Indexed OCR Text

Pages 561-580

الموطأ
وإن رَعَيتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَها بقَدَرِ اللهِ؟ قال: فجاء عبدُ الرحمنِ بنُّ التمهيد
عوفي، وكان متغيًّا فى بعضِ حاجتِهِ، فقال: إنَّ عِنْدِى مِن هذا
عِلْمًا، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَّهِ يقولُ: ((إذا سَمِعتم به بأرضٍ فلا
تَقْدَمُوا عليه، وإذا وَقَعَ بأرض وأنتم بها، فلا تَخْرُجوا فِرارًا منه)).
فحَمِد اللهَ عمرُ ثم انصَرَف(١).
القبس
الثانيةُ: قَصْدُه إلى الثَّغْرِ لتَفَقُّدِ أمورِهِ، والإرهابِ على عدوّه.
الثالثةُ: تَوْكُ الإمامِ دَوْحَةَ الملكِ ومَقَرّ الخلافةِ خاليةٌ منه .
الرابعةُ: تَلَقِّى الولاةِ والناسِ له شوقًا أو تعظيمًا، وقد كان يُفْعَلُ ذلك
بالنبيِّ وَلِهِ.
الخامسةُ: تَوَتُقُه للخبرِ المَخُوفِ .
السادسةُ: استشارتُه للناسِ، وهى سُنَّةٌ فى الجاهليةِ والمِلَّةِ؛ لأن الاسْتِشارةَ
مَخاضَةُ العقلِ ومِحْضَنتُه .
السابعةُ: الكلامُ بالآراءِ دونَ ذكرٍ لقولِ اللهِ أو لقولِ رسولِ اللهِ وَله
الثامنةُ: ترتيبُ الناسِ على منازلهم كما رُوِى فى الحديثِ: أُمِرنا أن نُنْزِلَ
الناسَ منازلَهم(١).
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١٧ظ، ٥ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٦٧).
وأخرجه أحمد ٢١٤/٣ (١٦٨٣)، والبخارى (٥٧٢٩)، ومسلم (٩٨/٢٢١٩)، وأبو داود
(٣١٠٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٥٢٢) من طريق مالك به .
(٢) أبو داود (٤٨٤٢).
٥٦١
( موسوعة شروح الموطأ ٣٦/٢١)

الموطأ
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطآتٍ (١) )) عندَ أكثرِ الرواةِ.
التمهيد
القبس
التاسعةُ: البدايةُ بالهجرةِ؛ وهى المنزلةُ الثالثةُ فى الدينِ، والرابعةُ هى
النُّصرةُ .
العاشرةُ: تَقْدِيمُها على النَّصْرةِ، وقد بَيْنَّا فى ((شرحِ الحديثِ)) الجمعَ بِينَ
ذلك وبينَ قولِ النبيِّ وَلِّ: ((لولا الهِجْرةُ لكنتُ امرَأُ مِن الأنصارِ))(١).
الحاديةَ عَشَرَ: تَعْديدُ هجرةِ الفتحِ فى جملةِ المناقبِ، وإن كانت غيرَ
معدودةٍ فى أحكامٍ الهجرة .
.
الثانيةَ عشَرَ : تقديمُ مَشْيخةٍ قريشٍ على مَن سِواهم من الناسِ ؛ لفضلِ البَيْتِيَّةِ
ولمحزمةِ القَرَابةِ ، وبعدَ ذلك فلا فضيلةً ، بل الناسُ سَوَاسيةٌ كأسنانِ المُشْطِ إِلَّ مَن
قدَّمه العلمُ والعملُ .
الثالثةَ عِشَرَ : إمضاءُ العزائمِ. وقد نظَر بعضُهم إليه .
الرابعةَ عشَرَ : تَرَقُّبُ العَواقِبِ واعتبارُ المَآلِ. وقد نظرَ بعضُهم إليه .
الخامسةَ عَشَرَ: أَحْذُ الإمامِ فى الفَتْوى بما يَرى .
السادسةَ عَشَرَ : إمضاؤُه لِلِحُكْمِ ؛ لقولِه: إنى مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ .
السابعةَ عَشَرَ : مراجعةُ الفَتْوى بعدَ القضاءِ، ولكن مِئَّن اؤْتُمِن .
الثامنةَ عَشَرَ : الإقرارُ بالقضاءِ والقَدَرِ . ويأتى إن شاء اللهُ تعالى.
(١) فى الأصل، م: ((الموطأ)).
(٢) البخارى (٣٧٧٩)، ومسلم (١٠٦١).
٥٦٢

الموطأ
ورَواه إبراهيمُ بنُ عمرَ بنِ أبى الوَزِيرِ ، عن مالك ، عن ابنِ شهابٍ ، عن التمهيد
عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن عبدِ اللهِ بنِ عبد الله بن الحارث بنِ
تَوْفَلٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ(١) . وليس فى ((الموطأ)): عن أبيه .
ورواه ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب ، عن عبد الحمیدِ بنِ
القبس
التاسعةَ عَشَرَ : إثباتُ التصوفِ به وفيه (" وإليه" فى طَرَفي النقيضِ.
الموفّةُ عشرين : التمثيلُ والتنظيرُ فى مسائلِ الدينِ ، والحُكّمُ بها على أفعالٍ
المسلمین .
الحاديةُ والعشرونَ: اجْتِزاءُ الحاكمِ بمَن حضَر عمَّن غابَ .
الثانيةُ والعشرونَ: دخولُ القياسِ فى أُصُولِ الدينِ، وبالقياسِ عُرِف اللهُ،
ولولاه ما كان إلى العلم به سبيلٌ لأحدٍ مِن الخلقِ .
الثالثةُ والعشرونَ : العملُ بخيرِ الواحدِ فى الأمورِ العِظامِ، فكيف فى الأمورِ
الصِّغارِ ؟!
الرابعةُ والعشرونَ: تَشْميةُ رسولِ اللهِ وَ لِّ الطاعونَ رِجْزًا أُرسِل على مَن
كان قبلَنا (١) ، وقد سمّاه شهادةً عندنا، فقال: ((والمطعونُ شهيدٌ))(٤). وقد بينا
(١) ذكره الدارقطنى فى العلل ٢٥٤/٤ عن ابن أبى الوزير به .
(٢ - ٢) سقط من : ج ، ومطموسة فى د .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٢٠) .
(٤) تقدم فى الموطأ (٥٥٦) .
٥٦٣

الموطأ
التمهيد عبد الرحمنِ، عن٢) عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ ، عن ابنِ عباسٍ. لم
ءِ
يقل: عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ . والذى فى ((الموطاً))، عن عبد الله بن
عبدِ الله بن الحارِثِ .
وروايةُ يُونُسَ ، عن ابنِ شهابٍ كما قال ابنُ وهبٍ(١) . وأَظُنُه دخَلَ عليه
لفظُ حديثٍ(٤) أحَدِهما فى الآخَرِ .
القبس ذلك فى ((شرح الحديث(٥)) بيانًا شافيًا، لُبابُه أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعَله عذابًا لمَن
کان قبلنا بحكمته، وجعله شهادةً لنا برحمته .
الخامسةُ والعشرونَ: قولُه: (لا تَقْدَمُوا عليه)). لأمورٍ؛ منها ألاَّ يَتَعْرَّضَ
للحُتُوفٍ، وإن كان لا نجاةَ مِن قَدَرِ اللهِ، ولكن مِن حُسْنٍ قَدَرِهِ أن يُسِّرَ لك
الحذرَ. ومنها ألَّا يُشرِكَ به، فيقولَ: لو لم أدخُلْ ما مرِضتُ.
السادسةُ والعشرونَ: قولُه: ((لا تَخْرُجوا فِرَارًا منه». وقد بَنَّه فيما تقدَّم.
(١) فى م: ((بن)).
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٣٠٣، ٣٠٤ من طريق ابن وهب به، وفيه: (عن
عبد الله بن عبد الله بن الحارث)).
(٣) أخرجه مسلم (٩٩/٢٢١٩) من طريق يونس به.
(٤) سقط من: م.
(٥) فى ج، م: ((الصحيح)).
٥٦٤

الموطأ
وروايةٌ صالح بنِ نصرٍ لهذا الحديث "عن مالكٍ) كما روَى التمهيد
ابنُ وهب) .
وأمَّا عبدُ الحميدِ، فقد تقَدَّمَ القولُ فيه . وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ الحَارِثِ بنِ نَوْفَلِ، فمَشْهُورٌ، روى عنه ابنُّ شهابٍ أحادیثَ ؛ منها
حديثُ الصَّدَقَّةِ، الحديثُ الطويلُ الذى فيه: ((إِنَّما الصدقةُ أُوساخُ
الناسٍ)). تَزْوِيه مالِكٌ(٣)، وصالِحُ بنُ كَيْسانَ(4)، وغيرهما، عن ابنِ
شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفلٍ هذا، عن عبد
المطْلِبِ بن رَبِيعَةً بن الحارِثِ ابنِ عبدِ المطْلِبِ . وَيَرْوِى عبدُ اللهِ بنُ
عبدِ اللهِ هذا أيضًا عن أبيه المعروف بـ: بيَّةً، قال: سألتُ فى إمارةٍ
عثمانَ وأصحابُ رسولِ اللهِ وَال ـ مُتَوافِرُون، عن صلاةِ الضُّحى. روَى
هذا الخبرَ أيضًا الزهرىُّ، عنه، عن أبيه(٥). وقد اختُلِف عليه فيه ،
فقيل: عن عبدِ اللهِ، عن أبيه. وقيل: عن عبيدِ اللهِ، عن أبيه .
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه الدارقطنى - كما فى فتح البارى ١٨٤/١٠.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٥٥) من الموطأ .
(٤) أخرجه أحمد ٦١/٢٩ (١٧٥١٩)، وابن حبان (٤٥٢٦) من طريق صالح بن كيسان به .
(٥) تقدم تخريجه فى ٦٤٤/٥.
٥٦٥

الموطأ
التمهيد والصوابُ فيه إن شاء اللهُ، عبدُ اللهِ. وكذلك قال عبدُ الكرِيم أبو
أَمَيَّةَ ، ويَزِيدُ بنُّ أبى زِيَادٍ (١) ، عنه فى حديثٍ صلاةِ الضُّحَى، فابنُ
شهاب یروی عن عبد الله بن عبد الله بن الحارثِ نَفْسِه، ویروِی عن
عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنه، فاللهُ أعلمُ .
وأمّا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ أخو عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ هذا، فقد تقَدَّمَ ذِكْرُه
فى البابِ الذى(٢) قبلَ هذا(٢). وأمّا أخُوهما عبيدُ اللهِ ، فمعروفٌ أيضًا عندَ
أهلِ الأَثَرِ وأهلِ النَّسَبِ ، وله ابنٌ يُسَمَّى العباسَ، ولهم عندَ أهلِ النَّسَبِ
أُخَوَانِ ؛ أحدُهما، الصلتُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ، كان مِن
رجالٍ قريشٍ، وكان عندَه بِنتانِ لعَلِىٌّ بن أبى طالِبٍ ، قال العَدَوِىُّ: وكان
ـَقِيهًا .
قال أبو عمَر : أظُنُّه كان له حظٍّ مِن العِلْمِ ، ولا أحفَظُ له رِوايَةً ، وعونُ
ابنُ عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ ، وابنُّه الحارِثُ بنُ عَوْنٍ كان جوَادًا ، وفيه يقولُ
الشاعر :
لولا نَدَى الحارِثِ ماتِ النَّدَى وانقَطَع المسئولُ والسائِلُ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٦٤٥/٥ .
(٢) سقط من: ق، م.
(٣) تقدم فى ١٠/ ٢٩١.
٥٦٦

الموطأ
أمَّا قولُ الذُّهلِيّ بأنَّ بَةَ كان له ثلاثةُ بَتِينَ، فإنَّما أخَذه مِن الأحاديثِ ، التمهيد
ولم يُطالِعِ ما قالَه أهلُ النَّسَبِ . واللهُ أعلمُ .
وفى هذا الحديثِ مِن المعانى خُروجُ الخليفةِ إلى أعمالِهِ يُطالِعُها ،
وینظُرُ إليها ، ويعرِفُ أحوالَ أهلها ، و کان عمُ رضِى اللهُ عنه قد خرج إلى
الشامِ مَرَّتَين فى قولِ بعضِهم، ومنهم مَن يقولُ: لم يَخرُجْ إلَّا مرَّةً واحدةً ،
وهى هذه. والمعروفُ عندَ أهلِ السِّيَّرِ أَنَّه خَرَج إليها مَرَّتَيْنِ.
ذكَرَ خَلِيفَةُ(١)، عن ابنِ الكليِيِّ، قال: لما صالَح أبو عبيدةَ أَهلَ
حَلَب، شَخَصَ وعلى مُقَدَّمَتِهِ خالدُ بنُ الوليدِ، فحاصرًا (١) أهلَ إِيلِيًّا،
فسألوه الصُّلحَ على أن يكونَ عمرُ هو يُعْطِيهم ذلك، ويكتُبُ لهم أمانًا ،
فكتَبَ أبو عُبيدَةَ إلى عمرَ، فقَدِمَ عمرُ فصالَحَهم، وأَقَام أَيَّامًا ، ثم شَخَصَ
إلى المدينَةِ ، وذلك فى سنّةٍ سِتَّ عشْرةَ.
قال أبو عمرَ: وكان خُروجُه المذكورُ فى هذا الحديثِ سنةً سبعَ
عشْرَةَ .
قال خليفَةُ بنُ خياطٍ (١): فيها خرَجَ عمرُ بنُ الخطابِ إلى الشامِ،
القبس
(١) تاريخ خليفة ١٢٤/١.
(٢) فى الأصل: ((محاصرا))، وفى تاريخ خليفة: ((فحاصر)).
(٣) تاريخ خليفة ١٢٦/١.
٥٦٧

الموطأ
التمهيد واستَخْلَفَ على المدينَةِ زيدَ بنَ ثابتٍ ، وانصَرَفَ مِن سَرْغَ وبها الطَّاعُونُ.
وقد تقَدَّمَ فی باپٍ ابن شهاب ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامٍ بنِ رَبِيعَةً فی ذِكْرِ
سَرْغَ، ومَغْنَى الطَّاعُونِ، وأخبارٍ (١) الفِرارِ منه، ما يُغْنِى عن تَكَرِيرِه
(٢)
هدهُنا(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنا أبى، حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ يونسَ، حدَّثنا بَقِيٌّ، حدَّثنا ابنُ أبى شيبةَ، حدَّثنا محمدُ بنُ
بشرٍ، حدَّثنا هشامُ بنُّ سعدٍ ، قال : حدَّثنى عروةُ بنُ رُويم ، عن القاسم ،
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ١ ، قال: جِئْتُ عمرَ حينَ قَدِمِ الشامَ ، فوجَدتُه قائِلًا
فى خِبَائِه، فانتَظَرتُه فى فَىْءِ الخِبَاءِ، فسَمِعتُه حينَ تَضَوَّرَ مِن نَومِه وهو
يقولُ : اللَّهُمَّ اغفِرْ لی رُجُوعِى مِن غزوةِ سَرْغُ. يَعْنِی حینَ رجَعَ مِن أُجْلِ
(٤)
الوَبَاءِ (٤).
وفيه استِعمالُ الخليفةِ أمراءَ عدَدًا فى موضِع واحِدٍ لؤُجوهٍ يَصْرِفُهم
فيها ، وكان عمرُ قد قَسَمَ الشامَ على أربعةِ أَمراءَ، تحتَ(٥) كُلِّ واحِدٍ منهم
١ .
القبس
(١) بعده فى ق، م: ((فى)).
(٢) سيأتى ص٥٩٦ - ٦٠١.
(٣) فى النسخ: ((عمرو)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٣٢/١٥،
وفتح البارى ١٨٧/١٠.
(٤) ابن أبى شيبة ٤١/١٣، ٤٢.
(٥) بعده فى م: (يد)).
٥٦٨

الموطأ
مُنْدٌ وناحِيَّةٌ مِن الشام ؛ منهم أبو عبيدة بنُ الجَرَّاح، وشُرّخْبِيلُ ابنُ حَسَنَةً ، التمهيد
ويَزِيدُ بنُ أبى سفيانٌ ، وأحْسَبُ الرابعَ معاذ بن جبل، كلّ واحدٍ منهم على
ناحِيَّةٍ مِن الشاماتِ (١) ، ثم لم يَمُتْ عمرُ حتى جُمَع الشام لمعاويَةً، وقد
استَخْلَف زيد بنّ ثابتٍ مَرَّاتٍ على المدينةِ فى خُروجِه إلى الحُجُّ ، وما أظُنُّه
استَخلَفَ غيرَ زيدٍ بن ثابتٍ قطُّ فى خروجِه مِنَ المدينةِ ، إِلَّا ما محكِى عن(٢)
أبى المليح، أنَّ عمرٌ اسْتَخْلَفَ خالا له مَرَّةٌ واحدةٌ على المدينةِ ، يقالُ له :
عبدُ اللهِ(٣) . وأمّا عُمَّالُه فى أقطارِ الأرضِ فكثيرٌ، وكان يَعْزِلُ ويُوَلِّى كثيرًا ،
لا حاجةً بنا إلی ذِکْرهم مھنا، وإنّما ذكرنا هذا لما فى الحدیثِ مِن ذكْرِ
أمراءِ الأجْتَادِ ؛ أبو عُبيدَةَ وأصحابُه .
وفيه دليلٌ على إباحةِ العملِ والولايةِ ، وأن لا بأسَ بها(٤) للصَّالحِينَ
والعلماءِ، إذا كان الخليفَةُ فاضِلاً عالِمًا، يأْمُرُ بالحقِّ ويعدِلُ .
" وفيه دليلٌ على استِعمالٍ مَشُورَةٍ مَن يُوثَقُ بفَهْمِه وعَقْلِه عندَ نُزُولٍ
الأمرِ المعضِلِ) .
القبس
(١) فى م: ((الشام)).
(٢) بعده فى الأصل: ((ابن)).
(٣) تاريخ خليفة ١٥٤/١.
(٤) سقط من: م.
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل.
٥٦٩

الموطأ
وفيه دليلٌ على أنَّ المسألةَ إذا كان سبيلُها الاجتهادَ، ووقَع فيها
التمهید.
الاختلافُ، لم يَجُزْ لأَحَدِ القَائِلِينَ فيها عَيْبُ مُخَالِفِه، ولا الطَّعْنُ
عليه، ((ألا تَرَى أنهم١) اختَلَفوا، وهم القُدوَةُ، فلم يعِبْ أُحَدٌ منهم على
صاحبِه اجتهادَه، ولا وجَدَ عليه فى نَفْسِه؟ إلى اللهِ الشَّكْوَى وهو
المستعانُ ، على أُمَّةٍ نحن بينَ أَظْهُرِها، تَسْتَحِلَّ الأعرَاضَ والدماءَ، إذا
خُولِفَتْ فيما تَجِىءُ به مِن الخَطَأُ .
وفيه دليلٌ على أنَّ المجتهِدَ إذا قادَه اجتِهادُه إلى شيءٍ خالَفَه فيه
صاحِبُه، لم يَجُزْ له الميلُ إلى قولٍ صاحِبه إذا لم تَيْنْ له (٢) موضِعُ(٣)
الصَّوابِ فيه، ولا قام له الدليلُ عليه .
وفيه دليلٌ على أنَّ الإمامَ أو(٤) الحاكِمَ إذا نزلت به نازلةٌ لا أصلَ لها فى
الكِتابِ ولا فى السُّنَّةِ، كان عليه أن يجمَعَ العلماءَ وَذَوِى الَّأي
وُشاوِرهم ، فإن لم يأتِ واحدٌ منهم بدلیل کتابٍ ولا سُنَّةٍ غیر اجتهادِه ،
كان عليه الميلُ إلى الأصلَحِ، والأخذُ بما يَرَاه .
وفيه دليلٌ على أنَّ الاختلافَ لا يُوجِبُ حكمًا، وإنَّما يوجِبُ النَّظَرَ،
القبس
(١ - ١) فى م: ((لأنهم)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ق، م: ((موقع)).
(٤) فى م: ((و)).
٥٧٠

الموطأ
التمهيد
وأنَّ الإجماعَ يوجِبُ الحُكمَ والعمَلَ .
وفيه دليلٌ على إثباتِ المناظَرَةِ والمجادلةِ عندَ الخِلافِ فى النَّوَازِلِ
والأحكامِ، أَلَا تَرَى إلى قولٍ أبى عبيدةً لعمرَ رَحِمَهما اللهُ تعالى: تَفِرُّ مِن
قَدَرِ اللهِ؟ فقال: نعم ، نفِرُّ مِن قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ. ثم قال له: أرأيتَ؟
فقایَسَه وناظَرَه بما يُشْبِهُ فى مسألتِه .
وفيه دليلٌ على أنَّ الاخْتِلافَ إذا نزَلَ، وقامَ الحِجَاجُ، فالحُجّةُ
والفَلْجُ(١) بَيَدِ مَن أُدْلَى بالسنةِ، إذا لم يكنْ مِن الكتابِ نَصّ لا يُختَلَفُ فى
تَأْوِيلِه . وبهذا أمَرَ اللهُ عبادَه عندَ التنازع، أن يَؤُدُّوا ما تَنازَغُوا فیه إلی کتابٍ
اللهِ وسنةٍ نَبِّه وَّله، فمَن كان عندَه " مِن ذلك" عِلْمٌ، وجَبَ الانقيادُ
إليه .
وفيه دليلٌ على أنَّ الحديثَ يُسَمَّى عِلْمًا، ويُطْلَقُ ذلك عليه، أَلا تَرَی
إلى قولِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ : عندى مِن هذا عِلْمٌ ؟
وفيه دليلٌ على أنَّ الخَلْقَ يَجْرُونَ فى قَدَرِ اللهِ وعِلْمِه، وأنَّ أَحَدًا منهم أو
شيئًا لا يخرج عن حكمِه وإرادَتِه ومَشِيئَتِه، لا شريكَ له .
وفيه أنَّ العالِمَ قد يُوجَدُ عندَ مَن هو فى العِلْمِ دُونَه ما لا يُوجَدُ منه
القبس
(١) الفَلْجُ: الظفر والفوز. التاج ( ف ل ج).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((فيه)).
٥٧١

الموطأ
التمهيد عندَه؛ لأنَّه مَعْلُومٌ أَنَّ مَوضِعَ عمر مِن العِلْم، ومكانه مِن الفهم ، وُنُؤَّه مِن
رسولِ اللهِ ﴾ فى المدخَلِ والمخْرَجِ، فوقَ عبد الرحمن بن عوفٍ، وقد
كان فى هذا البابِ عندَ عبد الرحمنِ عنه عليه السَّلامُ ما لم يكنْ عند)
عمرَ. وهذا واضِحٌ يُغنِى عن القول فيه. وقد جَهِل محمدُ بنُ سيرينَ
حديثَ رُجوعٍ عمرَ مِن أْلِ الطَّاعُونِ .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ عونٍ، عن
محمدٍ ، قال: ذُكِر له أنَّ عمرَ رجَع مِن الشامِ حينَ سَمِع أن ١ بها وَبَاءً، فلم
يعرِفْه، وقال: إنّما أُخبِرِ أنَّ الصائفَةَ لا تخرجُ العامَ فَرَجَع .
وفيه أنَّ القاضِىَّ والإمامَ والحاِمَ لا يُنْفِذُ قَضاءً ولا يفْصِلُه إلَّا عن
مشُورَةٍ مَن بحَضرتِهِ ويَصِلُ إليه ويَقْدِرُ عليه مِن علماءِ موضعِه. وهذا
مشهورٌ مِن مذهَبٍ عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه .
ذكَر سيفُ بنُ عمرَ) ، عن عبدِ اللهِ بنِ المستَوْرِدِ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ، قال: عهِدَ عمرُ إلى القضاةِ أَلَّا يَصْرِمُوا القَضاءَ إلّا عن مَشُورَةٍ،
القبس
٠٫٣٠
(١ - ١) فى ق، م: ((جهله)).
(٢) ابن أبى شيبة ٤٢/١٣، ٤٣.
(٣) سقط من: م.
(٤) سیف بن عمر التیمی الُرجمی، صاحب کتاب ((الردة والفتوح)) أخباری کالواقدى، روی
عن خلق كثير من المجهولين، ضعيف الحديث تكلموا فيه. تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٤، وميزان
الاعتدال ٢/ ٢٥٥.
٥٧٢

الموطأ
وعن مَلأْ وتَشَاؤُرِ، فإِنَّه لم يَبْلُغْ مِن علْم عالم أن يَجْتَزِئ به حتى يجمَعَ بينَ التمهيد
عِلْمِه وعلم غيرِه . وتمثَّلَ (١):
خَلِيلَّ ليس الرُّأْىُ فى صَدْرٍ () واحدٍ أَشِيرا علىَّ اليومَ ما تَرَيانى
٠٠
قال سيفٌ: وحدَّثنا سهلُ بنُ يُوسُفَ بنِ سَهْلٍ بن مالكِ الأنصارِىُّ،
عن أبيه، عن عبيدٍ بنٍ صَخْرِ بنِ لُوذَانَ الأنصارىِّ، قال: بعث رسولُ اللهِ
وَ* معاذَ بنَ جبلِ معلِّمًا لأهلِ اليمنِ وحضرَ مَوْتَ، فقال: ((يا معاذُ، إِنَّك
تَقْدَمُ على أهلِ كتابٍ، وإنَّهم سائِلُوكَ)). فذَكَرَ الحديثَ، وفيه: (( ولا
تَقْضِيَنَّ إلَّا بِعِلْم، وإن أُشكَلَ عليكَ أمرٌ، فسَلْ، وَاسْتَشِرْ، فإنَّ المستَشِيرَ
مُعانٌّ ، والمستشَارَ مُؤْتَمَنٌ، وإنِ الْتُبِس عليكَ فِقِفْ حتى تَتَبَيَّنَ، أَو تَكتُبَ
إلىَّ، ولا تَصْرِمَنَّ قضاءً فيما لم تَجِدْه فِى كِتابِ اللهِ أو سُنَّتِى إلّا عن ملأ)).
وذكر تمامَ الخيرِ (١).
وفيه دليلٌ على عَظِيم ما كان عليه القومُ مِن الإنصافِ العِلْم ، والانقيادِ
إليه، وكيف لا يكونون(٤) كذلك وهم خيرُ الأُمم رضِى اللهُ عنهم؟
وفيه دليلٌ على استِعمالِ خبَرِ الواحِدِ وقبولِه، وإيجابِ العملِ به،
القبس
(١) البيت بلا نسبة فى الحيوان ٢١٢/٤، ونفح الطيب٠ ٤/ ٤٤٨.
(٢) فى الحيوان: ((رأى)).
(٣) أخرجه ابن عساكر ٤١٠/٥٨ من طريق سهل بن يوسف به .
(٤) فى م ۔ ۔(یکون)).
٥٧٣

الموطأ
التمهيد وهذا(١) أوضَحُ وأقوى ما نَزْوِى مِن جِهَةِ الآثَارِ فى قبولٍ خبرِ الواحِدِ؛ لأُنَّ
ذلك كان فى جماعةِ الصحابةِ وبمَحضَرِهم، فى أمرٍ قد أُشكَلَ عليهم ،
فلم يقولوا لعبد الرحمنِ بنِ عوفٍ: أنت واحِدٌ ، والواحِدُ لا يجبُ قبولُ
خبّرِهِ، إِنَّما يجبُ قبولُ خبّرِ الكافَّةِ . ما أعظَمَ ضلالَ مَن قال بهذا! واللهُ عزَّ
وجلَّ يقولُ: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْبَلٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾ [الحجرات: ٦]. وقُرِقَتْ:
(فَتُوا)(٢). فلو كان العَدْلُ إِذا جاءَ بنَبَأْ يُنَّتُ فى خبرِه ولم يُنَفَّذْ ،
لاسْتَوَى الفَاسِقُ والعَدْلُ، وهذا خِلافُ القرآنِ ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَمْ
تَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَلْفُجَّارٍ﴾ [ص: ٢٨] . والقولُ فى خَبْرِ العدلِ مِن جِهَةِ النظرِ
له موضعّ غيرُ هذا. وما التوفيقُ إلَّا باللهِ .
وقد مَضَی فی معنی (١) الطّاعُونِ أخبار وتفسِيرٌ فی بابِ ابنِ شهاب ،
عن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ(٤)، لا معنَى لتَكْرَارِها هلهُنا، والعربُ تزعُمُ أَنَّ
الطاعونَ طَعْنٌّ مِن الشيطانِ، وتُسَمِّيه أيضًا رِمَاعَ الجِنِّ. ولهم فى ذلك
أشعارٌ لم أذكُرْها؛ لأَنِّى على غيرِ يَقِينٍ منها . وقد رُوِى أَنَّ عمرو بن العاصی
القبس
(١) بعده فى م: ((هو)).
(٢) وبها قرأ حمزة، والكسائى، وخلف، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر،
وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿فتبينوا﴾. النشر ١٨٩/٢.
(٣) سقط من: ق .
(٤) سيأتى ص٥٩٦ - ٦٠١.
٥٧٤

الموطأ
قام فى الناسٍ فِى طاعُونِ عَمَوَاسٍ(١) (٢ فى الشَّام٢ِ) ، فقال: إنَّ هذا الطَّاعُونَ التمهيد
قد ظهَرَ، وإنَّما هو رِجْزٌ مِن الشيطانِ ، ففِرُّوا منه فى هذه الشِّعابِ . فأنكَرَ
ذلك علیه معاذ بن جبل .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا ابنُ
وضّاح ، حدّثنا دُخیم ، حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلِم، عن الوليد بن محمدٍ ، عن
الزهرىٌّ، قال: أصاب الناسَ طاعُونٌ بالجابِيَةِ(١) ، فقام عمرُو بنُ العاصى
فقال: تفَرَّقوا عنه، فإِنَّما هو بمنزِلةِ نارٍ. فقام معاذُ بنُ جبلٍ ، فقال: لقد
كنتَ فينا ولأَنت أضَلُّ مِن حمارٍ أهلِكَ، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَه يقولُ:
((هو رحمةٌ لهذه الأَمَّةِ)). اللهمَّ فاذكُرْ معاذًا وآلَ معاذٍ فيمَن تذكُرُ بهذه
الرحمةِ .
قال دُحَيْمٌ: وحدَّثنا عفانُ، عن شعبةً، عن يزيدَ بنِ خُمَيْرٍ، قال :
سمِعتُ شُرَحْيِيلَ بنَ شُفْعَةً (٤) يُحَدِّثُ، عن عمرو بنِ العاصى ، قال: وقَع
الطاعونُ بالشام، فقال عمرو : إِنَّه رِجْسٌ، فَتَفَرَّقُوا عنه. فقال شُرَحْبِيلٌ :
القبس
(١) عمواس: بلدة على ستة أميال من الرملة على طريق بيت المقدس. معجم البلدان ٧٣٩/٣.
(٢ - ٢) فى م: ((بالشام)).
(٣) الجابية: قرية من أعمال دمشق من ناحية الجولان . معجم البلدان ١/ ٩١.
(٤) فى ق: ((شعبة)). وينظر تهذيب الكمال ٤٢٣/١٢.
٥٧٥

١٧٢٠ - وحدَّثنى عن مالك ، عن محمد بنِ المُنکیرِ، وعن
الموطأ
سالم أبى النَّضرِ مولَى عمرَ بنِ عُبيدِ اللهِ ، عن عامرٍ بن سعد بن أبى
التمهيد سمِعتُ رسولَ اللهِ وََّ يقولُ: ((إِنَّها(١) رحمةٌ بكم (٢)، ودعوةٌ
نَبِيِّكم، " وموتُ الصالحين قبلكم، فاجتَمِعوا ولا تفرّقوا عنه))(٤).
قال أبو عمر٢َ): أظُنُه أرادَ بقوله: ((ودعوةُ نبيِّكم». قولَه وَلّه:
((اللهمَّ اجعَلْ فناءَ أُمَّتِى بالطَّعْنِ والطاعون)). وقد ذكَّرْنَا هذا الخبر فى
مواضِعَ مِن هذا الكتابِ، ورُوِّينا عن ابن مسعودٍ أَنَّه قال: الطَّاعونُ
فِتنةٌ على المُقِيم وعلى (١) الفَارٌ؛ أمَّا الفارُّ فيقولُ: فَرَرْتُ فنجَوْتُ. وأمّا
المقيمُ فيقولُ: أَقَمتُ فمِتُّ. وكّذَبَا؛ فَوَ مَن لم يَجِئْ أَجَلُّه، وأقام مَن
جاء أجلُه(٧) .
مالك، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، وعن سالم أبى النُّضْرِ مولَّى عمرّ بنِ
القبس
(١) فى الأصل: ((إِنه)).
(٢) فى الأصل: ((ربكم)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٠/٢٩ (١٧٧٥٥) من طریق عفان به ، وأخرجه ابن حبان (٢٩٥١) من
طريق شعبة به .
(٥) تقدم تخريجه فى ١٠/٨.
(٦) ليس فى: الأصل، م.
(٧) بعده فى م: ((وقد مضى القول فى الفرار من الطاعون فى باب ابن شهاب عن عبد الله ابن
عامر بن ربيعة، والحمد لله)).
٥٧٦

الموطأ
وقّاص ، عن أبيه ، أنه سمعه يسأل أسامة بن زيدٍ : ما سمعت من رسول
اللهِ وَلَّه فى الطاعونِ؟ فقال أُسامةُ: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((الطاعونُ
رِجزّ أُرسِلَ على طائفةٍ من بنى إسرائيلَ، أو على مَن كان قبلكم ، فإذا
سمِعتُم به بأرضٍ فلا تدخُلوا عليه، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا
تخرجوا فرارًا منه» .
قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقول: قال أبو النضرِ: ((لا يُخرِجُكم
إلا فرارًا منه)).
عبيدِ اللهِ، عن عامٍ بن سعدٍ بن أبى وقاصٍ، عن أبيه، أنَّه سمِعه يسألُ التمهيد
أسامةَ بنَ زيدٍ: ما سمِعتَ مِن رسولِ اللهِ وَِّ فِى الطَّاعُونِ ؟ فقال أسامةُ :
قال رسولُ اللهِ وَله: «الطاعونُ رِجْزٌ أُرسِل على طائفةٍ مِن بنى إسرائيلَ، أو
على مَن كان قبلكم، فإذا سمعتُم به بأرض فلا تدخُلوا عليه، وإذا وقع
بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فِرارًا منه)). قال مالك: قال أبو النضرِ: ((لا
يُخْرِ مجكم إلّا فِرَارًا(١) منه))(٢)
قال أبو عمر: مکذا قال یحیی فی هذا الحديث : عامِرُ بنُ سعد ، عن
القبس
(١) فى الأصل، ى، م: (فرار)) وأشار فى حاشية ى إلى أنه فى نسخة: ((فرارا)). وكتب
فوقها (صح)). وينظر ما سيأتى ص ٥٩٠ - ٥٩٤.
(٢) أخرجه أحمد ٩٥/٣٦ (٢١٧٦٣)، والبخارى (٣٤٧٣)، ومسلم (٩٢/٢٢١٨)،
والنسائى فى الكبرى (٧٥٢٥) من طريق مالك به.
٥٧٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٧/٣١٩)

الموطأ
التمهيد أبيه، أنَّه سمِعه يسألُ أسامةَ. وتابَعَه على ذلك مِن رُواةٍ ((الموطأُ)) جماعةٌ ،
منهم مُطرّفٌ، وأبو مُصعبٍ (١) ، ويحيى بنُ يحيى النَّيْسابُورِىُّ(١) . ولا وجه
لِذِكْرِ أبيه فى ذلك؛ لأنَّ الحديثَ إِنَّما هو لعامِرٍ بنِ سعدٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ ،
سمِعه منه. وكذلك رَوَاه معنُ بنُ عيسى، وابنُ بكيرٍ ()، ومحمدُ بنُ
الحسنِ، وجماعةٌ سواهم، عن مالك ، لم يقولوا: عن أبيه . وقد جوَّدَه القعنبىُّ،
فروَى عن مالكِ، عن محمدِ بنِ المنكدِرِ ، عن عامِرِ بنِ سعد بن أبى وقاص إذ(9)
أخبره، أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ أَخْبَرَه، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((الطاعونُ
رجز))(١) . وذكر الحديثَ لعامٍ، عن أسامةً ، لم یقلْ فیه : عن أبيه . ولا ذكر
أبا النضر مع محمد بن المنكدر ، وسائر ژُوَاةِ (( الموطاً)) يجمَعُون فيه عن
مالكِ أبا النَّضْرِ ومحمدَ بنَ المنكدرِ جميعًا كما روَی یحیی .
وقد روی قوم هذا الحدیثَ عن عامر بن سعدٍ ، عن أبيه، عن النبيِّ
وَلَّه. وهو عندى وَهْمْ "لا يَصِحُ، واللهُ أعلمُ، ممَّن" رواه كذلك.
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٦٨).
(٢) أخرجه مسلم (٩٢/٢٢١٨) عن یحیی بن یحیی به.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٧ظ - مخطوط) عن مالك، عن محمد بن المنكدر به .
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٥٥) عن مالك، عن محمد بن المنكدر به.
(٥) فى ى: ((أنه))، وفى م: ((أن)).
(٦) أخرجه الجوهرى فى مسند الموطأ (٢٣٦) من طريق القعنبى به .
(٧ - ٧) فى الأصل: ((والله أعلم من)).
٥٧٨

الموطأ
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا بكرُ بنُّ التمهيد
حمادٍ ، حدَّثنا مسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بنُ زِيادٍ، عن معمرٍ، عن
الزهرىِّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، عن النبيِّ وَ لِّ أنَّه ذكَر الطاعُونَ ،
فقال: ((وَجَعَّ أُرسِل على مَن كان قبلكم)) الحديث(١).
وهذا مِمَّا حدَّثَ به معمرٌ بالعراقِ ، وأهلُ الحديثِ يقولون: إنَّ ما
حدَّث به معمرٌ بالعراقِ مِن حفظه لم يُقِمْه، وأخطأ فی کثیرٍ منه .
والدَّلِيلُ على أنَّ هذا مِمَّا أخطأ فيه، واللهُ أعلمُ ، ما حدَّثنا خلفُ بنُ
قاسِم، قال: حدَّثنا ابنُ أبى العقِبِ، قال: حدَّثنا أبو زرعةَ، قال: حدّثنا
أبو اليمان(٢) ، قال : حدثنا شعیبُ بنُ أبی حمزة ، عن الزهرى ، قال حدَّثنی
عامرُ بنُ سعدٍ ، أَنَّه سَمِع أسامةَ بنَ زيدٍ وهو يُحَدِّثُ سعدَ بنَ أبى وَقَّاصٍ ، أَنَّ
النبىَّ مَ لِّ ذِكَرِ هذا الوَجَعَ. وساق الحديثَ بمَعْناهُ(١). وهذا هو الصَّحِيحُ
فيه لعامٍ، عن أسامةً، لا عن أبيه . واللهُ أعلمُ .
وقد رواه يزيدُ بنُ الهادِى، عن محمدِ بنِ المنكدِرِ، عن عامٍ بنِ
القبس
(١) أخرجه الشاشى (١١٢)، والطبرانى (٢٧٦) من طريق مسدد به، وأخرجه أبو نعيم فى
المعرفة عقب الحديث (٤٩٤) من طريق عبد الواحد به، وأخرجه الدورقى فى مسند سعد (١٠)
من طريق معمر به .
(٢) فى النسخ: ((اليمن)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٤٦/٧.
(٣) أخرجه أحمد ١٣٧/٣٦ (٢١٨٠٧)، والبخارى (٦٩٧٤) من طريق أبى اليمان به .
٥٧٩

الموطأ
التمهيد سعدٍ، عن أسامةً ، لا عن سعدٍ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
عثمانَ الصَّيدَلانِيُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا
إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبى حازِمُ(١)، عن تَزِيدَ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ الهادی، عن محمد بن المنکیرِ ، عن عامرِ بنِ سعدٍ ، عن
أسامةَ بنِ زيدٍ، عن رسولِ اللهِ وَلِ أَنَّه ذُكِر الطاعونُ عندَه، فقال: ((إِنَّه
رِجْسٌ أو رِجْزَ، عُذِّبت به أمّةٌ مِن الأمم ، وقد بقيَت منه بقايا ، فإذا سَمِعتُم
به بأرضٍ فلا تدخُلُوا (٢) عليه، وإِذَا وقَع بأرضٍ وأنتم فيه فلا تَفِرُّوا منه)) .
فقال محمدُ بنُ المنكدرِ: فحَدَّثْتُ هذا الحديثَ عمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ،
فقال: هكذا حَدَّثَنِيه عامِرُ بنُ سعدٍ (٣) .
وقد رواه عبدُ الحمیدِ بن جعفرٍ ، عن داود بنٍ عامٍ بن سعدٍ ، عن أبيه ،
عن جدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴿: ((إذا وقَع الطَّاعُونُ بأرضٍ وأنتم بها
فلا تَخْرُجُوا منها، وإذا كان بغيرِها ولستم بها فلا تدخُلُوها)) (٤) .
القبس
(١) فى م: ((خازم)). وينظر تهذيب الكمال ١٢٠/١٨.
(٢) فى ى: ((تدخلوها)).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٠٦/٤ من طريق يزيد بن الهادى به .
(٤) أخرجه البزار (١١١٠)، والشاشى (١١٣) من طريق عبد الحميد بن جعفر به.
٥٨٠