Indexed OCR Text

Pages 621-640

الموطأ
:
خلقه الله للجنة استعمله بعملٍ أهل الجنة حتى يُميتَه على عملٍ من أعمالٍ أَهلِ التمهيد
الجنة ، فيُدخِلَه به الجنةَ، ومن خلَقه للنارِ استعمله بعملٍ أهلِ النَّارِ حتى يُميتَه
على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخلَه به النارَ))(١).
قال أبو عمرَ : زيادةُ مَن زاد فى هذا الحديثِ نُعيمَ بنَ ربيعةً ليست حبّةً ؛
لأنَّ الذى لم يذكُرْه أحفظُ ، وإنَّما تُقبلُ الزّيادةُ من الحافظِ المتقنِ. وجملةُ القولِ
فى هذا الحديثِ أَنَّه حديثٌ ليس إسنادُه بالقائم؛ لأنَّ مسلمَ بنَ يسارٍ ونُعِيمَ بنَ
ربيعةً جمیعًا غير معروفینٍ بحملٍ العِلْم، ولکنَّ معنی هذا الحدیثِ قد صحّ عن
النبيِّ ◌َ * من وُجوهٍ كثيرةٍ ثابتةٍ يطولُ ذكرها ، من حديث عمر بن الخطاب
وغيره جماعةٍ يطولُ ذکرُهم .
حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا أبو
داود ، قال: حدثنا مُسدّدٌ ، قال : حدثنا یحیی، عن عثمان بن غِیائٍ ، قال :
حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ بُريدةً، عن يحيى بنٍ يَعْمَرَ ومحُميدِ بنِ عبدِ الرحمنٍ لِقِيا
عبد الله بن عمر فذگرا له القدر وما یقولون فیه. فذكّر الحدیثَ عن أبيه، عن
النبيِّ وَّهِ بطوله، وقال فى آخرِه: وسأله رجلٌ من مُزَينةً أو جهينةً، فقال:
يا رسولَ اللهِ، ففيمَ نعملُ، فی شیءٍ قد خلا ومضَی، أو فى شىءٍ مستَأَنَفٍ
الآنَّ؟ فقال: ((فى شىءٍ قد خلا ومضَى )). فقال الرّجلُ أو بعضُ القومِ: فقيمٌ
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣٨٨٨)، وابن عساكر ٧٢/٣٤ من طريق النسائى به.
٦٢١

الموطأ
التمهيد العملُ؟ فقال: ((إنَّ أهلَ الجنةِ يُسَّرون لعملِ أهلِ الجنةِ ، وإِنَّ أهلَ النارِ بُيشرون
لعملِ أهلِ النارِ ))(١).
ورُوِى هذا المعنى عن عمرَ، عن النبيِّ بَلّ من طرقٍ، وممَّن
روَى هذا المعنى فى القدَرِ عن النبيِّ وَ لَّ؛ علىُّ بن أبى طالبٍ،
وأُحُ بنُ كعبٍ(٢)، وابنُ عباسٍ(٣)، وابنُ عمرَ(٤)، وأبو هريرةً(٥)، وأبو
سعيد الخدرىُّ(١)، وأبو سَرِيحةَ الغِفارىُّ(٧)، وعبدُ اللهِ بنُ
القبس
(١) أبو داود (٤٦٩٦). وأخرجه ابن منده فى الإيمان (٩) من طريق مسدد به، وأخرجه أحمد
٣١٤/١ - ٣١٦ (١٨٤)، ومسلم (٣/٨) من طريق يحيى بن سعيد به.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ١٥٥/٣٥ (٢١٢٣٢)، وابن منده فى الرد على
الجهمية (٣٠، ٣٣)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (٩٩١).
(٣) أخرجه أحمد ٢٦٧/٤ (٢٤٥٥)، وابن أبى عاصم فى السنة (٢٠٢)، والنسائى فى الكبرى
(١١١٩١)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٤٤١).
(٤) أخرجه البزار (٢١٤١ - كشف)، والطبرانى فى الصغير ١٣٠/١.
(٥) أخرجه الآجرى فى الشريعة (٣٣١)، وابن منده فى الرد على الجهمية (٢٣، ٢٤، ٢٦)، وأبو
الشيخ فى العظمة (١٠٢٧)، وابن عساكر ٣٩٥/٧.
(٦) أخرجه البزار (٢١٤٢ - كشف).
(٧) أبو سريحة الغفارى هو حذيفة بن أسيد - ويقال : ابن أمية بن أسيد - له صحبة ، شهد الحديبية
مع رسول الله پڼ ، وهو أول مشاهده، ونزل الكوفة، توفى سنة اثنتین وأربعین، وصلى عليه زید بن
أرقم. الاستيعاب ١٦٦٧/٤، وتهذيب الكمال ٤٩٣/٥.
وحديثه أخرجه ابن وهب فى القدر (٣١ - ٣٥)، وأحمد ٦٤/٢٦، ٦٥ (١٦١٤٢)،
والحميدى (٨٢٦)، وابن أبى عاصم فى السنة (١٧٩، ١٨٠)، ومسلم (٢٦٤٥)، والفريابى فى
القدر (١٣٢ - ١٣٥، ١٤٠)، والآجرى فى الشريعة (٣٦٠ - ٣٦٢)، واللالكائى فى شرح=
٦٢٢

الموطأ
مسعودٍ (١)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو (٢)، وذُو اللِّحيةِ الكِلابِىُّ(٣)، وعمرانُ التمهيد
ابنُ محُصينٌٍ، وعائشةُ(٥)، وأنسُ بنُ مالكِ()، وسُراقةُ بنُ
بُعثُمٍ()، وأبو موسى الأشعرىُّ (٨)، وعُبادةُ بنُ الصَّامتِ(٩)، وأكثرُ
أحاديثِ هؤلاء لها طرقٌ شتَّى.
القبس
= أصول الاعتقاد (١٠٤٥ - ١٠٤٧). وينظر ما تقدم فى ١٦٣/٨، ١٦٤.
(١) تقدم تخريجه فى ١٦١/٨ - ١٦٣.
(٢) فى م: ((عمر)).
وحديث ابن عمرو أخرجه ابن وهب فى القدر (٤٥)، والفريابى فى القدر (١٤٦)، واللالكائى فى
شرح أصول الاعتقاد (١٢٣٦، ١٢٣٧).
(٣) ذو اللحية الكلابى اسمه شُريح بن عامر بن عوف، وقيل: شريح بن عمرو بن قرظ . له صحبة .
الاستيعاب ٤٧٥/٢، وتهذيب الكمال ٤٢/٣٥.
وحديثه أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ١٨٨/٢٧، ١٨٩ (١٦٦٣٠، ١٦٦٣١)،
وأبو نعيم فى المعرفة (٢٦٣١ - ٢٦٣٣).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٦٢٥ - ٦٢٨.
(٥) أخرجه أحمد ١٦٠/٤٠ (٢٤١٣٢)، والحميدى (٢٦٥)، ومسلم (٢٦٦٢)، وأبو داود
(٤٧١٣)، والنسائى (١٩٤٦)، وابن ماجه (٨٢).
(٦) تقدم تخريجه فى ١٦١/٨ .
(٧) أخرجه ابن وهب فى القدر (١٨)، وأحمد ٤٥١/٢٢ (١٤٦٠٠)، ومسلم (٢٦٤٨)، وابن أبى
عاصم فى السنة (١٦٧)، والفريابى فى القدر (٤٨).
(٨) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٢٠٣)، والبزار (٢١٤٣ - كشف)، والفريابى فى القدر
(٣٥)، والطيرانى فى الأوسط (٩٣٧٥)، والآجرى فى الشريعة (٣٣٢).
(٩) أخرجه ابن وهب فى القدر (٢٦، ٢٧)، وأحمد ٣٧٨/٣٧، ٣٧٩ (١٢٧٠٥)، والترمذى =
٦٢٣

الموطأ
التمهید
حدثنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال : حدثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدثنا
جعفر بن محمد الفریابیُ ، قال : حدثنا عثمانُ بنُ أبی شیبةً ، قال : حدثنا جریُ
ابنُّ عبد الحميدِ، عن منصورٍ ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبى عبدِ الرحمنِ
السّلَميِّ ، عن علىّ بن أبى طالبٍ، قال: كنا فى جِنازةٍ فى بقيع الغرقدِ. قال: فَأَتَّى
رسولُ اللهِ وَّله فقعَد، وقعَدنا حولَه، ومعه مِخصَّرةٌ(١)، فنكس رأسه، وجعَل
ینگُّتُ بمخصرته، ثم قال : «ما منكم من أحدٍ من نفسٍ منفوسة إلّ وقد كُتِب
مكانُها من الجنة والنارِ ، وإلَّا قد كُتِبت شقيّةً أو سعيدةً)). فقال رجلٌ:
يا رسولَ اللهِ، أفلا نثَكلُ على كتابِنا وندعُ العملَ؛ فمن كان منَّ من أهلِ
السَّعادةِ فسيصيرُ إلى عملٍ أهلِ السّعادةِ، ومن كان من أهلِ الشَّقاءِ فسيصيرُ إلى
عملِ أهلِ الشقاوةِ(١)؟ فقال: ((اعمَلُوا، فكلٌّ مُيشَرٌ لما خُلِقٍ له؛ أمَّا أهلُ
السّعادةِ، فيُيسّرون لعملِ أهلِ السّعادةِ، وأمَّا أهلُ الشَّقاوةِ(١) ، فيبشرون لعمل
أهلِ الشقاوةُ)). ثم قرأ: ((﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى ﴾ وَصَدَّفَ بِالْحُسْنَى
فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
فَسَنُيَسِرُمُ
وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴾ وَكَذَّبَ بِالْمُسْفَ
لِلْمُسْرَى﴾)) [الليل: ٥ - ١٠].
القبس
= (٢١٥٥، ٣٣١٩)، وابن أبى عاصم فى السنة (١٠٤، ١٠٥، ١٠٧)، والفريابى فى القدر
(٧٢ - ٧٥، ٤٢٥)، والأجرى فى الشريعة (١٨١، ٣٤٧)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد
(٣٥٧، ١٠٩٧، ١٢٣٣).
(١) المخصرة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه ؛ من عصا أو عكّازة أو مِقرعة أو قضيب، وقد يتكئ
عليه . النهاية ٢/ ٣٦.
(٢) فى م: ((الشقاء)).
(٣) الآجرى فى الشريعة (٣٢٧)، والفريابى فى القدر (٤٠). وأخرجه البخارى (١٣٦٢،
٤٩٤٨)، ومسلم (٢٦٤٧)، وابن ماجه (٧٨) من طريق عثمان بن أبى شيبة به .
٦٢٤

الموطأ
حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى وأحمدُ بنُ فتحِ، قالا : حدثنا حمزةُ بنُ التمهيد
محمدٍ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ الحسنِ البصرِىُّ بالبصرةِ ، قال : حدثنا
مُبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا سليمُ(١) بنُ حيَانَ، عن یزیدَ
الرَّشْكِ، عن مُطرّفٍ بنِ عبدِ اللهِ، عن عمرانَ بنِ مُصينٍ، قال: قال رجلٌ :
يا رسولَ اللهِ، أعْلِم أهلُ الجنةِ من أهلِ النارِ؟ قال: ((نعم)). قال: فلِمَ يعملُ
العاملون؟ قال: ((كلِّ مُيسَوّ لما خُلِقٍ له)) (١).
قال حمزةُ : وهذا حديثٌ صحيحٌ، روَاه جماعةٌ عن يزيدَ الرِّشْكِ؛ منهم
شعبةُ بنُ الحجّاجُ ، وعبدُ الوارثِ بنُّ سعیدٍ .
قال أبو عمرَ: وقد رَواه حمَّادُ بنُ زيدٍ أيضًا، عن يزيدَ الرَّشْكِ.
حدثناه عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا
القبس
(١) فى النسخ: ((سليمان)). والمثبت موافق لما فى مصدر التخريج؛ لأن سليمًا هو المذكور فى تلاميذ
يزيد الرّشك، وسليمان لا يدرك يزيدًا لأنه من المذكورين فى تلاميذ سليم. وأما ما وقع عند البخارى
فى خلق أفعال العباد (٢١٣) : حدثنا سليمان، حدثنا يزيد، عن مطرف .. فإن الرواية منقطعة بين
شيخ البخارى سليمان وبين يزيد الرشك؛ فإن سليمان شيخ البخارى إما أن يكون سليمان ابن
حرب وإما أن يكون سليمان بن عبد الرحمن، فتكون الرواية على ذلك منقطعة، مع ملاحظه
أن سليمان بن حيان من طبقة مشايخ أحمد ولا يدركه البخارى بحال، فالله أعلم. وينظر
تهذيب الكمال ٣٤٨/١١، ٣٩٤، ٢٨٠/٣٢.
(٢) أخرجه الطبرانى ١٣٠/١٨ (٢٦٨) من طريق سليمان بن الحسن به .
(٣) أخرجه أحمد ٦٩/٣٣ (١٩٨٣٤)، والبخارى (٦٥٩٦)، وفى خلق أفعال العباد (٢١١)،
ومسلم (٢٦٤٩)، وابن أبى عاصم فى السنة (٤١٣)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٠٦٨،
١٠٦٩) من طريق شعبة به .
٦٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ٤٠/٢١ )

الموطأ
التمهيد بكرُ بنُّ حمَّادٍ، قال: حدثنا مُسدَّدٌ، قال: حدثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن یزیدَ
الرَّشْكِ، عن مُطرّفٍ ، عن عمرانَ بنِ محصينٍ ".
قال قاسمٌ: وحدثنا مُضَرُ بنُ محمدٍ الأسدىُّ، قال: حدثنا شَيبانُ بنُ فَرُوخَ
الأيلىُّ، قال: حدثنا عبدُ الوارثِ، عن يزيدَ، قال: حدثنا مُطرّفٌ، عن عمرانَ
ابنِ محُصينٍ ، قال: قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، أَعْلِم أهلُ الجنَّةِ من أهلِ النارِ ؟ قال :
((نعم)). قال: ففيمَ يعملُ العاملُون؟ قال: ((كُلِّ مُيشَرٌ لما خُلِقٍ له))(١).
ورَواه حَجَاجُ بنُ منهالٍ، عن حمَّادِ بنِ زيدٍ(٢)، عن تَزِيدَ الضُّبعىِّ، وهو يزيدُ
الرّشكُ .
حدثناه خلفُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا
حمَّادُ بنُّ خالدٍ، قال : حدثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدثنا حَجَّاج ، قال :
حدثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ ، قال : حدثنا يزيدُ الضبعىُّ ، عن مُطرّفٍ - يعنى ابنَ عبدِ اللهِ
ابنِ الشِّخِّيرِ - عن عمرانَ بنِ حصينٍ ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ ، أعْلِم أهلُ الجنةِ
من أهلِ النارِ؟ قال: ((نعم)). قال: ففيمَ العملُ إذن؟ قال: (( كلِّ مُيشَرٌ لما خُلِقٍ
(٤)
له))".
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٠٩) عن مسدد به، وأخرجه مسلم (٢٦٤٩)، والنسائى فى الكبرى
(١١٦٨٠)، وابن حبان (٣٣٣)، والبيهقى فى الاعتقاد ص ١٦٨، ١٦٩ من طريق حماد بن زيد به.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٩) من طريق شيبان بن فروخ به .
(٣) فى م: ((يزيد)).
(٤) بعده فى ص: ((عمله)) .
والحديث أخرجه الطبرانى ١٢٩/١٨ (٢٦٧) عن على بن عبد العزيز به .
٦٢٦

الموطأ
وقد رُوِى من حديثٍ يحيى بنٍ يَعمَرَ أيضًا، عن عمران بن حصينٍ، عن التمهيد
النبيِّ وَلتِ مثلُه .
حدثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قالا : حدثنا قاسمٌ ، قال :
حدثنا عبدُ اللهِ بنُّ رَوْحِ، قال : حدثنا شَبابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: حدثنا المغيرةُ بنُّ
مسلمٍ، عن أبى عمرَ، عن يحيى بنِ يعمَرَ ، أنَّه كان مع عمرانَ بنِ حصينٍ وأبى
الأسودِ الدُّؤَلىٌّ فى مسجدِ البصرةِ ، فقال عمرانُ: يا أبا الأسودِ، أرأيتَ ما يعمَلُ
العباد ؛ يعملون فيماسبق فی علم اللهِ السّابقِ ، أو يستأنفون العمل ؟ قال : لا، بل
يعملون فيما سبق فى علم اللهِ . قال: أخشى أن يكونَ ذلك جورًا. قال: ﴿لَا
يُسْشَلُ عَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فقال عمرانُ: ثبَتَك اللهُ، إنَّما
أردتُ أن أحزِرَكَ (١)، إِنَّ رجلاً سأل النبيَّ وَلَةِ عمَّا سألتُك، فقال رسولُ اللهِ
وَّ- كما قُلتَ .
حدثنا إبراهیمُ بنُ شاكرٍ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ ، قال :
حدثنا سعیدُ بنُ عثمان وسعیدُ بنُ خُمیرٍ، قالا : حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
صالح ، قال : حدثنا عثمانُ بنُ عمر ، قال : أخبرنا عَزْرُ بنُ ثابتٍ ، عن يحيى بنِ
عُقيلٍ، عن يحيى بنٍ يعمَرَ، عن أبى الأسودِ الدُّؤَلىِّ قال: قال لى عمرانُ بنُ
محُصينٍ: أرأيتَ ما يعمَلُ الناسُ ويكدّحون فيه؛ أشىءٌ قُضى عليهم ومضَى
القبس
(١) فى ص ٤: ((أزورك))، وصوابها: ((أروزك))، من الرّوز: وهو الامتحان والتقدير، يقال: رُزت ما
عند فلان . إذا اختبرته وامتحنته. النهاية ٢/ ٢٧٦. وينظر ما سيأتى الصفحة التالية .
٦٢٧

.
الموطأ
التمهيد عليهم، أو فيما يستقبلون معًا أتاهم به نبيُهم ◌َ لِ واتُّخِذت به عليهم الحجّةُ؟
قلتُ : لا ، بل شىءٌ قُضِی علیهم ومضى عليهم . قال : فهل يكونُ شىءٌ من ذلك
ظلمًا؟ قال: ففزِعتُ من ذلك فزعًا شديدًا، وقلتُ: إنَّه ليس شىءٌ إلَّا
خلقُ اللهِ ومِلكُ يدِه، فلا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهم يُسألون. فقال: سدَّدك
اللهُ، إِنِّى واللهِ ما سأَلتُك إلَّا لِأَحزِرَ عقلَكَ(١)، إنَّ رجلًا من مُزَينةَ أَتَّى النبيَّ
﴿، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ ما يعمَلُ الناسُ ويكدحون؛ أشىءٌ
قُضِى عليهم ومضَى عليهم، أو فيما يستقبلون ممَّا أتاهم به نبيهُم واتُّخِذتْ
عليهم به الحجّةُ؟ قال: ((لا، بل شىءٌ قُضِى عليهم ومضَى عليهم)).
قال: فلِم نعملُ إذن؟ قال: ((مَن خلَقه الله لواحدةٍ من المنزلتين فهو
يُستعمَلُ لها، وتصديقُ ذلك فى كتابِ اللهِ: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّهَا
فَأَلْبَهَا هُوَرَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾)) [الشمس: ٧، ٨].
قال أبو عمرَ: قد أكثر الناسُ من تخريج الآثارِ فى هذا البابِ، وأكثر
المتكلِّمون من الكلام فيه، وأهلُ الشّئَّةِ مجتمعون على الإيمانِ بهذه الآثارِ
واعتقادِها، وتركِ المجادلةِ فيها . وباللهِ العصمةُ والتوفيقُ.
القبس
(١) لأحزر عقلك: أى لأُمتحن عقلك وفهمك ومعرفتك. صحيح مسلم بشرح النووى ١٩٩/١٦.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٥٠)، والفريابى فى القدر (١٥٠)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد
(٩٥١ - ٩٥٣)، والبيهقى فى الاعتقاد ص ١٧٠ من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه أحمد
١٦١/٣٣ (١٩٩٣٦)، وابن أبى عاصم فى السنة (١٧٤)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد
(٩٥٠) من طريق عزرة به .
٦٢٨

الموطأ
حدثنا محمدُ بنُ زكريًّا، قال: حدثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا أحمدُ التمهيد
ابنُّ خالدٍ ، قال : حدثنا مروانُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ،
حدثنا وكيعُ بنُ الجرّاحِ، حدثنا سفيانُ ، عن محمدِ بنِ جحادةً، عن قتادة ، عن
أبى السَّوَّارِ العَدَوىِّ، عن الحسنِ بنِ علىٍّ، قال: رُفِع الكتابُ ، وجفَّ القلمُ،
وأمور تُقضی فی کتاپٍ قد خلا(١) .
قال : وحدثنا مزوانُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال : حدثنا أبو حاتم، قال : حدثنا
الأصمعىُّ ، قال : حدثنا المعتمُ بنُ سلیمان ، عن أبيه، قال : أما واللهِ لو ◌ُشِف
الغِطاءُ لعلِمتِ القدريّةُ أَنَّ الله ليس بظلام للعبيدِ (١) ..
قال: وحدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : حدثنا رَوْحُ بنُّ عُبادةَ ، قال: حدَّثَنا
حَبيبُ بنُّ الشَّهيدِ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، قال: ما يُنكِرُ هؤلاء أن يكونَ اللهُ عزَّ
وجلَّ قد علِم علمًا فجعله كتابًاً ).
قال أبو عمرَ: قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا كُلّ شَىْ ءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
وقال: ﴿وَمَا تَشَلَمُونَ إِلَّ أَنْ يَشَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]. فليس لأحدٍ
القبس
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٨٧٥) من طريق وكيع به ، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٠١/٧
من طريق سفيان الثورى به، وأخرجه الطبرانى (٢٦٨٤)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٢٣٤)
من طريق محمد بن جحادة به .
(٢) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٣/٣ من طريق أبى حاتم السجستانى به .
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٤٧/١٥ .
٦٢٩

١٧٢٦ - وحدَّثنى عن مالك، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ وَه
الموطأ
قال: «ترَكتُ فيكم أمرينٍ لن تَضِلُّوا ما تمسّكتم بهما؛
التمهيد مشيئةٌ تنفُذُ، إِلَّا أن تتقدَّمَها(١) مشيئةُ اللهِ تعالى، وإنَّما يجرى الخلقُ فِيما قد سبق
من علمِ اللهِ ، والقدَرُ سرّ اللهِ ، لا يُدرَكُ بجدالٍ، ولا يَشِفِى منه مقالٌ، والحجاج
فيه مُرْتَجةٌ(٢)، لا يُفتَحُ شىءٌ منها إِلَّا بكسرٍ شىءٍ وغَلَقِه(٢). وقد تظاهرت الآثارُ،
وتواترتِ الأخبارُ فيه عن السّلفِ الأخيارِ ، الطَّبين الأبرارِ ، بالاستسلامِ والانقيادِ
والإقرارِ، بأنَّ علمَ اللهِ تعالى سابقٌ، ولا يكونُ فى ملكِه إلّ ما يريدُ، ﴿وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
حدثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ ، قال :
حدثنا سعيدُ بنُ عثمانَ وسعيدُ بنُ خميرٍ، قالا : حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ صالحٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ زُرعةَ الرُّعَيْنىُّ، قال: حدثنا الوليدُ بنُ
مسلِمٍ، عن الأوزاعىِّ، قال: من اللهِ تعالى التَّنزيلُ، وعلى رسولِه التَبليغُ،
وعلينا التَّسليمُ() .
مالكٌ، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ وَّه قال: «ترَكتُ فيكم أمرين لن تضِلُّوا ما
القبس
(١) فى م: ((تنفذ منها)).
(٢) رتَ الباب رتجا: أغلقه، كأرتجه: أوثق إغلاقه. التاج ( ر ت ج).
(٣) الغَلَق: المغلاق، وهو ما يُغلق به الباب. التاج ( غ ل ق ).
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الأدب وابن أبى الدنيا - كما فى فتح البارى ٥٠٤/١٣ - من طريق
الوليد بن مسلم، عن الأوزاعى، عن الزهرى من قوله. وينظر سير أعلام النبلاء ٣٤٦/٥، وتغليق
التعليق ٣٦٥/٥، ٣٦٦.
٦٣٠

كتابَ اللهِ وسُنَّةً نبيّه)) .
الموطأ
تمسّکثُم بهما ؛ كتابَ اللهِ ، وسنةً نبيِّه))(١).
التمهيد
وهذا أيضًا محفوظٌ معروفٌ مشهورٌ عن النبيِّ وَلِّ عندَ أهلِ العلم شهرةً
يكادُ يستغنى بها عن الإسنادِ ، ورُوِى فى ذلك من أخبارِ الآحادِ أحاديثُ ، من
حديثٍ(٢) أبى هريرةَ وعمرو بن عوفٍ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمانَ البغدادىُّ،
قال : حدَّثنا البغوىُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ عمرٍو الضبّىُ، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ
موسى الطَّلْحىّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ رُفيعٍ، عن أبى صالحٍ، عن
أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((إنى قد خلّفتُ فيكم اثنتينٍ
لن تضِلُّوا بعدَهما أبدًا؛ كتابَ اللهِ وسنتی))(١).
وحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّتِئُلىُ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ زيدِ الفرائضىُّ، قال: حدّثنا
الخُنينىُّ ، عن كثيرِ بنِ عبدِ اللهِ بن عمرو بن عوفٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال:
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٧٤).
(٢) فى ف، ر، م: ((أحاديث)).
(٣) أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (٨٩) من طريق البغوى به، وأخرجه ابن عدى ١٣٨٦/٤،
١٣٨٧، والدار قطنى ٢٤٥/٤، والحاكم ٩٣/١، والخطيب فى الفقيه والمتفقه (٢٧٥) من طريق داود بن
عمرو به، وأخرجه العقيلى ٢/ ٢٥٠، ٢٥١، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (٩٠)، والبيهقى
١١٤/١٠، والخطيب فى الفقيه والمتفقه (٢٧٤)، وفى الجامع (٨٨) من طريق صالح بن موسى به.
٦٣١

المرطا
١٧٢٧ - وحدّثنی عن مالك ، عن زیادٍ بن سعد ، عن عمرو بنِ
مسلم ، عن طاوس الیمانی ، أنه قال : أُدرَ کتُ ناسًا من أصحاب رسول
اللهِ وَّهُ يقولون: كلّ شيءٍ بِقَدَرٍ.
التمھید قال رسولُ اللهِ ہے: « تر کتُ فیکم أمرین لن تضِلَّوا ما تمسّكتُم بهما ؛ كتاب
الله وسنة نبيه»(١) .
وهذا لفظُ حديثٍ مالكِ سواءً، والكتابُ والسنَّةُ قد هُدِى مَن تمسَّك
بهما .
مالكٌ، عن زِيَادِ بنِ سعدٍ(١) ، عن عمرو بنٍ مسلم ، عن طاؤُسٍ اليّمانِى، أنَّه
القبس
(١) أخرجه المصنف فى جامع بيان العلم (١٣٨٩) من طريق محمد بن إبراهيم به، وفى (١٨٦٦) من
طریق کثیر بن عبد الله به .
وجاء بعده فى الأصل، م: «وذ کر أبو عیسی الترمذى قال حدثنا عبد بن حميد قال حدثنا محمد
ابن بشر العبدى ويعلى بن عبيد عن الحجاج بن دينار عن أبى غالب عن أبى أمامة قال قال رسول الله
*: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)). ثم تلا رسول الله وَالى: ﴿ما ضربوه لك
إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ .
(٢) قال أبو عمر: ((هو زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراسانى أبو عبد الرحمن، أصله من خراسان
ونشأته بها ، ثم سكن مكة زمانا ثم تحول منها إلى اليمن فسكن عك ، قال ابن عيينة : هو من العرب ،
وصحب الزهرى إلى أرضه حين كتب عنه. قال ابن عيينة : وكان زياد بن سعد ثقة، قال: وكان لا
یکتب إلا شيئا یحفظه إذا کان قصیرا، وإن كان طويلا لم يرض إلا الإملاء. قال : وقال لی زیاد بن
سعد: أنا لا أحفظ حفظك، أنت أحفظ منى؛ أنا بطىء الحفظ، فإذا حفظت شيئا كنت أحفظ
منك. قال ابن عيينة: وقال أيوب لزیاد بن سعد : متی سمعت من هلال بن أبی میمونة، ويحيى بن
أبى كثير؟ فقال: سمعت منهما بالمدينة. قال: وكان زياد بن سعد خراسانيا. وذكر ابن أبى =
٦٣٢

الموطأ
١٧٢٨ - قال طاوسٌ: وسمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: قال
رسولُ اللهِوَهِ: ((كلُّ شيءٍ بِقَدَرٍ، حتى العَجْزُ والكَيْشُ، أو الكَيْسُ
والعَجْزُ)).
التمھید
قال: أدْرَكْتُ ناسًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وَ لِّ يقولون: كلُّ شيءٍ بقدَرٍ.
قال طاؤسٌ: وسمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: (( كلُّ
شىءٍ بقدّرٍ، حتى العَجْزُ والكَيْسُ، أو الكَيْسُ والعَبْرُ))(١).
هكذا رواه يحيى على الشَّكُّ فى تقديم إِحْدَى اللَّفْظتينِ، وتابَعَه ابُ ◌ُگثِرٍ ،
وأبو المصعبٍ(١)، ورواه القغتییُ وابنُ وَهْبٍ مؤقُوفًا، لم تزیدوا على قوله: عن
طاوسٍ: أَخْرَكْتُ ناسًا مِن أصحابٍ رسولِ اللهِ وَلِّ يقولون: كلُّ شيءٍ بقدرٍ.
القبس
= حازم، عن مالك ، قال : حدثنی زیاد بن سعد و کان ثقة من أهل خراسان ، سكن مكة ، وقدم علینا
المدينة ، وله هيبة وصلاح. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبى عن زياد بن سعد، فقال:
ثقة. و کذلك قال یحیی بن معین : زياد بن سعد خراسانی ثقة. قال أبو عمر: أُروی الناس عنه ابن
جریج، و کان شریکه، ويقال: إن زياد بن سعد كان أميا لا يكتب. وفى خبر ابن عيينة ما يدل على
أنه کان یکتب ، إلا إن أراد أنه كان يكتب له. فالله أعلم. ولمالك عنه فى ((الموطأ)) من حديث النبى
وَو ثلاثة أحاديث؛ أحدها متصل مسند، والثانى مرسل عند أكثر الرواة، والثالث موقوف)).
تهذيب الكمال ٩/ ٤٧٤، وسير أعلام النبلاء ٣٢٣/٦، ٢٨٥/٧.
(١) أخرجه أحمد ١٣٣/١٠ (٥٨٩٣)، والبخارى فى خلق أفعال العباد (٩٥)، ومسلم (٢٦٥٥)،
وعبد الله بن أحمد فى السنة (٩١٣، ٩١٤)، والفريابى فى القدر (٢٩٩ - ٣٠١)، والآجرى فى
الشريعة (٤٤٩)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٠٢٧، ١٢٠٠) من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٨٠).
٦٣٣

الموطأ
التمهيد وأكثرُ الرُّوَاةِ ذكروا الزيادةَ عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّله، كما رَوَى يحيى، إِلَّ أنَّ
منهم مَن لم يَشُكّ وروَاه على القَطْع. وهو حديثٌ ثابتٌ لا يَجِىءُ إلَّا مِن هذا
الوَجْهِ ؛ فإن صَحَّ أنَّ الشَّكَّ مِن ابنِ عمرَ، أو ممَّن هو دُونَه ، ففيه دليلٌ على مراعاةٍ
الإِثْيانِ بألفاظِ النبيِّ بَلِّ على رُثْبِيّها، وأظُرُّ هذا مِن وَرَعِ ابنِ عمرَ رحِمه اللهُ.
والذى عليه العلماءُ اسْتِجازَةُ الإتيانِ بالمعانى دُونَ الألفاظِ لمن يَعْرِفُ المعنَى،
رُوِى ذلك عن جماعَةٍ مُنُهِم مَنْصُوصًا، ومَن تأمَّلَ حديثَ ابنِ شهابٍ ومثلَه،
واختِلافَ أصحابِهِم عليهم فى مُتُونِ الأحادِيثِ، بان له ما قُلْنا . وباللهِ توفيقُنا.
وفى هذا الحديثِ أَدلِّ الُدلائلِ وأَوْضَحُها على أنَّ الشرّ والخيرَ كلِّ مِن عندٍ
اللهِ ، وهو خالِقُهما، لا شَرِيكَ له، ولا إلهَ غيرُه؛ لأنَّ العَجزَ شرٌّ، ولو كان خيرًا
ما اسْتَعاذ منه رسولُ اللهِ وَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ رسولَ اللهِ اَللَّه قد اسْتَعاذ
مِن الكَسَلِ والعجزِ، والمُجُبْنِ والدَّيْنِ، ومُحَالٌ أن يَسْتَعِيذَ مِن الخيرِ، وفى
قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
[الغلق: ٢،١]. كِفايَةٌ لمن وُفِّق، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿يُضِلُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن
ج
[النحل: ٩٣، فاطر: ٨].
شَاءُ﴾
ورَوَى مالكٌ (١) ، عن زيادٍ بِنِ سعدٍ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، أَنَّه قال: سَمِعْتُ
عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ يقولُ فى خُطْيَتِه: إنَّ اللهَ هو الهادى والفاتِنُ.
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٧٢٩).
٦٣٤

الموطأ
وفيما أجاز لنا أبو ذَرِّ عبدُ بنُ أحمدَ الهرَوِىُّ، قال: حدثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُّ التمهيد
عبد الرحمنِ بنِ وهبِ السَّقَطِئُ بالبصرةِ ، قال: حدثنا أبو زيدٍ خالدُ بنُ
النَّضْرِ (١) ، قال: حدثنا علىُّ بنُ حَرْبٍ أبو الحسنِ الموصلىُّ ، قال : حدثنا خالِدُ
ابنُ يَزِيدَ العَدَوِىُّ، قال: حدثنى عبدُ العزيزِ بنُّ أبى رَوَّادٍ ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ
أبى رَباحِ يقولُ: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ، فأتاه رجلٌ فقال: أرأيتَ مَن حرَمنى
الهُدَى، وأَوْرَثَنى الضلالةَ والرَّدَى، أتراه أحْسنَ إلىَّ أَو ظلَمنِى؟ فقال ابنُ عباسٍ :
إن کان الھدی شیئا کان لك عنده ، فمنَعگه ، فقدظلمكَ ، وإن کان الهدی له ،
يُؤْتِيه مَن يشاءُ، فما ظلمكَ شيئًا، ولا تُجَالِسْنى بعدَه(٢) .
وقد رُوِى أَنَّ غَيْلانَ القَدَرِئَّ وقَفَ بربيعَةً بن أبى عبد الرحمنِ ، فقال له : يا أبا
عثمانَ ، أَرَأْيِتَ الذى منَعَنى الهُدَى، ومنَحَنى الرَّدَى، أحْسَنَ إلىَّ أم أساء؟ فقال
ربيعةُ: إن كان منَعك شيئًا هو لك، فقد ظلَمك، وإن كان فضلَه يُؤْتِیه مَن
يشاء، فما ظلمك شيئًا .
وإنَّما أخَذَه ربيعةُ مِن قولِ ابنِ عباسٍ هذا، واللهُ أعلمُ. ﴿وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. و﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ
[يونس: ٤٤]. و﴿لَا يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
[الأنبياء: ٢٣].
1
القبس
(١) فى م: ((النصر)).
(٢) أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٢٢٦، ١٢٢٧) من طريق على بن حرب به .
٠
٦٣٥

الموطأ
التمهيد
ذگر عبد الرزاق (١) ، عن معمرٍ ، عن ابنِ طاُسٍ ، عن أبيه ، عن ابن عباسٍ،
أنَّه قال له رجلٌ: يا أبا العباس، إِنَّ ناسًا يقولونَ: إِنَّ الشرّليس بقدرٍ. فقال: بيننا
وبينَ أهلِ القدَرِ هذه الآيَّةُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ .
الآية كلّها حتى بلَغ: ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].
وقال غَيْلانُ القَدَرِىّ لربيعةَ: أنت الذى تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّ أن يُعْصَى ؟
قال: وأنت تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ يُعْصَى قَشْرًا (٣)؟
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، حدثنا أحمدُ بنُ
شُعَيْبٍ ، حدثنا عمرُو بنُ علىٍّ، حدثنا مُعاذُ بنُ هِشامٍ ، حدثنى أبى، عن قتادةَ ،
عن أنسٍٍ، أنَّ نبيَّ اللهِ وَ لِّ قال: ((اللهمّ إنِّى أعُوذُ بك مِن العجزِ والكَسَلِ،
والبُخْلِ والجُبْنِ، والهَرَمِ، وعذابِ القَبْرِ، وفِتنةِ المحيا والمماتِ))(٤).
قال: وأخبرنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ ، اخترنا أحمدُ بنُ سلیمانَ ، قال : حدثنا
محاضرٌ، قال: حدثنا عاصِمُ الأخوَلُ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ ، عن زيدِ بنِ
أرقم، قال: أَلَا أَعَلِّمُكم ما كان رسولُ اللهِ وَِّ يُعَلِّمُنا: ((اللهمّ إنِّى أعوذُ بكَ مِن
العجزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والمُبْنِ، والهَرَمِ، وعذابِ القبرِ، اللهمّ آتِ أنفسنا
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٠٠٧٣).
(٢) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢٦٠.
(٣) فى ص ٤: ((الهم)).
(٤) النسائى (٥٤٧٤)، وفى الكبرى (٧٨٩٤). وأخرجه النسائى (٥٤٦٣) من طريق معاذ بن هشام
به ، وأخرجه أحمد ٤٠٧/٢٠ (١٣١٧٢) من طريق هشام به .
٦٣٦

الموطأ
تَقْواها ، وزَكُها أنت خيرٌ مَن زََّّاها، أنت ولِيُّها ومولاها، اللهمَّ إِنَّى أَهُوذُ بك مِن التعهيد
قلبٍ لا يُخْفّغ، ومِن نفسِ لا تَشْبَعُ، وعِلْمِ لا يَنْفَعُ، ودعوَةٍ لا يُشْتُجابُ
لها » (١) .
وذّر الحسنُ بنُ على الُلْوَانُ ، قال : حدثنا یحیی بنُ آدمَ ، قال : حدثنا
أبر یکړ بنُ عیاشٍ، قال: حدثنا إدريسُ بنُّ وهبٍ بن مُنكّهٍ، عن أبيه، قال: نَُّوْتُ
فى القدّرٍ فَتَحَّرْتُ، ثم نَفَوْتُ فيه فَلَعَّوْتُ، وَوَبَدْتُ أعلم الناسِ بالقدَّرِ أُكَفِّهم
عنه، وأمجهَّلَ الناسِ به أَنطَّفَهم فيه .
وروَى إسماعيلُ القاضى، قال: حدثنا نَضْرُ بنُ علىَّ، قال: حدثنا
الأضفعى، قال: سمِعتُ أبا عمرو بن العلاءٍ يقولُ: أَشْهَدُ أنَّ اللهَ يُضِلٌ وَتَهْدِى،
فإن قيل لى: فهو، قُلْكُ : أَعْنِ عَلَّى نَفْسَك.
قال الحسنُ بنُ على الُلْوانُّ: أملَى عَلَىَّ علىُ بنُ المدینی ، قال : سألتُ
عبدُ الرحمنِ بنِّ مُهْدِّ عن القدَرِ، فقال لى: كلَّ شىءٍ بَقَدَرٍ، والطاعةُ بقدرٍ،
والمعصية بقدرٍ. قال: وقد أعظم الفزية من قال: إِنَّ التعاصِی لیست بقدرٍ . قال :
وقال لى عبدُ الرحمنِ بنُّ تَهْدِىّ: العِلْمُ والقدَّرُ والكِتابُ شراءٌ. ثم عرّضْتُ تَكَلام
عبد الرحمن هذا على يحيى بن سعيد، فقال: لم يَثِقّ بعدَ هذا قليلٌ ولا كثيرٌ.
الڤبس
(١) المسائى (٥٤٧٣)، وفى الكبرى (٧٨٩٥)، وأخرجه عبد بن حميد (٢٦٧) من طريق محاضر
به، وأخرجه أحمد ٦١/٣٢ (١٩٣٠٨)، ومسلم (٢٧٢٢)، والنسائى (٥٥٥٣) من طريق عاصم
به .
٦٣٧

الموطأ
١٧٢٩ - وحدَّثنی عن مالك، عن زیادٍ بن سعد، عن عمرو بنِ
دينارٍ ، أنه قال : سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ يقولُ فى خُطبتِه : إن الله هو
الهادى والفاتنُ .
التمهيد
قال أبو عمرَ: رُوِى عن النبيِّ ◌َّ مِن حديث ابنٍ مسعودٍ؛ رواه أبو وائلٍ
وغيرُه عنه، أَنَّه قال: ((إذا ذُكِر القدَرُ فأمْسِكوا، وإذا ذُكِرتِ النُّجوم فأمسكوا،
وإذا ذُكِر أصحابى فأمسكوا))(١).
الاستذكار
مالكٌ، عن زيادِ بنِ سعدٍ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ
الزبيرِ يقولُ فى خطبته: إن اللهَ هو الهادى والفاتِنُ ().
قال أبو عمرَ : هذا مأخوذٌ مِن قول الله تعالی : ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى
ـج
مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣، فاطر: ٨]. وقوله عزَّ وجلّ حاكيًا عن نبيّه نوح عليه
السلامُ: ﴿وَلَا يَنفَعُّكُمْ نُصْحِىَ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ
يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. وقال تبارك اسمه: ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[الأنعام: ١٤٩]. ولا يكون فى مُلكِ اللهِ إلا ما يريدُ، وما ربُّك بظلام للعبيدِ.
ورُوِّينا عن عبدِ العزيزِ بن أبى رَوَّادٍ ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبى رباح يقولُ:
كنتُ عندَ ابنِ عباسٍٍ، فأتاه رجلٌ فقال: أرأيتَ مَن حرَمنى الهُدَى وأورثنى
القبس
(١) أخرجه الطیرانی (١٠٤٤٨)، وأبو نعيم فى الحلية ١٠٨/٤ من طريق أبى وائل به .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٧٥). وأخرجه ابن
وهب فى القدر (٤٦، ٤٧)، والفريابى فى القدر (٢٩٧)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد
(١٢٠١) من طريق مالك به .
٦٣٨

الموطأ
١٧٣٠ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن عمِّه أبى سُهيلٍ بنِ
مالكِ، قال: كنتُ أَسيرُ مع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقال: ما رأْيُكَ
فى هؤلاء القَدَريَّةِ؟ قال: فقلتُ: رأيى أن تَسَتِيبَهم، فإن تابُوا،
وإلا عرَضتَهم على السيفِ. فقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: وذلك
رأیی .
الضلالةَ والرّدى، أَتُراه أحسَنَ إلىَّ أو ظلَمنى؟ فقال ابنُ عباس: إن كان الهُدَى الاستذكار
شيئًا لك عندَه فمنعَكه، فقد ظلمك، وإن كان الهُدَى هُدَى اللهِ ، يُؤْتِیه مَن
يشاءُ، فما ظلمك شيئًا، ولا تُجالسْنى بعدُ(١).
وقد رُوِّينا أن غَيْلانَ القَدَرِئَّ وَقَف بربيعةَ، فقال له : يا أبا عثمانَ ، أرأيتَ
الذى منَعنى الهُدَى ومنَحنى الرَّدَى، أحسَن إلىَّ أم أساء؟ فقال له ربيعةُ : إن كان
منَعك شيئًا هو لك، فقد ظلَمك، وإن كان فضلَه يُؤْتِيه مَن يشاءُ، فما ظلمك
شيئًا .
وهذا أخذه ربيعةُ مِن کلامِ ابنِ عباسٍ.
وقال غَيْلانُ لربيعةً: أنت الذى تزعمُ أن اللهَ يُحِبُّ أن يُعصَى ؟ قال:
وأنت(٢) تزعُمُ أن اللهَ يُعصَى قَشْرًا(٣)؟
مالكٌ، عن عمِّه أبى سهيلٍ بنِ مالكٍ، قال: كنتُ أُسیرُ مع عمرَ بنِ
القبس
(١) تقَّدّم تخريجه ص ٦٣٥.
(٢) بعده فى ط: ((الذى)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٦٣٦.
٦٣٩
a
ح

الموطأ
قال مالكٌ : وذلك رأيى .
الاستذكار عبدِ العزيز، فقال: ما رأيك فى هؤلاء القَدَرِيَّةِ؟ قال: فقلتُ: رأيى أن
تَشْتتیبهم، فإن قبلوا ، وإلا عرضتَهم على السيف . فقال عمرُ بنُ عبد العزيزِ:
وذلك رأیی ().
قال مالك : وذلك رأیی .
قال أبو عمرَ: هو مذهبُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقد زعم قوم أنه قتَل غَيْلانَ
القَدَرِىَّ وصلَبه، وهذا جهلٌ بعلمٍ أيامِ الناسِ ، وإنما الصحيحُ أن عمرَ لمَّا ناظره
دعا عليه وقال: ما أظنُك تموتُ إلا مصلوبًا . فقتله هشام وصلَبه؛ لأنه خرَج مع
زيدِ بنِ علىّ بنِ حسينِ بنِ علىَّ.
ومذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ، أَن القَدَرَّيَةَ يُسْتَابون، قيل لمالك: كيف
يُستابون ؟ قال : ◌ُقالُ لهم: اثْر کوا ما أنتم عليه وانزعوا عنه .
وقال مالكٌ: لا يُعَلَّمُ على أهلِ القَدَرِ، ولا على أَهلِ الأهواءِ كلِّهم، ولا
يُصلَّى خلفَهم، ولا يُصلَّى عليهم، ولا تُقَبلُ شهادتهم.
قال أبو عمرَ: أما قولُه: لا يُصلَّى خلفَهم. فلأن(٢) الإمامةَ يُخيّرُ لها أهلُ
الكمالِ فى الدِّينِ مِن أَهلِ التلاوة والفقهِ، هذا فى الإمامِ الراتبٍ .
القبس
(أ) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣٤/١٧ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٧٦). وأخرجه ابن
أبى عاصم فى السنة (١٩٩)، وعبد الله بن أحمد فى السنة (٩٥٢)، والفريابى فى القدر (٢٧٣،
٢٧٤)، والآجرى فى الشريعة (٥١١)، والبيهقى ٢٠٥/١٠ من طريق مالك به.
(٢) فى الأصل، ح، هـ، ط، م: (فإن)).
٦٤٠