Indexed OCR Text

Pages 441-460

المرطا
عليه السلام فهو معنى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْهِمُ رَيٍّ أَجْعَلٌ كَذَا التمهيد
بَدًا مَاِنًا وَأَزْزُقْ أَهْلُ مِنَ اْلْثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَأَلْيَوْمِ الَِّّ
وذكّر الفريائي: حدَّثنا قيسُ بنُّ الربيع، عن خُصيف ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ ومجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَّتِ مَنْ حَامَنٌ مِنْهُمِ﴾ . قالا :
سأل الرزقّ لِمَن آمُن .
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاویةً ،
قال: حدّثنا إسحاقُ بنُ أبى حسانٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال :
حدَّثْنا حاتمُ بنُ إسماعيلٌ، قال: حدَّثنا حميدٌ، عن عمارٍ الدُّهْنِىّ،
عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿أَجْعَلْ هَذّا بَلَهًا ءَلِنًا
وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ﴾. قال: كان إبراهيمُ يحتجُها على المؤمنين
دونَ الناسِ، "فقال اللهُ له): ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيضًا، فإنى أرزُقُه كما
أرزُقُ المؤمنين، آأَخلُقُ خَلْقًا لا أرزُقُهم؟ أمتُّعُهُم قليلاً ثم أضطرُهم
إلى عذابٍ " النار وبئس المصيرُ). قال: ثم قرأ ابنُ عباسٍ: ﴿كُلّ
ثُّمِدُّ هَكَؤُلَاءِ وَهَتُؤُلَاءِ مِنْ عَطَآِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَُّ رَبِّكَ
(٣)
مَخْطُورًا﴾ (١)
[الإسراء: ٢٠].
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ص ١٧، م.
(٢ - ٢) فى الأصل، ص ١٧، م: ((غليظ).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٩/١، ٢٣٠ (١٢١٩) من طريق هشام بن عمار به ،=
٤٤١

الموطأ
ما جاء فى شُكْنَى المدينةِ والخروج منها
١٧٠١ - مالكٌ، عن قَطَنِ بنِ وهبِ بنِ عُوَيمِرِ بنِ الأجدعِ، أن
يُحَنَّسَ مولى الزبير بن العگّام أخبره ، أنه كان جالسًا عندَ عبدِ اللهِ بنِ
عمرَ فى الفتنةِ ، فَأَتَتْه مولاةٌ له تُسلِّمُ عليه ، فقالت : إنى أردتُ الخروجَ
يا أبا عبد الرحمن، اشتدَّ علينا الزمانُ. فقال لها عبدُ اللهِ بنُ عمرَ:
اقعُدِى لُكَغُ؛ فإنى سمِعتُ رسولَ اللهِ نَّهِ يقولُ: ((لا يَصْبِرُ على
لأَوائِها وشدَّتها أحدٌ ، إلا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يومَ القيامةِ)).
التمهید
وفى هذا الحديثِ من الآدابِ وجميلِ الأخلاقِ إعطاءُ الصغيرِ من
الولدانِ، وإتحافُه بالطُّرَفِ ، وذلك يدُلَّ على أنه أولَى بذلك من الكبيرِ لقلَّةِ
صبرِهِ وفرحِه بذلك، وفى رسولِ اللهِ وَ لَ أسوة حسنةٌ فى كلِّ حالٍ .
مالكٌ، عن قَطَنِ بنِ وهبِ بنِ عويمِرِ بنِ الأجدَعِ(١)، أن يُحَنَّسَ مولى
الزبيرِ بنِ العوَّامِ أُخيّره ، أنَّه كان جالسًا عندَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ فى الفتنةِ، فَأَتَتُه
مولاةٌ له تُسلِّمُ عليه ، فقالت : إنى أردتُ الخروجَ يا أبا عبد الرحمنِ ، اشتدَّ
القبس
= بدون ذكر الآية فى آخره، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٩/١ (١٢١٧) من طريق
حاتم به مختصرا،. وینظر تفسير ابن كثير ٢٥٣/١.
(١) قال أبو عمر: «قَطَن بن وهب بن عویمر بن الأجدع، أحد بنی سعد بن لیث، وهو مدنی
ثقة، روى عنه مالك وغيره، لمالك عنه حديث واحد)). التاريخ الكبير ٧/ ١٩٠، وتهذيب
ألكمال ٦٢١/٢٣.
٤٤٢

الموطأ
علينا الزمانُ . فقال لها عبدُ الله بنُ عمرَ: اقعُدى لُكَثُ(١) ، فإِنِّى سمِعتُ التمهيد
رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ: ((لا يصِرُ على لأَوائِها وشِدَّتِها أحدٌ إلَّ كنتُ له
شفيعًا أو شهيدًا يومَ القيامةِ))(١).
هكذا روَى يحيى بنُ يحيى هذا الحديثَ عن مالكِ ، فقال فيه: عن
قَطَنِ بنِ وهبٍ بنِ عويمِرِ بنِ الأجدَعِ. وكذلك رواه ابنُ بُكَيرٍ(٢) وأكثرُ
الرواةِ . ورواه ابن القاسم ، عن مالك ، عن قَطنِ بنِ وهپ ، عن عویمِرِ بنِ
الأجدع، أن يُحَنَّسَ. والصحيح ما رواه يحبى ومَن تابَعه ، وكذلك نسبه
ابنُ البَرقىِّ ، وقال فيه القعنبى، "عن مالك٤): عن قَطَنِ بنِ وهبٍ، أن
يُحَنَّسَ مولى الزبيرِ (٥) . وروايةُ القعنبيِّ تشهدُ لصحةٍ ما روَى يحيى ومَن
تابَعه، واللهُ أعلم . وكذلك رواه(١) أبو مصعبٍ، عن مالكِ، عن قَطَّنِ بنِ
وهپ ، أن يُحَنَّسَ .
القبس
(١) فى الأصل: ((لگاعٍ)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٠٥/١٠، ٣١٤، ٣١٥ (٦٠٠١، ٦١٧٤)، ومسلم (٤٨٢/١٣٧٧)،
والنسائى فى الكبرى (٤٢٨١) من طريق مالك به .
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١/١٧ ظ، ٢و - مخطوط).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥) أخرجه الطبرانى (١٣٣٠٧)، والجوهرى فى مسند الموطأ (٦٢٩)، وأبو نعيم فى مستخرجه
(٣١٨٨)، والمزى فى تهذيب الكمال ٦٢٢/٢٣ من طريق القعنبى به.
(٦) فى الأصل، م: ((قال)).
٤٤٣

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ
رُزَثْقِ بنِ جامع، حدَّثنا أبو مصعب ، حدَّثنا مالكٌ، عن قَطَنِ بن وهبٍ،
أن يُحَنَّسَ مولى الزبيرِ أخبره، أنه كان جالسًا مع عبدِ الله بن عمرَ فى الفتنةِ.
فذكَّر الحديثَ(٢).
وكذلك حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم أيضًا، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ
محمدٍ بنِ أبى المَوْتِ، حدَّثنا علىَّ بنُ عبدِ العزيزِ، حذَّثنا محمدُ بنُّ
عبدِ اللهِ الرَّقَاشِئُّ البصرىُّ أبو عبدِ اللهِ، حدَّثْنَا مالكُ بنُّ أنس، عن قَطَنِ بنِ
وهب ، عن يُحَنَّسَ مولى الزبيرِ، أنه أخبره عن ابنِ عمر قال: قال رسولُ اللهِ
◌َ﴾: ((لا يَصِرُ على لأوائِها - يعنى المدينةَ - وشِدَّتِها أحدٌ إلَّا كنتُ له
شفِيعًا أو شهيدًا يومَ القيامةِ)).
قال أبو عمرَ: قولُه: ((على لأوائِها وشِدَّتِها)). يعنى المدينةَ، والشدةُ
الجويُ، واللأواءُ تعذُّرُ المكْسَبِ وسوءُ الحالِ .
وأما قولُه: لُكَُّ. فإنه أراد: يا(٢) ضعيفةَ الرأي. وأصلُ هذه اللفظةِ
الخِسَّةُ والدَّناءةُ والضعفُ، ويقالُ للرجلِ: لُكَعُ. وللمرأةِ أيضًا: لُكَغُ .
وقد يقالُ للمرأةِ: لَكاعٍ. مبنىٌّ على الكسرِ مثلَ خَذامٍ وقَطامِ ) . ورُوِى
القبس
(١) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((زريق)).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٤٧).
(٣) سقط من: م.
(٤) بعده فى ص ٢٧: ((ورباع)). وأشار فوقها أنه فى نسخة .
٤٤٤

الموطأ
عن النبيِّ مَ﴿ أنه قال: «يأتى على الناس زمانٌ أسعدُ الناسِ فيه بالدُّنيا لَكَعُ التمهيد
.(١)
ابُ لُگن»(١).
وفى هذا الحديثِ فضلُ المدينةِ، وفضلُها غيرُ مجهول، ومَخرجُ
حديثٍ ابن عمر هذا بعثم الأوقاتَ كلَّها . وقد قيل : إن ذلك إنما ورد فيمن
صبر على لأوائها وشدتِها ذلك الوقتّ مع رسولِ اللهِ وَلغيره؛ بدليلٍ خُروجٍ
الصّحابةِ عنها بعدَه. وقد بينًا هذا المعنى فى غيرِ موضع من كتابنا هذا.
والحمدُ للهِ .
وقد أخبرنا سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ دُخیم ، وحدَّثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، قالا: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ إبراهيمَ الدَّيَّلىُ، قال: حدَّثنا أبو عُتَيدِ (٢) اللهِ المخزومىُّ سعيدُ بنُ
عبد الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، قال: حدَّثنا موسى بنُ أبی
عيسى، أنه سمع أبا عبدِ اللهِ القَرَّاظَ يقولُ: سمِعتُ أبا هريرة قال: قال
رسولُ اللهِ وَ﴿: «أَيُّما جبّارٍ أراد أهلَ المدينة پسوء أُذابه اللهُ كما يذوبُ
الملحُ فى الماءِ، ولا يصيِرُ على لأوائها وشدَّتِها أحدٌ إلَّا كنتُ له شهيدًا أو
شفيعًا يومَ القيامةِ))(٢).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٣٣/٣٨، ٣٣٤ (٢٣٣٠٣)، والترمذى (٢٢٠٩) من حديث حذيفة
فتحوه. وأخرجه أحمد ٦٨/١٤ (٨٣٢٠) من حديث أبى هريرة ينحوه.
(٢) فی ص ١٦، ص ٢٧: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ٥٢٦/١٠.
(٣) أخرجه الجندى فى فضائل المدينة (٢٦) من طريق سعيد به، وأخرجه الحميدى (١١٦٧)،
ومسلم (١٣٧٨) من طريق سفيان به .
٤٤٥

الموطأ
والقولُ فى هذا الحديثِ كالقولِ فى حديثٍ قَطَنِ بنِ وهبٍ ، وقد تقَدَّم
التمهید
فضلُ المدينةِ فى مَواضِعَ مِن هذا الكتابِ . والحمدُ للهِ .
وقد روَى أبو مَعشَرِ المدَنىُّ، عن عبدِ السلامِ بنِ محمدِ بنِ أبى الجُنُوبِ (١) ،
عن الحسن، عن مَعقِلٍ بنٍ يَسارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((المدينةُ
مُهاجَرى ومَضجَعى من الأرضِ، وحَقٍّ على أُمَّتِى أن يُكْرِمُوا(٢) جيرانى ما
اجتنبوا الكبائرَ، فمن لم يفعَلْ سقاه اللهُ من طينةِ الخَبالِ ؛ عُصارةِ أهلِ النارِ)) (١) .
وهذا إسنادٌ فیه لین وضعفٌ لیس مما يُحتجُّ به، والفضائلُ يُتسامح فيها
قديمًا . واللهُ المستعانُ.
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ وعبدُ اللهِ
ابنُ عمرَ(١) بن إسحاقَ، قالا : حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ ، حدَّثنا
سعیدُ بُ أُبی مریم، حدثنا مالكٌ، عن قطنٍ بن وهب بنِ عویمِرِ بنِ
الأجدع، أن يُحَنَّسَ مولى الزبيرِ أخبره ، أنه كان جالسًا عندَ عبدِ اللهِ بنِ
-عمرَ فى الفتنةِ، فَأَتَته مولاةٌ له تُسلِّمُ عليه ، فقالت : يا أبا عبد الرحمنِ ، إنى
القبس
(١) فى ص ١٧: ((الحارث)). وينظر تهذيب الكمال ٦٣/١٨.
(٢) فى ص ٢٧: ((يكونوا)).
(٣) أخرجه الرويانى (١٣٠١)، والطبرانى ٢٠٥/٢٠ (٤٧٠)، وابن عدى ١٩٦٩/٥ من
طريق أبی معشر به .
(٤) فى م: (محمد)).
٤٤٦

الموطأ
١٧٠٢ - مالك ، عن محمدِ بنِ المُنكدرِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ،
أن أعرابيّا بايَع رسولَ اللهِ وَ له على الإسلام، فأصاب الأعرابيّ وَعْكٌ
بالمدينةِ، فَأَتَى رسولَ اللهِ نَِّ فقال: يارسولَ اللهِ ، أَقِلْنِى بَيْعَتِى. فَأَتَّى
رسول اللهِ وَله، ثمَّ جاءَه فقال: أَقِلْنِى يَبْعَتى. فأَتَى، ثم جاءَه فقال:
أَقِلْنِى يَبْعَتى. فأَتَى، فخرَج الأعرابىُّ، فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إنما
المدينةُ كالكيرِ ؛ تَنْفِى خَبثَها ، ويَنصَعُ طَيِّبُها)) .
أردتُ الخروجَ ، اشتدَّ علينا الزمنُ . فقال لها : اقعُدى لُكَعُ ، فإنى سمِعتُ التمهيد
رسولَ اللهِ وَلّهِ يقولُ: ((لا يصيِرُ أحدٌ على لأوائِها وشدَّتِها إلَّا كنتُ له
شفيعًا أو شهيدًا يومَ القيامةِ)).
مالكٌ، عن محمدٍ بنِ المنكَدرِ(١) ، عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ ، أَنَّ أعرابيًّا
القبس
(١) قال أبو عمر: « مدنی تابعی، ثقة فاضل، وهو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن
عبد العزى - ويقال : الهدير بن محرز بن عبد العزى - بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد
ابن تیم بن مرة القرشی التیمی ، یکنی أبا عبد الله، وقيل: يكنى أبا بكر، وأمه أم ولد، وكان
من فضلاء هذه الأمة، وعبادها وفقهائها، وخيارها، كان أهل المدينة يقولون : إنه مجاب
الدعوة، و کان مقلا ، و کان مع ذلك جوادًا . توفی بالمدينة سنة ثلاثین ومائة، أو إحدى وثلاثین
ومائة. وذكر الأويسى، عن مالك، قال: كان محمد بن المنكدر سيد القراء، وكان كثير
البكاء عند الحديث، وكنت إذا وجدت من نفسى قسوة آتيه فأنظر إليه فأتعظ به ، وأنتفع بنفسى
أياما، وكان كثير الصلاة بالليل. قال أبو جعفر الطبرى: كان محمد بن المنكدر ثقة، کثیر
الحديث، أمينا على ما روى ونقل من أثر فى الدين. قال أبو عمر: المالك عنه فى ((الموطأ)) من
حديث رسول الله و# خمسة أحاديث، منها أربعة مسندة، وواحد مرسل)). تهذيب الكمال
٥٠٣/٢٦، وسير أعلام النبلاء ٣٥٣/٥.
٤٤٧
٠٠٠٠٠٠

الموطأ
التّهيد بايَع رسولَ اللهِوَه على الإسلام، فأصاب الأعرابيّ وَعْكُ(١) بالمدينةِ،
فأتى النبيّ ◌َ﴾ فقال: يا رسولَ الله )) أقلْنى بيعتى. فأتى، ثم جاءه فقال:
أقلْنى بيعتى. فأتى، ثم جاءه فقال: أقْنى بيعتى. فأتى، فخرج الأعرابىُّ،
فقال رسولُ اللهِ وَ﴿: ((إنَّما المدينةُ كالكِيرِ، تنفى خَيْثَها، ويَنْصَغُ
(٢)
طَيِّتها))(٢).
هكذارواه جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما علمتُ بهذا اللَّفظِ، إِلَّ عبدَ اللهِ
ابنّ إدريس، فإِنَّه قال فيه عن مالكِ بإسنادِه: ((إِنَّهَا طَيِّبَةٌ تَنَفِى الْخَبَثْ)).
وقولُه فى الحديثِ ((طَنِيَّةٌ)). غريبٌ لم يَقُلْه فيه غيرُه. واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمر: فی هذا الحديث من العِلم ◌ُنَّ رسولَ اللهِ چے کان یبایعُ
الناس على حدودِ الإسلام، ومعنى ذلك أنّه كان يُبايعُهم على شروطٍ
الإسلام ومعالمِه، وهذا معروف فى غيرٍ ما حديثٍ، وكان ذلك الوقت من
حدودٍ الإسلام وفرائضِه البيعةُ على هجرةِ الأوطانِ، والبقاء مع النبيِّ وَّ،
ولذلك كان قطع الله ولاية المؤمنین المهاجرين ممن لم يهاجر منهم،
القبس
(١) الوعك: هو الحُثَى. وقيل: ألَّها . النهاية ٢٠٧/٥.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٩١)، وبرواية يحيى بن بكير (٢/١٧و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٨٤٨). وأخرجه أحمد ١٨٩/٢٢ (١٤٢٨٤)، والبخارى (٧٢٠٩،
٧٢١١، ٧٣٢٢)، ومسلم (١٣٨٣)، والترمذى (٣٩٢٠)، والحساقى (٤١٩٦) من طريق
مالك به .
٤٤٨

الموطأ
فقال: ﴿وَلَّذِينَ ءَمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيْتِهِمٍ مِنِ شَىْءٍ حَقِّى التمهيد
يُّهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وقال رسولُ اللهِ وَله: «أنا بريءٌ من كلّ مسلم
باقٍ مع مشركٍ))(١) . وكان يشترطُ عليهم السمع والطاعةً فى العسرِ
والیسرٍ ، والمنشط والمكره، إلى أشياء كثيرة کان یشترطُها قد ورد فى
الآثارِ ذكرُها، " كبيعةِ النساءِ) وغيرِها. وقد ورَد "القرآنُ بنص) بيعته
للنّساءِ(٤)، وسكّت عن الرّجالِ؛ لدُخولِهم فى المعنى، كدخولِ مَن
أُحصَنَ من الرّجالِ فى قولِه: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]. ومثلُ
هذا كثيرٌ. وقد ذكّر جرير أنَّه اشترط عليهم النُّصحَّ لكلّ مسلمٍ (٥) . ومعنى
هذه المبايعةٍ، واللهُ أعلم ، الإعلامُ بحدودِ الإسلامِ وشرائعه وآدابه. وقال
الشافعيُّ رحمه اللهُ: أمَّا بيعةُ النّساءِ فلم يُشترَطْ فيها السمع والطاعةُ ؛
لأَنَّهنَّ ليس عليهنَّ جهادُ كافرٍ ولا باغ، وإنَّما كانت بيعتُهنَّ على الإسلامِ
وحدوده .
قال أبو عمر : قد كانت البيعةُ على وجوهٍ ، منها ، أنَّها كانت أوَّلًا على
القتالٍ، وعلى أنْ يمنّعوه ممّا يمتّعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم،
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٦٣/١٩.
(٢ - ٢) فى م: (كبيته للنساء)).
(٣ - ٣) فى م: ((بالنص)).
(٤) بعده فى م: ((المهاجرات)).
(٥) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩١٠) من الموطأ .
٤٤٩
(موسوعة شروح الموطأ ٢٩/٢١)

الموطأ
التمهيد وعلى نحو ذلك كانت بيعةُ العَقَبَةِ الثانيةُ قبلَ الهجرةِ ، ثم لما هاجَر رَسولُ
اللهِ وَّهَ إلى المدينةِ بايَع الناسَ على الهجرةِ، وقال: ((أنا برىءٌ من كلِّ
مسلمٍ مع مشركٍ)). فكان على الناسِ فرضًا أن ينتقِلُوا إلى المدينةِ ، إذ لم
يكن للإسلام دارٌ ذلك الوقتَ غيرُها ، ويَدَعوا دارَ الكفرِ ، وعلى هذا، واللهُ
أعلمُ، كانت بيعةُ هذا الأعرابيّ المذكورِ فى هذا الحديثِ على (١) الإسلامِ
والهجرةٍ ، فلمَّا لحِقه من الوْكِ ما لحِقه، تشاءَم بالمدينةِ ، وخرَج عنها
منصرفًا إلى وطنِه من أهلِ الكفرِ، ولم يكنْ ممَّن رسَخ الإيمانُ فى قلبِهِ،
وربَّما كان من جنسِ الأعرابِ الذين قال اللهُ عزَّ وجلَّ فيهم: ﴿اَلْأَعْرَابُ
أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى
رَسُولِ﴾ [التوبة: ٩٧]. ولما فُتِحت مكةُ لم يُبايع رسولُ اللهِ وَ لِّ أحدًا على
الهجرةِ ، وإنَّما كانتِ البيعةُ على الإقامةِ بدارِ الهجرةِ قبلَ أن يفتحَ اللهُ على
رسوله مكةً، وكان المعنى فى البيعةِ على الهجرةِ الإقامةَ بدارِ الهجرةِ -
وهى المدينةُ - عندَ (١) رسولِ اللهِ وَلَه فى حياتِه، حتى يصرِفَهم فيما
يحتاج إليه من غزوِ الكفارِ ، وحفظِ المدينةِ ، وسائرٍ ما يحتاج إليه، وكان
خروجهم راجعين إلى دارٍ أعرابيتهم حرامًا عليهم؛ لأنَّهم كانوا يكونون
بذلك مرتَدِين إلى الأعرابيَّةِ مِن الهجرةِ ، ومَن فعَل ذلك كان ملعونًا على
القبس
(١) فى م: ((عن)).
٤٥٠

الموطأ
لسانِ رسولِ اللهِ وَالَرَ، ألا ترى إلى حديثٍ شعبةً(١) والثورىٌّ(١) ، عن التمهيد
الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةً ، عن الحارِثِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ قال: آكِلُ الرِّبا، ومُوكِلُه، وكاتبُه، وشاهداه، إذا علِمُوا به،
والواشمةُ، والمستوشِمَةُ للحُسنِ، وَلاوِى الصدقةِ، والمرتدُّ أعرابيًا
بعدَ هجرتِه، ملعونونَ على لسانِ مُحَمَّدٍ بَّهِ يومَ القيامةِ. وَرُوِىَ
عن عقبةَ بنِ عامٍ الجُهَنىِّ قال: بلَغنى قدومُ النبيِّ وَِّ المدينةَ وأنا
فى غُنَيمةٍ لى، فرفَضتُها ثم أتيتُه، فقلتُ: جئتُ أَبَايِعُك. فقال:
((بيعةٌ أعرابيَّةٌ، أو بيعةُ هجرةٍ؟)). قلتُ: بَيْعَةُ هجرةٍ. قال: فبايَعته
(٣)
وأقمتُ(٢).
قال أبو عمرَ : ففى قولٍ عقبةً فى هذا الحديثِ : فبايَعته وأقمتُ . دليلٌ
على أنَّ البيعةً على الهجرةِ تُوجبُ الإقامةَ بالمدينةِ ، وأنَّ البيعةَ الأعرابيّةَ
تُخالفُها، لا تُوجبُ الإقامةَ بالمدينةِ على أهلِها، ويدلَّك على ذلك أنَّ
مالكَ بنَ الحويرِثِ وغيرَه من الأعرابِ بايعوا رسولَ اللهِ وَله وأقاموا عندَه
أَيَّامًا، ثم رجَعوا إلى بلادِهم، وقال لهم رسولُ اللهِ وَله: ((ارجِعُوا إلى
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧/ ٤٣٠، ٤٣١ (٤٤٢٨)، والنسائى (٥١٠٢) من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه أحمد ٤٢٥/٦ (٣٨٨١)، وابن حبان (٣٢٥٢)، والبيهقى فى شعب الإيمان
(٥٥٠٧) من طريق الثورى به .
(٣) أخرجه ابن سعد ٣٤٣/٤، ٣٤٤، والطبرانى ٣٠٤/١٧ (٨٣٩).
٤٥١

الموطأ
التمهيد أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم، وصلُوا كما رأيتُمونى أُصلِّى))(١). وهذا
الأعرابى المذكورُ فى حديثِ مالكِ كان، واللهُ أعلمُ، ممَّن بايَع رسولَ
اللهِ وَّ على المُقام بدارِ الهجرةِ، فمِن هنا أتى رسولُ اللهِ وَلَه مِن إقالةٍ
بيعتِه، وفى إبائه (١) وَلَه مِن إقالةِ البيعةِ دليلٌ على أنَّ من العقودِ عقودًا إلى
المرءِ عقدُها وليس له حَلُّها ولا نقضُها، وذلك أنَّ من عقَد عقدًا يجبُ
عقدُه ولا يَحِلّ نقضُه لم يجزْ له أن ينقُضَه، ولم يَحِلَّ له فسخُه، وإن كان
الأمؤ کان إلیه فى العقدِ ، فليس إليه ذلك فى النُّقْضِ ، وليس كلَّ ما للإنسانِ
عقدُه له فسخُه، ولم يكنْ لرسولِ اللهِ وَلِّ أَنْ يُقيلَه بيعتَه؛ لأنَّ الهجرةَ
كانت مُفترَضةٌ يومَئذٍ، كما لم يكنْ له أن يُبيحَ له شيئًا حظَرته عليه
الشريعةُ ، إذا دخَل فيها، ولزِمته أحكامُها، إلَّ بوحي من اللهِ، وأمَّا مَن
بعدَه فليس ذلك حكمه بوجهٍ من الوجوهِ ؛ لأُنَّ الوحىَ بعدَه قد انقطع،
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
وفى هذا الحديثِ بيانُ فضلِ المدينةِ ، وأنَّها بقعةٌ مباركةٌ لا يستوطنُها
إلَّ المرضىُّ من النَّاسِ. وهذا عندى إنَّما كان بالنبىِّ(٢) وَ مِنذُ نزَلها،
وقد كانت قبلَه كسائرِ ديارِ الكفرِ، ولما توفّى رسولُ اللهِ وَلِ بِقِی فضلُ
القبس
(١) أخرجه البخاری (٦٣١) ، ومسلم (٦٧٤) من حديث مالك بن الحويرث.
(٢) فى م: ((إياء رسول الله)).
(٣) في ى: ((من النبى)).
٤٥٢

الموطأ
التمهيد
قبرِه ومسجدِه، والمدينةُ لا يُنكَرُ فضلُها .
وأمّا قولُه: (تنفى خَبْثَها، وينصَعُ طَيِّئُها)). فمعناه: أنَّها تنفى حُثالةً
الناسِ ورُذالتَهم ، ولا يبقى فيها إِلَّ الطَّيِّبُ الذى اختاره اللهُ عزَّ وجلَّ لصُحبةٍ
نبيّه وَلَهُ والخَبَثُ رُذالةُ الحديدِ ووسَخُه الذى لا يَتْبُتُ عندَ النارِ.
وأمَّا قولُه: ((وَيَنصَعُ)). فإِنَّه يعنى: يبقَى، ويَبْتُ، ويَظهرُ. وأَصْلُ
النُّصوع فى الألوانِ البياضُ ، يقالُ: أبيضُ ناصِعٌ، ويَقَقُ(١). كما يقالُ:
أحمرُ قانِئٌ، وأسودُ حالٌ، وأصفرُ فاقعٌ. والمرادُ بهذه الكلماتِ الُّبوتُ
والصّحَّةُ. والنَّاصِحُ: الخالصُ السالمُ، قال النابغةُ الذُّبيانِىُّ(٢):
ولم يأتِ بالحقِّ الذى هو ناصعُ
أتاك بقول مَلھَلِ النَّسجِ کاذپ
أى: خالصٌ سالم من الاختلاف، وأمَّا الخَبَثُ فلا يَتْبُتُ، وما لا يَتْبُتُ
فليس ظهوره بظهورٍ .
وشَّةَ رسولُ اللهِ وَهُ المدينةَ فى ذلك الوقتِ بالكِبرِ والنارِ الذى لا
يبقَى على عملِهِ إِلَّا طيِّبُه، ويدفَعُ الخَبثَ. وكذلك كانت المدينةُ، لا
يبقَى فيها ولا يثبُتُّ إِلَّ الطَّيِّبُ من الناسِ لصُحبتِهِ وَّهِ، وللفهم عنه، فلمَّا
القبس
(١) يَقَق ويقِق: شديد البياض ناصعه، واليقق: المتناهى فى البياض. اللسان (ى ق ق).
(٢) ديوانه ص ٣٥ ( تحقيق: محمد أبو الفضل ).
٤٥٣

الموطأ
التمهيد مات خرَج عنها كثيرٌ مِن جلَّةِ أصحابِه؛ لنشرٍ علمِه والتَّبليغ لدينِه وَلَهُ.
فإن قيل: إنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ قد خشِى أن يكونَ ممَّن نفَت
المدينةُ ، وليس ذلك فى المعنى الذى ذكّرتَ من صُحبةِ رسولِ اللهِ وَلآ ،
والأخذِ عنه، بل ذلك لفضلِ المدينةِ الباقى إلى يومِ القيامةِ . قيل له: لا
يُنكِرُ فضلَ المدينةِ عالمٌ، ولكنَّ قولَه: «تنفى خَبْثَها، ويَنصَعُ طَيُّها)) .
ليس إلَّا على ما قلنا، بدليلٍ خروج الفُضلاءِ الصحابةِ الطَّبِين منها إلى الشام
والعراقٍ ، ولا يجوزُ أن يقالَ فى واحدٍ منهم: إنَّهم كانوا خبثاءَ. رَضِىَ اللهُ
عنهم. وقد يقولُ العالمُ القولَ على الإشفاقِ على نفسِه، فلا يكونُ فی
ذلك حبّةٌ على غيره .
قال أبو عمرَ : كان خروجُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ من المدينةِ حينَ قال هذا
القولَ فيما ذكَر أهلُ السّيِّ - فى شهرِ رمضانَ من سنةٍ ثلاثٍ وتسعين،
وذلك أنَّ الحَّاجَ كتَب إلى الوليدِ فيما ذكروا أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ
بالمدينةِ كهفٌ للمنافقين . فجاوَبه الوليدُ: إِنِّى أعزِلُه. فعزَله، وولَّى عثمانَ
ابنَ حَيَّانَ المُرِّىَّ، وذلك فى شهرِ رمضانَ المذكورِ، فلمَّا صار عمرُ
بالشُوَيداءِ قال لمزاحم: يا مزاحمُ، أَتخافُ أن نكونَ ممَّن نفَت
المدينةُ؟(١) . وقال ميمونُ بنُ مِهرانَ: ما رأيتُ ثلاثةً فى بيتٍ خیرًا من عمرَ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٧٠٧).
٤٥٤

الموطأ
التمهيد
ابنِ عبدِ العزيزِ، وابنه عبدِ الملكِ، ومؤلاه مزاحم.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ معروفٍ، قال: حدَّثنا ابنُ
وهبٍ ، قال: أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن ابنٍ (١) شهابٍ، أَنَّ عمرَو بنَ
عبد الرحمنِ بنِ أميَّةَ حدَّثه، أنَّ أباهُ أخبَره، أنَّ يعلَى بنَ أميَّةً قال : جئتُ
رسولَ اللهِ ﴾﴾ بابی أميّةً يوم الفتح ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، بایٹ أبی علی
الهجرة. فقال: ((أَبَايِعُه على الجهادِ، وقد انقطعت الهجرةُ))(١) .
وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
زهيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريًّا،
عن عاصم، عن أبى عثمانَ، قال: حدَّثنَى مُجاشِعُ بنُ مسعودٍ ، قال:
أَتَيتُ النبيَّ وَلِّ لأَبايعَه على الهجرةِ، قال: ((قد مضَت الهجرةُ لأهلِها ،
ولكنْ على الإسلامِ والجهادِ والخيرِ)) (١).
القبس
(١) فى م: ((أبى)).
(٢) أخرجه أحمد ٤٧٩/٢٩، ٤٨٠ (١٧٩٦٢) عن هارون به، وأخرجه النسائى (٤١٧١)،
وابن حبان (٤٨٦٤) من طريق ابن وهب به .
(٣) أخرجه مسلم (١٣/١٨٦٣) من طريق إسماعيل به، وأخرجه أحمد ١٧٧/٢٥، ١٧٩
(١٥٨٤٨، ١٥٨٥١)، والبخارى (٢٩٦٢، ٢٩٦٣، ٤٣٠٥، ٤٣٠٦)، ومسلم
(٨٤/١٨٦٣) من طريق عاصم الأحول به، وعندهم أن أخا مجاشع بن مسعود هو الذى
بايع النبى ◌َطهر.
٤٥٥

الموطأ
١٧٠٣ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه قال: سمِعتُ أبا
الخُبابِ سعيدَ بنَ يسارٍ يقولُ: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ
:: ((أَمِرتُ بقريةٍ تأكُّلُ القُرى، يقولون: يثربُ. وهى المدينةُ؛
تَنْفِى الناسَ كما يَنفِى الکیرُ خبث الحديدِ » .
التمهيد
وذكَر البخارىُّ(١) : حدَّثنا إسحاقُ بنُّ يزيدَ، حدَّثنا يحيى بنُ حمزةٌ ،
حدَّثنا الأوزاعىُ، عن عطاءٍ بن أبى رباحٍ، قال: زُرتُ عائشةَ مع ◌ُبيدِ بنِ
مُميرٍ، فسأَلْتُها عن الهجرّةِ ، فقالت: لا هجرةً اليومَ، كان المؤمنُ يفرّ
بدينِه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ وإلى رسولِهِ وَلِّ مَخافةً أن يُفتنَ عليه، فأمَّا اليومَ،
فقد أظهر اللهُّ الإِسلامٌ، فالمؤمنُ يعبُدُ ربَّه حيث شاء، ولكنْ جهادٌ ونِيَّةٌ .
مالك ، عن یحیی بن سعیدٍ، قال : سمعتُ أبا الخبابِ سعيد بن يسارٍ
يقولُ: سمِعتُ أبا هريرةٌ يقولُ: قال رسولُ اللهِ لَّهِ: (( أُمِرتُ بقريةٍ تَأْكُلُ
القُرّى، يقولون : يثربُّ. وهى المدينةُ، تُنفِى الناسَ كما يَنْفِى الكِيرُ خَبَثٌ
(٢)
الحدید»(٢).
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطأَ)) عندَ جماعةِ الرواةِ، ورواه إسحاقُ بنُّ
القیس
(١) البخارى (٤٣١٢).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٤٩).
وأخرجه أحمد ١٦٩/١٢، ١٧٠ (٧٢٣٢)، والبخارى (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢)،
والنسائى فى الكبرى (١٣٩٩) من طريق مالك به .
٤٥٦

الموطأ
عيسى الطبّائحُ، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، التمهيد
عن أبى هريرةً . وهو خطأ ، والصوابُ فیه : مالك ، عن یحیی بن سعيد ، عن
سعيد بنٍ يسارٍ أبى الخُبابِ، كما فى ((الموطّاً)). واللهُ أعلمُ.
وأبو الخبابِ هذا سعيدُ بنُ يسارٍ مولى الحسن بنٍ علىٍّ ، وقيل: مولی
شُمَيسةً ؛ امرأةٍ نصرانيّةٍ أُسلمت بالمدينة على يدي الحسن بنٍ علىٍّ . وقيل :
أبو الحُبابِ سعيدُ بنُ يسارٍ مولى شُقْرَانَ مولى النبيِّ وَّله. وكان أبو الحباب
أحدَ الثقاتٍ من التابعين بالمدينةِ ، وبها تُوفّى سنةَ سبعَ عشرةَ ومائةٍ .
وأما قولُه: ((تأكُلُ القُرَى)). فرُوِى عن مالكٍ أنه قال: معناه: تَفتَحُ
القُرَى، وتُفتَحُ منها القُرَى؛ لأن من المدينةِ افْتُحت المدائنُ كلَّها
بالإسلام.
وفى هذا الحديث دليلٌ على كراهيةٍ تسميةِ المدينةِ بيثربَ على ما
كانت تُسمَّى فى الجاهليةِ ، وأما القرآنُ فنزَل بذكرٍ يثربَ على ما كانوا
يعرفون فى جاهليتهم، ولعلٌ تسميةَ رسولِ اللهِ وَ لّهِ إِيَّاها بطَئِيةً كان بعدَ
ذلك، وهو الأغلبُ فى ذلك.
وأما قولُه: ((تَنفى الناسَ)). فإنه أراد شرارَ الناسِ، ألا ترى أنه مَثَّل ذلك
وشبَّهه بما يصنَعُ الكيرُ فى الحديد، والكيرُ إنما يَنْفِى ردىءَ الحديد
وخبثَه، ولا ينفى جيّدَه. وهذا عندى، واللهُ أعلمُ، إنما كان فى حياةٍ
رسولِ اللهِ وَ﴾، فحينئذٍ لم يكنْ يخرجُ من المدينةِ رغبةً عن جوارِه فيها إلَّ
القبس
٤٥٧

١٧٠٤ - مالك، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أن رسولَ
الموطأ
اللهِ وَّهِ قال: ((لا يخرجُ أحدٌ من المدينةِ رغبةً عنها، إلا أبدَلَها اللهُ
خيرًا منه)) .
التمهيد من لا خيرَ فيه، وأما بعدَ وفاتِه فقد خرَج منها الخِيارُ الفضلاءُ الأبرارُ.
وأما الكيرُ فهو موضعُ نارِ الحدَّادِ والصائغ، وليس الجلدَ الذى تسمِیه
العامةُ كيرًا . هكذا قال أهلُ العلمِ باللغةِ ، ومن هذا حديثُ أبى أمامةَ وأبى
رَيْحانَةَ، عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((الحُمَّى كيرٌ من جهنَّمَ، وهی نصيبُ
المؤمنِ من النارِ)) (١) .
حدثنا خلفُ بنُ أحمدَ ، حدثنا أحمدُ بنُ مطرّفٍ، حدثنا سعيدُ بنُّ
عثمانَ ، حدثنا علىُّ بنُّ مَعْبَدٍ ، حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، حدثنا أبو غسّانَ
محمدُ بنُ مطرّفٍ، عن أبى الخُصينِ، عن أبى صالحِ الأشعرىِّ، عن أبى
أَمامةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: «الحُمَّى كيرٌ من جهنَّمَ ، فما أصاب المؤمنَ
منها كان حظّه من النارِ))(٢). واللهُ أعلمُ.
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ عَ لٍّ قال: ((لا
يخرجُ أحدٌ من المدينةِ رغبةً عنها إلا أبدَلها اللهُ خيرًا منه))(١).
القبس
(١) حديث أبى ريحانة تقدم تخريجه فى ٤٢/٨.
(٢) تقدم تخريجه فى ٤١/٨، ٤٢ .
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧و، ٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٠).
وأخرجه الجندى فى فضائل المدينة (٤٠)، وأبو القاسم الجوهرى فى مسند الموطأ (٧٦٥) من
طريق مالك به .
٤٥٨

الموطأ
وهذا الحديثُ قد وصَله معنُ بنُ عيسى ، وأسنَده عن مالك، عن التمهيد
هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ فى ((الموطأً))، ولم يُسنِدْه غيرُه فى
((الموطأُ))، واللهُ أعلمُ. وقد رُوِى مِن حديث أبى هريرةَ أيضًا، وحديثٍ
جابرٍ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، عن
هاشمٍ بن هاشم، قال: حدَّثنى أبو صالحِ مولى الساعدىِّ، عن أبى هريرةَ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إن رجالًا يَشْتنفِرون عشائرَهم، فيقولون:
الخيرَ الخيرَ. والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، والذى نفسُ محمدٍ
بيدِه، لا يصبِرُ على لأَوائِها وشدَّتِها أحدٌ إلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يومَ
القيامةِ ، والذى نفسُ محمدٍ بيدِه ، إنها لتنفِى خَبَثَ أهلها كما ينفى الكيرُ
خبثَ الحديدِ ، والذى نفسُ محمدٍ بيدِه، لا يخرُجُ منها أحدٌ رغبةً عنها إلا
أبدَلها اللهُ خيرًا منه))(١) .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ بنِ يوسفَ ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤١٨/١٥ (٩٦٨٠) من طريق ابن نمير به، وأخرجه البيهقى فى الشعب
(٤١٧٩) من طريق هاشم به .
٤٥٩

الموطأ
التمهيد يحيى، حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو البزارُ، حدَّثنا
محمد بن المُثنَّى وعمرُو بنُ علىّ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهابِ، عن
الجُرَيرىِّ، عن أبى نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَتِ: ((لا
يخرجُ أحدٌ من المدينةِ رغبةً عنها إلا أبدَلها اللهُ به خيرًا منه، والمدينةُ خيرٌ
لهم لو كانوا يعلمون)»(١) .
معنى هذا عندى، واللهُ أعلمُ، فى حياتِهِ وَله، وهذا فى مثلِ الأعرابىّ
الذى قال: أقلْنِى بيعتى(١). ومعلوم أنَّ مَن رغِب عن جِوارِ النبيِّ وَلّ أُبدّله
اللهُ خيرًا منه، وأما بعدَ وفاتِهِ وَله، فقد خرج منها جماعةٌ مِن أصحابِه ولم
تُعوّضِ المدينةُ بخيرٍ منهم .
وروَی شعبةُ ، قال : حدَّثنی يحيى بنُ هانىٍّ بن عروةَ المُرَادُّ، قال :
سمِعتُ نُعيمَ بنَ دِجاجةً، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ : لا هجرةَ
بعدَ النبىِّ ◌َِ(١)
القبس
(١) أخرجه الحاكم ٤٥٤/٤ من طريق عبد الوهاب بن عطاء به، وأخرجه أيضًا فى معرفة علوم
الحديث ص ١٩٠، ١٩١ من طريق الجريرى به.
(٢) تقدم فى الموطأ (١٧٠٢).
(٣) أخرجه النسائى (٤١٨٢)، وأبو يعلى (١٨٦) من طريق شعبة به.
٤٦٠