Indexed OCR Text

Pages 501-520

للرا
يا عدوّ اللهِ، أَمَا عِلِمتَ أن رسولَ اللهِ وَلَ حرَّم ما بينَ لابَتَيْها؟ يعنى الاستذكار
المدينةَ .
قال إسماعيلُ: قال مالكٌ: تحريمُ الصيدِ ما بينَ لاَتَي المدينةِ،
وتحریمُ الشجرِ بریدٌ فی برید .
ومن غير رواية مالك فی تحریم المدينة ، روی سلیمان بن بلال ، عن
سعد بنإسحاق پنِ کعب بنِ عُجْرةً، عن زينب بنت کعبِ بنِ عُجْرةً ، عن
أبى سعيد الخدرىِّ، أن النبيَّ وَ﴿ه حرَّم ما بينَ لابَتَي المدينةِ، وأنه حرَّم
شجرها أن يُعضد. قالت زينبُ: فكان أبو سعيد يضربُ قَنیه إذا صادوا
فيها، ويرسلُ الصيدَ(١).
وروَى سعدُ بنُ أبى وَقَّاصٍ، عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((مَن وجَدْتُموه
يصيدُ فى حدودِ المدينةِ، أو يقطعُ مِن شجرِها، فخُذُوا سَلَبَه))(٢). وأخَذ
سعدٌ سلب من فعل ذلك .
قال أبو عمر: فهولاء أصحاب رسولِ اللهِ وَ ل قد فهموا معنى تحريم
النبيُّ ◌َلّ للمدينة " أنه فى الصيد)، واستعملوا ذلك وأقروا به، فأين
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٨٦٠، ٤٨٧.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٩١.
(٢ - ٣) ليس فى: الأصل، م.

الموطأ
الاستذكار المذهبُ عنهم؟! بل الرشدُ كلَّه فى اتِباعهم، واتِّباع السُّنَّةِ التى نقلوها
وفهموها وعمِلوا بها .
وقال مالك: لا يُقتلُ الجرادُ فى حرمِ المدينةِ، وكان يكرهُ ما قتَل
الحلالُ مِن صيدِ المدينةِ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: صيدُ المدينةِ غيرُ
محرَّمٍ، وكذلك(١) قطعُ شجرِها .
واحتجّ الطحاوىُّ لهم بحديثٍ أنسٍ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ دخَل
دارَهم، فقال: ((يا أبا عميرٍ ما فعَل النُّغَيرُ؟))(٢) . وأبو عُمَيرٍ أَخٌ صغيرٌ كان
لأَنسٍ، وكان له نُغَرّ يلعبُ به. وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه يُمكِنُ أن يكونَ
النُّغَرِ اصْطِيد فى غيرِ حرمِ المدينةِ .
واحتجّ أيضًا بحديثٍ يونس بن أبى(٢) إسحاق، عن مجاهدٍ، عن
عائشةً، قالت: كان لرسولِ اللهِ وَلِِّ وحشٌ، فإذا خرَج لعِب واشتدَّ،
وأقبَل وأدبَر، فإذا أُحَسَّ برسولِ اللهِ وَ لَه ربَض ولم يَترمرمْ(٤) كراهيةً أن
يُؤذيَه(٥). وهذا الحديثُ أيضًا معناه معنى حديثٍ أبى عُميرٍ فى الُّغَيرِ.
القبس
(١) بعده فى ح، هـ: ((لو)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٩٥ .
(٣) سقط من: ط ١.
(٤) فى م: ((يتزمزم)).
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٩٥ .
٥٠٢
٠٠

الموطأ
ما جاء فى وباءِ المدينةِ
١٧١٢ - مالك، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ أمّ
المؤمنينَ، أنها قالت: لمَّا قدِم رسولُ اللهِ وَّهِ المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ
وبلالٌ . قالت : فدخَلتُ عليهما فقلتُ : يا أَبَتِ ، كيف تَجِدُك ؟ ويا
بلالُ ، كيف تَجِدُك ؟ قالت: فكان أبو بكرٍ إذا أخَذتْه الحُمَّى يقولُ :
والموتُ أدنَى من شِراكِ نعلِه
كلُّ امرئٍ مُصَبَّحْ فی أهلِه
وأما حُجّةُ مَن احتجّ لسقوطِ التحريم لصيدِ المدينةِ بسقُوطِ الجزاءٍ فى الاستذكار
صيدِها ، ففاسدةٌ ؛ لأن الجزاءَ فيما ذكره العلماءُ لم يكنْ فى صيدِ مكةً إلا
على أمة محمدٍ پ# خاصةً ، ولم یکنْ علی من کان قبلنا جزاء فى صيد
مكةً. ونزَعوا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ
الصَّيْدِ تَنَالُهُ: أَيْدِيكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٩٤]. وقوله: ﴿لَ نَّقْئُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
◌ٌُ وَمَن قَثَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَيِّدًا﴾ الآية [المائدة: ٩٥].
ج
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: لما قَدِم التمهيد
رسولُ اللهِ وَّهِ المدينةَ وُعِك أبو بكرٍ وبلالٌ. قالت: فدخلْتُ عليهما
وأما الفصلُ الرابعُ فى فضلِها؛ فإنه فَضْلٌ بديعٌ تكلَّم فيه العلماءُ قديمًا القبس
وحديثًا ، واعترَضوه فما أصابوه، قالوا فى كُتُبِهم على اختلافٍ مذاهبهم: هل
المدينةُ أفضلُ أم مكةُ؟ فقال قائلٌ: مكةُ . وقال قائلٌ: المدينةُ . وهذا الكلامُ كلُّه
٥٠٣

وكان بلالٌ إذا أُقْلِعَ عنه ترفعُ عَقِيرَته فيقولُ :
اللوطأ
بوادٍ وحولى إِذْخِرٌ وجليلٌ
ألا ليتّ شِعرِى هل أَبِتَنَّ ليلةٌ
وهل يَبْدُوَنْ لى شامَّةٌ وطَفِيلُ
وهل أُرِدَنْ يومًا مِياهَ مَجَنَّةٍ
قالت عائشةُ: فجعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ فأخبَرَتُه، فقال: ((اللهمَّ
حبِّبْ إِلينا المدينةَ كَحُبُّنا مكةً أو أشدَّ، وصَحِّحْها وبارِك لنا فى صاعِها
ومُدِّها، وانقُلْ حُمَّاها فاجعَلْها بالجُحْفةِ)) .
التمهيد فقلتُ : يا أبتِ، كيف تَجِدُكَ؟ ويا بلالُ، كيف تَجِدُكَ ؟ قالت : فكان أبو
بكرٍ إذا أخذته الحُمَّى يقولُ :
والموتُّ أُدْنَى مِن شِراكِ نَعْلِه
كلُّ امرىٌّ مُصبَّح فى أهلِه
وكان بلالٌ إذا أُقْلِع عنه يرفَعُ عَقيرتَّه ويقولُ :
بوادٍ وخَوْلى إذخِرٌ وَجَلِيلٌ
ألا ليتَ شِعرى هل أبيتَنَّ ليلةٌ
وهل يَبْدوَنْ لِى شَامَةٌ وَطَفيلُ
وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنَّةٍ
قالت عائشةٌ: فجعتُ رسولَ اللهِ وَّلَ فَأْخَرتُّه، فقال: («اللهُمَّ حَبُّبْ
إلينا المدينةَ كحُبْنَا مكةً أو أشَدَّ، وصَحِّخْها، وبارِكْ لنا فى صاعِها ومُدِّها،
القبس
خَطَأْ لم يُحَصِّلوه إذ قالوه، وذلك أنَّا يَتَّاها فى ((مسائل الخلاف)) بَيَانًا شافِيًا ، لُه
أن السؤالَ فاسدٌ، والجوابَ غيرٌ مُحَصَّلٍ، وذلك أنَّا قد بيَّ فى كتابٍ ((تفصيلِ
التفضيلِ بينَ التَّخْميدِ والتَّهْليلِ)»، أن ((فضل)) حيثُما وقَع وكَيفَما تَصَرَّف،
إنما هو عبارةٌ عن الزيادة، فإذا قال السائلُ: أَيّما أفضلٌ، كذا أو كذا؟ لم يَسْتَحِقّ
٠٤

اللونا
التمهيد
وانْقُلْ حُمَّلها واجْعَلْها فى المُحفَةِ))(١).
أما قولُه: إِذخِرٌ وجليلُ. فهما نَجتان من الكلاً طيّبًا الرائحة، يكونان
بمکةً وأودیتھا ، لا یکادان یوجدان بغیرها . وشامٌ وطَفِیلٌ جبلان بمکةً ،
وقيل: أحدُهما بِجُدَّةَ. وقيل: بوادِى فَخٌ.
لم يختلِفْ رواةُ ((الموطأ)) فيما علِمتُ عن مالكِ فى إسنادٍ هذا
الحديثِ ولا فى مَثْنِه، ولم يَذْكُرْ مالكٌ فيه قولَ عامٍ بِنِ فُهَيْرةَ ، وسائرُ رُواةِ
هشام يذكرونه عنه فيه بهذا الإسنادِ. وذكّره مالكٌ فى ((الموطأ))، عن
يحيى بن سعيدٍ، قال: قالت عائشةُ: وكان عمرُ بنُ غُهَيرةَ يقولُ:
القبس
جوابًا ؛ لأنه يقال له(١) : تريد بقولك: أفضلُ. فى أىِّ شىءٍ؛ فى منفعة(٢) أو فِى
طاعةٍ؟ والطاعاتُ كثيرةٌ، فإلى أيُّها تَنتحِى (٤) بالزيادةِ؟ وإذا قلتَ : المدينةُ أفضلُ
أو مکُ؟ تريدُ فى الصلاة، أوفى الشگنی، أو فى الحج ، أو فى البر کة ، أو فى أىِّ
مُتَعلّقٍ مِن مُتَعلَّقاتِ الزيادة الشرعىّ والتفضيل الحُكْمِئِّ؟ وما يتطرّقُ إليه هذا
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/١٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٨).
وأخرجه أحمد ٢٩٠/٤٣ (٢٦٢٤١)، والبخارى (٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧)، وفى الأدب
المفرد (٥٢٥)، والنسائی فی الکبری (٧٤٩٥) من طريق مالك
(٢) بعده فى ج : (( ما)) .
(٣) فى ج: ((من فعل))، وفى م: ((منعة).
(٤) في م: (تنحى)). وتنتحى: أى تقصد. القاموس المحيط (ن ح و).

الموطأ ١٧١٣ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عائشةَ قالت: وكان
عامرُ بنُّ فُهَيرةَ يقولُ :
قد رأيتُ الموتَ قبل ذَوْقِه
إِنَّ الجبانَ حتفُه من فوقِه
التمهيد
قد رأيتُ الموتَ قبلَ ذَوْقِهِ
إن الجبانَ حَثْفُه من فَوقِهُ(١)
ورواه ابنُ عيينةً(٢)، ومحمدُ بنُ إسحاقَ(٣)، عن هشامٍ بنٍ عروةَ، عن
أبيه، عن عائشةَ. فجعَلا الداخِلَ على أبى بكرٍ وبلالٍ وعامٍ رسولَ اللهِ وَلِّ لا
عائشةَ. وقد تابَع مالكًا على روايته فى ذلك سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الجُمَحىُّ(٤).
القبس الاحتمالُ، ويكونُ فى هذا الحَدِّ مِن الإجمالِ(٥)، كيف يَصِحُ أن يُجاوَبَ عنه
بِمُعَيَّنِ مِن مُعَيَّاتٍ مُتَعلَّقَاتِه قبلَ أن يُعْلَمَ قصدُ السائلِ مِن مُجُمْلتِها؟ ولو تَخيَّلَ
مُتَخِيَّلٌ أن يقالَ فى الجوابِ : المدينةُ أفضلُ . ويعنى فى كلِّ شيءٍ من ذلك. أو:
مكةُ أفضلُ. بِمِثْلِه، لقطَعْنا بِخَطَئِهِ ؛ لأنها تتفاوتُ البُقْعتانِ فى ذلك تفاوتًا كثيرًا،
ولكنَّا نُفصِّلُ القولَ قَصْدًا للتَّعْبِينِ، فنقولُ: إن سألَ سائِلٌ: فى أىِّ ثُقْعةٍ هى
الصلاةُ أفضلُ؛ فى مسجدٍ مكةً أو فى مسجدِ المدينةِ؟ اسْتَحَقَّ الجوابَ لأجلِ
الثَّعْيينِ. فنقولُ نحن: الصلاةُ فى مسجدِ المدينةِ أفضلُ؛ لقولِ النبيِّ وَّه:
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/١٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٩).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٠٩ - ٥١١.
(٣) ابن إسحاق (٥٨٨/١، ٥٨٩ - سيرة ابن هشام). وعنده أن الداخل عليهم عائشة رضى
الله عنها وليس رسول الله وَله.
(٤) فى الأصل: ((المخزومى))، وفى م: ((التحرومى)). وينظر تاريخ بغداد ٩/ ٦٧، وتهذيب
الكمال ٥٢٨/١٠.
(٥) فى م: ((الإهمال)).
٥٠٦
1

الموطأ
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُّ يحيى، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ محمدٍ ، قال: التمهيد
حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ،
قال : أخبرنی سعیدُ بنُ عبد الرحمنِ ، عن هشامِ بنِ عروةً، عن أبيه ، عن
عائشةَ أنها قالت: لما قَدِم رسولُ اللهِ نَّهِ المدينةَ وُعِك أبو بكرٍ وبلالٌ
وعامرُ بنُ فُهَيرةَ. قالت: فدخَلتُ عليهم وهم فى بيتٍ، فقلتُ : یا
أبتِ (١) ، كيف تَجِدُكَ؟ يا بلالُ، كيف تجِدُكَ؟ يا عامرُ، كيف تَجِدُكَ؟
فكان أبو بكرٍ إذا أخَذته الحُمَّى يقولُ :
كلُّ امرىٌّ مصبَّحْ فى أهلِه
والموتُ أَدْنَى مِن شِراكِ نَعْلِه
((صلاةٌ فى مَسْجِدى هذا خيرٌ مِن ألفٍ صلاةٍ فيما سِواه إلَّ المسجد الحرامَ))(١) .. القبس
فتَصَّ على أن التقديرَ للتفضيلِ بينَ مَسْجدِه وبينَ سائرِ المساجدِ، وأبقَى
المسجدَ الحرامَ تحتَ الاسْتِناءِ، فيحتمِلُ أن يكونَ خرَج بزيادةٍ عليه أو بخَطُّ
منه. فإن قيل: فقد رُوِى أن النبىُّ وَ لِّ قال: ((صلاةٌ فى مَسْجِدی هذا خيرٌ مِن
ألفٍ صلاةٍ فيما سِواه إلا المسجد الحرامَ ؛ فإن صلاةً فيه خيرٌ مِن مائة صلاةٍ فى
مَسْجِدى هذا)). رواه البغوىُّ وغيرُهُ(٤) . قلنا : لا نَتْفِی نحن مثلَ هذا الحدیثِ ولا
نَقْتُلُه؛ لعَدَمٍ صحتِه، وقد بيّنَّ ذلك فى ((شرحِ الصحيحِ)) (١.
(١) فى الأصل: ((أبه)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٤٦٤).
(٣ - ٣) فى د: ((التقرير للتفصيل)).
(٤) أخرجه مسلم (٥٠٦/١٣٩٤)، والبغوى فى تفسيره ٧١/٢، وفى شرح السنة ٣٣٥/٢.
وينظر تخريجه فى ٥٣٧/٦، ٥٣٨، ٥٤٠، ٥٤١.
(٥) فى د: ((الحديث)).
٥٠٧

المرطا
ويقولُ عامرُ بنُ فُهیرَةٌ:
التمهيد
قد نُقْتُ طَعْمَ الموتِ قبلَ ذَوْقِه
أن الجبانَ حَثْفُه من فوقِه
وكان بلالٌ إذا أُقْلِع عنه يرفَعُ عقيرته فيقولُ:
* ألا ليتَ شِغْرى ..
فذكر البیتینِ.
والحدیثُ إلى آخره کرواية مالك سواء، إلا أنه ذگّر فیه قولی عامٍ بنِ
قُهيرةٌ كما ترى، وجعل الداخلَ عليهم عائشةً .
القبس
وأما لو قال : أیما أفضلُ؛ الشکتی بالمدینة أو الشکتی بمکةً ؟ لکان جوابنا له
أن نقول: هذا أمرٌ كنُظَرائِّه، مُذْرَكُه الخبرُ، قال النبيُّ وَّهِ: ((لا يَصْبِرُ على
لَأْوَائِها وشِكَّتِها أحدٌ إِلَّا كُنْتُ له شفيعًا أو شهيدًا يومَ القيامةِ)). ولم تَرِدْ فى مكةً
شىءٌ مِن ذلك، فإن أَدْرِك فضلٌ فى شُكْناها بالاعْتِيارِ، فما كان بصَريحُ الآثارِ
منه أولی، علی أن کثیرًا مِن العلماء قد کرهوا شُگنَی مکةً ، واختلف الناسُ فى
تعليلٍ ذلك؛ فمنهم من قال: كُرِه ذلك؛ لئلا تَهُونَ على ساكنيها. وذلك نَظَرّ إلى
الظواهرِ مع ضَغْفِ اليقينِ، فأما اليقينُ الصادقُ السالكُ على الاهتداءِ المرتبطِ
بالاقتداءِ، فإنه تزيدُه الشّكّنَى بَصِيرةٌ، وَتَقْوى فيه العلانيةُ بالشَّرِيرةِ، كما قال
(١) تقدم فى الموطأ (١٧٠١).
(٢) فى د : (تصريح)).
٥٠٨

الموطأ
وأما حديثُ ابن عيينةٌ، فحدَّثناه سعيدٌ بنُ نصرِ، قال: حدَّثَنا قاسمُ بنُّ التمهيد
أصبغٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا
الحميدىُّ، قال: حدّثنا سفيانٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه،
عن عائشةٌ، قالت: لما دخّل رسولُ اللهِ وَ﴿ المدينةَ حْمُ أصْحابُه
قالت : فدخَل رسولُ اللهِ على أبى بكرٍ يعودُه، فقال: ((كيف تَجِدُك يا أبا
بکر؟)). فقال أبو بكرٍ :
كلُّ امرىٌّ مُصَبَّعَ فى أهلِه والموتُّ أَذْنَى مِن شِراكِ نَعلِه
قالت: ودخّل على عامرٍ بنِ فُهَيرةً فقال: ((كيف تَجِدُّكَ؟)) فقال:
وجّدتُ طَعمَ الموتِ قبلَ ذَوْقِه
إِن الجَبَانَ حَتفُه من فوقِهِ
كالثورٍ يَحْمِى جِلْدَه برَوْقِه
الخليفةُ الصالحُ: واللهِ إنى لأعلم أنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أني رأيتُ القبس
رسولَ اللهِ ﴾ قَلَّكَ مَا قَبْتُّكُ(١).
وقال قوم فى تعليلِ ذلك: إنما هو لأجلٍ خوفٍ الذنوبِ فيها ؛ فإِنَّ المعصيةَ
فيها وفى المدينةِ أعظم مِن المعصية فى غيرِها، وكما تُضاعَفُ الحَسناتُ فى
البقاعِ الشريفةِ والأزمنةِ الشريفةِ، كذلك تُضاعَفُ السيئاتُ ، قال اللهُ عزَّ وجلّ:
﴿وَمَنْ يُرِدِّ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وقال:
(١) الرّوقُ: القرن. ينظر التاج (ر وق).
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٦/١١ .
٥٠٩

الموطأ
قالت: ودخَل على بلالٍ فقال: ((كيف تَجِدُكَ؟)) فقال:
التمهید
ألا لَيَتَ شِغْرِى هل أبِيتَنَّ لَيلةٌ بِفَخُّ وحَولِى إِذْخِرٌ وَجَليلُ
وربّما قال سفيانُ : بوادٍ .
وهل يَبْدُوَنْ لى شامَّةٌ وطَفِيلُ
وهل أرِدَنْ يومًا مِياهَ مَجَنَّةٍ
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إِن إبراهيمَ عبدُك وخَليلُك، دعاكَ لأهل
مكةً، وأنا عبدُكَ ورسولُكَ ، أدعوكَ لأهلِ المدينةِ بمِثلٍ ما دعاك إبراهيم
لأهلٍ مكةَ، اللهُمَّ بارِْ لنا فى صَاعِنا، وبارِكْ لنا فى مُدِّنا ، وبارِكْ لنا فى
﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وإن أراد السائلُ: أَىُّ الأعمالِ فيهما
القبس
أفضلُ ثوابًا؟ قلنا له: ما لم يُعَيَّنْ للعملِ بُقْعَةٌ مِن مكةً أو المدينةِ ، فالفَضْلُ
فى ذلك سواءٌ، إلّ الشّكْتَى كما بَيِّنَّا، فالشّكْنَى فى المدينةِ أفضلُ. وإن
أراد بقوله: أيُّهما أفضلُ فى المَحَبَّةِ؟ فالمدينةُ أَحَبُّ إلينا مِن مكةً؛ اقتداءً
بالنبيِّ نَِّ حينَ قالت له عائشةُ: إنى دَخَلتُ على عامرِ بنِ فُهَيرةَ، فوجَدْتُه
قد وُعِك، وهو يقولُ :
قد رأيتُ الموتَ قبلَ ذَوْقِهِ
إِنَّ الجبانَ حَتْفُه مِن فوقِهِ
ودخَلْتُ على أبى بكرٍ وقد وُعِك، وهو يقولُ:
كلُّ امْرِئَّ مُصبّحٌ فى أهلِهِ
والموتُ أدنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ
ودخَلتُ على بلالٍ وقد وُعِك، وهو يقولُ:
٥١٠
٠

الموطأ
مَدينِتِنا)) - قال سفيانُ: وأَراه قال: ((وفى فَرَقِنا)) - («اللهُمَّ حَيَّتُها إلينا التمهيد
ضِعْفَىْ ما حبَّيتَ إلينا مكةً أو أشدَّ، وصَحِّحْها، وانْقُلْ وباءَها إلى خُمُّ(١) أو
(٢)
الجُحْفَةِ))(١) .
هكذا قال ابنُ عيينةَ فى هذا الحديثِ أن رسولَ اللهِ وَ لِ هو كان
الداخلَ على أبى بكرٍ وعلى بلالٍ وعامرِ بنِ فُهَيرةَ يعودُهم، وهو كان
* ألا ليت شِعْرِى هل أَبِتَنَّ ليلةً »
القبس
إلى آخرِ البيتَين. فأخبَرتُ بذلك رسولَ اللهِ وَهِ فقال: ((اللهمَّ حَبُّبْ إلينا
المدينةَ كحُبّنا مكةً أو أشدَّ، وانْقُلْ حُمَّاها واجعَلْها بالجُحْفَةِ). وقال ◌َلِّ، وقد
طَلَع له(٣) أُحُدٌ، فقال: ((هذا جَبَلٌ يُحِثنا ونُحِبُه))(٤). فأما محبتُه للجبلِ فمَعْقولٌ،
وأما محبةُ الجبلِ له فخَفِيَّةٌ. قال العلماءُ: معناها: ويُحِثُّنا أهلُه. على حذفٍ
المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه . وقيل : تَكلَّمَ على عادة العرب فى الإخبارِ
عن القرينِ بخبرِ القرينِ ، كما قال الشاعر(١):
(١) خم : واد بين مكة والمدينة بالجحفة على ثلاثة أميال منها به غدير، وهذا الوادى موصوف
بكثرة الوخامة . ينظر معجم البلدان ٢/ ٣٧١.
(٢) الحميدى (٢٢٣).
(٣) فى م، ونسخة على حاشية د: ((على)).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٧٠٨).
.(٥) فى م: ((العزيز)).
(٦) هو مجنون ليلى، وينظر ديوأنه ص ٢٧٥ .
٥١١
٠ ١

الموطأ
التمهيد المخاطِبَ لهم. وشَكَّ فى قولٍ بلالٍ فى البيتِ الذى أُنشَده: بفخٌ أو بوادٍ .
وروَى ابنُ إسحاقَ هذا الحديثَ، عن عبدِ اللهِ بن عروةَ، عن عروةً،
عن عائشةَ بمِثلِ روايةِ ابنِ عيينةً سواءً فى المعنَى ، إلا أنه قال: بفَخٌّ. من
غيرِ شَكُ، ولم يَقُلْ : بوادٍ(١).
قال الفاكهى(٢): وفَحّ: الوادِى الذى بأَضْلِ النَّيةِ البيضاءِ إِلى بَلْدَحٍ .
قال أبو عمرَ: وهو "بقُربٍ وادى" ذى طَوَّى، وإِيَّاه عنَى الشاعرُ
النُّمَيرىُّ حيثُ قال(٤):
وكبر للرحمنِ حينَ رآنِى
وَأَجْهَشْتُ للتَّزبادِ(*) حِينَ رأيتُه
القبس
حَوَالَيْكَ فى أمنٍ وخَفْضِ زَمانِ
فقلتُ له أينَ الذينَ عَهِدْتُهم
ومَن ذا الذى يَقَى على الحَدَثَانِ
فقال مَضَوا واستودُونی بلادهم
فأخبر عن جيله بمثل ما أختر عن نفسِه لمّا قرنه بها . وقيل : عثر بلسانِ الحالِ
عن لسانِ المقالِ، كما تقدَّم فى كتابِ الصلاةِ " .
(١) أخرجه أحمد ٤١٩/٤٠ (٢٤٣٦٠)، والنسائى فى الكبرى (٤٢٧٧، ٧٥١٩)، وابن
حبان (٥٦٠٠) من طريق ابن إسحاق به .
(٢) الفاکھی فی أخبار مكة ٢١٦/٤ ..
(٢ - ٣) فى م: «قرب).
(٤) البيتان النميرى الثقفى فى الكامل ٢٢٧/٢، والعقد الفريد ٣٢٤/٥، والأغانى ١٦٦/٥،
٢٠٢/٦، وفى الكامل والعقد الفريد: ((مؤتمرات)) مكان: (معتمرات)).
(٥) فى د: (( للفؤاد)، وفى ج: ((للترباك))، وفى م: ((التباد)). والمثبت من الديوان.
والتویاد : حیلی فی أرض بنى عامر. معجم ما استعجم ٣٢٣/١.
(٦) تقدم فى ٣١١/٢ - ٣١٤ .
٥٠١

الموطأ
التمهيد
مشت به زینب فى نسوة خفراتِ
تَضَوَّعَ مِسْكًا بطنُ نَعْمانَ أَنْ
يُلَبِّينَ للرحمنِ مُعْتَمِراتٍ
مَرَوْنَ بفخُّ رائحاتٍ عشبةٌ
ونَعْمانُ وادى عرفاتٍ. وقال آخر(١):
. ومن جَوارِ نَقِيَّاتٍ (١) رّعابيبٍ (١)
ماذا بفَخٌّ من الإشراقِ والطُّيبِ
وأما قولُ ابنٍ عيينةَ: ((وَانْقُلْ وباءَها إلى خُمّ أو المُجُحْفَةِ)). شَكٌّ ، فإِنَّ
((خُمّ)) أيضًا من الجُحْفَةِ قريبٌ. وقال ابنُ إسحاقَ فى حديثه: (( وانْقُلْ
وباءَها إِلى مَهْيعَةً)). وهى الجُحْفةُ .
ومِن فضلِ المدينةِ تَطْهِيرُها عن الوَبَاءِ ونَقْلُه إلى المُحْفَةِ، إما لأنها كانت القبس
منزلًا لليهودِ أو للمشركين، حتى إنه ليقالُ: إن ماءَها الذى يُسَمَّى: خُمّ، وبىءٌ ،
مَن شَرِبَ منه ◌ُم١َّ، ومِن فَضْلِها عِصْمتُها عن الوَبَاءِ، وعِصْمتُها مِن الدَّجَالِ،
ومِن فضلِها خُرُوجُ مَن لا خيرَ فيه منها، ومِن فضلِها أن ظالمًا لا يَدْخُلُها ، ويَدْخُلُ
مکةً ويَنقُضُها ، ومن فضلها أنها اشتملت على خيرٍ خلقِ اللهِ محمد پے، ومِن
فضليها أنَّ فيها روضةٌ مِن رياض الجنة . فإن قيل : فقد روَى عبدُ اللهِ بنُ عَدِئِ بنِ
الخفراءِ)، أن النبيَّ وَ ل﴿ وقَف على الحَزْوَرَةِ فقال: ((والله إنكِ لخیرُ بلادِ اللهِ ،
(١) البيت فى أخبار مكة للفاكهى ٢١٧/٤.
، (٢) فى م، وأخبار مكة: ((تقيات).
(٣) فى الأصل: ((رعاييب)). والرعابيب جمع الرعبوبة: وهى الطويلة البيضاء. اللسان
(ر ع ب).
(٤) فى د : (( خم).
(٥) فى ج، م: ((الخيار)). وفى نسخة على حاشية د: ((الجعد)).
٥١٣
(موسوعة شروح الموطأ ٣٣/٢١)

الموطأ
التمهيد
وقد روى ابنُ أبی الزنادِ ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالم ، عن ابنٍ
عمرَ، قال: سمِعتُ النبيُّ وَّله يقولُ: ((رأيتُ فى المنام امرأةٌ سوداءَ ثائرةً
الشَّعَرِ تَقِلةً(١)، أُخْرِجت من المدينةِ فَأُشْكِنت مَهْيعةَ، فأوَّلْتُها وباءَ المدينةِ
يَنْقُلُها اللهُ إلى مَهِيعةَ))(٢) .
وفى هذا الحديثِ بيانُ ما هو مُتَعارَفٌ حتى الآنَ من تَنگرِ البلدانِ على
مَن لم يعرِفْ هواها، ولم يَغْذَ بمائِها .
وفيه عيادةُ الجِلَّةِ السادةِ لإخوانِهم ومواليهم الصالحين، وفى فضلٍ
العيادة آثارٌ كثيرةٌ قد وقَعت فى مواضِعها من هذا الكتاب .
القبس وأحَبُّ بلادِ اللهِ إلى اللهِ))(١). وهو حديثٌ صحيحٌ. قلنا: قد قدَّمْنا مِن الأدلةِ ما هو
أقوى مِن هذا فى تفضيلِ المدينةِ على مكةً ، فأما هذا الحديثُ فمعناه : إنك لخير
بلادِ اللهِ بعدَ المدينةِ. كما قال النبيُ وَلَّهِ لرجلٍ إذ قال له رجلٌ": يا خيرَ البَرِيَّةِ.
قال: ((ذلك إبراهيم)). يعنى: بعدَه، على أحدٍ التأويلين. وقيل: «إنك لخير بلادٍ
اللهِ». فى اعتقادى ولى؛ بحكّمِ النشأةِ ولأجلِ الوطنِ، ولكنَّه خالَف هَواه ؛ اتِّبَاعًا
لأمرٍ ربّه، واختيارًا لِما اختاره اللهُ له .
٠
(١) تفلة: غير متطيبة. وينظر النهاية ١٩١/١.
(٢) أخرجه أحمد ٣٤٥/١٠ (٦٢١٦)، والدارمى (٢٢٠٧) من طريق عبد الرحمن بن أبى الزناد به .
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٥١/٦ - ٥٥٣ .
(٤ - ٤) فى ج: ((إذا قيل))، وفى م: ((إن قيل له)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٧٤/٢ .
٥١٤

الموطأ
وفيه سؤالُ العليلِ عن حالِهِ بـ: كيفَ تَجِدُكَ، وكيف أنتَ، ونحو التمهيد
ذلك. وفيه أن إشارةً المریض إلی ذِ کرٍ ما یجِدُ ليس بشَكْوَى ، وإذا جاز
اسْتِخْبارُ العليلِ جاز إخبارُه عما به، ومَن رضِى فله الأجرُ والرّضَا، ومَن
سَخِط فله السَّخَطُ والتَّلْوَى .
وفيه إجازةُ إنشادِ الشِّعرِ والتَّمثلِ به واسْتِماعِه، وإذا كان رسولُ اللهِ
وَلِّ يَسْمَعُه وأبو بكرٍ يُنشِدُه، فهل للتقليدِ والاقتداءِ موضعٌ أرفَعُ من هذا؟
وما اسْتَنْشَده رسولُ اللهِ وَلَهِ وَأَنْشِد بينَ يدَيْه أكثرُ مِن أَن يُخْصَى،
ولا يُنكِرُ الشِّعرَ الحسنَ أحدٌ مِن أُولى العلمِ ولا من أُولِى النُّهَى. قال
(١)
آخر (١).
ماذا بفَخٌّ من الإشراقِ والطّيبِ ومن جَوارٍ (١) نقياتٍ(١) رَعابِيبٍ(٤)
وليس أحدٌ من كبار الصحابةِ وأهلِ العلم وموضع القدوة إلا وقد قال
الشِّعرَ وتَمثَّل به، أو سمِعه فرَضِيَه، وذلك ما كان حكمةً أو مباحًا من
القول ، ولم یکنْ فیه فُعش ولا خنی ، ولا لمسلم أُذّی ، فإن کان ذلك فهو
والمنثورُ من الكلامِ سواءٌ، لا يحلَّ سماعُه ولاَ قولُه .
القبس
(١) فى الأصل: ((الراجز)).
(٢) فى م: ((حوار)).
(٣) فى م: ((تقيات)).
(٤) فى الأصل: ((رعاييب)).
٥١٥

الموطأ
التمهید
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ ، قال: حدَّثنا
الزَّعفرانيُّ ، حدَّثنا سفيانُ بنُ عیینةً، عن عبد الملكِ بن ◌ُمیرٍ ، عن أبى
سلَمةَ، عن أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَِّ على المِنبرِ
يقولُ: ((أصدَقُ - أو أشعرُ - كلمةٍ قالَتْها العربُ كلمةُ(١) لبيدٍ: ألا
كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ))(٢).
ورُوِّينا من وجوهٍ عن ابنٍ سيرينَ - وكان من الورع بمنزلةٍ ذهبت مثلاً
- أنه أنشَد شِعرًا، فقال له بعضُ مجلسائِه: مثلُك يُنشِدُ الشعرَ يا أبا بكرٍ؟
فقال: ويلَك يا لُكعُ، وهل الشِّعرُ إلا كلامٌ، لا يُخالِفُ سائرَ الكلام إلا فى
القوافى ، فحسنُه حسنٌّ ، وقبيحُه قبيح . قال : وقد كانوا يتذاكرون الشعرَ .
قال : وسمعتُ ابن عمر بنشِدُ :
يُحِبُّ الخمرَ مِنِ مالِ النَّدامَى
ويكْرَةُ أن تُفارقَه الفلوسُ(٢)
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَنِ ، حدَّثنا محمدُ بنُ
یوسف ، حدثنا البخارىُّ ، اخترنا أبو اليمان ، اخترنا شعيب ، عن الزهرىِّ،
قال: أخبرني أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن مروانَ بنَ الحِكَم أخبره ، أن
عبد الرحمنِ بنَ الأسودِ بنِ عبد يغوثٌ أُخَره، أن أُبىّ بن كعبٍ أخبره، أن
القبس
٠٠
(١) في م: ((قول)).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥٧) من طريق سفيان بن عيينة به بلفظ: ((قالها الشاعر)).
(٣) أخرجه ابن سعد ١٦٦/٤، والطيرانى (١٣٠٦٦).
٥١٦

الموطأ
رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((إن مِن الشعرِ حكمةً))(١).
التمهيد
وقد كان لرسولِ اللهِ وَ لّ شعراءُ يُناضِلون عنه ويَرُدُّون عنه
الأَذَى، وهم حسانُ بنُّ ثابتٍ، وكعبُ بنُ مالكِ، وعبدُ اللهِ بنُ
رواحةً، وفيهم نزَلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾
[الشعراء: ٢٢٧]. لأنه لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْفَاؤُونَ (٣) أَمْ تَّرَ
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾
أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ
[الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]. جاءوا إلى رسول اللهِ وَ هِ فقالوا: يا رسولَ الله، قد
أَنزَل اللهُ هذا فى الشعراءِ. فَنزَلت: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ
وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((أنتم هم)). ﴿وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ
بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾. قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((أنتم هم))(٢). وفى هذا دليلٌ
بيِّنٌ(١) على أن الشِّعرَ لا يضُرُ من آمَن وعمل صالحًا وقال حقًّا، وأنه
کالکلام المنثور ، يؤجژ منه المرء علی ما یؤجژ منه، ويُگرهُ له منه ما يُكْرَهُ
منه . واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) البخاري (٦١٤٥)، وفى الأدب المفرد (٨٥٨). وأخرجه أحمد ٦٣/٢٥ (١٥٧٨٦) من
طريق أبى اليمان به .
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٥١٨/٨، ٥١٩، والأدب المفرد للبخارى (٣٩٨)، وتفسير ابن
جریر ٦٧٨/١٧، وتفسير ابن أبى حاتم ٢٨٣٤/٩، ٢٨٣٥.
(٣) سقط من: م.
٥١٧

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: وأما قولُهُ وَّهِ: ((لأن يمتلئَ جوفُ أحدِ كم فَئِحًا (١ حتى
تَرِيَّه١)، خيرٌ من أن يمتلئَ شِعرًا))(٢). فأحسنُ ما قيل فى تأويله، واللهُ
أعلم ، أنه الذى قد غلب الشِّعرُ علیه وامتلأ صدرُه منه دونَ علم سواه، ولا
شىءَ من الذِّكرِ غيرُه ممن يخوضُ به فى الباطلِ ، ويسلُكُ به مسالِكَ لا
تُحمَدُ له، كالمُكثرِ من الهَذرِ ، واللّغَطِ ، والغيبة ، وقبيح القول ، ولا يَذكُرُ
اللهَ كثيرًا، وهذا كلَّه مما قد (١) اجتَمَع العلماءُ على معنَى ما قلتُ منه.
ولهذا قُلنا فيما رُوِى عن ابنِ سيرينَ، والشعبىٌّ، ومن قال بقولهما مِن
العلماءِ: الشعرُ كلامٌ، فحسَنُه حسَنٌّ، وقبيحُه قبيحٌ: إنه قولٌ صحيحٌ .
وبالله التوفيقُ .
وأما قولُه فى حديثٍ مالكٍ : فرفَع بلالٌ عَقيرَتَه. فمعناه: رفَع بالشِّعرِ
صوتَه كالمتغَنِّى به تَرِنَّمًا ، وأكثرُ ما تقولُ العربُ: رفَع عَقيرتَه. لمَن رفَع
بالغناء صوته
.
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن رَفْعَ الصوتِ بإنشادِ الشعرِ مباح ، ألا
القبس
(١ - ١) سقط من: م. وتَرِيه من الوَزى، وهو داء يفسد الجوف، ومعناه قيحًا يأكل جوفه.
صحيح مسلم بشرح النووى ١٥/ ١٤.
(٢) أخرجه البخارى (٦١٥٥)، ومسلم (٢٢٥٧)، والترمذى (٢٨٥١)، وابن ماجه
(٣٧٥٩) من حديث أبى هريرة .
(٣) سقط من: م.
٥١٨

الموطأ
ترَى أن رسولَ اللهِ وَلّه لم يُنكِرْ على بلالٍ رَفْعَ عَقیرتِه بالشِّعرِ؟ وكان بلالٌ التمهيد
قد حمّله على ذلك شدةُ تشؤُّقِه إلى وطنِه ، فجرَى فى ذلك على عادتِهِ ،
فلم يُنكِرْ ذلك عليه (١) رسولُ اللهِ وَلَه، وهذا البابُ من الغناءِ قد أجازه
العلماءُ، وورَدتِ الآثارُ عن السَّلفِ بإجازتِه، وهو يُسمَّى غناءَ الرُّكبانِ ،
وغِناءَ النَّصْبِ(٢)، والحداءَ، هذه الأوبجُهُ مِن الغناءِ لا خِلافَ فى جوازِها
بينَ العلماءِ.
روَى ابنُ وهبٍ ، عن أسامةَ وعبدِ اللهِ ابنَى زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيهما
زيد بن أسلمَ ، عن أبيه ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال : الغناءُ مِن زادٍ الراكبِ .
أو قال : زادٍ المسافرٍ(٢).
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُّ موسى الفَزارىُّ ، قال : أخبرنا
سفيانُ بنُ عيينةً، عن هشام بن عروةً، عن أبيه قال : قال عمرُ: نِعم زادٌ
الراكبِ الغناءُ نَصْبًا .
القبس
(١) ليس فى : الأصل .
(٢) النَّصْبُ: ضرب من أغانى الأعراب يشبه الحداء، وقد نَصَب الراكب نَصْبًا، إذا غَنَّى
النَّصْبَ . ينظر اللسان (ن ص ب).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٤٨/٥ (طبعة الرشد)، والبيهقى ٦٨/٥ من طريق أسامة - وحده -
عن زيد به .
٥١٩

الموطأ
التمهيد
وأخبرنا أحمدُ، حدثنا أحمدُ، حدثنا محمدٌ، حدَّثنا محمدُ بنُ
بشارٍ، حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ، حدَّثنى أبى، قال: سمِعتُ محمدُ بنُ
إسحاقَ يحدِّثُ، عن صالح بنِ کَیسانَ، عن غُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ،
قال: رأيتُ أَسامةَ بنَ زيدٍ مضطجعًا على بابِ حُجرتِهُ ) رافعًا عَقيرتَه
يَتَغَنَّى(٢) .
قال: وحدثنا ابنُّ بشارٍ، أخبرنا أبو عاصم ، أخبرنا ابنُ جريج، قال :
قال ابنُّ شهابٍ ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أن محمدَ بنَ نوفلِ أخبره ، أنه
رأى أسامةَ بنَ زيدٍ واضِعًا إحدَى رجلَيه على الأخرى يتغنَّى النَّصْبَ(٣).
وروَى شعيبُ بنُّ أبى حمزةَ، عن الزهرىِّ، قال : أخبرنی ◌ُبیدُ اللهِ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ ، أن أباه أخبره، أنه سمع عبدَ اللهِ بنَ الأرقم رافعًا عَقيرتَه
يَغْنَّى. قال عبدُ اللهِ بنُ (٤عتبةَ: و"لا واللهِ ، ما رأيتُ رجلًا أخشَى للهِ مِن
عبدِ اللهِ بنِ الأرقمٍ.
القبس
(١) فى مصدرى التخريج: ((حجرة عائشة)).
(٢) أخرجه الضياء فى الأحاديث المختارة (١٣٣٧)، وابن عساكر ٢٤٨/٥٧، ٢٤٩ من طريق
محمد بن بشار به .
(٣) أخرجه الباغندى فى مسند عمر بن عبد العزيز (٦٥)، والبيهقى ٢٢٥/١٠ من طريق ابن
شهاب به .
(٤ - ٤) فى الأصل: ((عيينة و))، وفى م: ((عتيبة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦٩/١٥.
٥٢٠