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات ص ٤٣٣.
٤١٣
١٧٩٥ - مالكٌ، عن سُمىٍّ مولَى أبى بكرٍ، عن أبى صالح
الموطأ
الشَّمَّانِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَّلَه قال: (( بينما رجلٌ يمشى
رُبَّ ثارٍ مُمَلُ منه الشَّواءُ
التمهيد آذنَتْنا بِبَيْنِها أسماءُ
وقال كُيُو (١) :
إذا ما أُطَلْنا عندَها المُكْثَ مَلَّتِ
أُريدُ الثّواءَ عندَها وَأَظُنُّها
وقولُه ◌َالێ: (( حتی یُحرِجه)) . أى: يُضَيِّقَ علیه پاقامتِه عندَه حتى يَخْرَجْ
وتَضِیقَ نفسُه، هذا لا يَحِلُّ له .
مالكٌ، عن سُمَىِّ مولَى أبى بكرِ بنِ عبد الرحمنِ ، عن أبى صالح
حديثُ أبى هريرةَ فى سَقْي الكلبِ العاطشِ، ومثلُه فى ((الصحيح)(٢): أن بَغِيًّا
القبس
(١) ديوانه ص ٩٩.
(٢) قال أبو عمر: ((هو شُمَيِّ مولى أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومى، مدنى
ثقة ثبت لا قول فيه ولا مقال، روى عنه جماعة من الأئمة، ولا يختلفون فى عدالته وأمانته، إلا أن
على بن المدينى قال: قلت ليحيى بن سعيد: أسْمَيِّ أثبت عندك أو القعقاع بن حكيم؟ قال :
القعقاع أحب إلى منه. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبى عن سمى، فقال: ثقة، روى
عنه مالك. وقتل سمى رحمه الله بقُديد، وكانت غزوة قديد فى صفر سنة ثلاثين ومائة. أُخبرنا
عبد الله ابن محمد، حدثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، أخبرنا على بن
المدينى، قال: قال سفيان: أتيت المدينة فسألت عن سمى، قالوا: خرج إلى الغزو. قيل لسفيان:
كأن سميا قتل؟ قال: زعموا أن الخوارج قتلته. قال أبو عمر: لمالك عنه ثلاثة عشر حديثا،
أحدها مرسل، وفى حديث واحد منها ثلاثة أحاديث، فتصير خمسة عشر حديثا)) . تهذيب
الكمال ١٤١/١٢.
(٣) البخارى (٣٤٦٧).
٤١٤
الموطأ
بطريقٍ إذا اشتدّ عليه العطشُ، فوجَد بئرًا، فنزَل فيها فشرِب فخرَج،
فإذا كلبٌ يلهَثُ يأكلُ الثَّرَى من العطشِ ، فقال الرجلُ : لقد بلَغ هذا
الكلبَ من العطشِ مثلُ الذى بلَغ منى. فنزَل البثرَ فَملَأُ خُقَّه، ثم
أمسَكه بفيه حتى رَقِىَ فسقَى الكلبَ ، فشكَرِ اللهُ له، فغفَر له)) . فقالوا :
يا رسولَ اللهِ، وإن لنا فى البهائمِ لأجرًا؟ فقال: ((فى كلِّ ذى كبد
رطبةٍ أجرٌ)).
السمَّانِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَّله قال: «بينما رجلٌ يمشى بطَريقٍ إذ التمهيد
اشتدَّ عليه العطشُ، فوجَد بئرًا فنزَل فيها فشرِب فخرَج، فإذا كلبٌّ يلهَثُ يأكُلُ
الثَّرَى من العطشِ ، فقال الرجلُ : لقد بلَغ هذا الكلبَ من العطشِ مثلُ الذى بلَغ
منِّى . فنزَل البئرَ فملَأْ خُفَّه، ثم أمسَكه بفِيه حتى رقِى فسقَى الكلبَ، فشكر اللهُ
مِن بَغايا بنى إسرائيلَ رَأَتْ كلبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِن العَطَشِ، فَتَزَعَت مُوقَها فسَقَتْه، فغفَر القبس
اللهُ لها .
اختلف الناسُ فى تأويلِه؛ فمنهم من قال : إنما كان الغُفْرانُ لهذا المُذْنبِ بأن
وفَّقه اللهُ تعالى بعدَ ذلك للتوبةِ ، فكان هذا الفعلُ سَبَبًا لأن رُزِق التوبةَ ، والتوبةُ سَيًِّا
للمغفرة. ومنهم من قال: إن هذا الفعلَ بنفسِه كَفَّر الزِّنَى لعِظَمِه؛ لأن الله تعالى إذا
كانت له فى العبدِ إرادةٌ ، وسبَقَت له عندَه عنايةٌ ضاعف له الحسناتِ ، حتى تَغْلِبَ
السيئاتِ ، حتى تكونَ كالجبلِ العظيمِ، كما فى الحديثِ الصحيحِ ، فليس يمتنع
أن ضُوعِفَ لهذا الأجرُ حتى وازَى الزِّنى؛ فضلاً مِن اللهِ عزَّ وجلّ. وقيل: بل وَازَاه
بنفسِه ؛ لأن فيه إحياءَ نَفْسٍ .
(١) ينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٩٤٣).
٤١٥
الموطأ
التمهيد له، فغفر له)). فقالوا: يا رسولَ اللهِ، وإنَّ لنا فى البهائم لأجرًا؟ قال: ((فى كلِّ
گید رطبة أجرٌ))(١).
فى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الإساءةَ إلى البهائم والحيوانِ لا يجوزُ ولا
يَحِلُّ، وأن فاعلها یأثَمُ فيها ؛ لأن النصّ إذا ورَد بأن فى الإحسانِ إلیھنَّ أُجرًا
وحسناتٍ، قام الدليلُ بأن فى الإساءة إليهن وِزرًا وذُنوبًا ، واللهُ يَعصِمُ مَن يشاءُ،
وهذا ما لا شَكَّ فیه ولا مدفع له .
وقد روَى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال:
« دخلت امرأةً النار فی هِرَّة ربطتها ، فلا هی أطعمتها ، ولا هى أطلقتها تاگُلُ من
خَشَاشِ الأرضِ(٢) ، حتى ماتت، فتُذِّبتْ فى ذلك))(٣). فهذا يُبَيِّنُ لك ما قُلنا،
وهو أمرٌ لا تنازُعَ بينَ العلماءِ فيه .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على وُجوبٍ نفقاتِ البهائم المملوكةِ على
مالِكيها) ، وهذا ما لا خلافَ فيه أيضًا، ولا فى القضاءِ به. والحمدُ للهِ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٣٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٧ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٩٥٢). وأخرجه أحمد ١٤/ ٤٦١، ٤١٠/١٦ (١٠٦٩٩،٨٨٧٤)، والبخارى (٢٣٦٣،
٢٤٦٦، ٦٠٠٩)، ومسلم (٢٢٤٤)، وأبو داود (٢٥٥٠) من طريق مالك به .
(٢) خشاش الأرض: هوامها وحشراتها، الواحدة خشاشة. النهاية ٣٣/٢.
(٣) أخرجه عبد بن حميد (٧٨٧)، والدارمى (٢٨٥٦)، والبخارى (٢٣٦٥)، ومسلم
(٢٢٤٢/ .. ) من طريق مالك به.
(٤) فى الأصل: ((مالكها)).
٤١٦
الموطأ
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال: التمهيد
حدَّثْنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدثنا مهدئُّ
ابنُ میمونٍ ، عن محمد بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبی یعقوب ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، قال: أردَفنى رسولُ اللهِ وَّلِ ذاتَ يوم خلفَه، فَأسَرَّ إلىّ
حديثًا لا أَخيِرُ به أحدًا أبدًا، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ أحبُ(١) ما استتَر به فى
حاجتِه هدفًا(٢) أو حائشَ نخل، فدخَل يومًا حائطًا من حيطانِ الأنصارِ ، فإذا
جَمَلٌ قد أتاه فجَرْجَر(٢)، وذرَفَت عيناه، فمسَح رسولُ اللهِ وَلِّ سَراتَه وذِفْراه
فسكَن، فقال: ((مَن صاحبُ الجملِ؟)). فجاء فتى من الأنصارِ فقال: هولی
يا رسولَ اللهِ. فقال: ((أمَا تتَّقِى الله فى هذه البهيمة التى ملكك اللهُ؟ إنه شکا
إلىَّ أنك تُجِيعُه وتُدْبَتُه))(٤).
ورُوِى هذا الخبرُ من حديثٍ يعلَى بنِ مُؤَّةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّ بمعنى
حديث عبدِ الله بن جعفرٍ، وفيه: ((فاستوصٍ به خيرًا)). قال: فقال صاحبُه : لا
جرَمَ واللهِ ، لا أُكرِمُ مالًا كرامتَه أبدًا (٥).
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((إليه)). والمثبت موافق لما فى مصادر التخريج.
(٢) كذا بالنصب هى وما بعدها فى النسخ وعند أبى داود، وبالرفع فى المسند ودلائل النبوة،
والهدف: كل بناء مرتفع مشرف. النهاية ٢٥١/٥.
(٣) الجرجرة: صوت البعير عند الضجر. النهاية ٢٥٥/١.
(٤) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢٧/٦ من طريق الحارث بن أبى أسامة به، وأخرجه أحمد
٢٧٣/٣ (١٧٤٥) عن يزيد بن هارون به، وأخرجه أحمد ٢٧٣/٣ (١٧٤٥)، وأبو داود
(٢٥٤٩) من طريق مهدى به .
(٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٦١٧، ٦١٨، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢٠/٦ - ٢٢ من طريق يعلى به.
٤١٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢٧/٢٢ )
الموطأ
التمهید
وأمّا قولُه : ذَرَفتْ عيناه. فمعناه: قطَرت دُموتُهما قَطْرًا ضعيفًا، والشّراةُ :
الظّهرُ، والذِّفْرَى: ما وراءَ الأُذنينِ عن يمينِ النُّقرةِ وشِمالِها، تُنَّى الذِّفْرِيانِ(١).
وتُجمَعُ الذُّفَارَى. قال ذو الثُمَّةِ (١) :
والقُرْطُ فى محُرَّةِ الذِّقْرَى مُعَلَّقُهُ
تَّبَاعَدَ الحَبَلُ منه فَهْوَ يضطرِبُ
والحائشُ: حائطُ النخلِ، والحديقةُ(٣) منه.
أخبرنا محمدٌ، حدَّثنا علىَّ بنُ عمرَ، حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ
النيسابورىُّ صاحبنا، حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ الإِسفَرابِىُّ،
حدَّثنى خالى أبو عَوانةَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ الإسفَرايينىُّ، حدَّثنا أبو سعيدٍ
أحمدُ بنُ بِكْرُويه، حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، عن مالكٍ، عن الزهرىِّ، عن
عروةَ بنِ الزبير، عن شراقةَ بنِ مالكِ بنِ مُجُعَشُمٍ، أنه أَتَّى النبيَّ مََّ فِى
وجَعِه، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ الضالَّةَ تَرِدُ على حوضٍ إبلى، هل
لى فيها من أجرٍ إن سقَيتُها؟ قال: ((نعم، فى الكَبدِ الحرّى(٤
(٥)
أجر))(9).
قال أبو الحسن : هذا غريبٌ عن مالكِ، وإنما تَرويه أصحابُ الزهرىِّ، عن
القبس
(١) فى م: ((الذفران)).
(٢) ديوانه ٣٥/١.
(٣) الحديقة هنا: القطعة من النخل. التاج (ح د ق).
(٤) الحرّى: العطشى، وهى تأنيث حرَّان. التاج (ح ر ر).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٩٦٩٢)، وأحمد ١٢٧/٢٩ (١٧٥٨٨)، والطبرانى (٦٥٨٧)،
والبيهقى ١٨٦/٤ من طريق الزهرى به .
٤١٨
الموطأ
١٧٩٦ - مالكٌ، عن وهبٍ بن كيسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ،
الزهرىِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ مالكِ بنِ جُعشُمٍ، عن أبيه ، عن أخيه سُراقةَ بنِ التمهيد
مجعشُم. كذلك رواه موسى بن عقبةً (١)، ومحمدُ بنُ إسحاقَ (١) ، وغيرُهما عن
الزهرىٌّ.
مالكٌ، عن أبى نُعيمٍ وهبٍ بنٍ كَيسانَ(١) ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أنه قال :
حديثُ أبى عبيدةَ فى الحوتِ، زاد فيه مسلمٌ فائدةً هى فى معناه - وقد القبس
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٠٢٩، ١٠٣١)، والطبرانى (٦٦٠٢)، والبيهقى
فى دلائل النبوة ٢/ ٤٨٧، ٤٨٨ من طريق موسى بن عقبة به .
(٢) أخرجه أحمد ١٢٠/٢٩، ١٢٤ (١٧٥٨١، ١٧٥٨٤)، وابن ماجه (٣٦٨٦) من طريق ابن
إسحاق به .
(٣) قال أبو عمر: ((وهب بن كيسان أبو نعيم، لمالك عنه حديثان، قد غلبت عليه كنيته، فأهل
المدينة يقولون ، وهب بن كيسان. وغيرهم يقول: وهب بن أبى مغيث، وهو وهب بن كيسان
مولى عبد الله بن الزبير بن العوام، ويقال مولى آل الزبير. قال الواقدى: كان محدثا ثقة، ولقى
عدة من أصحاب النبى ﴿، منهم سعد بن أبى وقاص، وابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وأبو
سعيد الخدرى، ولم تكن له فتوى، وكان من سكان المدينة، وبها كانت وفاته سنة سبع وعشرين
ومائة . حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير،
قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن
وهب بن كيسان، قال: رأيت سعد بن مالك، وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك،
يلبسون الخزَّ، قال أحمد بن زهير: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن
عجلان، عن وهب بن کیسان، و کان قد أدرك ابن عمر. أخبرنى أحمد بن محمد بن أحمد ، قال
حدثنا أحمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال :
حدثنا أشهب، عن مالك، قال: كان وهب بن كيسان يقعد إلينا، ولا يقوم أبدا حتى يقول لنا :
اعلموا أنه لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله. قلت : يريد ماذا؟ قال : يريد - فى رأيى -
الإسلام. أو قال: يريد التقوى)). تهذيب الكمال ١٣٦/٣١، وسير أعلام النبلاء ٢٢٦/٥.
(٤) مسلم (١٩٣٥) .
٤١٩
الموطأ أنه قال: بعَث رسولُ اللهِ وَ لَّهِ بعثًّا قِبَلَ الساحلِ، فأمَّر عليهم أبا عبيدةَ
ابنَ الجرّاح، وهم ثلاثمائةٍ. قال: وأنا فيهم. قال : فخرَجنا حتى إذا
كنا ببعضِ الطريقِ فَنِىَ الزادُ، فأمَر أبو عبيدةً بأزوادٍ ذلك الجیشِ،
فُجمِع ذلك كلُّه فكان مِزْوَدَىْ تمرٍ . قال: فكان يُقوّتُناه كلَّ يومٍ قليلًا
قليلاً . حتى فَنِىَ، ولم تُصِبْنا إلا تمرةٌ تمرةٌ ، فقلتُ : وما تُغنى تمرةٌ ؟
فقال: لقد وجدنا فَقْدها حيث فنِيتْ . قال: ثم انتهينا إلى البحرِ ، فإذا
حوتٌ مثلُ الظَّرِبِ، فأكَل منه ذلك الجيشُ ثمانَ عشْرةَ ليلةً ، ثم أمَر أبو
عبيدةً بضِلَعَينِ من أضلاعِه فنُصِبا، ثم أمَر براحلةٍ فرُحِلتْ ، ثم مرَّت
تحتَهما ولم تُصِبْهما .
قال مالكٌ : الظَّرِبُ المُجُبَيلُ.
التمهيد بعَث رسولُ اللهِ وَّهِ بعثًا قِبَلَ الساحلِ، فَأَمَّر عليهم أبا عُبيدةَ بنَ الجرَّاحِ، وهم
ثلاثمائةٍ . قال : وأنا فيهم . قال : فخرَجنا حتى إذا كنا ببعضِ الطريقِ فنى الزادُ،
فأمَر أبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ بأزوادِ ذلك الجيشِ ، فجمع ذلك كلُّه، فكان مِزْوَدَیْ
تمرٍ. قال : فكان يقوّتُناه كلَّ يومٍ قليلاً قليلاً حتى فنى، ولم تُصِبْنا إلا تمرةٌ
تمرةٌ. فقلتُ : وما تُغْنِى تمرةٌ؟ فقال: لقد وجَدْنا فَقْدَها حينَ فنِيتْ. قال : ثم
القبس قدَّمْناها - " وهو أنهم ساقوه إلى المدينة فأكلوه وأكّل منه النبى (وَلَه١، وهذا يَدُلُّ
على حلِّه .
(١ - ١) سقط من: ج، م.
٤٢٠