Indexed OCR Text

Pages 241-260

الموطأ
تخرُجُ مِن المغْدِنِ ، أنَّ فيها الزكاةَ، وإنَّما الخُمُسُ فى الرِّكازِ، وهو دِفْتُ التمهيد
الجاهِليّةِ . قال مالكٌ: ولا شىءَ فيما يخرُجُ مِن المعادِنِ مِن غيرِ الذهبِ
والفِضَّةِ والمعادِنِ فى أرضِ العربِ والعجم. وقال فى المغدِنِ فى أرضٍ
الصُّلْحِ: إذا ظهَر فيها فهو لأهلِها ، ولهم أن يَمنَعوا الناسَ مِن العملِ فيها ،
وأن يَأْذَنُوا لهم ، ولهم ما يُصالّحون عليه مِن خُمُسٍ أو غيرِهِ . قال مالك:
وما قُتِح عَنْوَةً فهو إلى السلطانِ ، يفعَلُ فيه ما يشاءُ . وقال سُحنونٌ فى رجلٍ
له معادنُ: إِنَّه لا يضُمُّ ما فى واحدٍ منها إلى غيرِها ، ولا يُزَكِّى إلَّا عن مائتى
درهم أو عشرِين دينارًا فى كلِّ واحدٍ. وقال محمدُ بنُ مسلَمةً : يَضُمُ
بعضَها إلى بعضٍ، ويُزكَى الجميعَ، كالزرع. وذكَر المزنىُ، عن
الشافعىٌّ، قال: وأمَّا الذى أنا واقِفٌ فيه، فما يخرجُ مِن المعادنِ . قال
المزنيُ : الأولَى به على أصلِه أن يكونَ ما يخرُجُ مِن المعدِنِ فائدَةً تُزَكّی
لحولِه بعدَ إخراجِه . قال: وقال الشافعىُّ: ليس فى شىءٍ أُخرَجته المعادنُ
زكاةً غيرَ الذهبِ والوَرِقِ. وقال عنه الربيعُ فى (( البُوَيْطِئِّ)): ومَن أصاب
مِن مَعدِنٍ ذهبًا أو وَرِقًا، فقد قيل: هو كالفائدةِ يَستَقبِلُ بها الحولَ. وقيل:
إذا بلَغ ما تجبُ فيه الزكاةُ زَكَّاه مكانَه. وقال الليثُ بنُ سعدٍ : ما يخرجُ مِن
المعادِنِ مِن الذهبِ والفِضَّةِ ، فهو بمنزِلَةِ الفائدةِ ، يُستأَنَفُ به حولٌ ، ولا
تَجرِى فيه الزكاةُ إلَّا مع مُؤُورِ الحولِ . وهو قولُ الشافعيّ فيما حصَّلَه
المزنىُّ مِن مذهبِه، وقولُ داودَ وأصحابِه . قال داودُ: وما خرّج مِن المعادِنِ
القبس
٢٤١
(موسوعة شروح الموطأ ١٦/٢١)

الموطأ
التمهيد فليس برِكَازِ، إنَّما الرّكازُ دِفْنُ الجاهليّةِ، وفيه الخمُسُ لغيرِ الواجِدِ، وما
يخرُجُ مِن المعادنِ فهو فائدةٌ ، إذا حال عليها الحولُ عند مالكٍ صحيحٍ
المِلْكِ، وَبَتْ فيها الزكاةُ فى الفِضَّةِ والذهبِ على مِقدارَئهما. وحُجَّةٌ
مالكِ فى إيجابِهِ الزكاةَ فى المعادنِ حديثُ ربيعةً بن أبى عبدِ الرحمنِ ، أَنَّ
النبيُّ وَلِّ أَقْطَعَ بلالَ بنَ الحارثِ المزنيَّ المعادنَ القَبَلِيَّةَ ، فتلك المعادنُ لا
يؤخَذُ منها إلى اليوم إلَّا الزكاةُ(١) . وهذا حديثٌ مُنقَطِعُ الإسنادٍ لا يَحتَُ
بمثلِه أهلُ الحديثِ ، ولكنَّه عملٌ يُعمَلُ به عندَهم فى المدينةِ. واحتجّ
الشافعىُّ بحديثٍ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى نُعم، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أنَّ
النبيُّ وَلّ أُعطَى قومًا مِن المُؤَلَّفَةِ قلوبُهم ذَهَبَةً فى تُريتها ، بعثها علىِّ مِن
اليمنِ. قال: والمُؤلِّفةُ إنَّما حقُّهم فى الزكواتِ، فتبَيَّن بهذا أنَّ المعادنَ
سُنتُها سنةُ الزكاةِ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو
الأحوص ، عن سعيد بنٍ مسروق ، عن عبد الرحمنِ بنِ أُبی نُغم ، عن أبی
سعيد الخدرىِّ ، أَنَّ علىَّ بنَ أبى طالبٍ بعَث بِذَهَبَةٍ فى تُريتِها إلى رسولِ اللهِ
وَّهِ، فقسَمها بينَ أربعةٍ نفَرٍ؛ الأقرع بن حابِسٍ الحنظلِيِّ، وعيينةَ بنِ بَدْرٍ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٥٨٦).
٢٤٢

الموطأ
الفَزارِئِّ، وعلقمةً بنِ ثُلاثةً العامرئِّ ، ثم أحَدٍ بَنی کلاب، وزيد الطائىِّ.
أحَدٍ بنى نَبهانَ(١) .
التمهيد
وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال :
حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ فُضيلٍ، عن عمارةَ بنِ
القَتْقَاعِ، عن ابنٍ أبى نُعم، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: بعَث علىٍّ مِن
اليمَنِ إِلى رسولِ اللهِ وَ لِّ بِذَهَبَةٍ فى أدِيمُ(٢) مَقْرُوظٍ(٣) ولم تُحَصَّلْ(٤) مِن
تُرِبَيِها، فقسَمِها رسولُ اللهِ وَ لِّ بِينَ أربعةِ نَفَرٍ ، بينَ زيدِ الخيرِ، والأقرعِ بنِ
حابسٍٍ، وعيينةَ بنِ حصنٍ، وابنٍ عُلاثةَ أَو عامرِ بنِ الطفيلِ . وذكرَ
(٦)
الحديثَ(٢).
القبس
(١) أخرجه مسلم (١٠٦٤)، والنسائى (٢٥٧٧) من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه أحمد
٣٦٩/١٧ (١١٢٦٧)، والبخارى (٣٣٤٤، ٧٤٣٢)، وأبو داود (٤٧٦٤)، والنسائى
(٤١١٢) من طريق سعيد بن مسروق به .
(٢) فى م: ((أدم)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) مقروظ: أى مدبوغ بالقرظ، وهو ورق السّلَم. ينظر النهاية ٤٣/٤.
(٤) لم تحصل: لم تخلص، وحصلت الأمر: حققته وأثبته . النهاية ٣٩٦/١.
(٥) قال النووى: قال العلماء: ذكر عامر هنا غلط ظاهر؛ لأنه توفى قبل هذا بسنين ، والصواب
الجزم بأنه علقمة بن علاثة كما هو مجزوم باقى الروايات . صحيح مسلم بشرح النووى ٧/ ١٦٢،
وينظر فتح البارى ٦٨/٨.
(٦) أخرجه مسلم (١٤٦/١٠٦٤)، وابن خزيمة (٢٣٧٣) من طريق محمد بن فضيل
به، وأخرجه أحمد ٤٦/١٧ (١١٠٠٨)، والبخارى (٤٣٥١)، ومسلم (١٤٤/١٠٦٤) من
طريق عمارة بن القعقاع به .
٢٤٣

الموطأ
وقال الطَّحاوىُّ: قد أعطَى رسولُ اللهِ وَلِ هؤلاء مِن غَنَائِم ◌ُنَيْنٍ(١)؛
التمهيد
وهم المؤلفةُ. قال: وعلى أن عليًّا لم يكنْ على الصدقةٍ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ
وَّوَ لم يكنْ يستعمِلُ على الصدقةِ أحدًا مِن بنى هاشِمٍ.
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، قال :
سمِعناه مِن داودَ بنِ شابُورَ ويعقوبَ بنِ عطاءٍ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن
أبيه، عن جدِّه عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّه فى كنزٍ وَجَدَه
رجلٌ: ((إن كنتَ وجَدْته فى قريةٍ مسكونةٍ، أو فى سبيلٍ مِيتَاءٍ(١)، فعَرِّفْه ،
وإِن كُنتَ وجَدْته فى قريةٍ جاهليةٍ ، أو فى قريةٍ غيرٍ مسكونةٍ ، أو فى غيرٍ
سبيلٍ مِيتاءٍ، ففيه وفى الرِّكازِ الخمُسُ))(٣).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو
يحيى بنُ أبى مسرةَ، قال: حدَّثْنا مُطرّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس،
عن ابن شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبى سلمةً، عن أبى هريرةَ ، أن
رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((فى الرِّكَازِ الخُمُسُ)).
القبس
(١) فى م: ((خيبر)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٤٥٨/١.
(٢) الميتاء والمفتاء: هو الطريق العامر المسلوك، وهو مفعال من الإتيان. ينظر اللسان (أت ى).
(٣) الحميدى (٥٩٧) - ومن طريقه الحاكم ٦٥/٢ - وأخرجه الشافعى ٤٣/٢، والبيهقى
١٥٥/٤ من طريق سفيان بن عيينة به .
٢٤٤
٠ ٠

الموطأ
قال مالكٌ : القائدُ والسائقُ والراكبُ، كلُّهم ضامِنون لِما أصابَتِ
الدابةُ ، إلا أن ترمَحَ الدابةُ مِن غيرِ أن يُفعلَ بها شىءٌ ترمَحُ له . قال : وقد
قضَى عمرُ بنُ الخطابِ فى الذى أجرَى فرسَه بالعقلِ .
قال مالكٌ : فالقائدُ والسائقُ والراكبُ أحرَى أن يغرَموا مِن الذى
أجرَی فرسه .
قال مالكٌ : القائدُ والسائقُ والراكبُ كلُّهم ضامِنون لِما أصابَت الاستذكار
الدابةُ ، إلا أن تَوْمَحَ الدابةُ(١) من غيرِ أن يُفعلَ بها شىءٌ تَزْمَحُ له . قال: وقد
قضَى عمرُ بنُ الخطابِ فى الذى أُجرَى فرسَه بالعقلِ . قال مالكٌ : فالقائدُ
والسائقُ والراكبُ أُحرَى أَن يَغرَموا مِن الذى أجرَى فرسَه .
قال أبو عمرَ: على قولٍ مالكِ هذا فى الراكبِ والسائقِ والقائدِ ؛
جمهورُ العلماءِ، وعليه جرَى قُتْيًا أئمةِ الأمصارِ فى الفُتْيَا ، إلا أنهم اختلفوا
فيما أصابَتْه برِجْلِها ؛ فقال أبو حنيفةً وأصحابُه : إذا ركِب رجلٌ دابةً فى
طريقٍ، ضمِن ما أصابَتْ ("بيديها ورِجْلَيها٢)، أو كَدمَت أو خَبطَت ، إلا
النَّفْحةَ بالرّْلِ والنَّفْحةَ بالذَّنَبِ ، فإنه لا يضمَنُها، وكلُّ ما ضَمِن فيه
الراكبُ ضَمِن فيه القائدُ والسائقُ، إلا أن الكفارةَ علی الراکبِ ، ولیس
على السائقِ والقائدِ كفارةٌ .
القبس
(١) ترمح الدابة: هو أن تركض برجليها. الاقتضاب فى غريب الموطأ ٣٧٥/٢.
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((برجليها ويديها))، وفى ط ١: ((بيدها ورجلها)).
٢٤٥

الموطأ
وقال الشافعىُّ: إذا كان الرجلُ راكبًا على دابةٍ، فما أصابَتْ (١بيدِها،
الاستذكار
أو رجلها) ، أو فيها ، أو ذَنَبِها ، مِن نَفْسٍ أو مجرْح، فهو ضامنٌ؛ لأن عليه
منعَها فى تلك الحالِ مِن كلِّ ما تُتْلِفُ(٢) به شيئًا. قال: وكذلك إذا كان
سائقًا أو قائدًا. وكذلك الإبلُ المُقْطَرةُ بالبعيرِ؛ لأنه قائدٌ لها . وقال
الشافعىُّ: لا يَصِحُ فى الحديثِ عن النبيِّ وَهِ: ((الرّجْلُ مُجُبَارٌ)). لأن
الحُفَّاظَ لم يحفظوه .
قال أبو عمر: قد ذكرنا فى (( التمهيدِ )) طرقَ الحديث عن النبىِّ
醬
أنه قال: ((الرِّجْلُ مُجُبَّارٌ))(٢) . وقال ابنُ شُبْرُمةَ، وابنُ أبى ليلى: يَضمَنُ ما
أتلفَت الدابةُ برِجْلِها إذا كان عليها ، أو قادَها ، أو ساقَها ، كما يَضمَنُ ما
أتلفَت بغيرِ رِجْلِها . كقولِ الشافعىِّ سواءً. وقال(٤) الأوزاعىُّ، والليثُ بنُ
سعدٍ فى هذا البابٍ (١) كقولٍ مالكِ: لا يَضمنُ ما أصابَتِ الدابةُ برِجْلِها مِن
غيرِ صُنْعِه، ويضمَنُ ما أصابَتْ بيدِها ومُقَدَّمِها إذا كان راكبًا عليها ،
أو قائدًا لها ، أو سائقًا .
وذگر ابن وهب ، عن يونس وابن أُبی ذئب ، عن ابن شهاب ، أنه سُئل
القبس
(١ - ١) فى م: ((بيديها ورجليها)).
(٢) فى الأصل، هـ، و، م: ((يتلف).
(٣) تقدم تخريجه ص٢٣٢، ٢٣٣.
(٤) فى ح، هـ: ((قول)).
(٥) فى ح، هـ، ط ١، م: ((الحديث)).
٢٤٦

الموطأ
عن رجلٍ قاد هديَه فأصابَتْ طيرًا فقتَلَتْه، فقال: إن كان يقودُها أو يسوقُها الاستذكار
حتى أصابَت الطيرَ، فقد وجب عليه جزاءُ ما قتلَتْ ، وإن لم يكنْ يقودُها
ولا يسوقُها ، فليس عليه جزاءُ ما أصابَتْ .
وقال ابنُّ سيرينَ: كانوا لا يُضَمِّنُون مِن النَّفْحةِ ويُضَمِّنُون مِن ردِّ
العَنَانِ(١) . وقال شريح وحمادٌ: لا يَضمنُ النفحةً إلا أن يَنْخُسَ(٢).
قال أبو عمرَ: "هذا كقول٣ٍ) مالكٍ، وقد روَى سفيانُ بنُ حسينٍ
الواسطىُ ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن أبى هريرةَ ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَالِّ: ((الرَّجْلُ بُجُبَارٌ))(٤) . إلا أنه لم يروِه عن الزهرىِّ إلا سفيانُ
ابنُ حسينٍ الواسطىُّ. وقد أشبَعنا هذا البابَ فى ((التمهيدِ))(١).
وقال داودُ وأهلُ الظاهرِ: لا ضمانَ على أحدٍ فى مجرْحِ العَجْماءِ برِجْلٍ
أو مُقَدَّم، ولا على حالٍ؛ لأن رسولَ اللهِ وَ لَهَ جعَل جَرْحَها مُجُبَارًا، إلا أن
یحملها على ذلك أو يُرسِلَها علیه ، فتكونَ حينئذٍ كالآلةٍ ، ويلزمُه ضمانُ ما
أَفْسَد١ُ) بجنايةِ نفسِه ، ولا يَضمنُ إلا القاصدُ إلى الإفسادِ دونَ السببِ فی
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٢٢٩ .
(٢) تقدم تخريجه ص٢٢٩، ٢٣٠.
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((هذا قول))، وفى ط١: ((هكذا قول)).
(٤) تقدم تخريجه ص٢٣٣ .
(٥) ينظر ما تقدم ص٢٢٨ - ٢٣٥.
(٦) فى ط١: ((أفسدت)).
٢٤٧

الموطأ
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا فى الذى يحفِرُ البئرَ على الطريقِ، أو يربِطُ
الدابةٌ، أو يصنَعُ أشباه هذا على طريقِ المسلمين ، أن ما صنَع مِن ذلك
ممَّا لا يجوزُ له أن يصنَعَه على طريقِ المسلمين ، فهو ضامنٌ لما أُصيب
فی ذلك من جرح أو غيره، فما كان مِن ذلك عقُهدون ثلث الديةِ ، فهو
فى مالِه خاصَّةٌ ، وما بلَغ الثلثَ فصاعدًا، فهو على العاقلةِ ، وما صنَع مِن
ذلك ممَّا يجوزُ له أن يصنعَه على طريقِ المسلمين ، فلا ضَمانَ علیه فیه
ولا غُرَمَ ، ومِن ذلك البئرُ يحفِرُها الرجلُ للمطرٍ، أو الدَّابَّةُ ينزِلُ عنها
الرجلُ للحاجةِ فيقفُها على الطريقِ، فليس على أحدٍ فى هذا غرمٌ .
الاستذكار ذلك، إلا أن يُجمِعوا على أمرٍ فيُسَلَّمَ له .
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا فى الذى يحفِرُ البئرَ على الطريقِ، أو يربِطُ
الدابةَ ، أو يصنَعُ أشباه هذا على طريقِ المسلمين، أن ما صنَع مِن ذلك
مما لا يجوزُ له أن يصنَعَه على طريقِ المسلمين، فهو ضامنٌ لِما أصاب
فى ذلك مِن مجرح أو غيرِهِ، فما كان مِن ذلك عقلُه دونَ ثُلُثِ الديةِ ،
فهو فى مالِه خاصةً(٢) ، وما بلَغ الثُّلُثَ فصاعدًا فهو على العاقلةِ، وما
صنَع مِن ذلك مما يجوزُ له أن يصنعَه على طريقِ المسلمين ، فلا ضمانَ
عليه فيه ولا غُوْمَ، ومِن ذلك البئرُ يحفِرُها الرجلُ للمطرِ، أو الدابةُ ينزِلُ
عنها الرجلُ للحاجةِ فِيَقِفُها على الطريقِ، فليس على أحدٍ فى هذا غُرْمٌ .
القبس
(*) من هنا خرم فى المخطوطة ط١ ينتهى ص ٢٥١ .
٢٤٨
:

الموطأ
قال أبو عمرَ: ثبت عن النبيِّ وَله أنه قال: ((والبئرُ مُجُبَّارٌ))(١). يعنى أن الاستذكار
من وقع فی بثرٍ فدمُه هَذْرٌ ، لیس علی حافرِها فيه شىءٌ . و کذلك لو وقعت
فى البئرِ دابةٌ لأحدٍ ، إلا أن ذلك على ما قاله مالك رحمه اللهُ إذا حفرها فى
موضعٍ له حفرها فيه ، ولم يكنْ بالحفرِ لها فى ذلك الموضع متعدِّيًا ؛ وذلك
أن يحفِرَها فيما يملِكَه مِن الأرضِ، ولا ضَرَرَ فيه على غيرِهِ، أو فيما لا مِلْكَ
لأحدٍ فيه ولا يَضُؤ بأحدٍ ، ونحۇ هذا .
وقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ: له أن يُحْدِثَ فى الطريقِ بئرًا للمطرِ ،
والمِرْحاضَ يحفِرُه إلى جانبٍ حائطِه، والميزابَ ، والظَّلَّةَ، ولا يَضمنُ ما
عَطِب بذلك. قال: وما حفره فى الطریقِ مما لا يجوزُ له حفره ، ضمِن
ما أَعْطِبَ به٢) .
قال مالكٌ: وإن حفَر البثرَ فى دارِه لسارقٍ يرصُدُه ليقَعَ فيها، أو وضَع
به حِبَالاتٍ أو شيئًا يُلِفُه به ، فعَطِب به السارقُ ، فهو ضامنٌ ، و كذلك إن
عَطِب به غيرُ السارق .
وقال الليثُ: مَن حفَر بئرًا فى دارِه، أو فى طريقٍ، أو فى رَحْبةٍ له،
فوقَع فيها إنسانٌ ، فإنه لا يَضمنُ ما حفَر فى دارِه أَو فى رَحْبةٍ لا حقَّ لأحدٍ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣٢ - ٢٣٤.
(٢ - ٢) سقط من: وِ.
٢٤٩

الاستذكار فيها. قال: فإن ربَط بعيرًا أو دابةً على طريقٍ، فعقرَت على رباطِها (١)
الموطأ
وانفلَتَت ، فإن كان ذلك مِن شأنها معلومًا، فعسى أن يَضمَنَ، وإن كان
ذلك شيئًا لم يكنْ منها فيما خلا، فلا أرى عليه شيئًا .
وقال الشافعىُّ: مَن وضَع حجرًا فى أرضٍ لا يملِكُها ، ضمن ما عَطِب
به. قال: ولو حفَر فى صحراءَ، أو فى طريقٍ واسع، فمات(٢) به إنسانٌ،
فلا شىءً علیه، كما لو وضعه فى مِلْكِه.
وفى موضعٍ آخرَ للمُزنىّ : وقال الشافعىُّ: ولو أوقفَ دابته فى موضعٍ
ليس له أن يُوقِفَها فيه ضمِن، ولو أوقَفها فى مالِه لم يضمَنْ.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: مَن أُوقَف دابته فى الطريقِ مربوطةٌ أو غيرَ
مربوطةٍ ، ضمِن ما أصابَتْ ؛ بأىِّ وجهٍ ما أصابَتْ . وقالوا : يَضمنُ كلَّ ما
كان العَطَبُ به مِن سببِهِ، فى موضعٍ يجوزُ له أن يُحْدِثَه فيه أولا يجوزُ .
قالوا : ولیس یُرُه ما جاز إحداثُه له من الضمانِ ؛ كراكبٍ الدابةِ يَضمنُ ما
عَطِب بها ، وإن كان له أن يركَبَها ويسيرَ عليها .
قال أبو عمرَ: لم يختلفوا أنه يضمنُ فيما ليس له أن يُحدِثَه، وإنما
اختلفوا فيما له أن يُحدِثَه فى غيرٍ مِلْكِه .
القبس
(١) فى ح، هـ: ((رابطها)).
(٢) فى الأصل، م: ((فعطب)).
٢٥٠

الموطأ
قال أبو عمرَ: رُوِى عن النبيِّ بَّهُ مِن حديثٍ معمرٍ، عن همَّام بن الاستذكار
مُنَبِّهِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ نَ ◌ّهِ أنه قال: ((النارُ مُجُبَارٌ))(١). وقال
يحيى بنُّ معينٍ: أصلُه ((البيرُ))، ولكنَّ معمرًا صحَّفَه.
قال أبو عمرَ : لم يأتِ ابنُ معینٍ علی قولِه هذا بدلیل ، ولیس هکذا تُردٌ
أحاديثُ الثقاتِ .
ذكَر وكيع، عن عبدِ العزيزِ بنِ حصينٍ ، عن يحيى بن يحيى الغَشَّانِيِّ،
قال : أحرَق رجلٌ بِتْنًا فى قَرَاحِ(٢)، فخرَبَجَت شَرَارٌ مِن نارٍ حتى أحرقَت
شيئًا لجارِهِ. قال: فكتبتُ فيه إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فكتَب إلىّ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((العَجْمَاءُ بُجُبَارٌ)) . وأرى أن النارَ مُجُبَارٌ(٢).
قال أبو عمرَ : رُوِى عن علىِّ رضِى اللهُ عنه فى فارسَيْن اصطدما فمات
أحدُهما : يضمنُ الحُ) الميت(4) . وروى عن إبراهيمَ ، وحمادٍ ، وعطاءٍ،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٢٣٣، ٢٣٤.
(٢) فى ح، هـ، م: ((مراح)). والقراح: المزرعة التى ليس عليها بناء ولا فيها شجر.
اللسان (ق ر ح).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٦/٩ (طبعة الرشد) عن وكيع به.
(*) إلى هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ط١، والمشار إليه ص ٢٤٨.
(٤) فى ح، هـ، ط١، م: ((للميت)).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٣٣٢/٩.
٢٥١

وقال مالكٌ فى الرجلِ ينزِلُ فى البئرِ فِيُدركُه رجلٌ آخرُ فى أثرِهِ،
الموطأ
فيَجِذُ الأُسفلُ الأَعَلَى فِيَخرَّان فى البئرِ، فيَهلِكان جميعًا ، أن على
عاقلةِ الذى جبَذهِ الدِّيةَ .
قال مالكٌ فى الصبىِّ يأمُرُّه الرجلُ ينزِلُ فى البئرِ، أو يرقَى فى
النخلةِ ، فيهلِكُ فى ذلك ، أن الذى أمَره ضامنٌ لما أصابَه مِن هلاكٍ أو
غيرِه .
الاستذكار فیمن استعان صبيًّا بغير إذنِ أهلِه، أو مملوكًا بغير إذنٍ مولاه، ضَمِن(١).
قال مالكٌ فى الرجلِ يَنْزِلُ فى البشرِ فَيُدرِكُه رجلٌ آخرُ فى إِثْرِهِ، فِيَجْبِذُ
الأسفلُ الأعلى فيَخِرَّان فى البئرِ، فَيَهْلِكان، أنّ على عاقلةِ الذى جبَذه
الدیةَ .
قال أبو عمرَ: ما أظُنُّ فى هذا خلافًا، واللهُ أعلمُ ، إلا ما قال بعضُ
المتأخّرين مِن أصحابِنا وأصحابِ الشافعىّ : يضمنُ نصفَ الديةِ ؛ لأنه
مات مِن فعلِه ومِن سقوطِ الساقطِ عليه .
قال مالكٌ فى الصبىِّ يأمُرُه الرجلُ ينزلُ فى البئرِ، أو يرقَّى فى
النخلةِ، فيهلِكُ فى ذلك، أنَّ الذى أُمَره ضامنٌ لِما أصابه مِن هلاكٍ
أو غيرِه .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٧٧/٩، ٢٧٨.
٢٥٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: قد روَى ابنُ القاسم، عن مالكِ، قال: إذا حمَل صبيًا الاستذكار
على دابةٍ يَسقيها أو يُمسكُها، فأصابت الدابةُ رجلًا وطِئَتْه فقتلَتْه، فالديةُ
على عاقلةِ الصبىِّ ، ولا ترجعُ على عاقلةِ الرجلِ .
وهذا يَدُلَّ على أنه لا يَضمنُ الصبىَّ لو هلَكَ؛ لأنه لو ضمِنَه لرجَع
عليه .
وقال الشافعىُّ: لو صاح بصبىٌّ أو مَعْتوهٍ، فسقَط مِن صيحتِه ، ضَمِن.
وقاله عطاء، وزاد : وما أرى الكبيرَ إلا كذلك .
وقال الثورىُّ : إذا أرسَل رجلٌ صبيًّا فى حاجةٍ فجنی الصبىُ ، فليس
على المُرسِلِ شىءٌ، ( وهو على الصبىّ)، ولو أرسَل مملوكًا فجنَى
جنایةً، فهى على المُرسِلِ .
وروَى المُعافَى ، عن الثورىِّ: مَن أرسَل أجيرًا صغيرًا فى حاجةٍ فأكَله
الذئبُ ، فلا شىءَ عليه ، وإن استعمَل أجيرًا فى عملٍ شديدٍ فمات منه؛ فإن
كان صغيرًا ضَمِن، وإن كان كبيرًا فلا شىءَ عليه .
وقال الحسنُ بنُّ حىٍّ: لا أَرَى بأسًا أن يستعينَ(٢) الرجلُ مملوكًا
لغيره ، يقولُ: اسْقِنی ماءً، وناوِلْنی وَضوءًا. والصبئُ كذلك، وإن كان
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ ..
(٢) فى الأصل، م: ((يستعمل)).
٢٥٣

الموطأ
الاستذكار (عَنَّت فى١) ذلك ضَمِن.
قال أبو عمرَ: الذى أرى فى هذا كلِّه وما كان مثلَه ، أن العاقلةَ تحمِلُه
إن كان مقدارًا تحمِلُه العاقلةُ ؛ لأنه لا مباشرةً فیه للفاعل ، ولم یکنْ فیه إلی
ذَهَابِ النفسِ قصدٌ ولا عمدٌ، وإنما هو السببُ ، والسببُ مُختلَفٌ فيه .
وقد مضَى ما فى هذا المعنى للعلماءِ. والحمدُ للهِ .
وأما مسألةُ الفارسَيْن يصطدمان فيموتانٍ ؛ فقال مالكٌ، والأوزاعيُّ ،
والحسنُ بنُّ حىٍّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: على كلِّ واحدٍ منهما ديةُ الآخرِ
على عاقلتِه . وقال ابنُ خُوَازٍبَنْدادَ: وكذلك عندَنا السفينتان تصطدمان ولا
يُمكِّنُ النَّوتِيَّ(٢) صرفُ السفينةِ، ولا الفارسَ صرفُ الفرسِ.
وقال عثمانُ البَّنِّىُّ، وزُفَرُ، والشافعىُّ(٢) ، فى الفارسَيْن إذا اصطَدما
فماتا: على كلِّ واحدٍ منهما نصفُ ديةِ صاحبِه ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما
مات مِن فعلِ نفسِه وفعلِ صاحبِه .
ورُوِى عن مالكِ فى السفينتَيْن والفارسَيْن: على كلِّ واحدٍ منهما
الضمانُ بقيمةٍ ما أَتْلَف لصاحبِه كاملًا .
٠
القبس
(١ - ١) فى مختصر اختلاف العلماء ١٦٣/٥: ((غنيا عن)).
(٢) النوتى: الملَّاح، والجمع: النَّواتىّ، وهو من كلام أهل الشام . اللسان (ن وت).
(٣) فى ح، هـ، م: ((الشعبى)). وينظر الأم ٦/ ٦٥.
٢٥٤

الموطأ
قال مالكٌ : الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا أنه ليس على النساءِ
والصَّبيانِ عقلٌ يجِبُ عليهم أن يَعقِلوه مع العاقلةِ ، فيما تَعقِلُه العاقلةُ مِن
الدِّياتِ، وإنما يجبُ العقلُ على مَن بَلَغ الحُلُمَ مِن الرجالِ .
وقال مالكٌ: عقلُ المَوالى تُلزَمُه العاقلةُ إن شائُوا، وإن أبَوا كانوا
أهلَ ديوانٍ أو مُنقَطِعِين، وقد تعاقَل الناسُ فى زمانِ رسولِ اللهِ مَّله وفى
زمانٍ أبى بكرٍ قبلَ أن يكونَ دیوانٌ ، وإنما کان الدیوانُ فی زمانِ عمرَ بنِ
الخطابِ، فليس لأحدٍ أن يعقِلَ عنه غيرُ قومِه ومَواليه ؛ لأَن الولاءَ لا
ينتقِلُ، ولأنَّ النبىَّ وَ قال: ((الوَلاءُ لمَن أَعتَق)).
قال مالكٌ : والوَلاءُ نَسبٌ ثابتٌ .
قال مالك: الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا، أنه ليس على النساءِ الاستذكار
والصبيانِ عقلٌ يجِبُ عليهم أن يعقِلُوه مع العاقلةِ فيما تعقِلُه العاقلةُ مِن
الدياتِ، وإنما يجِبُ العقلُ على مَن بَلَغ الخُلُمَ مِن الرجالِ .
قال مالكٌ: عقلُ الموالى تُلزَمُه العاقلةُ إن شاءوا، وإن أَبُوا كانوا أهلَ
ديوانٍ أو مُنقطعِينَ، وقد تعاقَل الناسُ فى زمنٍ رسولِ اللهِ وَله، وفى زمانٍ
أبى بكرِ الصديقِ قبلَ أن يكونَ ديوانٌ، وإنما الديوانُ فى زمانٍ عمرَ بنِ
الخطاب، ليس لأحدٍ أن يعقِلَ عنه غيرُ قومِه ومواليه؛ لأن الولاء لا ينتقِلُ،
ولأن النبيَّ وَ لّ قال: ((الولاءُ لمَن أَعتَق)). قال مالكٌ: والولاءُ نسبٌ
ثابت .
القبس
٢٥٥
<

الموطأ
قال أبو عمر : أما اختلافُ العلماءِ فى العواقل ؛ فقول مالك ما ذكره فى
الاستذكار
« موطئه)).
وقال ابنُ القاسم عنه: الديةُ على القبائلِ(١)؛ على الغنىّ على قَدْرِه،
ومَّن دونَه على قَدْرِه، حتى يُصيبَ الرجلَ درهم من مائةٍ درهم وأكثرَ.
وحكى عنه أن ذلك يُؤخذُ مِن أَغطياتِهم .
وقال الثورىُّ: تعقِلُ العاقلةُ الديةَ فى ثلاثٍ سنينَ؛ أولُها العامُ الذى
أُصيب فيه، وتكونُ عندَ(٢) الأَعْطِيةِ على الرجالِ .
وقال الشافعىُّ: العقلُ على ذوي الأنسابِ دونَ أهلِ الديوانِ
والحلفاءِ، على الأقربِ فالأقربِ مِن بنى أبيه، ثم مِن بنى جدِّه، ثم مِن
بنى جدِّ أبيه، فإن عجزوا عن البعضِ حمَل معهم(٢) الموالى المُعتَقون،
فإن عجزوا عن بعض ولهم عواقِلُ، عَقَلَتهم عواقلُھم؛ فإن لم یکنْ لهم
ذو نَسَبٍ ولا مولَّى أعلى، حمَل المولى مِن أسفلَ، ويَحمِلُ مَن كثُر
مالُه نصفَ دينارٍ، ومَن كان دونَ ذلك رُبُعَ دینارٍ، لا يُزادُ على هذا
ولا يُنقصُ منه.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: الديةُ فى قتل الخطأً على العاقلةِ فى ثلاثٍ
القبس
(١) فى ): ((العواقل)).
(٢) فى ح، هـ، م: (عنده).
(٣) فى ح، و، م: ((عنهم).
٢٥٦

الموطأ
سنينَ من يومٍ يُقضَّى بها، والعاقلةُ أهلُ دیوانِه إن(١) كان من أهل الدیوانٍ ؛ الاستذكار
يؤخَذُ ذلك مِن أَغْطياتِهم حتى يُصِيبُ الرجلَ منهم مِن الديةِ كلِّها أربعةُ
دراهم أو ثلاثةُ دراهم ، فإن أصابه أكثرُ مِن ذلك ضُمَّ إليها أقربُ القبائلِ
إليهم فى النسبٍ مِن أهلِ الديوانٍ ، وإن كان القاتلُ ليس من أهلِ الديوانٍ،
فُرِضت الدیةُ علی عاقلته ؛ الأُقربُ فالأقرب فی ثلاث سنينّ مِن يومٍ يُقضى
بها القاضى، فيؤخذُ فى كلِّ سنةٍ ثُلُثُ الديةِ عندَ رأسٍ كلٌّ حولٍ، ويُضُّ
إليهم أقربُ القبائلِ منهم فى النَّسَبِ ، حتى يُصِيبُ الرجلَ مِن الديةِ ثلاثةُ
دراهمٌ أو أربعةٌ .
وقال محمدُ بنُ الحسن: يعقِلُ عن الحليف حلفاؤُه، ولا يعقِلُ عنه
قومُه. وقال عثمانُ البَتَّى: ليس أهلُ الديوانِ أُولّى بها مِن سائرِ العاقلةِ .
قال أبو عمر: أجمع العلماءُ قديمًا وحديثًا أن الديةً على العاقلة لا تكونُ
إلا فى ثلاثٍ سنينَ، ولا تكونُ فى أقلَّ منها ، وأجمعوا أنها على البالغين
من الرجال، وأجمع أهلُ السّيّرِ والعلم بالخبرِ أن الديةً كانت فى
الجاهليةِ تحمِلُها العاقلةُ، فأقرّها رسولُ اللهِ وَلِ فى الإسلامِ، وكانوا
پتعاقلون بالنصرة()، ثم جاء الإسلام فجری الأمر على ذلك حتى جعل
عمرُ الديوان. واتَّفق الفقهاءُ على روايةٍ ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((فإن))، وفى ط ١: ((وإن)).
(٢) فى ح، هـ: ((بينهم).
٢٥٧
(موسوعة شروح الموطأ ١٧/٢١ )

الموطأ
الاستذكار يكنْ فى زمنٍ رسولِ اللهِ وَله ولا زمنٍ أبى بكرٍ ديوانٌ، وأن عمرَ جعَل
الديوانَ وجمَع به الناسَ، وجعَل أهلَ كلِّ جندٍ يدًا، وجعَل عليهم قتالَ
مَن يَلِيهم مِن العدوّ .
وحدَّ الكوفىُ والشافعىُّ فى مقدارٍ ما يحمِلُ الواحدُ مِن العاقلةِ مِن الدیةِ
ما تقدَّم ذكرُه عنهما. ولم يَحُدَّ مالكٌ فى ذلك حدًّا، وذلك عندَه على
حَسَبٍ طاقةِ العاقلةِ وغِناها وفقرِها ؛ يحمِلُ الواحدُ منها (١) ما لا " يَضُرُ به٢)
وما (٣سَهُل عليه(٢)، مِن درهمٍ إلى مائةٍ وَأَزْيدَ ، إذا سَهُل ذلك عليه .
واتَّفَق جمهورُ أهلِ الحجازِ على أن العاقلةَ القَرَابةُ مِن قِبَلِ الأُبِ، وهم
العَصَبةُ ، دونَ أهلِ الديوانِ . وقضَى عمرُ بنُ الخطابِ على علىٍّ بنِ أبى
طالبٍ أن يعقِلَ عن مَوَالى صفيةَ بنتِ عبدِ المطلبِ دونَ ابنِها الزبيرِ ، وقضَی
بميراثِهم للزبيرِ(٤) . وقضَى على سلمةَ بنِ نُعَيمِ إذ قتَل مسلمًا فظنَّه كافرًا ،
بالدية عليه وعلى قومِه(٥) ..
وقال الكوفيُّون : القريبُ والبعيدُ سواءٌ فيمن يَغْرَمُ الديةَ مِن العاقلةِ مِن
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((من ذلك)).
(٢ - ٢) فى ط ١: ((يضره)).
(٣ - ٣) فى م: ((يسهل)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٤٨/١٩ .
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٢٤٥/١٥.
٢٥٨

الموطأ
العصبةِ. وقال الشافعىُّ: الأقربُ فالأقربُ على منازلهم فى التعصيب ، الاستذكار
حتى ينتهىَ الأمرُ إلى الأقصى. على ما قدَّمنا عنه .
ورؤَى ابنُّ جريج، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: كتَب النبيُّ وَل
على كلُّ بطنٍ عُقُولَه، وقال: ((لا يَتَولَّى مولَّى قومًا إلا بإذنهم)) (١). وقال
وَاله: ((مولَى القوم منهم))(١). وقال ◌َله: ((الولاءُ كالنَّسَبِ))".
وأما قولُ محمدِ بنِ الحسن أن الحلیفَ یعقِلُ عن حلیفِه . فاحتجّ له
الطحاوىُّ بحديثٍ جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن النبيِّ وَلَ: (( لا حِلْفَ فى
الإسلامِ، وأَيُّما حِلْفٍ كان فى الجاهليةِ فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً))(٤).
وبقولِه وَّي للمُشرِكِ الذى ربَطه فى سَوَارِى المسجدِ: ((أحبِشُك بجريرةٍ
(٥)
حلفائِك))(٥).
وقد ذكّرنا مِن معانى هذا البابِ كثيرًا فيما تقدَّمُ(١) ، والحمدُ للهِ،
وذكَّرنا مسائلَ منه اختلف فيها أصْحابُ مالكِ فى كتابٍ ((اختلافِهم)).
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٣٣٦/١٩.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٥/ ٥٠.
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٠/١٥.
(٤) أخرجه أحمد ٣٢٥/٢٧ (١٦٧٦١)، ومسلم (٢٥٣٠)، وأبو داود (٢٩٢٥).
(٥) أخرجه أحمد ١٢٤/٣٣، ١٢٥ (١٩٨٩٤)، ومسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦)،
والنسائی فی الکبری (٨٥٩٢).
(٦) ينظر ما تقدم ص ٤٠ - ٤٣.
٢٥٩

الموطأ
قال مالكٌ: والأمر عندَنا فيما أُصيب مِن البهائم، أن على مَن
أصاب منها شيئًا قدرَ ما نقَص مِن ثمنها .
قال مالكٌ فى الرجلِ يكونُ عليه القتلُ، فيُصيبُ حدًّا مِن
الحدودِ ، أنه لا يؤخذُ به، وأن القتلَ يأتى على ذلك كلِّه إلا الفِرِيةَ،
فإِنَّها تثبُتُ على مَن قيلَت له، يقالُ له : ما لك لم تجلِدْ مَن افترَى
عليك؟ فأَرَى أن يُجلَدَ المقتولُ الحدَّ مِن قبلٍ أن يُقتلَ ، ثم يُقتلَ ، ولا
أَرَى أن يُقادَ منه فى شىءٍ مِن الجراح إلا القتلَ؛ لأن القتلَ يأتى على
ذلك كلِّه .
قال مالك: والأمرُ عندَنا فيما أُصيب مِن البهائم ، أن على مَن أصاب
الاستذكار
منها شيئًا قدرَ ما نقَص مِن ثمنها .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم هذا فى كتابٍ الأقضيةِ، فى بابٍ مُترجَمٍ
بالقضاءِ فيمَن أصاب شيئًا مِن البهائم، فلا معنى لتكرارِه(١) .
قال مالكٌ فى الرجلِ يكونُ عليه القتلُ ، فیُصيبُ حدًّا مِن الحدودِ ، أنه
لا يُؤخذُ به ، وأن القتلَ يأتى على ذلك كلُّه إلا الفِرْيةَ، فإنها تثبُتُ على مَن
قِيلت له، يقالُ له: ما لَك لم تجلِدْ مَن افتَرى عليك؟ وأرى أن يُجلدَ
المقتولُ الحدَّ مِن قبل أن يُقتلَ ، ثم يُقتَلَ ، ولا اری أن يُقاد منه فی شیءٍ مِن
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٥٠٣).
٢٦٠