Indexed OCR Text

Pages 581-600

الموطأ
وهذا الإسنادُ ليس بحَّةٍ ؛ لمخالفَةِ الحُفّاظِ لداودَ بنِ عامِرٍ فى ذلك . التمهيد
وممَّن خالَفَہ فیہ ابنُ شھاپ ، ومحمدُ بنُ المنکیرِ ، وعمرُو بنُ دینارٍ ،
وهؤلاء لا نَظِيرٌ لهم فى الحِفظِ والإتقانِ ، وليس داودُ بنُ عامٍ ممَّن يَلْحَقُ
بهم .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ،
حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبى شيبةَ، حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمرٍو ، سَمِع عامرَ
ابنّ سعدٍ قال : جاء رجلٌ إلى سعدٍ، فسألَه عنِ الطَّاعُونِ، فقال أسامةُ : أنا
أُخْبِرُكَ، سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَهِ يقولُ: ((إذا هجم الطَّاعونُ وأنتم بأرضٍ
فلا تَخْرُجوا فِرَارًا منه، وإذا سَمِعتُم به بأرضٍ فلا تدخُلُوها))(١) .
فإن قيل: قد رَوَاه أبو حُذيفَةً، عن الثورىِّ، عن محمدِ بنِ المنکیرِ ،
عن عامٍ بنِ سغدٍ، عن سعدٍ، عن النبيِّ ◌َ ليل. قيل له: نعم، وهو عندنا
من حديث علىٍّ بنِ عبد العزيز ، عن أبی حذيفةً موسى بن مسعودٍ كذلك .
- ولكنَّه خطأ، وكان أبو حذيفةً كثيرَ الوهم والخطاً فى حديثه عن الثورِىٌّ.
وقد ذكره ابنُّ أبى شيبةً(٢) ، عن عبدِ اللهِ بنِ ثُمَيرٍ، عن سفيان الثورِىِّ،
القبس
(١) ابن أبى شيبة فى مسنده (١٤٧) - وعنه مسلم (٢٢١٨/ ٩٥) - وأخرجه الحميدى
(٥٤٤)، وأحمد ٨٢/٣٦ (٢١٧٥١) من طريق سفيان بن عيينة به.
(٢) ابن أبى شيبة فى مسنده (١٧١).
٥٨١
٠

الموطأ
التمهيد عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن عامرِ بنِ سعدٍ ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّ هذا الطاعونَ رِجْزٌ سُلِّطَ على مَن كان قبلكم))
الحديث .
وهذا يَشهَدُ لِما قلنا مِن خطَأُ أبى محذيفةَ. فإن قيل : إِنَّ أُسَدَ بنَ موسى
حدَّث بهذا الحديثِ عن ابنِ لَهيعةَ، عن الأعرجِ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ
ابنِ سعد بن أبى وقاصٍ ، أنَّ سعدًا كان إذا جاءَه أسامَةُ بنُ زيدٍ لم يَقرَبْهما
أحَدٌ، فجاء عامِرُ بنُ سعدٍ، فقعَدَ إليهما، فقال أسامةُ: قال رسولُ اللهِ
وَله: «إذا سَمِعْتُم بالطَّاعُونِ بأرضٍ فلا تدخُلُوها، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتم
بها فلا تخرجُوا منها فرارًا (١))). فقال سعدٌ لأسامةَ: أنت سَمِعتَ هذا؟
قال : نعم مرّتينٍ. فقال سعدٌ: وأنا قد سَمِعْتُه منه(٢).
قيل: هذا حديثٌ لا يَحْتَجُ به مَن مَيَزَ أَقَلَّ شىءٍ مِن طُرُقِ الأحاديثِ ؛
لأَنَّه خبرٌ منقَطِعٌ ضعيفٌ ، وابنُ لَهِيعةَ أكثَرُ أهلِ العلم لا يَقبَلُونَ شيئًا مِن
حديثه، ومنهم مَن يَقبَلُ منه ما حَدَّثَ به قبلَ احتراقٍ كُتُبِه، ولم يسمَعْ منه
فيما ذكَروا قبلَ احتراقٍ كُتُبِهِ إلَّا ابنُ المبارَكِ ، وابنُ وهبٍ بعضَ سَماعِه،
وأمَّا أُسَدٌ ومثلُه، فإنَّما سمعوا منه بعد احتراقٍ كُتُبِه، و كان يُمْلِى مِن حِفظِه
القبس
(١) بعده فى ى: ((منه)).
(٢) سقط من: م.
٥٨٢

الموطأ
فيُخْطِئُ ويُخَلِّطُ ، وليس بحجّةٍ عندَ جميعِهم، وحدِيثُه هذا أيضًا مع ضَعْفِه التمهيد
مُنْقَطِعٌ، وأحادِيثُ الحُفَّاظِ الثِّقاتِ بِخِلافِه .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ الوردِ ، قال :
حدَّثنا يوسفُ بنُّ يزيدَ (١) ، قال: حدَّثنا أَسَدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ
ابنُّ عيينةَ، عن عمرٍو بنٍ دينارٍ، قال: سَمِعتُ عامرَ(١) بنَ سعدٍ بن أبى
وقاصٍ قال: جاء رجلٌ إلى سعدٍ ، فسألَه عن الطَّاعُونِ، وعندَه أسامةُ بنُ
زيدٍ، فقال أسامةُ: أنا أَخْبِرُكَ، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((إِنَّ هذا
الطاعونَ رِجْزٌ أو عَذَابٌ، أُرسِل على من كان قبلكم ، أو على طائفةٍ مِن بنى
إسرائيلَ، فإِذا وَقَع بأرضٍ فلا تدخُلُوها ، وإذا وقَع وأنتم بها فلا تخرجوا منها
فِرارًا)).
وروايةُ أسدٍ لهذا الحديثِ عن ابن عيينةً بخلافٍ روايته له عن ابنِ
لَهِيعةَ، دليلٌ على ضبطِ أسَدٍ . فإن قيل: إنَّ أَبًا خالدِ الأحمرَ روَى
عن "سليم بنٍ حيَّانَ، عن" عكرمةَ بنِ خالدِ المخزومىٌّ، عن يحيى بنِ
سعدٍ(٤)، عن أبيه(٥) سعدٍ، أَنَّه سمِعَ النبيَّ ◌َّهِ يقولُ: ((الطاعُونُ رِجْزٌ
القبس
(١) فى ى: ((زيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢ /٤٧٦.
(٢) فى م: ((عمرو)).
(٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٤٨/١١.
(٤) فى النسخ: ((سعيد)). وينظر التاريخ الكبير ٨/ ٢٧٥، والجرح والتعديل ١٥٣/٩.
(٥) بعده فى الأصل، م: ((عن)).
٥٨٣

الموطأ
التمهيد أُصِيب به من كان قبلكم)) الحديث(١). وفيه سمائح سعدٍ له مِن النبىّ
﴿َ﴾. قيل له(١): وهذا أيضًا حديثٌ ضعيفُ الإسنادِ، تَردُّه أحادِيثُ
الحُفَّاظِ؛ لأنَّ سعدًا لو كان عندَه فيه سَمائعْ مِن النبيِّ وَلّه، ما احتاج أن
يَسألَ أسامةَ بنَ زيدٍ عن ذلك، و(٢) فى حديثٍ مالكِ، عن محمدِ بنِ
المنكدرِ، عن عامرٍ بن سعدٍ، أَنَّه سَمِع أباه يسألُ أسامةَ بنَ زيدٍ : ما سمِعتَ
مِن رسولِ اللهِ ﴾ فى الطاعون؟ وفى حديث ابنٍ عيينةً، عن عمرو بنِ
دینار ، عن عامرٍ بن سعدٍ، اُنَّ سَمِع أسامة بن زيدٍ یقولُ لأُبیه سعدِ بنِ أبی
وَقَّاصٍ فى حديثِ الطَّاعُونِ: أنا أَخْبِك بذلك.
فإن قيل: إنَّ وِيعَ بنَ الجَرَّاحِ رَوَى عن سفيانَ، عن حَبيبٍ بن أبى(٧)
ثابتٍ، عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاصٍ، عن أبيه، وأسامةً بنِ زيدٍ ،
وحذيفةً، قالوا: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ هذا الطاعونَ رِجْزٌ»
الحديث(٤). قيل لقائل ذلك: هذا إسنادُ آخَرُ غيرُ إسنادٍ عامٍ بنِ سعدٍ،
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٣٣٠) من طريق أبى خالد الأحمر به، وأخرجه أحمد ٨٥/٣ (١٤٩١)،
والطيالسى (٢٠١)، وأبو يعلى (٨٠٠) من طريق سليم بن حيان به.
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) سقط من: ى. وينظر تهذيب الكمال ٣٥٨/٥.
(٤) أخرجه أحمد ١٤٣/٣، ١٨٤/٣٦ (١٥٧٧، ٢١٨٦٠)، ومسلم (٩٧/٢٢١٨)،
والنسائى فى الكبرى (٧٥٢٣) من طريق وكيع به، وعندهم خزيمة مكان حذيفة، وينظر ما
سيأتى فى كلام المصنف.
٥٨٤
۔

الموطأ
وهذا الإسنادُ أيضًا الصحيحُ فيه أنَّ الحديثَ لإبراهيم بن سعدٍ ، عن أسامةَ التمهيد
ابنِ زید وحده . کفلك رواه شعبة ، وأبو إسحاق الشیبانئُ ، عن حبیبِ بنِ
أیی ثابتٍ . وكذلك رواه جماعةٌ عن الثورىِّ ، وقد اضطرت فيه و کیةٌ؛
فمرَّةٌ رَوَاه هكذا، ومَّةً جعَلَه عن إِبراهِيمَ بنِ سعدٍ ، عن أبيه، وأُسامةَ ،
وخزيمةً(١) بنِ ثابتٍ مكانَ حُذيفةً . وأصحابُ الثورىِّ يُخالِفونّه فى ذلك ،
فسقطَ الاحتجاج بروايته فيه .
وأمّا حديثُ شعبةَ، فحدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسم بنِ عيسى المُقْرِىُّ، قال :
حدّثنا ◌ُبیدُ اللهِ بنُ محمد بن حَبَابَةً ، قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنِ
عبدِ العزيزِ البغوىُّ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ الجعدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ ، قال :
حدَّثنا حَيِيبٍ بن أبى ثابتٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ بنَّ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ
يقولُ: سمِعتُ أسامةَ بنَ زيدٍ يُحَدِّثُ سعدًا، أَنَّه سَمِع رسولَ اللهِ وَه
يقولُ: ((إذا سَمِعتم به (" فى أرض٣ٍ) فلا تَدْ خُلُوها ، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها
فلا تَخرُجُوا منها)). قال(١٢) حيِيبٌ : قلتُ لإبراهيم بن سعدٍ : أَنت سَمِعتَ
أسامةٌ يُحَدِّثُ سعدًا وهو جالسٌ لا يُنكِرُه؟ قال: نعم(٤).
القبس
(١) فى م: ((حذيفة)).
(٢ - ٢) فى الأصل، م، وأحمد، والبخارى، ومسلم: ((بأرض)).
(٣) بعده فى ی: ((ابن)).
(٤) البغوى فى الجمعديات (٥٤٤). وأخرجه أحمد ١١٦/٣، ١٣٠/٣٦ (١٥٣٦،
٢١٧٩٨)، والبخارى (٥٧٢٨)، ومسلم (٩٧/٢٢١٨) من طريق شعبة به.
٥٨۵

الموطأ
التمهيد
أخبَرَنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ إِبراهِيمَ بنِ
جامِعٍ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ
عَوْنٍ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن أبى إسحاقَ الشَّيبانِيِّ،
عن حَبِيبٍ بنِ أبي ثابتٍ، عن إبراهيمَ بنِ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ،
عن أسامةً، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ هذا الوجَعَ رِجْزٌ))
وذكَّرَ الحديثَ(١) .
هذا ما يَجِىءُ على مَذْهَبِ أهلِ الحديثِ فی تَهذیبِ إسنادٍ هذا الخبرِ ،
على أنَّه قد يُمْكِنُ أن يكونَ سعدٌ قد سَمِعَ ما سَمِع أسامةُ منه، ولكنَّ الحُكْمَ
ما ذكَرْنا . واللهُ أعلمُ .
وأمَّا قولُه فى هذا الطَّاعُونِ: ((رِجْزٌ)). فالطَّاعُونُ مَعْلُومٌ ، وقد مَضَى فى
تَفْسِيرٍ مَعْناه فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ بن ربيعةً ما فيه
كِفَايَةٌ ، ومَضَتْ هناك أخبارٌ فى الطَّاعُونِ حِسَانٌ ، لا مَعْنَى لِذِكْرِ شىءٍ منها
مُعَادًا هدهُنا(٢) .
أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
القبس
(١) أخرجه الباغندى فى مسند عمر بن عبد العزيز (٧٧) من طريق أبى إسحاق الشيبانى
به .
(٢) سيأتى ص ٥٩٦ - ٦٠١.
٥٨٦

الموطأ
حدَّثْنَا عِيسَى بنُ(١) دَلُّويه(٢) المَعْرُوفُ بـ: زغاثٍ(٢) ، قال: حدَّثْنَا فَرْوَةُ بنُّ التمهيد
أبى المغراءِ(٤)، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ مسهِرٍ(٥)، عن "يوسفَ بنِ" ميمونٍ،
عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عائشةً ، قالت: قال رسولُ اللهِ
وَّهِ: ((فَنَاءُ أَمَّتِى بالطَّعنِ والطَّاعُونِ)). قلتُ: الطَّعْنُ قد عرفناه، فما
الطَّاعُونُ؟ قال: ((غُدَّةٌ كِغُدَّةِ البعيرِ تَخرِجُ فى المرَاقُ (١) والآباطِ، مَن مات
منه مات شهِيدًا)) وذكر تمامَ الخَيْرِ(1) .
وأمَّا الرِّجْزُ فالعذابُ ، لا يَخْتَلِفُ فى ذلك أهلُ العلم باللسانِ ، مِن ذلك
قولُه: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٥]. وهو كثيرٌ. وقد
يكونُ الرِّجْسُ والرِّجْزُ سَوَاءً، والرِّجْزُ النجاسةُ، والرِّجْزُ أيضًا عِبَادَةُ
القبس
(١) بعده فى م: ((أبى)). وينظر سير أعلام النبلاء ٦١٨/١٢، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦١٠،
وطبقات الحفاظ ص ٢٧٢.
(٢) فی ی، م: ((ذکویه)).
(٣) فى الأصل: ((بالرعاث))، وفى ى، م: ((بالدعاث))، وفى تذكرة الحفاظ: (رعاب))،
وفى طبقات الحفاظ: ((زغاب)). وينظر سير أعلام النبلاء الموضع السابق.
(٤) فى م: ((المعزى)). وينظر تهذيب الكمال ١٧٨/٢٣.
(٥) فى الأصل: ((شهر)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٥/٢١.
(٦ - ٦) ليس فى: الأصل. وينظر تهذيب الكمال ٤٦٩/٣٢.
(٧) المراق: ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التى ترق جلودها، واحدها مَرَقّ. النهاية
٢٥٢/٢.
(٨) تقدم تخريجه فى ٨/ ١٠.
٥٨٧

الموطأ
التمهيد الأوثان ، دليلُ ذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. ولا وَجْهَ
لِذِكرِ الرِّجزِ فى هذا الحديثِ إلَّ العذابَ. وكلُّ ما ابتُلِىَ به الإنسانُ مِن
الأوجاع والمِحَنِ بالسيفِ (١) وغير ذلك ، فهو مِن العذاب ، وقد قيل فى :
﴿اَلْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة: ٢١]. يومَ بَدْرٍ، وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ
عَلَيْهِمُ الْجَلَّءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَأْ﴾ [الحشر: ٣]. هذا كلُّه وما أشبهَه مِن
العذابٍ. واللهُ أعلم .
وأمَّا قولُه: ((أُرسِل على بنى إسرائيلَ، أو على مَن كان قبلكم)).
فالشَّكُّ مِن المحدِّثِ؛ هل قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((على بنى إسرائيلَ))؟ أو
قال: ((أُرسِل على مَن كان قبلكم))؟. والمعنى، واللهُ أعلمُ، أنَّ الطّاعونَ
أوَّلَ ما نزَلَ فى الأرضِ فعلى طائفةٍ مِن بنى إسرائيلَ قبلَنا .
وأمَّا نَهِيُّه عن القُدُومِ عليه، وعن الفِرار منه؛ فلئلا يَلُومَ أحَدُهم بعدَ
ذلك نفسه إن مَرِض منه فمات، أو يقولَ غيرُه: لو لم يَقدَمْ عليه نجا،
ولو ١) فَوّ منه لَنَجا، ونحوَ هذا، فيلُومُونَ أنفسَهم فيما لا لَوْمَ عليهم فيه ؛ لأنَّ
الباقِيَ والناهِضَ لا يتجاوزُ أحَدٌ منهم أجله ، ولا يَستأُخِرُ عنه، وقد(٣) جاء
القبس
(١) فى الأصل، م: ((والشيب).
(٢ - ٢) فى ی، م: ((أو)).
(٣) فى م: (فيه)).
٥٨٨

الموطأ
النهى عن اللَّوَّةِ(١) مُطلَقًا، يعنى قولَهم: لو كان كذا لم يكنْ كذا. ويقالُ: التمهيد
إِنَّه ما فرّ أحدٌ مِن الطاعونِ فنجًا .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملِكِ ، قال : أخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ مسرورٍ ، حدَّثنا
عیسی بنُ مسکین، حدّثنا ابنُ سنجرَ، حدّثنا عارِمٌ ، حدّثنا داودُ بنُ أبی
الفُرَاتِ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ تُرَيْدَةً، عن يَحْتِى بنِ يَعْمَرَ، عن عائشةً،
حدَّثَتْهُ أَنَّها سألت رسولَ اللهِ وَالهِ عن الطَّاعُونِ، فأخبرها نبىُّ اللهِ وَلَّى:
(( أَنَّه كان عَذَابًا ببعَثُهُ(٢) اللهُ على من يَشاءُ(٢) ، فجَعَله اللهُ رحمةً للمؤمنين،
فليس مِن عبدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ بأرضِه، فيَثْبُتُ ولا يَخْرُجُ، ويعلَمُ أَنَّه لن يُصِيبِه
إِلَّ ما كتب اللهُ له، إلَّا كان له مثلُ أجرٍ شهيدٍ))(4).
وقد ذگّرنا أخبارًا فى باب ابن شهاب ، عن عبد اللهِ بنِ عامِرٍ، فی
الفِرارِ عن الطَّاعُونِ(٥) ، لا وَجْهَ لتكرارِها هلهنا.
وفيه عندى، والله أعلم، النهى عن ركوب الغَرَرِ ، والمخاطرة بالنفسِ
والمهْجَةٍ ؛ لأنَّ الأغلبَ فى الظَّاهِرِ أنَّ الأرضَ الوَبِيئَةَ لا يكادُ يَسلَمُ صاحِبُها
القبس
(١) فى الأصل، م: ((اللوم)).
(٢) فی ی: «بعثه)).
(٣) فى ى: ((شاء)).
(٤) تقدم تخريجه فى ١١/٨، ١٢.
(٥) سيأتى ص ٥٩٧ - ٦٠١.
٥٨٩

الموطأ - ز
التمهيد مِن الوباءِ فيها إذا نزلها(١) ، فتُهوا عن هذا الظَّاهِرِ؛ إذ الآجالُ والآلامُ
مَستورَةٌ عنهم. ومن هذا البابِ أيضًا قولُه: ((لا يَحُلّ المُعْرِضُ على
المصِحُ)) (٢). ثم قال عندَ حقيقةِ الأمرِ: ((فمَن أعدَى الأوَّلَ؟))(٣) . .
وأمَّا قولُ أبى النَّصْرِ فى هذا الحديثِ: ((لا يُخْرِجُكم إلَّ فِرارًا(٤)
منه)). وكذا قال يحيى وغيرُه عن مالك، عن أبى النضرِ: ((إلا فِرارًا)).
أو: ((فِرارٌ)).
قال أبو عمرَ: كذا هو عندَ بعض شيوخِنا، وعند بعضهم: (( إلا فرارٌ
منه)). وهو أصوبُ، وسيَأْتِىْ) القولُ فيه فى بابٍ(٦) أبى النَّضْرِ (٢ من كتابنا
هذا إن شاءَ اللهُ تعالَى.
مالكٌ ، عن محمدِ بنِ المنکیرِ وأبی النّضْرِ ، عن عامٍ بن سعدِ بنِ أبی
وقاصٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، أن رسولَ اللهِ وَ قال: ((الطاعونُ رِجْزٌ أَزْسِل
على طائفةٍ مِن بنى إسرائيلَ)). مثلَ حديثٍ محمدِ بنِ المنكدرِ سواءً، إلا أن
القبس
(١) فى م: ((نزل بها)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٣٠).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٣٠) من الموطأ .
(٤) فى ى: ((فرار)).
(٥ - ٥) فى ى، م: ((فسيأتى)).
(٦) فى الأصل: ((رواية)).
(٧ - ٧) ليس فى: الأصل، م.
٥٩٠٠

الموطأ
فى حديثٍ أبى النضرِ: ((إذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها، لا التمهيد
يُخْرِمجكم إلا فرارًا منه)).
هكذا فى (الموطأ): (إلَّ فرارًا)). فى حديثٍ أبى النَّصْرِ، وقد جعَله
جماعةٌ مِن أهلِ العلم لحنًا وغلطًا . والوجهُ فيه عندَ أهلِ العربيةِ أن دخولَ
(إلا)) فى هذا الموضع إنما هو الإيجابِ بعضِ ما نفَى (١) بالجملةِ ، كأنه
قال: لا تَخرجوا منها إذا لم يكنْ خُرومحكم إلا فرارًا. أى: إذا كان
خُرومحكم فرارًا فلا تَخْرُجوا. والنصبُ ههنا بمعنى الحالِ لا بمعنى
الاسْتِثْنَاءِ. واللهُ أعلمُ . وفى ذلك إباحةُ الخروجِ(٢) ذلك الوقتَ مِن موضعٍ
الطاعونِ للسفرٍ على الجارى مِن العاداتِ إذا لم يكنِ القصدُ الفِرارَ
مِن (٣) الطاعونِ. وقد كان" بعضُ شيوخِنا وشيوخ شيوخنا يَرْؤُونه فى هذا
الحديثِ: ((لَا يُخْرِ مجكم إلَّا فِرَارٌ منه)). بالرفع. وهذا إن صحَّ فمعنى(٢)
قوله: ((فلا تَخْرُجوا منها، لا يُخْرِ بُكم إلا فرارٌ منه)). أى: فلا تَخْرُجوا
منها الخروجَ الذى لا١) يُخْرِ جُكموه إلا فرارٌ منه. وقد كان بعضُ الشيوخ
=
القبس
(١) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((بقى)).
(٢) بعده فى ص ١٦: ((فى)).
(٣) بعده فى ص ٢٧: ((موضع)).
(٤ - ٤) فى ص ١٧: ((ذكر))، وفى ص ٢٧: ((قال)).
(٥) فی ص ٢٧: (فمعناه))، وفی م: ((بمعنى)).
(٦) سقط من: ص ١٧، ص ٢٧، م.
٥٩١

الموطأ
التمهيد ممِّن رواه بالرفع يَرْوِيه: ((لا يُخْرِ محكم٢) الإفْرارُ منه ». على المصدرِ.
وهذا ينكِرُه أهلُ النحوِ فى مصدرِ الفِرارِ. وأجازه بعضُ(١) أهلُ اللغةِ على لغةٍ
شاذَّةٍ فى الفرارِ . واللهُ أعلمُ. وهذا المصدرُ خطأً عندَ أهلِ النحوِ واللغةِ ،
وغيرُ معروفٍ فى الروايةِ .
ورواه ابنُ بُكَيْرٍ(٢) ، عن مالكِ، عن أبى النَّضْرِ، عن عامٍ بنِ سعدِ بنِ
أبى وقاصٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن النبيِّ بَّهِ مثلَ حديثِ ابنِ المنكيِرِ،
إلا أن فى حديث أبى النَّضْرِ: («فإذا وَقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تّخرُجُوا منها إلَّا
فِرَارًا مِنه)). وهذا لا وجه له إلّا أن يُحمَلَ على ما ذكرنا.
وروَى القعنبيُّ، عن مالكِ حديثَ محمدِ بنِ المنكدرِ، وليس عنده
حديثُ أبى النَّضرِ(٤) . وأكثرُ رُواةِ ((المُوطأ) جمَعوا فى هذا الحديثِ عن
مالكِ أبا النضرٍ ومحمدَ بنَ المنکیِرِ جميعًا .
ورواه ابنُ أبی مریم ، وأبو مُصعب®) ، عن مالك، کما رواه یحیی
سواءً، عن محمدٍ بنِ المنكدرِ وأبى النضرِ جميعًا، عن عامٍ بنِ سعدٍ ،
عن أبيه، أنه سمِعه يَسألُ أسامةَ بنَ زيدٍ. وقالا فى آخرِه: قال
القبس
(١) بعده فى م: ((إلا)).
(٢) سقط من: ص ١٧، م.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٧ظ، ٦و - مخطوط).
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٧٨ .
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٦٨) .
٥٩٢

الموطأ
أبو النَّصْرِ(١): ((لا يُخْرِمُجكم إلا الفرار منه)). وهذا معناه كمعنى رواية التمهيد
يحيى سواءً فى روايةٍ مّن رواه بالرفع، وهذا أثيَنُّ بالألف واللام، والمعنى
سواء. والله أعلمُ.
وأما ابنُّ وهبٍ فجوَّده، ذكَر ابنُّ وهب فى ((الموطأ))، عن مالك، عن
أبى النضرِ، عن عامرِ بنِ سعد بن أبى وقاصٍ، أنه سمع أباه يَسْألُ أسامةَ بنَ
زيدٍ: أَسمِعتَ رسولَ اللهِ وَّهِ يَذْكُرُ الطاعونَ؟ فقال: نعم. فقال:
كيف(٢) سمِعْتَه؟ قال: سمِعْتُه يقولُ: ((هو رِجْرٌ سُلِّطَ على بنى إسرائيلَ، أو
علی قوم، فإذا سمِعتُم به بأرض فلا تقدموا علیه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها
فلا تَخرُجُوا فِرَارًا منه)) (٢).
هكذا قال ابنُ وهب، عن مالكِ، فى حديثٍ أبى النَّضْرِ مُفْرَدًا: ((لا
تَخْرُجُوا فِرَارًا منه)). ولم يعطِفْه على حديثِ ابنِ المنكدرِ، بل ساقَه عن
مالكٍ، عن أبى النضرِ مِن أولِه إلى آخرِه، وقال فى آخرِه: ((فلا تَخْرُجُوا
فِرارًا منه)». وهذا هو الصوابُ المعروفُ الذى لا إشكالَ فيه .
وقال ابنُّ وهب أيضًا: أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ ، أن أبا النضرِ حدَّثه،
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((لا تخرجوا منها))، وفى ص ١٦: ((فلا تخرجوا منها)).
(٢) فی م: ( گنت).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٠٦/٤ من طريق ابن وهب به بذكر ابن المنكدر مع أبى
النضر .
٥٩٣
(موسوعة شروح الموطأ ٣٨/٢١)

الموطأ
التمهيد عن عامرٍ بنِ سعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ ، أنه سمِع أسامةً بنَ زيدٍ يُخِرُ سعدَ بنَ أبی
وَقَّاصٍ، وسأله عن الوجع، فقال أسامةُ: ذُكِرٍ عندَ رسولِ اللهِ وَ لَه فقال:
((هو رِجزٌّ سُلِّطَ على مَن قبلكم ، أو على بنى إسرائيلَ ، فإذا سَمِعتم به ببلدةٍ
فلا تَدخُلُوا عليه فيها، وإذا وقَع وأنتم بها فلا يُخرِجَّكم مِنها
فرارًا(١))). (٢ أو قال: ((منه فرارًا)(٣) . ورواية٢ُ) ابنٍ وهبٍ صحيحةُ المعنى
مُجْتَمَعٌ عليها .
وفى هذا الحديثِ إباحةُ الخبرِ عن الأمم الماضيةِ مِن بنى إسرائيلَ
وغيرِهم، ورُوِى عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنه قال: ما زال رسولُ اللهِ وَ ه
يُحَدِّثُنا عمَّن خلا مِن الأُمم، حتى لو مَرَّت عُقابٌ ثُقلِّبُ
جناحَها (٢ فسألْتُمونا عنها) لأخبرناكم. وقد مضَى تفسيرُ معنى
الطاعونِ فى مواضعَ°) مِن هذا الكتابِ().
القبس
(١) فى الأصل: ((فرار)).
(٢ - ٢) سقط من: ص ١٦، ص ٢٧.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرّح المعانى ٣٠٦/٤ من طريق ابن وهب به.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فسألتمونا حكمها)، وفى م: ((فكانت وفاتها)).
(٥ - ٥) فى ص ١٧: ((القول فى هذا الحديث فى باب محمد بن المنكدر وغيره)).
(٦) بعده فى ص ١٧، م: ((فلا وجه لإعادة ذلك ههنا والحمد لله)).
٥٩٤
٠

الموطأ
١٧٢١ - وحدَّثنى عن مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عامرٍ بن ربيعةً ، أن عمرَ بنَ الخطّابِ خرَج إلى الشام، فلمَّا جاءَ سَرْغ
بلَغه أن الوباءَ قد وقَع بالشام ، فأخبره عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ أن رسولَ
اللهِ وَّه قال: ((إذا سمِعتُم به بأرض فلا تَقَدَمُوا عليه، وإذا وقَع بأرضٍ
وأنتم بها فلا تخرُجُوا فِرارًا منه)). فرجَع عمرُ بنُ الخطّابِ من سَرْغَ.
مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ بنٍ ربيعةً (١)، أنَّ عمرَ بنَ التمهيد
الخطابِ خرَجَ إلى الشامِ، فلمَّا جاء سَرْعَ بلَغَه أنَّ الوَبَاءَ قد وقَعَ بالشامِ ،
فأخبَرَه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قال: ((إذا سَمِعتُم به
بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه)) .
فرجَع عمرُ مِن سَرْغٌ (٢).
القبس
(١) قال أبو عمر: ((وهو عبد الله بن عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن
سعد بن عبد الله بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمی
ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. أدرك أبا بكر وعمر والخلفاء، وحفظ عنهم، ورأى النبى
100، وحفظ عنه أيضا خبرا واحدا، وهو ما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد،
قال : حدثنا حمزة بن محمد، قال : حدثنا یوسف بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن
عبد الرحيم، قال: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن ابن عجلان، عن مولى لعبد الله بن
عامر، عن عبد الله بن عامر، قال: دعتنى أمى والنبى وَ لتر عندنا، فأتيت، فقالت: تعال
أعطيك. فقال النبى وَ ل ◌ِ: ((ما أردت أن تعطيه؟)) قالت: تمرا. قال: ((لو لم تفعلى، كتبت
عليك كذبة)). وقد ذكرناه فى كتابنا فى ((الصحابة)) وذكرنا أباه. والحمد لله)). التاريخ الكبير
١١/٥، والاستيعاب ٢/ ٧٩٠، ٩٣٠/٣.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٦٩).
وأخرجه أحمد ٢١٤/٣ (١٦٨٢)، والبخارى (٥٧٣٠، ٦٩٧٣)، ومسلم (١٠٠/٢٢١٩)،
والنسائی فی الکبری (٧٥٢١) من طريق مالك به .
٥٩٥

الموطأ
سَرْغُ : موضِعٌ بطريقِ الشام، قيل: إنَّه وادِى تَبُوكَ . وقيل: بقُربٍ
التمهيد
تَبُوكَ .
وقولُه فى هذا الحديثِ وغيرِهِ: إِنَّ عمرَ بلَغَه إذ بَلَغْ سَرْعَ متوجّهًا إلى
الشام، أنَّ الوباءَ قد وقَع بالشَّامِ . فإنَّ المعنى عندَهم أنَّ الوباءَ وقَع بدِمَشْقَ،
وكانت أُمَّ الشَّامِ ، وإليها كان مُقْصِدُه.
ورُوِى عن مالكِ أنَّه سُئِلَ عن قولٍ عمرَ: لَبِيتْ برُكْبَةَ، أَحَبُ
إلىَّ مِن عشَرَةِ أبياتٍ بالشامُ(١) . فقال: إنَّما قال ذلك عمرُ حِينَ وقَع
الوباءُ بِالشَّامِ .
٠
وقد رُوِى عن عمرَ: لأن أعملَ عشْرَ خطايا بُرْبَةَ، أَحَبُّ إلىَّ مِن أن
أعْمَلَ واحِدَةً بمكةً (٢) . ورْبَةُ وادٍ مِن أَوْدِيَّةِ الطائف .
ذكَرَ أهلُ السِّيَّرِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خَرَج إلى الشامِ، واسْتَخْلَف على
المدينةِ زِيدَ بنَ ثابتٍ، وذلك سنَّةً سبعَ عَشْرَةً، فلمَّا بَلَغَ سَرْغَ، أَتَاه الخَبْرُ
عن الطَّاعُونِ، فانصَرَف مِن سَرْغٌ ().
قال أبو عمرَ : الوباءُ الطاعونُ، وهو موتٌ نازِلٌ شامِلٌ(٤)، لا يجِلُ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٧٢٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٨٧١، ٨٨٧٢)، والفاكهى (١٤٩٦).
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٦٧، ٥٦٨.
(٤) سقط من: ص ٤.
٥٩٦

الموطأ
لأحدٍ أن يَفِرَّ مِن أرضٍ نزَلَ فيها إذا كان مِن ساكِنِيها، ولا أن يَقْدَمَ عليه إذا التمهيد
كان خارجًا عن الأرضِ التى نزَل بها ، إيمانًا بالقَدَرِ ، ودَفْعًا لملامَةِ النّفْسِ .
رُوِّينا مِن حديثٍ عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال: «فناءُ أَمَّتِى بالطَّعْن
والطَّاعُونِ)). قالت: الطَّعْنُ قد عرفناه، فما الطَّاعُونُ؟ قال: «غُدَّةٌ كغُدَّةٍ
البعيرِ تَخرُجُ فى المرَاقُ والآبَاطِ )) . وقد ذكّرنا هذا الخبرَ فى بابٍ عبدِ اللهِ
ابنِ جابِرِ بنِ عَتِيكِ (١) . ورُؤَّينا أنَّ زِيادًا كتَبَ إلى معاويَةَ: إِنِّى قد ضَبَطتُ
العراقَ يَتَمِينِى، وشِمالى فارِغَةٌ. فأُخبِرَ بذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، فقال:
مُرُوا الْعَجائزٌ يَدْعُونَ اللهَ عليه. ففعَلْنَ، فخرَج ياصبَعِه طاعونٌ، فماتَ
منه(٢) . ورُوِى مِن حديثٍ جابرٍ وغيرِه، عن النبيِّ بَلِ أَنَّه قال: «الفارُ مِن
الطَّاعُونِ كالفارٌ مِن الزحفِ، والصابرُ فيه كالصَّابِرِ فى الزحفِ))(١). وقد
رُوِىَ عن عمرَ أنَّه نَدِم على انصرافه مِن سَرْعَ، على أنَّه انصرف عنه اتباعًا
للسُنَّةِ فى حديثٍ ابن عوفٍ؛ خوفًا أن يكونَ فارًّا مِن القَدَرِ .
أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاح، حدَّثنا دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى فُدَيْكِ، عن هشامِ بنِ سعدٍ ،
عن عروة بن ژُویم، عن القاسم، عن عبد الله بن عمر (٤) ، قال : جئتُ عمر
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ١٠/٨.
(٢) ينظر تاريخ ابن جرير ٢٨٨/٥، ٢٨٩، وتاريخ دمشق ٢٠٣/١٩.
(٣) أخرجه أحمد ٣٦٥/٢٢، ١٠٦/٢٣ (١٤٤٧٨، ١٤٧٩٣)، وعبد بن حميد (١١١٦).
(٤) فى ص ٤: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٢/١٥.
٥٩٧

الموطأ
التمهيد حينَ قَدِمَ مِن الشام، فوجَدتُه نائِمًا فى خِبائِهُ(١) ، فقعَدتُ ، فسَمِعتُه حينَ
يُورُ مِن نَوْمِه يقولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى رُجُوعِى مِن سَرْعَ. قال عروةُ : فبلَغنا أنَّه
کتب إلی عامله بالشام : إذا سمِعتَ بالطاعونِ قد وقَعَ عندَ کم ، فا کتُبْ إلىَّ
حتى أُخرج .
قال: وحدَّثنا ضمرَةُ، عن ابنِ شَؤْذَبٍ ، عن أبى التَّاحِ يَزِيدَ بنِ محُمَيدٍ
الضُّبَعِىِّ، قال : قلتُ لمطرّفٍ بنِ الشِّخِّيرِ : ما تقولُ رَحِمك اللهُ فى الفِرارِ
مِن الطاعونِ؟ قال : هو القَدَرُ تَخافونَه، وليس منه بُدٌّ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسرورٍ ، حدثنا عیسی
ابنُّ مسكينٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، حدَّثنا
محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ الرحيم ، حدّثنا
عمرُو بنُ ثورٍ ، قالا: حدَّثنا الفِرْيَابِىُّ محمدُ بنُ يوسُفَ ، قال: حدَّثنا سفيانُ ،
عن ميسرةً ، عن المنهالِ بنِ عمرو ، عن سعیدِ بنِ جبیرٍ ، عن ابنِ عباسٍ فی
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُونُ حَذَرَ
اَلْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. قال: كانوا أربعةَ آلافٍ، خرَجوا فِرَارًا مِن الطاعونِ ،
فماتوا ، فدَعَا اللهَ نبىٌّ مِن الأنبياءِ أن يُحْيِيَهم حتى يَعْبُدُوه، فأَحْيَاهم اللهُ(١) .
قال الفریایُ: وحدّثنا ورقاءً، عن ابنِ أُبی نجیح ، عن عمرو بنِ دینارٍ
القبس
(١) فى ص ٤: ((خباء له)).
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤١٤/٤، والحاكم ٢/ ٢٨١، والضياء فى المختارة (٤٠٥) من
طريق سفيان به .
٥٩٨

الموطأ
فى هذه الآيَةِ ، قال: وقَع الطَّاعونُ فى قَرِيتِهم، فخرَجَ أُناسٌ وتَقِىَ أُنَاسٌ ، التمهيد
ومَن خرَج أكثرُ مِمَّن بَقِى. قال : فنَجا الذين خرجوا، وهلَك الذين أقاموا،
فلمَّا كانت الثانيةُ، خرَجوا بأُجمَعِهم إلّا قليلاً، فأماتَهم اللهُ ودَوَابَّهم ثم
أحياهم، فرجعوا إلى بلدِهم وقد تَوَالَدَت ذُريُّهم(١) .
ذكَر أبو حاتم، عن الأصمعىِّ، قال: هرَب بعضُ البصريِّينَ مِن
الطَّاعُونِ، فَرَكِب حمارًا له ومضَى بأهله نحوَ سَفَوَانَ(١) ، فسَمِعَ حادِیًا
يحدُو خلفَه(١) :
لن يُسْبَقَ اللهُ على حمارٍ
ولا على ذِى مَيْعَةٍ طَيَّارٍ(٤)
أو يأْتِىَ الحَثَّفَ على مِقْدارِ
قد يُصْبِحُ اللهُ أمامَ السَّارِى
وذكّر ابنُ قتيبةً فى ((المعارِفِ))(٥) أنَّ ذلك النبيَّ حزقيلُ بنُ بُوذَى.
القبس
(١) تفسير مجاهد ص ٢٤٠ من طريق ورقاء به، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٢١/٤،
٤٢٢ من طريق ابن أبى نجيح به .
(٢) سَفَوان: ماءً على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة. معجم البلدان ٣/ ٩٨، ٩٩.
(٣) الرجز فى الحيوان ٣/ ٤٦١، والبيان والتبيين ٢٧٨/٢، وتأويل مختلف الحديث ص ١٠٤،
وعيون الأخبار ٤٤/١، ونفح الطيب ٢٩٨/٥.
(٤) فى المصادر سوى نفح الطيب: ((مطار)). وطَيّر ومُطَارٌ؛ أى: حديد الفؤاد ماضٍ. ينظر
القاموس المحيط ( ط ی ر ).
(٥) المعارف ص ٥١.
٥٩٩

الموطأ
التمهيد وقال المدائنىُ: يُقالُ: إِنَّه قَلَّما فَوْ أحَدٌ مِن الطَّاعونِ فَسَلِمَ مِن الموتِ.
قال أبو عمرَ: لم يبلُغْنِى أَنَّ أَحدًا مِن حمَلَةِ العلمِ فَوَمِنِ الطَّاعُونِ ، إلا ما
ذكَر المدائنيُ أنَّ علىَّ بنَّ زيدٍ بن جدعانَ هرَب مِنِ الطَّاعُونِ إِلى السَّيَّالَةِ (١)،
فكان يُجَمِّعُ كلَّ جُمُعَةٍ ويرجعُ، فكان إذا جَمَّعَ صامحوا به : فرَّ مِن
الطَّاعُونِ. فَطُعِنَ فماتٌ بِالسَّيَّالَةِ . قال: وهرَب عمرُو بنُّ عُبيدٍ ورِبَاطُ بنُ
محمدٍ بنِ رِيَاطٍ إلى الرباطيةِ(١) ، فقال إبراهيمُ بنُ علىّ الفقيميُّ:
صَبَرْتُ ولم يَصْيِرْ رِبَاطٌ ولا عَمْرُو
ولما اسْتَفَزَّ الموتُ كلَّ مُكَذِّبٍ
أُخبرنا خلفُ بنُّ القاسم، قال حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيق، قال: حدَّثنا
يَمُوتُ بنُّ المُزرِّع، قال: حدَّثنا الرِّياشىُّ، قال: حدَّثنا الأصمعىُ، قال :
لما وقَع الطَّاعونُ الجارِفُ بالبصرةِ فَنِى أَهلُها، وامتنعَ الناسُ مِن دَفْنٍ
موتاهم ، فدخَلَتِ السّبائُ البصرةَ علی ریح الموتَی ، وخلّتْ سِكةُ بنی جریرِ
مِنِ الناسِ ، فلم يُثْقِ اللهُ فيها سِوَى جاريةٍ، فسَمِعَتْ صوتَ الذِّقْبِ فى
سِكْتِهم ليلاً، فأنْشَأْت تقولُ :
ألا أَيُّها الذِّئْبُ المُنادِى بشُخرَةٍ
إِلىَّ أَنبقْكَ الذى قد بَدَا لِيًا
القبس
(١) السيالة: أرض يطؤها طريق الحاج، وقيل: هى أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة .
معجم البلدان ٢٠٨/٣.
(٢) الرباطية: ماء فى الطريق إلى البصرة من جزيرة العرب. ينظر بلاد العرب ص ٣١٩.
(٣) فى النسخ: ((القعنبى)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تفسير القرطبى ٢٣٥/٣.
والبيت فى التعازى والمراثى للمبرد ص ٢١٣.
٦٠٠