Indexed OCR Text
Pages 601-620
الموطأ
بقيّةُ قومٍ وَژنُونی الجواکِیا
بَدًا لى أَنِّى قد نُعِيتُ وأَنَّنى(١)
ويَتْغُنِى مِن بعدُ مَن كَانِ تَالِیًا
وآنِّى بلا شَكّ سأَتْبِعُ مَن مَضَى
التمهيد
وذکر المدائنئُ، قال: وقَع الطّاعُونُ بمصرَ فى ولايةِ عبدِ العزيز بنٍ
مروانَ إِيَّاها، فخرَج هارًا منه، فنزَلَ قريةً مِن قُرَى الصَّعِيدِ يقالُ لها :
شُكَرُ. فَقَدِمَ عليه حينَ نزَلَها رسولٌ لعبدِ الملكِ ، فقال له عبدُ العزيزِ: ما
اسمُكَ؟ قال: طالِبُ بنُ مُدْرِكٍ. فقال: أَوْهِ، ما أَرَانِى راجِعًا إِلى الفُشْطَاطِ
أبَدًا ! فماتَ فى تلك القَوْيَّةِ.
وذكَر ابنُ أبى شيبةً(٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ(٣)، قال: حدَّثنا
هشامُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى عروةُ بنُ أبى رُوَيم١٢، عن القاسم، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، قال: جئتُ عمرَ حين قَدِم مِن الشامِ، فَوَجَدْتُه قائلًا فى
خِبائِه ، فانتظَرْتُه فى فَىءِ الخِبَاءِ ، فسَمِعتُه حينَ تَضَوَّرَ مِن نومِه وهو يقولُ :
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لی رُجُوعی مِن سَرْعَ. يَغْنِی حینَ رجَعَ مِن أَجْلِ الوَبَاءِ .
قد تقدَّمَ هذا الخبرُ مِن غيرِ هذا الطَّريقِ(٥). وقد ذكرنا الآثارَ المرفوعَةً
فى الطَّاعُونِ فى بابٍ محمدِ بنِ المنكلِرِ مِن كتابِنا هذا (١) . والحمدُ للهِ.
القبس
(١) فى م: ((أنى)).
(٢) ابن أبى شيبة ٤١/١٣، ٤٢، وتقدم ص ٥٦٨ .
(٣) فى ص ٤: ((بسر). وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٢٠.
(٤) فى م: ((رويح)). وينظر تهذيب الكمال ٨/٢٠.
(٥) تقدم ص ٥٩٧ ، ٥٩٨.
(٦) ينظر ما تقدم ص ٥٧٦ - ٥٩٠.
٦٠١
الموطأ
التمهید
وهذا الحديثُ أبينُ مِن أن يَحتاجُ إلى شرحٍ وتفسيرٍ . وفيه قبولُ خَبَرِ الواحِدِ .
وفيه أيضًا روايةُ الكبيرِ عَمَّن دُونَه فى العلمِ والمنزلَةِ إذا كان ثِقَةً .
وفيه أنَّه قد يذهَبُ عن العالمِ الحَبْرِ ما يُوجَدُ عندَ غيرِهِ مِن العلماءِ ممَّن ليس
مثلَه، وكان عمرُ رَحِمه اللهُ مِن العلمِ بموضِعٍ لا يُوَازِيه أحَدٌ ، قال عبدُ اللهِ بنُّ
مسعودٍ: لو وُضِع ◌ِلْمُ عمرَ فى كِفَّةٍ وعلمُ أهلِ الأرضِ فى كفَّةٍ، رجَح علم
عمرَ(١) . ودليلُ ذلك أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه رأى أنَّه دخَل الجنةَ فشُقِى بها لبنًا، فناوَلَ
فَضْلَه عمرَ، فقيل له: ما أوَّلَتَ ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((العِلْمَ))(١) . وأخبارُه
فى الفِقْهِ أكْثَرُ مِن أَنْ "تُخْصَى، وقد جَلَبنا؟ الكثيرَ منها فى (٤ كتابنا فى"
((الصحابة))(٥) .
وفيه أيضًا أنَّ الحُجَّةَ لازِمةٌ بخَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ، وأنَّ المرءَ يجبُ عليه
الانقيادُ للسنَّةِ إذا ثَبَتَتْ عندَه، مِن نقلِ الكَافَّةِ كانت أو مِن نقلِ الآحادِ
العُدُولِ. وفيه سُرعةُ ما كانوا عليه مِن الانقيادِ للعِلْم والاسْتِعْمالِ له. وباللهِ
التوفيقُ .
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٣٣٦/٢، والحاكم ٨٦/٣.
(٢) أخرجه البخاری ( ٧٠٠٦، ٧٠٠٧)، وابن أبی عاصم فى السنة (١٢٥٥) من حديث عبد الله بن
عمر.
(٣ - ٣) فى ص ٤: ((تحكى وقد حكينا)).
(٤ - ٤) فى م: (( كتاب)).
(٥) الاستيعاب ١١٤٤/٣ - ١١٥٩.
٦٠٢
١٧٢٢ - مالك، عن ابن شهابٍ ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أن عمر
ابنَ الخطَّابِ إنما رجَع بالناسِ عن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ .
الموطأ
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ إِنَّما التمهيد
رجَع بالناسٍ عن حديثٍ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ(١).
قال أبو عمرَ: معنى حديثٍ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ فى الطَّاعونِ، أنَّ رسولَ
اللهِ وَّه قال: ((إذا سمِعتُم به بأرضٍ فلا تَقدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها
فلا تخرُجوا فرارًا منه)). فرجَع عمرُ بنُّ الخطّابٍ من سَوْغَ .
وقد ذكّرنا هذا الحديثَ بتمامِه فيما تقدَّم من كتابنا هذا، وذلك فى
حدیث(١) ابن شهاب، عن عبد الله بنٍ عامٍ بن ربيعةً )، وذكرنا ما فيه من
المعانى فى حديث ابنٍ شهابٍ، عن عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ (٤) . وروايةٌ
سالم لهذا الحديثِ عن عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، أو عن عمرَ بنِ الخطّابِ ، لا
تَتَّصِلُ، والحديثُ ثابِتٌ مُتَّصِلٌ مِن حديثٍ مالكِ وغيرِه، وسيأتى فى
موضِعِه) مِن كتابنا هذا إن شاء اللهُ(٧).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٧٠). وأخرجه
البخارى (٦٩٧٣)، ومسلم (١٠٠/٢٢١٩) من طريق مالك به.
(٢) فى م: ((باب)).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٧٢١) .
(٤) ينظر ما تقدم ص ٥٦٧ - ٥٧٦ .
(٥) بعده فى م: ((صحيح من وجوه)).
(٦) فى ى، م: ((موضع)).
(٧) ينظر ما تقدم فى الموطأ (١٧١٩) ص ٥٦٣ - ٥٦٥.
٦٠٣
٠٠٠٠
الموطأ
التمهيد
وهکذا روی هذا الحدیث جماعةُ الژواةِ عن مالك، کما ذگّرنا ، عن ابنِ
شهاب ، عن سالم بهذا اللَّفظِ، إلَّا بِشْرَ بنَ عمرَ، فإنَّه قال فيه : عن مالكٍ ، عن
ابنِ شهابٍ ، أنَّ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ وعبدَ اللهِ بنَ عامٍ بنِ ربيعةٌ أُخبراه، أنَّ عمرَ بنَ
الخطابِ حين خرَج إلى الشامِ إنَّما رجَع بالناسٍ من سَرْعُ عن حديثٍ
عبد الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، أَنَّه سمع رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ: ((إذا سمعتم به فى أرضٍ
فلا تقدّمُوا علیه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه)) (١) . فجمع پِشرٌ
عن مالكِ الحديثين جميعًا ورفعهما ، وليس حديثُ سالم مُصرِّحًا بما وقَع فى
شىءٍ من ((المُوَطَآتِ)). وقد رواه يونسُ بنُّ يزيدٌ(٢) ، ومحمدُ بنُّ إسحاقٌ(١) ، عن
ابنِ شهابٍ ، عن سالمٍ وعبدِ اللهِ بنِ عامٍ جميعًا، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ إِنَّما رجَع
بالناس من سَرْغَ عن حديثٍ عبد الرحمن بن عوفٍ. هكذا قالا ، لم يذكراه
مرفوعًا، ولا ساقا له متنا، على نحوٍ ما قال "مالكٌ فى حديثٍ سالم
٤)
هذا سواءً.
وقد وهم فى هذا الحدیثِ أيضًا ابنُّ أبی ذِئب ، فرواه عن ابن شهاب ، عن
القبس
(١) ذكره الدارقطنى فى العلل ٤/ ٢٥٥، وأخرجه فى غرائب مالك - كما فى فتح البارى
١٠ /١٨٦.
(٢) أخرجه أبو نعيم فى المعرفة عقب الحديث (٤٩٣)، والبيهقى ٢١٨/٧ من طريق يونس به، وزاد
البیهقی: «عبد الله بن عمر)).
(٣) ذكره الدارقطنى فى العلل ٢٥٦/٤ عن ابن إسحاق به .
(٤ - ٤) فى ر، ى: ((فى حديث مالك)).
٦٠٤
الموطأ
سالم، عن(١) عبدِ اللهِ بنِ ربيعةً(٢). و(٣) لم يُتَابَغْ عليه، وإنَّما هو عن ابنٍ شهابٍ، التمهيد
عن سالمٍ وعبدِ اللهِ بنِ عامٍ جميعًا، «لا أنَّ" سالمًا رواه عن عبدِ اللهِ بنِ عامٍ بنِ
ربيعةً، وقولُ ابن أبى ذئبٍ ذلك وَهْمٌ وَغَلَطْ ، إن صحَّ ذلك عن ابنِ أبى ذئبٍ .
وقد جوَّد مالكٌ لفظً حديثَي ابن شهابٍ جميعًا؛ عن سالمٍ وعن عبدِ اللهِ بنِ
عامرِ .
وعن ابن شهابٍ فى الطَّاعونِ أحاديثُ؛ منها حديثُه عن سالم هذا،
وحديثُه عن "عبدِ اللهِ بنِ" عامٍ بن ربيعةً، على ما ذكرناه عنه فيما مضَى مِن
كتابنا هذا٢) ، وحديثُه عن عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وقد جاء فى موضعِه
من كتابنا هذا؛ لأنَّه من روايةِ مالكِ عنه أيضًا(٨) ، ومنها حديثُه عن عامٍ بنٍ
سعدٍ ، عن أسامة بن زيدٍ (١) ، وليس هذا عندٌ مالكِ عن ابنٍ شهابٍ، وهو عنده
عن محمدِ بنِ المنكدرِ وأبى النَّضرِ (١١)، وهذه كلُّها أحاديثُ مُتَّصلةٌ صِحاحٌ
القبس
(١) فى النسخ، ومعجم الطبرانى: ((بن)). والمثبت موافق لبقية مصادر التخريج.
(٢) أخرجه أحمد ٢١١/٣ (١٦٧٨)، والطبرانى (٢٦٧)، وأبو نعيم فى المعرفة (٤٩٣) من طريق ابن
أُبی ذئب به .
(٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((لأن)). والصواب ما أثبتناه.
(٥) فى م: ((عند).
(٦ - ٦) سقط من: ى، م.
(٧) تقدم فى الموطأ (١٧٢١).
(٨) تقدم فى الموطأ (١٧١٩).
(٩) تقدم تخريجه ص ٥٧٩ .
(١٠) تقدم فى الموطأ (١٧٢٠).
٦٠٥
١٧٢٣ - مالكٌ، أنه قال: بلغنى أن عمرَ بنَ الخطّابِ قال: لِبَيتُ
الموطأ
بركْبةَ أَحَبُّ إلىَّ من عشَرةِ أبياتٍ بالشامِ .
قال مالكٌ: يُريدُ لِطُولِ الأعمارِ والبقاءِ، ولشِدَّةِ الوباءِ بالشام.
التمهيد ثابتةٌ . والحمدُ للهِ .
مالكٌ، أنه قال : بلَغنى أن عمرَ بنَ الخطابِ قال : لَبَيتُ بر كبَةً أُحَبُّ إِلىَّ مِن
الاستذكار
عشَرةِ أبياتٍ بالشام(١) .
قال أبو عمرَ: "قال مالك٢ٌ) : يريدُ لطولِ الأعمارِ والبقاءِ ولشدةِ الوباءِ
بالشامِ. وهذا الكلامُ فى ((الموطأُ)) عندَ بعضٍ رواتِه، ومعناه عندى ، أن الشامَ
كثيرةُ الأمراضِ والوباءٍ والأسقام ، وأن رُكبَةَ أرضٌ مَصَحَّةٌ ، طيبةُ الهواءِ، قليلةٌ
الأمراضِ والوباءِ؛ "لا أن الأرضَ(٤) تَنْقُصُ من العُمُرِ، أو تزيدُ فى البقاءِ، أو
تُؤَخِّرُ الأَجلَ .
وقال ابنُ وضاحٍ : رُكْبَةُ موضعٌ بينَ الطائفِ ومكةً فى طريقِ العراقِ . وقال
غيرُه : رُكْبَةُ وادٍ مِن أوديةِ الطائفِ .
وقد رُوِى عن عمر أنه قال: لأن أعملَ عشرَ خطايا بركبةَ أَحَبُّ إِلَّ مِن أن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٧ِظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٧١).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل.
(٣ - ٣) فى م: ((لأن)).
(٤) فى الأصل، م: ((الأمراض)).
٦٠٦
النَّهيُ عن القولِ بِالقَدَرِ
الموطأ
أعملَ واحدةً بمكةً(١).
الاستذكار
٠٠
وهذا يدلُّ على فضل مكةَ، وعلى أن الحسناتِ تُضاعفُ فيها والسيئاتُ .
وقد رأى بعضُ العلماءِ الزيادةَ فى ديةِ الأَنْفُسِ والجراحِ فى البلدِ الحرامِ
والشهرِ الحرام، ورأوا ألا يُقتصَّ ممن جنَى(٢) جنايةً أو أصاب حدًّا ولحِق بالحرمِ
حتى يخرجَ من الحرمِ .
وأجمَعوا أن مَن قتَل فى الحرمِ ("قُتل فى الحرم٣ٍ)، وكذلك مَن أَتَّى حدًّا فى
الحرم) أُقِيم عليه فى الحرم، وقال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ
بِظُ لِمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. قيل: الحرمُ. وقيل: المسجدُ
الحرام .
التمھید
القبس
بابُ الثَّهْي عن القولِ بالقَدَرِ
هذا بابٌ قد بَيْنَّه فى كُتُبِ الأصولِ على قَدْرٍ، وأُشرَفْنا فيه الخلقَ على مراتبٍ
النظر، ولکنًّا لأجلِ اهْتِبالِ مالك به، وحقّ له ذلك، نُشِيرُ نحنُ إلى شيءٍ منه،
فنقولُ: أما ترجمتُه بالنَّهي عن القولِ بالقَدَرِ فغريبةٌ؛ لأَنَّ النبيَّ وَلِّ قال فى الحديثِ
(١) تقدم تخريجه ص ٥٩٦ .
(٢) بعده فی ح، و: ( به)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م.
٦٠٧
الموطأ
التمهيد
القبس الصحيح: ((وَأَن تُؤْمِنَ بالْقَدَرِ، خَيْرِهِ وشَرّه، مُلْوِه ومُرّه)) (١). فكيف يَصِحُ أَن يَنْهَى
عن قول هو مَخْضُ الإيمانِ، ولكنَّه إنما بَؤَّب بالنهي؛ لأنَّ الصحابةً كانت تَعَاقُه؛
لِمَا تقدَّم مِن النبيِّ وَلَه إليهم فى ذلك؛ ففى ((صحيح مسلم)): جاء
مُشرِكو قريشٍ مُخاصِمون إلى النبيَِِّ ﴿ فِى القَدَرِ، فنزلَّت: ﴿يَوْمَ يُتْحَبُونَ فِى
اَلنَّارِ﴾ الآية(٤) [القمر: ٤٨]. ولِمَا" تُروَى من النهي عن النبيِّ وَلّ فيه، واللهُ أعلمُ،
وقد رُوى فى الأثرِ: «إذا ذُكِرِ القَدَرُ فأمسِكُوا »(١). ورُوِى أَنَّ النبيَّ ◌َّ خرَج یومًا
على أصحابِه وهم يَتَكلَّمون فى القَدَرِ، فاحْمَرّ وَجْهُه وقال: «إنما هلَّك مَن كان
قبلكم بهذا) ()." وذكر باقىَ الحديثِ، وَوَجْهُ كراهيةِ الكلامِ فى القَدَرِ، أن
الخَوْضَ لا يئولُ فيه إلى بيانٍ؛ لأَن البَيْنَ " إذا تُعرِّض لبيانِه فسَدَ وخرَج عن خَلِّه، إذ
المفعولُ لا يُفْعَلُ والموجودُ لا يُوجِدُ، وقد كان النِىُّ وَِّ بَيِّنَ لأصحابِه حينَ سألوه
أَوَّلَ دُقْسةٍ عنه، فقالوا له: هذا الذى نحن فيه؛ ١ أمرٌّ مُشْتَأَنَفٌ، أم) قد فُرِغ منه؟
فقال: ((اعملوا، فكُلَّ مُيَشَرٌ لِمَا خُلِقَ لهم (٢) الحديثَ. فبعد أن اسْتَقَوْ القولُ فيه
(١) أخرجه الطيرانى فى الأوسط (٣٦٤٨) بلفظه، والبيهقى فى الشعب (١٨٠)، وأصله عند مسلم (٨).
(٢ - ٣) فى م: ((التهى إليهم فيه والله أعلم)).
(٣ - ٣) ليس فى : د.
(٤) مسلم (٢٦٥٦).
(٥ - ٥) سقط من : م.
(٦) سیأتی تخريجه ص ٦٣٨.
(٧) أحمد ٢٥٠/١١ (٦٦٦٠٨))، والترمذى (٢١٣٣).
(٨ - ٨) قى ء: ((وذكرتا فى)).
(٩) فى م: ((التى ﴾)).
(١٠ - ١٠) سقط من: ج.
(٢٢) سيأتى تخريجه ص ٦٢٤ - ٦٢٦.
٦٠٨
الموطأ
١٧٢٤ - مالكٌ، عن أبى الزنادٍ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، أن
رسولَ اللهِ وَلّ قال: «تَحاجَّ آدم وموسى، فحجّ آدم موسی، قال له
موسى : أنت آدمُ الذى أغوَيتَ الناسَ وأخرجْتَهم من الجنة؟ فقال له
آدمُ: أنت موسى الذى أعطاه اللهُ عِلْمَ كلِّ شيءٍ، واصطَفاه على الناسِ
برسالته؟ قال: نعم. قال: أُفتَلُومُنى على أمرِ قد قُدِّر علىَّ قبلَ أن
أُخَلَقَ؟)) .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّالْخِ التمهيد
قال: ((تحاجّ آدمُ وموسى، فحاجَّ آدم موسى، قال له موسى: أنت آدم الذى
أغوَيتَ الناسَ، وأخرجْتَهم مِن الجنَّةِ؟ قال له آدم: أنت موسى الذى أعطاه اللهُ
عِلمَ كلِّ شيءٍ، واصطفاه على الناسِ برسالته وبكلامهِ؟ قال: نعم. قال:
أقتلُومُنى على أمرٍ قد قُدِّر علىَّ قبلَ أَن أَخْلقَ؟))(١).
القبس
والبيانُ، لا يَقَى إِلا الاعتراضُ المُشَكِّكُ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يُْثَلُ عَمَّا
يَفْعَلُ وَهُمْ يُنْثَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢].
حديث: قال أبو هريرة : «تَحَاجُ آدم وموسی) . الخبر إلى آخره. وقد تكلَّمنا فى
(الصحيحِ)) عليه وفى ((المُشْكلَين) بما يَتْبغِى له، وفى قولِ آدمَ: أَتْلُومُنى على أمرٍ قد
قُدِّر علىَّ؟). ليس ما سبق مِن القضاءِ والقَذَرِ يرفَعُ العَلامةَ عن البَشَرِ، لكنَّ معنى قولِه
ذلك: أَتَلُومُنى على أمرٍ قد قدَّر اللهُ علىَّ وتُّبْتُ منه. والعاصِى التائبُ لا يُلَامُ.
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٧٢). وأخرجه ابن وهب فى القدر (٧)، ومسلم (١٤/٢٦٥٢)،
والغريانى فى القدر (١١٠، ١١١)، والآجرى فى الشريعة (٣٥٥) من طريق مالك به .
٦٠٩
٠
(موسوعة شروح الموطأ ٣٩/٢١)
الموطأ
إلی هلھنا انتھی حدیثُ مالكِ عندَ جمیع رواتِه لهذا الحدیثِ ، وزاد فيه ابنُ
التمهيد
عيينةً، عن أبى الزِّنادِ بإسنادِهِ : ((قبلَ أن أُخَلَقَ بأربعينَ سنةً))(١). وكذلك قال
طاوسٌ، عن أبى هريرةَ .
حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ(١) بنُّ عمرَ، قال: حدَّثنا
علىُّ بنُّ حربٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرٍو ، عن طاوسٍ ، سمِع أبا هريرةَ
يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((حاجٌ آدمُ موسى، فقال موسى: يا آدم ، أنت أبونا،
أُخرَجتنا مِن الجنةِ . قال آدم: يا موسى ، أنت الذى اصطفاك اللهُ بكلامِه ، وخطَّ
لك التوراةَ بيدِه، أَتْلُومُنى على أمرٍ قدَّرَه علىّ قبلَ أنْ يخلُقَنِى بأربعينَ سنةً؟))(٣).
وهذا حديثٌ صحیح ثابتٌ مِن جهة الإسنادِ ، لا يختلفون فی ثبوته ، رواه
عن أبى هريرةَ جماعةٌ مِن التابعين، ورُوى مِن وجوهٍ عن النبيِّ وَلِ مِن روايةٍ
الثِّقَاتِ الأَثْمَّةِ الأُثباتِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح بنِ عبدِ اللهِ، قال : حدَّثنا أبو عمرو عثمانُ بنُ محمدِ بنِ
إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ سلم المقدسىُ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) أخرجه الحميدى (١١١٦)، والبخارى (٦٦١٤)، وابن خزيمة فى التوحيد (٥٩) من طريق ابن
عيينة به .
(٢) فى ص ١٦: ((أحمد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦١/٢٠.
(٣) أخرجه الحميدى (١١١٥)، وأحمد ٣٤٣/١٢ (٧٣٨٧)، والبخارى (٦٦١٤)، ومسلم
(٢٦٥٢)، وأبو داود (٤٧٠١)، وابن ماجه (٨٠) من طريق سفيان بن عيينة به .
(٤) فى ص ١٦: ((مسلم)). وينظر سير أعلام النبلاء ٣٠٦/٤.
٦١٠
الموطأ
عبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم ، قال: حدَّثنا الأوزاعىُّ ، التمهيد
قال: حدَّثنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: حدثنى أبو سلمةً، عن أبى هريرةَ، قال :
قال رسولُ اللهِ وَله: ((لِقِىَ آدمُ موسى، فقال له موسى: أنت أبو الناس الذى
أغويتَهم، وأُخرَجتَهم مِن الجنَّةِ. فقال له آدمُ: أنت موسى الذى كلَّمك اللهُ
واصطفاك برسالتِه، فكيف تلُومُنى على عملٍ كتَب اللهُ علىّ أن أعملَه قبلَ أنْ
◌ُحلَقَ(١)؟)). قال: (( فحجّ آدمُ موسی ))(١ .
ورواه الزهرىُّ، فاختلَف أصحابُه عليه فى إسنادِه ؛ فروَاه إبراهيمُ بنُ
سعدٍ (١)، وشعيبُ بنُ أبى حمزةً(٤) ، عن الزهرىِّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن أبى هريرةَ .
ورواه عمرُ بنُ سعيدٍ ، عن الزهرىِّ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ(٥) .
ورواه معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً وسعيدٍ، عن أبى هريرةَ.
ومنهم مَن يجعَلُه عن معمرٍ، "عن الزهرىِّ)، عن أبى سلمةً، عن أبى
القبس
(١) بعده فى ص: ((بأربعين سنة)).
(٢) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٥١) من طريق الوليد بن مسلم به ، وأخرجه أحمد ٢٤٦/١٣
(٧٨٥٦)، والبخاری (٤٧٣٨)، ومسلم (١٥/٢٦٥٢) من طریق یحیی بن أبی کثیر به.
(٣) أخرجه أحمد ٣١/١٣، ٣٢ (٧٥٨٨)، والبخارى (٣٤٠٩)، ومسلم (١٥/٢٦٥٢) من طريق
إبراهيم بن سعد به .
(٤) أخرجه أحمد ٣٢/١٣ (٧٥٨٩)، والفريابى فى القدر (١٠٩) من طريق شعيب به.
(٥) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٥٣) من طريق عمر بن سعيد به .
(٦ - ٦) سقط من: ص، م.
٦١١
الموطأ
التمهيد هريرةٌ ، ومنهم مَّن يرويه عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةٌ(٢).
وكلَّهم يرفعه، وهى كلَّها صحاح؛ للقاءِ الزهرىِّ جماعةٌ مِن أصحابٍ
أبى هريرةَ .
وقد روىّ هذا الحديثُ عن عمرٌ، عن النبيَِِّ﴿ مسندًا بأثمّ ألفاظٍ،
وأحسنٍ سياقةٍ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ يحتى، قال: حدَّثنا علىَّ بِنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُّ داودٌ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ ، قال :
أُخبرَلى هشامُ بنُّ سعدٍ، عن زيدٍ بنٍ أسلمَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال:
قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ موسى عليه السلام قال: يا ربّ، أبونا أدم أخرجنا
ونفسته(٢) مِن الجثّةِ، فأراه اللهُ آدم، فقال له: أنت آدم؟ قال آدم : نعم. قال:
أنت الذى نفَّح الله فيك مِن روحِه، وعلَّقك الأسماءَ كلَّها، وأمرَ ملائكته
فسجدوا لك؟ قال : نعم، قال: فما حملك على أن أُخرَجئنا ونفسك(٤) مِن
الجنة ؟ قال له آدم: ومن أنت ؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبىُ بنى إسرائيلَ
الذى كلَّمَك اللهُ مِن وراءِ حجابٍ، لم يجعلْ بينك وبينه رسولًا مِن خلقِه؟ قال:
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٦٧)، وأحمد ٧٥/١٣ (٧٦٣٥)، وابن أبى غاضم فى السنة (١٤٨)
من طريق معمر به .
(٢) ذكره الدارقطنى فى العال ٢٨٤/٧ عن الزهرى به .
(٣) فى ص ١٦: ((نسله).
(٤) فى ض ١٦: ((نسلك)).
٦١٢
الموطأ
نعم . قال: أما وجدت فى كتابِ اللهِ الذى أنزل عليك أنَّ ذلك كان فى كتاب التمهيد
اللهِ قبلَ أنْ أُخَلَقَ؟ قال: نعم. قال: أفتلُومُنى فى شىءٍ سبق مِن اللهِ فيهِ القضاء
قبلُ؟)). قال عندَ ذلك رسولُ اللهِوَله: ((فحجَّ آدمُ موسَى، فحجَ آدم
موسی؟)).
فى هذا الحديث مِن الفقهِ إثباتُ الحجاج والمناظرة ، وإباحةُ ذلك ، إذا
كان طلبًا للحقّ وظهورِه، وقد أفْزِدْنا لهذا المعنى بابًا كاملًا أوضحناه فيه بالحجّةِ.
والبرهانِ، والبسطِ والبيانٍ، فى كتابنا ((كتابٍ العلم))(١)، فأغنى ذلك عن
إعادته هلهنا :
وفيه إباحةُ التقريرُ والتعريضٍ فى معنى التوبيخ فى درج الحجاج حتى تقُؤُ
الحجّةُ مقرّها . وفيه دليلٌ على أنَّ مَن عَلِمَ وطالعَ العلومَ فالحجّةُ له ألزمُ، وتوبيخُه
على الغفلةِ أعظمُ . وفيه إباحةُ مناظرةِ الصَّغِيرِ للكبيرِ، والأصغرٍ للأُسنِّ ، إذا كان
ذلك طلبًا للازديادٍ مِن العلم وتقريرِ الحقّ، " وابتغاءٌ له). وفيه الأصلُ الجسيمُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، م.
والحديث عند ابن وهب فى القدر (٣) - ومن طريقه أبو داود (٤٧٠٢)، والدارمى فى الرد على
الجهمية ص ٧٥، ٧٦، وابن أبى عاصم فى السنة (١٣٧)، والغريابى فى القدر (١١٧)، والآجرى
فى الشريعة ( ١٨٥: ٣٥٢: ٦٨٢)، وابن منده فى الرد على الجهمية (٣٨)، واللالكائى فى شرح
أصول الاعتقاد (٥٥١)،
(٢) جامع بيان العامم وفضله ٢/ ٩٥٣.
(٣) فى ض: ((التقدير)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((ابتهاله).
٦١٣
الموطأ
التمهيد الذى أجمع عليه أهلُ الحقِّ ، وهو أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد فرَغ مِن أعمالِ العبادِ ، فكلّ
يَجرى فيما قدِّرَ له وسبق فى علمِ اللهِ تباركَ اسمُه .
وأمّا قوله: ( أفتُلُومُنی علی أمرٍ قد قدِّر علىَّ؟)). فهذا عندی مخصوصٌ به
آدمُ؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان منه ومِن موسى عليهما السلامُ بعدَ أن تِیبَ علی آدمَ ،
وبعدَ أن تلقَّى مِن ربِّه كلماتٍ تابَ بها عليه ؛ فحسن منه أنْ يقولَ ذلك لموسى ؛
لأَنَّه قد كان تيبَ عليه مِن ذلك الذَّنبِ ، وهذا غيرُ جائزٍ أنْ يقولَه اليومَ أحدٌ إذا أتَى
ما نَهاه اللهُ عنه ، ويحتجَ بمثلِ هذا فيقولَ: أَتْلُومُنى على أنْ قتلتُ ، أو زنيتُ ، أو
سرَقتُ ، وذلك قد سبق فى علم اللهِ، وقدَّرَه علىَّ قبلَ أنْ أَخلقَ؟ هذا ما لا يسوغُ
لأحدٍ أن يقولَه، وقد اجتمعَتِ الأُمَّةُ أنَّ مَن أتَى ما يستحقُّ الذّ عليه فلا بأسَ
بذمِّه ، ولا حرَّجَ فى لومِه، ومن أتَى ما يُحمَدُ له ، فلا بأسَ بمدحِه عليه وحمده .
وقد حكَى مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ معنَى ما ذكرنا ، أنَّ ذلك إِنَّما كان مِن آدمَ
عليه السَّلامُ بعدَ أنْ تيبَ عليه، ذكّره ابنُ وهبٍ ، عن مالكِ. وهذا صحيحٌ ؛ لأنَّ
رُوحَّه لم تجتمِعْ بروحِ موسَى، ولم يلتقيا، والله أعلمُ، إِلَّ بعدَ الوفاةِ، وبعدَ رفعٍ
أرواحِهما فى عِلِّيِينَ، فكان التقاؤُهما كنحوِ التقاءِ نبيِّنَا بَ لَهبمَن لقيَه فى المعراج
مِن الأنبياءِ، على ما جاء فى الأثرِ الصحيح، وإن كان ذلك عندى لا يحتمِلُ
تكييفًا، وإنَّما فيه التسليمُ ؛ لأنَّا لم نؤتَ مِن جنسٍ هذا العلمِ إلَّ قليلًا.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُّ زُهيرٍ ، قال: حدَّثنا موسى بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ،
القبس
٦١٤
٠
الموطأ
التمهيد
عن عمَّارِ بنِ أبى عمَّارٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يحدِّثُ عن النبيِّ وَهِ.
٩
قال حمّادّ: وأخبرنا حميدٌ ، عن الحسن، عن جندب، عن النبىِّ
قال : «لقِی آدمُ موسی، فحجّ آدمُ موسی))().
صَلى الله
وسلم
قال أبو عمر : معنى « حّه)) : غلبه وظھَر علیه فى الحجّة . وفى ذلك دليلٌ
على فضلٍ مَن أدلَى عندَ التَّازعِ بِحَّته .
جدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
الحارثُ بنُ أبی أسامةً ، قال : حدثنا يونس بن محمدٍ ، قال : حدثنا حمَّادٌ ، عن
محمدِ بنِ عمٍو، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ قال: ((لقِىَ آدمُ
موسى ، فقال له موسى: يا آدمُ، أنت الذى خِلَقك اللهُ بيدِه، وأسكنَك جنَّتَه،
وأسجَد لك ملائكته، ونفَخ فيك مِن روحِه؛ فعَلتَ ما فعَلتَ، فَأُخرَجتَّ ذرِّيَّتَك
مِن الجنَّةِ؟ قال آدم: يا موسى ، أنت الذى اصطفاك اللهُ برسالتِه وبكلامِه،
وقرّبك نجيًّا، وآتاك التوراةَ، فبكم تجدُ الذنبَ الذى عمِلتُه مكتوبًا علىَّ قبلَ أن
أُخْلَقَ؟ قال: بأربعينَ عامًا(١). قال: فلِم تلومنى؟)). قال النبيُّ ◌َل: ((فحتَّ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٥٥/١٦ (٩٩٩٠)، والدارمى فى الرد على الجهمية ص ٧٥، وأبو يعلى
(١٥٢٨)، والطبرانى (١٦٦٣) من طريق حماد بن سلمة به.
(٢) فى الأصل، م: ((سنة)).
:
٦١٥
الموطأ
١٧٢٥ - وحدثنى عن مالك، عن زيد بن أبى أُتيسةً، عن
التمهيد آدمُ موسى)). يقولُها ثلاثًا(١).
قال أبو عمرَ: هذا الحديثُ مِن أوضح (١) ما روِىَ عن النبيِّ ◌َ ﴿ فى إثباتٍ
القدَرِ ، ودفعٍ قولِ القدريَّةِ. وباللهِ التوفيقُ والعصمةُ .
وروى أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إلى الحسن البصرىِّ: إِنَّ اللهَ لا يُطالبُ
خلقَه بما قضَى عليهم وقدَّرَ ، ولكنْ يُطالبُهم بما نهاهم عنه وأمَر ، فطالِبْ نفسَك
مِن حيثُ يطالبك ربُّك، والسَّلامُ. ورُوِّينا أنَّ النَّاسَ لما خاضوا فى القدَرِ بالبصرةِ
اجتَمعَ مسلمُ بنُّ يسارٍ ورُفيعُ أبو العاليةِ ، فقال أحدُهما لصاحبِه : تعالَ حتى ننظُرَ
فيما خاض الناسُ فيه من(٢) هذا الأمرِ. قال: فقعدا ففكّرًا، فاتّفقَ رأيُهما أنَّه
يَكفى المؤمنُ مِن هذا الأمرِ أنْ يعلَمَ أَنَّه لن يُصيبَه إلَّا ما كتب اللهُ له، وأنَّه مجزىٌّ
(٤)
بعمله(٤).
مالكٌ، عن زيد بن أبى أنيسةَ (*)، عن عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن زيد
القبس
حديثٌ: قال رسولُ اللهِ وَ: (إن اللهَ خَلَق آدمَ، فمسح ظهرَه
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٤٩، ١٥٠) من طريق محمد بن عمرو به.
(٢) فى ص: ((أصح)).
(٣) سقط من : م.
(٤) أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٢٦٩).
(٥) قال أبو عمر: « وهو زید بن أبی أنیسة، یکنی أبا سعید؛ اختلف فى ولائه؛ فقيل : إنه مولی زید
ابن الخطاب، أو لبنى عدى. وقيل: مولى لبنى كلاب. وقيل غير ذلك مما يطول ذكره؛ ولم يختلف
أنه مولی. وقيل : اسم أبى أنيسة زيد أيضا - والله أعلم - فهو زید بن زيد؛ وكان زيد بن أبى أنيسة
من سكان الرها من عمل الجزيرة ، ومات بالرها سنة خمس وعشرين ومائة - فيما ذكر الواقدى =
٦١٦
الموطأ
عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ زيد بن الخطّابٍ ، أنه أخبره عن مسلم
ابنِ يسارِ الجُهَنىٌ، أن عمرَ بن الخطّابِ سُئل عن هذه الآية: (وإذْ أُخَذ
ربُّكَ من بنى آدمَ من ظهورِهم ذُرِّيَّاتِهم وأشهَدَهم على أنفُسِهم ألستُ
بربِّكم قالوا بلَى شهِدْنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إِنَّا كنَّا عن هذا غافلين).
فقال عمرُ بنُ الخطابِ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَهِ يُسألُ عنها. فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن اللهَ تبارَكَ وتعالَى خَلَق آدمَ، ثم مسح ظهرَه بيمينه
فاستخرَج منه ذُرِّيَّةً ، فقال: خلَقتُ هؤلاء للجنةِ، وبعملِ أهلِ الجنةِ
يعملون. ثم مسح ظهرَه فاستخرج منه ذُريَّةً ، فقال: خلَقتُ هؤلاء
للنارِ، وبعمل أهل النارِ يعملون)). فقال رجلٌ: يارسولَ اللهِ، ففيمَ
العملُ؟ قال: فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن الله إذا خَلَق العبدَ للجنةِ
ابنِ الخطابِ ، أَنَّه أخبره عن مسلم بن يسارِ الجُهَنىِّ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سُئل التمهيد
بيمينه)). حديثٌ عظيمٌ فى القضاءِ والقَدَرِ، يشهَدُ له القرآنُ، وكأنه تفسيرٌ للآيةِ القبس
= والطبرى. وكان كثير الحديث، راوية للعلم، ثقة، صاحب سنة. روى عنه مالك، والثوری،
وجماعة من الجلة، وكان الثورى يثنى عليه، ويدعو له كثيرا بعد موته بالرحمة. وقال البخارى، عن
عمرو بن محمد الناقد، عن عمرو بن عثمان الكلابى قال: مات زيد بن أبى أنيسة سنة أربع وعشرين
ومائة وهو ابن ست وثلاثين سنة. وقيل: ولد زيد بن أبى أنيسة سنة إحدى وتسعين وتوفى سنة أربع
وعشرين وقيل: سنة خمس. وقيل: سنة ست . وقيل : سنة سبع . وقيل: سنة ثمان وعشرين ومائة .
وقيل : توفی وهو ابن بضع وأربعین . وقال محمد بن سعد : سمعت رجلا من أهل حران يقول : مات سنة
تسع عشرة ومائة. قال أبو عمر: هو معدود فی أهل الجزيرة ، وهو رهاوی)) تهذيب الكمال ١٨/١٠،
وسير أعلام النبلاء ٨٨/٦.
٦١٧
استعمَله بعمل أهل الجنة حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنةِ ،
الموطأ
فيُدخِلَه به الجنةَ، وإذا خلَق العبدَ للنارِ استعمَله بعملٍ أهلِ النارِ حتى
يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهل النارِ ، فيُدخِلَه به النارَ)) .
التمهيد عن هذه الآية: (وإذا أُخَذَ ربُّك مِن بنى آدمَ من ظهورِهم ذُرِّياتِهم (١) وأشهَدَهم
على أنفسهم ألستُ بربِّكم قالوا بلى) الآية. فقال عمرُ بنُ الخطابِ: سمِعتُ
رسولَ اللهِ وَلِّ يُسألُ عنها فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الله تبارك وتعالى خلَق
آدمَ، ثم مسح ظهرَه بيمينه، فاستخرَج منه ذُرِّيَّةً، فقال: خلَقتُ هؤلاء للجنةِ ،
القبس المذكورة فيه، عَبَر بالمَسح عن تَعَلَّقِ القُدْرةِ بظَهْرِ آدمَ، وكلُّ معنّى يَتَعلَّقُ به قُدْرةُ
الخالقِ يُعَّرُ عنها بفعلِ المخلوقِ ما لم يَكُنْ دَنَاءَةً(١) ، وقد أَخْبَرِ اللهُ تعالى فى هذا
الحديثِ على لسانِ رسولِه بقوله عن محكْمِه وحكمتِه فى تَفْرِيقِ الخلقِ فريقَين ، ويَسَّر
تعالى ذلك الرجلَ المُعْتِرِضَ للنبىِّي وَلِّ بقولِه: فَفِيمَ العملُ؟ لِيُبَيِّنَّ نَّهِتمامَ المسألةِ،
ويُيْرِزَ وجهَ الحِكْمةِ ، بأن تيسيرَ البارىُّ سبحانَه للرجلِ عملَ أهلِ الجنةِ دليلٌ على أنه
مِن أهلِها الذين خلَقهم لها ، وتيسيرَه الرجلَ بعملٍ أهلِ النارِ دليلٌ على أنه خَلَقه لها ،
والإشارةُ بهذا التيسيرِ المُقْتَضِى - لِما بَيِّنَّه مِن الدليلِ - إلى العملِ الذى يكونُ عندَ
الخاتمةِ، لا إلى العملِ المُسْترسَلِ على الأزمنةِ، وقد بيّن ذلك بقولِهِ وَله: ((إنَّ الرجلَ
لِيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنةِ)(١) الحديث إلى آخرِه.
(١) هذه قراءة نافع وأبى جعفر وأبى عمرو وابن عامر ويعقوب، وقرأ عاصم وابن كثير وحمزة
والكسائى وخلف (ذريتهم) على الإفراد. النشر ٢٠٥/٢.
(٢) هكذا دأب المصنف على تأويل صفات الله عز وجل ، وسبق مرارا التنبيه على ذلك ، وأن مذهب
السلف إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل .
(٣) تقدم تخريجه فى ١٦١/٨٠ - ١٦٣ .
٦١٨
الموطأ
وبعملٍ أهلِ الجنةِ يعمَلُون. ثم مسَح ظهرَه، فاستخرج منه ذُرِّيَّةً ، فقال: خلَقتُ التمهيد
هؤلاء للنارِ ، وبعملٍ أَهلِ النارِ يعمَلُون)). فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ففيمَ
العملُ؟ قال: فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى إذا خلَق العبدَ للجنةِ
استعمَله بعملِ أهلِ الجنةِ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنةِ ، فيُدخلَه
به الجنةَ ، وإذا خلَق العبدَ للنارِ استعمَله بعملِ أهلِ النارِ حتى يموتَ على عملٍ من
أعمالِ أهلِ النَّارِ ، فَيُدخلَه به النارَ))(١) .
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ مُنقطعٌ بهذا الإسنادِ ؛ لأنَّ مسلمَ بنَ يسارٍ هذا لم
يلقَ عمرَ بنَ الخطابٍ ، وبينَهما فى هذا الحديثِ نُعيمُ بنُ ربيعةً، وهو أيضًا مع
هذا الإسنادِ لا تقومُ به حجَّةٌ، ومسلمُ بنُ يسارِ هذا مجهولٌ، قيل: إنَّه مدنٌ
وليس بمسلمٍ بنٍ يسارٍ البصرىِّ .
حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ زُهیرٍ ، قال : قرأت علی یحیی بنِ معینٍ حدیثَ مالك هذا عن زيدِ بنِ
أبِى أَنَيسةَ، فكتَب بيدِه على مسلمٍ بنِ يسارٍ : لا يُعرفُ(٢) .
أخبرنا أبو عبدِ اللهِ عبيدُ بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قالا : حدثنا
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١٧و، ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٧٣). وأخرجه
أحمد ٣٩٩/١، ٤٠٠ (٣١١)، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذى (٣٠٧٥)، والنسائى فى الكبرى
(١١١٩٠) من طريق مالك به .
(٢) ابن أبى خيثمة فى تاريخه (٤٥٧٥).
٦١٩
الموطأ
التمهيد عبدُ اللهِ بنُّ مسرورٍ ، قال : حدثنا عيسى بنُ مسكينٍ ، وأخبرنا قاسمُ بنُ محمدٍ ،
قال: خدثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عمرو بن منصورٍ ، قالا
جميعًا : حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سنْجَرَ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الملكِ
ابنِ واقدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ سلمةً، عن أبى عبد الرحیم، عن زيد - يعنى
ابنّ أبِى أَنَيسةَ - عن عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن مسلمٍ بن يسارٍ، عن نُعيم
ابنِ ربيعةً الأزدیّ(١).
وأخبرنى عبدُ الرحمنِ بنُّ يحيى، وأحمدُ بنُ فتحٍ، وخلفُ بنُ القاسم،
قالوا : حدثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، حدثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ
وهب، قال: حدثنا محمدِ بنُ سلمةً، قال: حدَّثنَى أبو عبدِ الرَّحِيمِ، قال:
حدَّثَنَى زيدٌ - وهو ابنُ أبى أَتَيسةَ - عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن مسلمٍ
ابن يسارٍ ، عن نُعيمِ بنِ ربيعةً ، قال: كنتُ عندَ عمرَ بنِ الخطّابِ إذ جاءه رجلٌ ،
فسأله عن هذه الآية: (وإذا أخَذَ رَبُّك مِن بنى آدمَ من ظُهورِهم ذُرِّيَاتِهم). قال:
فقال عمر: كنتُ عندَ النبيِّ وَّهِ إذ جاءه رجلٌ فسأله عنها، فقال النبيُّ وَلٍّ:
((خلَق الله آدمَ، ثم استخرج منه ذُرِّيََّ من هو كائنٌ منهم إلى يومِ القيامةِ ؛ فقال
الطائفةٍ منهم : هؤلاء للجنةِ خلَقتُهم . وقال لطائفةٍ: هؤلاء للنارِ خلَقتُهم. فمَن
القبس
(١) أخرجه ابن عساكر ٧١/٣٤ من طريق محمد بن سلمة به ، وأخرجه البخارى فى تاريخه ٩٧/٨،
وأبو داود (٤٧٠٤)، وابن أبى عاصم فى السنة (٢٠١)، وابن جرير فى تفسيره ٥٥٤/١٠،
والطحاوى فى شرح المشكل (٣٨٨٧) من طريق زيد بن أبى أنيسة به .
٦٢٠