Indexed OCR Text
Pages 461-480
الموطأ
١٧٠٥ - مالك، عن هشام بنِ مُروةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ
الزبير، عن سفيانَ بنِ أبى زُهيرٍ، أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ
يقولُ: ((تُفتَحُ اليمنُ فيأتى قومٌ يَبِسُون فيَتحقَّلُون بأهليهم ومَن
أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتحُ الشامُ فيأتى قومٌ
يبِشُون فيَتحمَّلُون بأهلِيهم ومَن أطاعهم ، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا
يعلمون، وتُفتَحُ العراقُ فيأْتى قومٌ تَبِسُون فيَتحمَّلُون بأهلِيهم ومَن
أطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون)).
مالكٌ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، عن التمهيد
سفيانَ بنِ أبى زُهيرٍ، أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ له يقولُ: ((تُفتحُ
اليمنُ، فيأتى قومٌ تَبِسُون ، فيَتَحَمَّلون بأهليهم ومَن أطاعهم ، والمدينةُ خيرٌ
لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتحُ الشامُ، فيأتى قومٌ تَبِسُون ، فيَتَحمَّلون بأهليهم
ومَن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتحُ العراقُ، فيأتى
قومٌ يَبِسُون فيتحمَّلون بأهليهم ومَن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا
يعلمون))(١).
قد ذكّرنا سفيانَ بنَ أبى زهيرِ فى «الصحابةِ)) (١) بما يغنى عن ذكرِه
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥١).
وأخرجه أحمد ٢٤٦/٣٦ (٢١٩١٦)، والبخارى (١٨٧٥)، والنسائى فى الكبري (٤٢٦٣)
من طريق مالك به.
(٢) الاستيعاب ٦٢٩/٢، ٦٣٠.
٤٦١
الموطأ
التمهيد هلهنا .
,٠
وأما قولُه: ((تُفتحُ اليمنُ)). فاليمنُ افتُتحت فى أيامِهِ مَّهِ، وافتُتح
بعضُها فى أيامٍ أبى بكرٍ بمُقاتلةِ الأسودِ العَنْسيِّ المتنبىُّ الكذابِ بصنعاءَ،
قتله أبو بكرٍ فى خلافتِه، كما قتَل مسيلمةً فى بنى حنيفةً ، وقد قيل : إن
الأسودَ العَنْسىَّ قُتِل والنبىُ وَلَه مريض مرضَه الذى مات منه سنةً إحدى
عشرةَ. وهو الأكثرُ عندَ أهلِ السيرِ. وأما الشامُ والعراقُ (١ فكان
افتتاحهما) فى زمنٍ عمرَ رضِى اللهُ عنه .
وفى هذا الحديثِ عَلَمٌ مِن أعلام نبوتِه وَلِّ؛ لأنه غَيبٌ كان بعدَه قد
أخبر به ، وهو لا يعلَمُ من الغيبِ إلا ما أظهره اللهُ عليه وأوحى به إليه ، فقد
افْتُحت بعدَه الشام والعراقُ واليمنُ بعضُها، وقد خرَج الناسُ مِن المدينةِ
إلى الشامِ وإلى اليمنِ وإلى العراقِ، وكان ما قالَه وَله، وكذلك لو صبروا
بالمدينةِ كان خيرًا لهم ، قال ◌َ له: (( لا يصبِرُ أحدٌ على لأُوائِها وشدَّتِها إلا
كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يومَ القيامةِ))(٢).
وفى هذا الحديثِ فضلُ المدينةِ على اليمنٍ، وعلى الشامِ، وعلى
العراق ، وهذا أمرٌ مُجتمَئٌ علیه ، لا خلاف بين العلماءِ فیه ، وفى ذلك دليلٌ
القبس
(١ - ١) أشار فى حاشية الأصل أنه فى نسخة: ((فأول افتاحهما كان)).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٧٠١).
٤٦٢
الموطأ
على أن بعضَ البقاع أفضلُ من بعضٍ ، ولا يوصلُ إلى شيءٍ من ذلك إلا التمهيد
بتوقيفٍ مِن جهةِ الخبرِ ، وأما القياسُ والنظرُ فلا مدخلَ له فى شىءٍ من
ذلك، وقد صحَّت الأخبارُ عن النبيِّ وَلّه بفضلِ المدينةِ، وأُجمَع علماءُ
الأمةِ على أن لها فضلًا معروفًا؛ لمسجدِ النبيِّ وَّه وقبرِه فيها، وإنما
اختلفوا فى الأفضل منها ومِن مكةً لا غيرُ، وقد بيَّنا ذلك كلّه فى مواضعَ
مِن هذا الكتابٍ ، والحمدُ للهِ، واللهُ الموفقُ للصوابِ .
وأما قولُه: ((يَبِشُون)). فمَن رواه: ((يُبِسُّون)). برفعِ الياءِ وكسرِ الباءِ،
مِن: أَبَسَّ يُيسٌ، على الرباعىِّ، فقال: معناه: يُزَيِّنون لهم البلدَ الذى جاءوا
منه ويُحبِّبونه إليهم، ويَدْعونهم إلى الرحيلِ إليه مِن المدينةِ. قالوا :
والإبساسُ مأخوذٌ مِن إبساسِ الحَلوبةِ عندَ حِلابِها؛ کی تَدُرَّ باللبنِ، وهو
أن تُجرِىَ يدَك على وجهِها وصفحةٍ عُنُقِها، كأنك تُزيِّنُ ذلك عندَها
وتُحسِّنُه لها ، ومنه قولُ عمرانَ بنِ حِطَّانَ(١):
* والدهژ ذو دِرَّةٍ مِن غیرِ إِبساسٍ*
وإلى هذا ذهب ابنُ وهبٍ، قال: معناه: يُزيّنون لهم الخروجَ مِن
المدينةِ. وكذلك روايةُ ابنٍ وهبٍ: ((يُسُون)). بالرفعِ مِن الرباعىِّ .
وكذلك روايةُ ابنٍ حبيبٍ، عن مُطرّفٍ، عن مالكِ: ((يُسُّون)). مِن
القبس
(١) ذكره ابن حبيب فى تفسير غريب الموطأ ٢/ ٩٧، ٩٨.
٤٦٣
:
الموطأ
التمهيد الرباعيّ، وفشَر ابنُ حبيبٍ الكلمةَ بنحوِ هذا التفسيرِ، وأنكر قولَ مَن قال :
إنها مِن الشَّيْرِ. كلَّ الإنكارِ (١). وقال ابنُ بُكَيرٍ: ((تيشُون)). بفتحِ الياءِ.
وكذلك روايتُه، وفشره: يَسِيرون. قال: مِن قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ
بَشَا﴾ [الواقعة: ٥]. يعنى: سارَت. ويقالُ: سالَت . وذكر حبيب عن مالك
مثلَ تفسيرِ ابنِ بُكَيرٍ . وقال ابنُ القاسمِ، عن مالكٍ: ((يَتْشُون)): يدعُون .
وأظنُّ روايةَ ابنِ القاسمِ بفتح الياءِ وضمُ الباءِ، وروایةُ ابنِ بُگیرِ بکسرِها ،
وكلُّ ذلك مِن الثلاثى. وقال "ابنُ هشام٢): والبَشُ أيضًا المبالغةُ فى فَتِّ
الشىءٍ، ومنه قيل فى الدقيق المصنوع بالزيت ونحوٍه: التَسِيسُ. قال
الراجؤُ(٣):
(" لا تَخيِزا) خَبْرًا وبُسَا بَسَّا
يُريدُ: اعمَلا بَسِيسًا .
قال أبو عمرَ: وقال غيرُه: ((يَبِشُون)): يُسرِعون السيرَ، وقيل:
القبس
(١) تفسير غريب الموطأ ٩٦/٢ - ١٠٠.
(٢ - ٢) كذا فى النسختين. وفى فتح البارى ٩٢/٤: ((ابن القاسم)).
(٣) هو الهَفَوان الثقيلى أحد بنى المنتفيق، والرجز فى الحيوان ٤/ ٤٩٠، ومعجم الشعراء
ص ٧٦٤.
(٤ - ٤) فى النسختين: ((أخيزا))، وفى معجم الشعراء: ((لا توقدا نارًا)). والمثبت كما فى
الحيوان، واللسان، والتاج ( ب س س). وللرجز رواية أخرى فى اللسان والتاج ( خ ب ز).
٤٦٤
الموطأ
يزمجرون دوائهم. وقال غيره: ((تَيِشُون)): يسألون عن البلدانٍ ويتَشَفَّون التمهيد
مِن أخبارِها ليتحمَّلوا إليها . وهذا لا يكادُ يعرِفُه أهلُ اللغةِ ، وأما الرباعىُّ فلا
خلافَ فيه وفى معناه، وليس له إلا وجة واحدٌ، وأما الثلاثئُ ففيه لغتان:
بَشَّ تَيِسُ، بكسرٍ الباءِ، ويَيْسُ بضمِّها. ومثلُ هذه الكلمةِ عندى: قتَر
وأقتَر؛ فيه لغتان: قتَر على الثلاثىّ، وأقتَر على الرباعىّ، وفى الثلاثيّ لغتان
فى المستقبلِ منه: يقتِرُ بكسرٍ التاءِ، ويقتُوُ بضمّها، وقد قُرئ قولُه عزَّ
وجلّ: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٢٧]. على الثلاثةِ الأوجهِ:
((يُقْتِروا)) مِن الرباعىِّ، و﴿يَقْتُرُواْ﴾ مِن الثلاثى، و((يَقْتِروا)) منه أيضًا (١).
وأما روايةُ یحیی بن یحیی فی (( تَیشون)) عندَ أکثر شيوخنا الذین اعتمدنا
عليهم فى التقييدٍ، فعلى فتح الياءِ وكسرٍ الباءِ مِن الثلاثيّ، وفشروه :
پسِیرون . علی نحو رواية ابنِ بُکیرٍ وتفسیرہ ، ولا یصُ فی روایة یحیی پڼِ
یحیی غیرُ هذا الضبطِ ، ومَن رؤی فی « موطاً یحبی )) غیر هذا فقد روى ما
لم يروٍ يحيى. واللهُ أعلمُ. وكان ابنُ حبيبٍ ينكِرُ روايةً يحيى، ويحمِلُ
علیه فی ذلك ، وقد رواه ابنُ بکیرٍ ، وابنُ نافع ، وحبيب ، وغیژهم كذلك ،
ويقالُ: إن ابنَ القاسمِ رواه: ((يَيُشُون)) بفتحِ الياءِ وضمّ الباءِ. فاللهُ أعلمُ .
وأما قولُه فى هذا الحديثِ: ((والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون)).
القبس
(١) تقدم تخريج هذه القراءات فى ٧١/٧، ٧٢ .
٤٦٥
(موسوعة شروح للوطأ ٣٠/٢١)
الموطأ
١٧٠٦ - مالك، عن ابنِ حِمَاسٍ، عن عمِّه، عن أبى هريرةَ ، أن
رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((لَشَتْرَ كَنَّ المدينةُ على أحسن ما كانت ، حتى
يدخُلَ الكلبُ أو الذُّئبُ فيُغَذِّىَ على بعض سوارى المسجدِ ، أو على
المنبرِ)) . فقالوا : يارسولَ اللهِ ، فلمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمانَ ؟ قال :
(للعوَافى؛ الطيرِ والسّبَّاعِ)).
التمهيد فقيل فيه: خيرٌ لهم مِن أجلِ أنها لا يدخُلُها الطاعونُ ولا الدجالُ. وقد
قيل: إن الفتنَ فيها دونَها فى غيرِها. وقيل: مِن أجلِ فضلٍ مسجد
رسولِ اللهِ وَّهُ والصلاةِ فيه، ومجاورةٍ قبرِهِ وَّهِ. ولم يَقُلْ فى هذا
الحديثِ: (( ينفِى خَبَثَها)). كما قال ذلك فى حياتِه للفارٌ عن صحبتِه
وجوارِه، وقد علِمنا أن جملةً مَن خرَج بعدَه مِن أصحابِه لم يكونوا
خَبَثًا، بل كانوا دُرَرًا رضِى اللهُ عنهم أجمعين .
مالكٌ، عن ابنٍ حِمَاسٍ(١)، عن عِّه، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ
القبس
(١) قال أبو عمر: ((اختلف فى اسمه؛ فقيل: يونس بن يوسف بن حماس. وقيل: يوسف بن
يونس. واضطرب فى اسمه رواة ((الموطأ)) اضطرابا كثيرًا، وأظن ذلك من مالك. وكان ابن
حماس هذا رجلا صالحا فاضلا مجاب الدعوة. أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا
عبد الرحمن بن عمر، قال: حدثنا الحسين بن على ، حدثنا أسامة بن على ، حدثنا أبی ، حدثنا
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا عاصم بن أبى بكر الزهرى، قال: سمعت
مالك بن أنس يقول: كان يونس بن يوسف أو يوسف بن يونس - شك عبد الرحمن - من
عباد الناس، فراح إلى المسجد ذات يوم فلقيته امرأة، فوقع فى نفسه منها، فقال: اللهم إنك=
٤٦٦
الموطأ
التمهید
﴿الټ قال: ((لَتُنْزَ گنَّ المدینةُ علی أحسن ما كانت ، حتى يدخُلَ الكلبُ أو
الذئبُ فيُغَذِّىَ على بعضِ سوارى المسجدِ، أو على المنبرِ)). فقالوا:
يا رسولَ اللهِ ، فلمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمانَ؟ قال: « للعَوافی؛ الطيرِ
والسباعٍ))(١).
هكذا قال يحيى فى هذا الحديث : عن مالك ، عن ابنٍ حماسٍ ، عن
عمِّه، عن أبى هريرةً. لم يُسَمِّ ابنَ حِماسٍ بشىءٍ.
وقال أبو المصعبٍ(٢) : مالكٌ ، عن يونسَ بنِ يوسفَ بنِ حماسٍ، عن
عمّه، عن أبى هريرةَ . وكذلك قال مَعْنُ بنُّ عيسى ، وعبدُ اللهِ بنُ یوسفَ
التِّنِّيسيُّ : يونسُ بنُّ يوسفَ .
القبس
= خلقت لی بصرى نعمة، وقد خشيت أن یکون علی نقمة فاقبضه إليك. فکان یروح إلى
المسجد يقوده ابن أخ له، فإذا استقبل الأسطوانة اشتغل الصبى يلعب مع الصبيان، فإن نابته
حاجة حصبه وأقبل إليه، فبينما هو یصلی ذات يوم ضحوة، إذ حس فى بطنه شيئا فحصب ابن
أخيه، فاشتغل مع الصبيان يلعب ولم يأته، فلما خاف على نفسه قال: اللهم إنك خلقت لى
بصرى نعمة، وخشيت أن يكون على نقمة، وسألتك فقبضته، اللهم إنى قد خشيت
الفضيحة. قال: فانصرف إلى منزله وهو يبصر. قال مالك: فرأيته أعمى، ورأيته بصيرا)).
تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٦٠.
(١) أخرجه البخارى فى تاريخه ٣٧٤/٨، والحاكم ٤٢٦/٤، والخطيب فى الموضح ٢٩٢/١
من طريق مالك به. وعندهم اختلاف فى اسم ابن حماس.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٥٢).
٤٦٧
الموطأ
وقال ابنُّ القاسم : حدّثنی مالك، عن يوسف بن يونس بنِ حماسٍ،
عن عمّه، عن أبى هريرةً(١).
التمهيد
وكذلك قال ابنُ بُكيرٍ(١)، وسعيدُ بنُّ أبى مريمَ، ومُطرّفٌ(٣)، وابنُ
نافعُ ، وعبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، وسعيدُ بنُّ عُفيرٍ، ومحمدُ بنُّ المباركِ ،
وسليمانُ بن بُرْدٍ ، ومصعبٌ الزُّبَيرىُّ، كلَّهم قال: يوسفُ بنُّ يونسَ .
وقال فيه زيدُ بنُ الحُبابِ: عن مالكِ، عن يوسفَ بنِ حِماسٍ ،
عن عمّه، عن أبى هريرةً . وقد قيل عن عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ مثلُ ذلك
أيضًا .
وقد رُوِى عن سعيدِ بنِ أبى مريمَ فى هذا الحديثِ: يونسُ بنُ
یوسف .
حدَّثُنا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ
إسحاقَ، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبى
القبس
٠
(١) أخرجه أبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (٤٦١) من طريق ابن القاسم به.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧ظ - مخطوط) وعنده:(( يونس بن يوسف)).
(٣) أخرجه الخطيب فى الموضح ٢٩٢/١، ٢٩٣ من طريق مطرف به.
(٤) أخرجه عمر بن شبة فى تاريخ المدينة ٢٧٦/١ من طريق عبد الله بن نافع به.
(٥) فى ر، ر١: ((سفيان)).
٤٦٨
الموطأ
مريم ، أخبرنا مالك، عن يونس بنِ يوسفَ بنِ حِماسٍ، عن عقّه، عن أبى التمهيد
هريرةً، أن رسولَ اللهِ وَله قال: ((لَتْرَكَنَّ المدينةُ على أحسنٍ ما كانت،
حتى يدخُلَ الكلبُ فيُغذّىَ على بعضٍ سوارى المسجدِ - أَو على المنبرِ )) .
قالوا: يا رسولَ اللهِ، فلمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمان؟ قال: « للعوافی؛
الطيرِ والسّباعِ)).
وقال القَعْنبىُّ فى هذا الحديثِ: مالكٌ، أنه بلغه عن أبى هريرةٌ . لم
يذكُّرِ اسمَ أحدٍ ، وجعَل الحديثَ بلاغًا عن أبى هريرةً .
وهذا الاضطرابُ يدُلُّ على أن ذلك جاء من قِبَلِ مالكٍ، واللَّهُ أعلم.
وروايةُ يحيى فى ذلك حسنةً؛ لأنه سليم من التخليطِ فى الاسم ، وأُظُنُّ أن
مالكًا لئا اضطرّب حفظُه فى اسم هذا الرجلِ رجع إلى إسقاطِ اسمِه،
وقال: عن ابن جماسٍ. ويحبى من آخرٍ مَن عرّض عليه ((الموطأً))، وشهِد
وفاتّه، ويقال: إن القعنبيَّ شهد وفاتّه أيضًا، ولذلك(١) انصرف إلى
العراق .
وفى قولِه وله: ((لتُركّنَّ المدينةُ على أحسن ما كانت)). دليل
القس
(١) فى الأصل، ف، ر: ((كذلك)).
٤٦٩
الموطأ
· التمهيد على " علمِه من٢١ الغيبِ بما كان يُنَبَأَ به ويُطلَعُ عليه من الوحى، وفى ذلك
عَلَمٌ واضحٌ من أعلامِ نُبُوَّتِهِ وَله .
وأما قولُه: ((فيُغَذِّىَ على بعضٍ سوارى المسجدِ )). فمعناه أن الذئبَ
يَيولُ على بعضٍ (١) سوارى المسجدِ أو على المنبرِ - شكَّ المحدِّثُ -
وذلك لخلاءِ المدينةِ من أهلِها ذلك الزمانَ ، وخروج الناسٍ عنها وتغيّرِ
الإسلامِ فيها ، حتى لا يكونَ بها مَن يَهتِلُ(٣) بالمسجدِ فيصونُه ويحرُسُه ،
يقالُ من الفعلِ: غذَّت المرأةُ ولدَها(4) - بالتشديدِ - : إذا أبالتْه، أى:
حمَلتْه على البولِ وجعَلتْه يبولُ، وغذَت ولدَها - بالتخفيفِ -: إذا أطعَمتْه
وربّتْه، من الغِذاءِ.
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((للعَوَافى؛ الطيرِ والسِّبَاعِ)». فالطيرُ
والسّباعُ تفسيرٌ للعوافى، وهو تفسيرٌ صحيحٌ عندَ أَهلِ الفقهِ وأهلِ اللغةِ
أيضًا، ومما يعضُدُ هذا التفسيرَ أيضًا حديثُ أمّ سلمةً عن النبيِّ وَخلاله: (( ما
من مسلم يُحيى أرضًا فتشرَبُ منها كَبِدٌ حَرَّى(٥) ، أو تُصيبُ منها عافيةٌ،
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((علم))، وفى ف: ((علمه)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ر: ((يتبتل)).
(٤) فى م: ((وليدها)).
(٥) الحرّى: فعلى من الحر، وهى تأنيث حران، وهما للمبالغة، يريد أنها لشدة حرها قد
عطشت وييست من العطش. النهاية ٣٦٤/١.
٤٧٠
الموطأ
إلا كتَب اللهُ له بها أجرًا)) (١). والعافيةُ واحدةُ العوافى، والعافى هلهنا: التمهيد
الطالبُ لما يأخُّذُ ويأْكُلُ، قال الأعشى(١):
يطوفُ العُفاةُ بأبوابِه كطَوْفِ النصارى ببيتِ الوَثَنْ
وقال أعرابىٌّ يمدَحُ خالدَ بنَ بَرْمَكٍ(١) :
أخالدُ إنى لم أَزُرْكَ لحاجةٍ ولكننى عافٍ وأنت جَوَادُ
ولهذه اللفظةِ معانٍ فى اللغةِ مختلفةٌ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ المدينىِّ، قال: حدَّثنا
وهبُ بنُّ جريرِ بنِ حازمٍ، حدَّثنى أبى: سمِعتُ الأعمشَ يُحدِّثُ، عن
عمرو بنٍ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ ، عن حبيبٍ بنِ حِمَازٍ(٤) ، عن أبى
ذرٍّ، قال: أقبَلْنا معَ رسولِ اللهِ وَ لَّهِ فنزَلنا ذا الخُلَيفةِ، فتعجّل رجالٌ إلى
القبس
(١) أخرجه الطبرانى ٣٩٧/٢٣ (٩٤٩).
(٢) ديوانه ص ٢١.
(٣) البيت فى الأغانى ٢٠٢/٣، وخزانة الأدب ٢٢٩/٣ لبشار بن برد فى مدح خالد بن
برمك، وهو فى ديوان بشار ٤٧/٣ من قصيدة فى مدح خالد بن جبلة بن عبد الرحمن
الباهلى، وهو فى تاريخ دمشق ١٥٢/١٦، وتهذيب الكمال ١١٤/٨، وسير أعلام النبلاء
٤٢٨/٥ الأعرابى فى مدح خالد بن عبد الله القسرى.
(٤) فى ف: ((حمار))، وفى ر ١: ((حماد))، وفى م: ((جماز)). وينظر تبصير المنتبه
٢٦٠/١.
٤٧١
الموطأ
١٧٠٧ - مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ حينَ خرَج من
المدينةِ التَّفَت إليها فبكى ، ثم قال: يا مُزاحمُ، أَتَخشَى أن نكونَ مئن
نفَتِ المدينةُ ؟
التمهيد المدينة فباتوا بها ، فلما أصبح سأل عنهم ، فقيل : تعجّلوا إلى المدينة وإلى
النساءٍ. فقال: «تعجّلُوا إلى المدينةِ ! أما إنهم سيتر كونها(١) وهی أحسنُما
(٢)
كانت))(٢).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبانٌ ،
قال: حدَّثنا يحيى، عن أبى جعفرٍ، عن أبى هريرةَ، أن النبيَّ وَالإِقال:
«لَیتُ گنّ المدینةَ أهلُها خیرَ ما كانت نصفین ؛ ژُطبا ، وزَهْرًا)) . قال : ومَن
يُخرِمجُهم منها يا أبا هريرةَ؟ قال: أَمراءُ السوءِ(٢) . قال إِسماعيلُ القاضى:
هكذا حدَّثنا به مسلمٌ مرفوعًا إلى النبيِّ وَلَهـ
مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ حينَ خرَج مِن المدينةِ التَفَت
الاستذكار
القبسِ
(١) فى ف: «يستتر كونها)).
(٢) أخرجه ابن حبان (٦٨٤١) من طريق على بن المدينى به، وأخرجه أحمد ٢١٦/٣٥
(٢١٢٨٩)، والبزار (٤٠٣٠) من طريق وهب بن جرير به، وأخرجه أحمد ٢١٧/٣٥
(٢١٢٩٠)، وابن شبة فى تاريخ المدينة ٢٨٠/١ من طريق الأعمش به.
(٣) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٢٧٨/١ من طريق أبان به.
٤٧٢
المرطا
إليها فبكى، ثم قال: يا مزاحم، أتخشَى (١) أن نكون ممن نَفّتِ الاستذكار
المدینةُ(٢) ؟
قال أبو عمر: هذا إِشفاقٌ منه رضِى اللهُ عنه، وقد خرج الفُضَلاءُ الجِلَّةُ
مِن المدينةِ، ولم يخافوا ما خافه عمرُ، رحمه اللهُ، وما الخوفُ والإشفاقُ
والتوبيخُ للنفسِ إلا زيادةٌ فى صالحُ العملِ، وليس فى قولٍ عمرَ هذا حُبَّةٌ
على مَّن ذهب إلى ما قلناه وتأوَّلْناه فى أحاديثِ هذا البابِ . واللهُ عزَّ وجلّ
المُوفِّقُ للصوابِ .
وذكّر أهلُ السيرٍ أن خروج عمرّ مع مزاحم مولاه من المدينة كان فی
شهر رمضان سنة ثلاث وتسعین ، وذلك أن الحجّاج کتب إلى الوليد ، أن
عمر بن عبد العزيز بالمدينةِ كهفٌ لأهلِ النفاقِ وأهلِ البغضاءِ والعداوةِ
لأَميرِ المؤمنين. فجاوَبه الوليدُ: إنى (٤) أعزِلُه. فعزّله، وولّى عثمانَ بنَ حَيَّانَ
المُرِّئَّ(٢) ، وذلك فى شهرِ رمضانَ المذكور ، فلما صار عمرُ بالشُّويداءِ قال
القبس
(١) فى ح: ((أخشى)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٣).
وأخرجه ابن سعد ٣٩٦/٥، وابن عساكر ١٥١/٤٥ من طريق مالك به.
(٣) فى ح، هـ: ((صلاح)).
(٤) فى و: ((أن)).
(٥) فى الأصل: ((المدينى))، وفى و: ((المزنى)). وتقدم ص ٤٥٤.
٤٧٣
الموطأ
ما جاء فى تحريمِ المدينةِ
الاستذكار لمزاحم: يا مزاحمُ، أتخافُ(١) أن نكونَ ممن نفَتِ المدينةُ؟
وقال ميمونُ بنُ مِهْرانَ: ما رأيتُ ثلاثةٌ مُجْتمِعين خيرًا مِن عمرَ بنِ
عبدِ العزيزِ، وابنه عبدِ الملكِ، ومولاه مُزاحم. واللهُ الموفقُ للصوابِ .
التمهيد
القبس
أما الفصلُ الأولُ فى حَرَمِها؛ فإن الله عزَّ وجلَّ خَلَق الأرضَ بابًا واحدًا مِن
قطعةٍ مِن زُبْدٍ (١)، ثم مَدَّها حتى صارَت مِمْسَحةٌ (١، ثم شَرَّف بعضها على بعضٍ
بما أوجب له مِن محزمةٍ ، ورَكَّب فيها مِن فائدةٍ؛ إِمَّا فى منفعةٍ بدنِيَّةٍ ، وإمَّا فى طاعةٍ
دينيّةٍ. فَرُوِى عنه نَّ أَنَّه خطَب فى الحديثِ الصحيح فقال: ((إن مكةً حرّمها
اللهُ يومَ خَلَق السماواتِ والأرضَ، فهى حرام بحزمةِ اللهِ تعالَى ))() الحديث .
وتَعَلَّقُ التحريم بها مِن وجوهٍ ؛ منها تَعَلَّقُ علمِه بحُزْمتِها ، ومنها تَعَلُّقُ كلامِه بها ،
ومنها تَعَلَّقُ كِتَابِهِ بِحُزْمتِها فى اللوحِ المحفوظِ إذ خلَق القلمَ ، ومنها حرمتُها بفعلِه
وعِضْمتِه إيَّها عن الجبابرةِ، ومنها بما أوقَع فى قلوبِ الخلقِ من التعظيم لها فى
قوله عزَّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]. قال النبيُّ
وَّهِ : ((وإنما أَحِلَّت لى ساعةً مِن نهارٍ، ثم عادَت محُزْمتُها اليومَ كما كانت
حرمتُها بالأمسِ) ) . ومنها تحريمُها بيركةِ إبراهيمَ ودعوتِه حينَ قال : ﴿رَبِّ
(١) فى الأصل: ((أتخشى))، وفى ح، هـ، م: ((أخاف)).
(٢) فى م: ((زبرجد)).
(٣) الممسحة : الأرض المستوية ذات حصى صغار لا نبات بها . ينظر التاج والوسيط (م س ح).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٨٣ .
(٥) سیأتی تخريجه ص ٤٨٤ .
٤٧٤
الموطأ
التمهيد
القبس
أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥].
وكذلك حَرَّم اللهُ المدينةَ على لسانِ رسولِهِ نَّه قال: ((اللهمَّ إِنَّ إِبراهيمَ
عبدُك وخليلُك، وإنه دَعاك لمكةً، وإنى أدعوك للمدينةِ بمِثْلِ ما دعاك به إِبراهيم
لمكةً، ومثله معه)) (١). ((اللهمّ إن إبراهيمَ حَرَّم مكةَ، وإِنِّى أَحَرِّمُ ما بينَ لابَيِها))(١).
وقال علىُّ بن أبى طالبٍ رضِى اللهُ عنه: ما عندنا إلَّا كتابُ اللهِ تعالى وكذا.
فذكَر صحيفةً مَنُوطةً بقِرَابٍ سيفِه، وفيها: ((المدينةُ حَرَامٌ ما بينَ عَيْرٍ" إلى
كذا))(٤) . فإن قيل: فإذا كانت حرامًا كحرمةٍ مكةً ، فهل فيها جزاءٌ كجزاءِ مكةً ؟
قلنا: عن ذلك جوابان؛ أحدُهما، أن النبىّ وَ الر قد دعا لها كما دعا إبراهيم،
وقد أُجِيبت دعوتُه قطعًا، وأخبَر وَ لّ أنها حرام، وخبرُه الصادقٌ . الجوابُ
الثانى، وذلك أنه قد يكونُ الذنبُ والحرمةُ أعظمَ مِن أن يكونَ فيه كفارةٌ ، وأن
تكونَ العقوبةُ مُؤخَّرةً عنه إلى الآخرةِ ، أما إنه قد رُوِى فى الحديثِ الصحيحِ عن
النبيِّ وَ له، أنه جعَل جزاء من انتهَك محزمةً المدينةِ سَلْبَ ثيابه ، مِن طريقِ سعدِ بنِ
أبِى وَقَّاصٍ ، وبوجوبِ الجزاءِ فى حَرَمِ المدينةِ قال ابنُ أبى ذئبٍ، وإحدى
الروايتين عن مالكِ، مِن طريقِ المدنيِّين. فإن قيل: أُّ محُزْمةٍ لمكةً وقد فعَل
(١) تقدم فى الموطأ (١٧٠٠).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٧٠٨).
(٣) عير: اسم جبل بقرب المدينة معروف . معجم ما استعجم ٩٨٤/٣، وينظر فتح البارى
٨٢/٤، ٠٨٣
(٤) البخارى (١١١، ٣١٧٩)، ومسلم (١٣٧٠).
(٥) سيأتي تخريجه ص ٤٩١ .
٠
٤٧٥
الموطأ
التمهيد
القبس الحَجَّاجُ بها ما فعَل، وأُّ محُرمةٍ للمدينةِ وقد كان فيها يومُ الحَرَّةِ ودينُ الإسلامِ
قائمٌ والمسلمون مُتَوافِرون؟ قلنا: كانت العِضْمةُ قبلَ الإسلامِ مُقَدِّمَةً للنبىِّ وَه
فى الإنذارِ به والإشادةِ بذكرِه وشَرَفِ آبائِه، وكانت الهُتْكَةُ فى الإسلامِ انتِلاءً مِن
اللهِ تعالى للخَلْقِ ؛ لِتَعْلَمَ صَبْرَهم فيما ابْتَلاهم، وعملَهم فيما كلّفهم وأعطاهم،
كما قال: ﴿لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. فإن قيل: فقولُه:
«فعادت ◌ُزْمُھا الیومَ کما کانت أمسٍ )). خبرٌ لم ثُوجَدْ مُخبرُه، بما وقَع مِن
انتهاكِ الحُزْمةِ أيامَ الحَّاجِ والقَرَامِطةِ ، وقد قتَل الحَبَّّاجُ فيها وسَلَبَ الناسَ
بها، وخُلِع الحجر الأسودُ فحملٍ منها. وهذا سؤالٌ تُوجّهُه المُلْحِدةُ تَشْويشًا
لقلوبٍ العامَّةِ. قلنا: هذا سؤالٌ فاسدٌ؛ لأن النبيَّ وَ﴿ أُخبّر عن مُزْمتِها شَرْعًا ، لا
جْرَمَ هذه الحرمةُ الشرعيةُ لا تَنْخِيمُ شرعًا أبدًا، وإلى هذا المعنى أشارَ النبيُّ وَه
بقوله: ((إنها حَرامٌ)). يعنى دِينًا، لم تَحِلَّ قَطُّ ، ولا تَخلِلُ ، لَا جَرَمَ هذا الخبرُ لا يُوجَدُ
بخلافٍ مُخْبرِهِ. فإن قيل: فقد رأى النبيُّ وَّ بِيدِ صبىٌّ " بها نُغَرًا"، فقال له: ((أُبا
◌ُثيرٍ، ما فعل النُّغير؟))(٢). ولو كان صَيْدُها حرامًا ما تركه النبيُ ێے فى يَدِ ضَبِىِّ
يَلْعَبُ به. قلنا: عنه جوابان؛ أحدُهما، يحتمِلُ أن يكونَ ذلك قبلَ التصريحِ
بالتحريم. الثانى، وهو التحقيقُ: أن ذِكْرَه وَلـ للتحريم تأسيس بقول صريحٍ
(١) القرامطة: وهم الباطنية ، نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة يقال له : قِزْيط. وهم قوم
تبعوا طريق الملحدين، وجحدوا الشرائع، وكان أول ظهورهم سنة ثمان وسبعين ومائتين. ينظر
المنتظم ٢٨٧/١٢، ووفيات الأعيان ٣٣٥/٤.
(٢ - ٢) فى م: ((نغيرًا)).
(٣) سيأتي تخريجه ص ٤٩٥ .
٤٧٦
الموطأ
التمهيد
مُطْلَقٍ بَيَّنَ به محُكْمَ الشرع، لا يعترِضُ عليه قضايا الأعيانِ ، ولا تُؤْثِّرُ فيه حكاياتُ القبس
الأحوالِ، وهو أصلٌ عظيمٌ مِن أُصولِ الفقهِ قد بَيِّنَّه فى موضعه ...
الفصلُ الثانى فى بَرَكتِها؛ فإنه أمرٌ مَدْعُوٌّ به فى الحرمين مِن النبيئينِ
الكريمَين. فإن قيل: وأُّ بركةٍ فيها وهى بلادُ الجوعِ؛ لا زرعَ بها ولا ضَرْعَ؟
وهذا سؤالٌ تُوجّهُه المُشَكِّكَةُ. والجوابُ : أَنَّا نقولُ: إن البركةَ فى اللغةِ هى
الزيادةُ والنَّماءُ، فإذا ورَدت فى الشريعةِ، فإنما المُرادُ بها سلامةُ الدينِ، وقِلَّةُ
الحساب، وكثرةُ النَّماءِ فى الأجرِ، هذا كقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَوَا﴾.
وأنت تَراه يتكاثر، ﴿وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وأنت تَراه يَنقُصُ المالَ (١)،
ولكنَّ المعنى عائدٌ إلى ما يَئِنَّه .
وأما الفصلُ الثالثُ فى إعمالِ المَطِيِّ إليها؛ فقال النبىُ اَلْت: «لا تُشَدُّ
الرّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ؛ مسجدى هذا - فبدأ به - والمسجدِ الحرامِ،
ومسجدِ إيلياءًا. ولم يُرِدْ وَلَ قَطعَ النَّاتِ عن سائرِ المساجدِ فى القُرُباتِ
والأغراضِ الشرعياتِ، فإنه كان يأتى مسجدَ قُبَاءٍ كلَّ سَبْتٍ (٤)، وإنما أراد
الوجوبَ عندَ النذرٍ، والإلزامَ عندَ التصريحِ بالالتزامٍ، وقد بَيْنَّا ذلك فى ((مسائلِ
الخلاف )) .
(١) بعده فى ج، م: ((ويفنيه)).
(٢) فى د : (( لها ).
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٤٨/١٢، ٥٤٩ .
(٤) تقدم تخريجه فى ٥٤٩/١٢ .
٤٧٧
الموطأ
١٧٠٨ - مالكٌ، عن عمرو مولى المُطّلبِ، عن أنسٍ بنِ
مالكٍ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ طَلَع له أُحُدٌ، فقال: ((هذا جبلٌ يُحِثُنا
ونُحِبُّه، اللهمَّ إن إبراهيمَ حرَّم مكةَ، وإنى أُحرِّمُ ما بينَ لابَئِها».
التمھید
مالكٌ، عن عمرو بنِ أبى عمرٍو مولى المطلبٍ (١)، عن أنسٍ بنِ مالكٍ،
أن رسولَ اللهِ وَهِ طِلَع له أحدٌ، فقال: ((هذَا جَبلٌ يُحبُّنا ونحبُه ، اللهمَّ إِنَّ
إبراهيمَ حرَّم مكّةَ، وإِنِّى أَحرَّمُ ما بينَ لابَيْها))(١).
لم يُختَلفْ عن مالكِ فى إسنادِ هذا الحديثِ ولا فى لفظِه فيما
علِمتُ ، ورواه سفیانُ بنُ بشر ) ، عن مالك ، عن الزهرىِّ، عن حميدِ بنِ
القبس
(١) قال أبو عمر: ((وهو عمرو بن أبى عمرو، يكنى أبا عثمان، واسم أبى عمرو ميسرة، وهو
مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومى القرشى، مدنى ليس به بأس . روى عن أنس بن
مالك، وعكرمة مولى ابن عباس، وعن مولاه المطلب بن عبد الله بن حنطب، والمطلب مولاه
یکنی أبا الحكم. وروى عن عمرو بن أبى عمرو؛ مالك بن أنس، وعبد العزيز الدراوردى. قال
عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبى عن عمرو بن أبى عمرو فقال: سمع من أنس، ليس به
بأس، روى عنه مالك بن أنس. وقال ابن أبى حاتم: سألت أبى عن عمرو بن أبى عمرو،
فقال: لا بأس به. روى عنه مالك، وسئل أبو زرعة عن عمرو بن أبى عمرو فقال: مدنى ثقة.
وأما ابن معين، فروى عنه عباس الدورى أنه قال: عمرو بن أبى عمرو ليس بحجة. وقول أبى
زرعة أولى من قول ابن معين إن شاء الله. لرواية مالك عنه، وكان لا يروى عندهم إلا عن
ثقة)). تهذيب الكمال ١٦٨/٢٢، وسير أعلام النبلاء ١١٨/٦.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٤).
وأخرجه أحمد ٤٩١/١٩ (١٢٥١٠)، والبخارى (٣٣٦٧، ٤٠٨٤، ٧٣٣٣)، والترمذى
(٣٩٢٢) من طريق مالك به .
(٣) فى ص ١٧، والجرح والتعديل ٢١٧/٤: ((بشير))، وفى م: ((بسر)). وينظر التاريخ =
٤٧٨
الموطأ
عبد الرحمن، عن أبى هريرةَ، فأخْطَأ فيه(١)
التمهيد
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدّثنا أبو عمرو عثمانُ بنُ محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ بنِ مُعاويةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عُثْبَةَ بنِ أبى سفيانَ
ابنِ حربٍ ، قال: حدَّثنا أبو شَيبةَ داودُ بنُ إبراهيمَ البغدادىُّ، قال: حدَّثنا
عبدُ الأعلَى بنُ حمادٍ ، قال: قَرَأْتُ على مالكِ بنِ أنس، عن عمرٍو مولَی
المطلبٍ، عن أنس، أن رسولَ اللهِ وَلهَ طَلَع له أحدٌ فقال: ((إنَّ هذا جبلٌ
يُحِبُّنا ونحبُّه، اللهمَّ إِنَّ إبراهيمَ حَرَّمَ مكةَ، وإِنِّى أَحَرِّمُ ما بينَ لابَيِها ».
يعنى المدينةً .
وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بن إسحاقَ ، حدَّثنا
محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أعْيَنَ، وحدَّثنا خلفٌ، حدَّثنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ
إبراهيمَ بنِ علىٍّ بنِ محمدِ الكِنْدىُّ ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قالا: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ ("محمدِ بن٣ٍ) عبدِ العزيزِ التَغَوىُّ، قال(٤): حدَّثنا عبدُ الأعلى
ابنُّ حمَّادٍ ، قال : قرأتُ علی مالك بن أنس ، عن عمرو بنِ أُبی عمرو ، عن
القبس
= الكبير ٨٩/٤، والثقات ٤٠٣/٦.
(١) بعده فى ص ١٧، م: ((والصواب ما فى الموطأ مالك عن عمرو عن أنس)).
(٢) بعده فى ص ٢٧: ((و)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى الأصل، ص٢٧، م: ((قالا)، وفى ص ١٧: ((قالا جميعًا)).
٤٧٩
الموطأ
التمهيد أنسٍ، أن النبيَّ ◌َله طلّع له أُحدّ. فذكره.
قال أبو عمرَ: للناسِ فى هذا مَذْهبان؛ أحدُهما ، أن ذلك مجازٌ،
ومجازُه أن رسولَ اللهِ پے کان یفرحُ بُحدٍ إذا طلع له اشْتِشارًا بالمدينةِ
ومّن فيها من أهلِها(١)، ويُحبُّ النظّرَ إليه لقُربِهِ مِن النزولِ بأهلِه، والأُؤْبةِ مِن
سفرِهِ ؛ فلهذا ، واللهُ أعلمُ، كان يُحِبُّ الجبلَ . وأما مُحبُّ الجبل له ، فكأنه
قال : و کذلك کان ◌ُجُنا لو کان مٹّن يَصِحُ وتُمكِنُ منه مَحبَّةٌ . وقد مضى
هذا المعنى فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ يزيدٌ واضحًا عندُ قولِه وَله: ((اشتكتِ
النَّارُ إلى ربِّها)). الحديث، والحمدُ للهِ (١). ومِن هذا قولَ عمرَ بنِ الوليد
ابنِ عُقْبَ(٣) :
بكّى أحدٌّ أن فارق اليومّ أهّه فكيف بذى وَجْدٍ مِن القومِ(٤) ألفٍ
وقد قيل: معنى قوله: ((يُحِبُنا)). أى: يُحِبُّنا أهلُه، يعنى الأنصارّ
الساكِنين قُرْبَه، وكانوا يُحِبُون رسولَ اللهِ وَله ويُحبُّهم؛ لأنهم أوؤه
ونصّروه، وأقاموا دينه، فخرج قولُه ول# على هذا التأويلِ مخرج قول الله
القبس
(١) فى ص ١٧: ((أمله)).
(٢) تقدم فى ٣٢١/٢ - ٣٢٥.
(٣) البيت فى الأغانى ٢٦/١. والشطر الأول فيه برواية :
بكى أحد لما تحمل أهله و
(٤) فى ص ١٧: ((الناس)).
٤٨٠