Indexed OCR Text

Pages 241-260

الموطأ
قال مالكٌ، فى الرجلِ يَقَّعُ على جاريةِ ابنِه أو ابنته : إنه يُدرَأُ عنه
الحدُّ، وتُقامُ عليه الجاريةُ، حمَلَت أو لم تحمِلٌ.
الاستذكار
قال مالكٌ ، فى الرجلِ يَقَعُ على جاريةِ ابنِه أو ابنتِه: إنه يُدرأُ عنه الحدّ،
وتُقام عليه الجاريةُ ، حملت أو لم تحمِلْ .
قال أبو عمرَ: على هذا جمهورُ العلماءِ؛ أنه لا حدَّ على مَن وطِئ أمَةً
أحدٍ مِن ولدِه، وأظنُّ ذلك، واللهُ أعلمُ، لِما رُوِى عن النبيِّ وَلَه، أنه قال
لرجلٍ خاطَبه: ((أنت ومالُك لأبيك))(١). وقال ◌َ: ((لا يُقادُ بالولد
الوالدُ))(١٢) . وأجمَع الجمهورُ أنه لا يُقطعُ فيما سرَق مِن مالٍ ولدِه. فهذه
كلُّها شُبهاتٌ يُدرأَ بها عنه الحدُّ. وأما تقويمُها عليه، فلأن وطأَه لها
يُحرِّمُها على ابنِه، فكأنه استهلكها(١) . وليس له من مالِه إلا القُوتُ عندَ
الفقرِ والزَّمَانةِ ، وما استهلَك مِن مالِه غيرَ ذلك ضمِنه له ؛ ألا ترى أنه ليس له
مِن مالٍ ولدِه إن مات وترَك ولدًا إلا السُّدُسُ، وسائرُ مالِه لولدِه.
وهذا بَيَّن أن قولَه ◌َّهِ: ((أنت ومالك لأبيك)). أنه ليس على
التمليكِ، وكما كان قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أنت)). ليس على
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٦١/١١ (٦٦٧٨)، وأبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩٢) من
حديث عبد الله بن عمرو.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٦٨٢) من الموطأ .
(٣) فى الأصل، م: «استكرهها)).
٢٤١
(موسوعة شروح الموطأً ١٦/٢٠)

الموطأ
الاستذكار التمليكِ، فكذلك قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((ومالُك)). ليس على
التمليكِ، ولكنه على البِرّ به والإكرام له.
وقد أجمعوا أن الأب لو قتل ابن ابنه أو من الابنُ(١) وليه، لم یکنْ للابنِ
أن يُقِيدَ(٢) مِن أبيه ("فى ذلك كلِّه٣). وهذا كلُّه تعظيمُ حقوقِ الآباءِ
والأمهاتِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:
وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيِّهِ حُسْنًّاً﴾ [العنكبوت: ٨]. وقال عزَّ
وجلّ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِنْدَلَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُنّ وَلَا نَنْهَرْهُمَا وَقُل
وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ
لَهُمَا قَوْلًا ڪَرِيمًا
(٢٣
أَرْحَمْهُمَا كما رَبَّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤].
فأمَر اللهُ عزَّ وجلَّ الأبناءَ بِيرٌ الآباءِ وإكرامِهما فى حياتِهما، والدعاءِ
لهما بعدَ وفاتِهما. وثبت عن النبيِّ وََّ أنه عدَّ فى الكبائرِ عُقُوقَ
الأبوين(٤)، وأجمَع العلماءُ على ذلك.
القبس
(١) فى الأصل: ((الأب)).
(٢) فى النسخ: ((يقبض)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣ - ٣) فى ح: ((لذلك)).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٣) من الموطأ .
٢٤٢

١٦١٢ - مالكٌ، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ، أن عمرَ بنَ الموطأ
الخطابٍ قال لرجلٍ خرَج بجاريةٍ لامرأتِه معه فى سفرٍ فأصابَها ، فغارَتٍ
امرأتهُ ، فذكرت ذلك لعمرَ بنِ الخطابِ فسألَه عن ذلك فقال: وهَبتْها
٥
لى. فقال عمرُ: لتَأْتِيِّى بالبيّنةِ أو لأرْمِيَنَّك بأحجارِكَ. قال: فاعتَرَفَت
امرأتُه أنها وهَبتْها له .
مالكٌ ، عن ربيعةً بن أبى عبدِ الرحمن ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال لرجلٍ الاستذكار
خرَج بجاريةٍ لامرأته معه فى سفرٍ فأصابها ، فغارتِ امرأتُه ، فذكرتْ ذلك
لعمرَ بنِ الخطابِ فسأله عن ذلك ، فقال: وهَبَتْها لى. فقال عمرُ: لَتَأْتِيِّى
على ذلك بالبيِّنَةٍ أو لأَرْمِيَنَّكَ بأحجارِكَ(١). قال: فاعترَفَت امرأتُه أنها
وهبتها له .
قال أبو عمرَ: هذا واضحٌ فى أن عمرَ رضِى اللهُ عنه رآه زانيًا وكان
مُخْصَنًا ، فمِن هنا (٢) أخبره أنه إن لم ◌ُقِم البيّنةَ ژُچِم، وفى اعترافٍ امرأتِه له
بعدَ شَكْواها، به ما يَدُلُّ على أن الشُّبُهاتِ تُسقِطُ الحدودَ . واللهُ أعلمُ .
وقد روى هذا الخبر ابنُ جریج، عن عبدِ اللهِ بنِ أُبی بکړ ) . ورواه
القبس
(١) فى الأصل، م: ((بالحجارة)).
(٢) فى الأصل، م: ((ذلك)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٣٩) عن ابن جريج به.
٢٤٣

الموطأ
الاستذكار أيضًا معمر، عن قتادةَ، وقال فيه: فلما سمِعتِ المرأةُ ذلك قالت :
صدَق، قد كنتُ وهَبتُها له، ولكن حمَلَتنى الغَيرةُ. فجلَدها عمرُ حدَّ
القذفِ ثمانين، وخَلَّى سبيلَه(١) .
وهذا يَدُلُّ على أن حَدَّ القَذْفِ أوْكدُ مِن حدِّ الزِّنى، أَلَّا تَرَى أن مَن
وجَب عليه القتلُ، ووجَبت عليه حدودٌ ، أنه لا يُقام عليه مع القتلِ إِلا حدّ
القذفِ؟ فإنه يُجلدُ للقذفِ ثم يُقتلُ، عندَ مالكِ وكثيرٍ مِن العلماءِ.
والذى خرَّج بجاريةِ امرأته معه فى الشَّفرِ هو هلالُ بنُ بِسافٍ
الأنصارىُّ، وامرأتُه التى شكَت به أم كلثومٍ بنتُ أبى بكرِ الصديقِ، أمُّها
حبيبة بنت خارجةً بن ) زیدِ بنِ أبی زهيرٍ ، وذلك موجودٌ فی بابِ الرجلِ
يُصِيبُ وليدةَ امرأته فى كتابٍ ((عبد الرزاقٍ))(٢) .
وقد ژُوِی عن علی بن أبی طالب ، وعبد الله بن عمر مثلُ ما رُوِی عن
عمرَ، فى الذى يَقَعُ على جاريةِ امرأتِه أن حدَّه الرجمُ (٤) .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٤٠) عن معمر به .
(٢) فى الأصل، م: ((بنت ).
(٣) عبد الرزاق (١٣٤٣٩). وفيه أن الرجل اسمه خبيب بن إساف، وأن زوجته هى حبيبة
بنت خارجة، وهى أم أم كلثوم بنت أبى بكر، وأم كلثوم هى راوية القصة . وينظر الاستيعاب
٤٤٣/٢.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٤٢٤، ١٣٤٢٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٤/١٠، ١٥.
٢٤٤

الموطأ
وقد رُوِى عن علىّ، أنه درَأْ عنه الحدَّ(١). وهذا معناه أنه كان جاهلًا
بتحريم ذلك عليه لو صحّ. والأولُ أصحُ عنه .
الاستذكار
وذكر عبد الرزاق(١) وغيره ، عن الثوریِّ، عن سلمةً بن گھیل، عن
مُحُجِّيَّةَ بنِ عدىٍّ، أن امرأةٌ جاءت إلى علىّ، قالت: إن زوجها وقَع على
جاريتها . فقال: إن تكونى صادقةً رجَمتُه، وإن تكونى كاذبةٌ جلدتُك
ثمانين. فقالت: يا وَيْلَها، ("غَيْرَى نَفِرَةً".
وذكّر وكيع، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ ، عن مُدْرِكِ (٤) بنِ عُمارةً،
قال: جاءت امرأةٌ إلى عليَّ، فقالت: ياوَيْلَها، إن زوجُها وقَع على
جاريتها . فقال: إن كنتٍ صادقةً رجَمناه، وإن كنتٍ كاذبةٌ جلَّدناكٍ(٥).
وقد رُوِى مثلُ هذا عن النبيِّ وَّهِ، مِن حديثِ النعمان بن بشيرٍ (١).
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦٤٨)، وابن أبى شيبة ١٦/١٠.
(٢) عبد الرزاق (١٣٢٦٥، ١٣٤٣٧).
(٣ - ٣) فى م: ((غيرى نفرة)). وغيرى: فَعْلَّى من الغَيْرَة. ونغرة: مغتاظة، يغلى جوفها غليان
القدر. النهاية ٣/ ٤٠١، ٠٨٦/٥
(٤) فى مصدر التخريج: ((مبارك)). وينظر الجرح والتعديل ٣٢٧/٨، والثقات ٤٤٥/٥.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢/١٠ عن وكيع به.
(٦) أخرجه أحمد ٣٤٦/٣٠ (١٨٢٩٧)، وأبو داود (٤٤٥٨)، والترمذى (١٤٥١)،
والنسائى (٣٣٦٠)، وابن ماجه (٢٥٥١) من حديث النعمان بن بشير قوله: ((لأقضين فيها بقضية
رسول الله ولي؛ لمن كانت أحلتها له لأجلدنه مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها له لأرجمنه)).
٢٤٥

الموطأ
وروَى الأعمشُ ومنصورٌ، عن إبراهيمَ، عن علقمةً، قال: ما أُبالى
كار .
الاستذكار
وقَعتُ على جاريةِ امرأتى، أو وقَعتُ على جاريةِ عَوْسجةَ. رجلٌ مِن
(١)
النَّخَعِ().
وذكَر أبو بكرٍ (١) ، قال: حدَّثنى ابنُ إدريسَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ
وابنٍ سيرينَ، أنهما كانا إذا سُئِلا عن الرجلِ يَقَعُ على جاريةِ امرأتِه ،
يَتْلُوَانِ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَّ
أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. إلى قولِه:
[المؤمنون: ٥ - ٧، المعارج: ٢٩ - ٣١] .
اَلْعَادُونَ.
قال(٢): وحدَّثنى يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا سعيدُ بنُ أبى عروبةَ ،
عن إياسٍ بن معاويةً ، عن نافع، قال : جاءت جاريةٌ إلى عمرَ ، فقالت : يا
أميرَ المؤمنين، إن المغيرةَ - تعنى ابنَ شعبةً - يطؤُنى، وإنَّ امرأته تدعُونی
زانيةً ، فإن كنتُ لها فانْهَه عن غِشْيانى ، وإن كنتُ له فانْهَ امرأْتَه عن قَذْفِى .
فَأُرسَل إلى المغيرة ، فقال: تطأَ هذه الجاريةَ؟ قال : نعم. قال : مِن أين؟
قال: وهَبتْها لى امرأتى. قال: واللهِ لئن لم تكنْ وهَبَتْها لك لا ترجعُ إلى
القبس
(١) النخع: قبيلة باليمن. التاج (ن خ ع).
والأثر أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٢٦).
(٢) ابن أبى شيبة ١٣/١٠.
(٣) ابن أبى شيبة ١٤/١٠، ١٥.
٢٤٦

الموطأ
الاستذكار
أهلِك إلا مرجومًا. ثم دعا رجلين رقيقَيْن، فقال : انطلقا إلى امرأة المغيرةِ،
فأعْلِمَاها لَئِن لم تكونى وهَبتِها له لتَرْ جُمَنَّه . قال: فأتياها فأخبَراها ، فقالت:
يالَّهْفاه، أيريدُ أن يرجمَ بَعْلى، لَا هَا اللهِ إذن (١)، لقد وهَبتُها له. فخَلَّى عنه.
وقال عطاء: هو زانٍ ، ولا حدَّ على مَن قذَفه بالزّنى(١) . وقال قتادةُ:
يُرجم فإنه زانٍ .
قال أبو عمر: کان ابنُ مسعودٍ لا یری علیه حدًّا، ژُوِی ذلك عنه مِن
وُجُوهٍ، ويحتمِلُ أن يكونَ عذَره بالجهالةِ، وبظنّه(٢) أنها تَحِلُّ له. واللهُ
أعلمُ .
ذكَر وكيعٌ، عن زكريا وإسماعيلَ ، عن الشعبىِّ ، قال : جاء رجلٌ إلى
عبدِ اللهِ ، فقال: إِنِّى قد وقَعتُ على جاريةِ امرأتى. قال: اتَّقِ اللهَ ولا تَعُدْ.
ثم قال: لا جلدَ ولا رجمَ (٤) .
وروَى سفيانُ، عن منصورٍ ، عن رِبْعىٍّ، عن عقبةً بنِ حَيَّانَ ، عن
عبدِ اللهِ، قال: لا حدَّ عليه(٥) .
القبس
(١) فى ح: ((ذا)). وينظر ما تقدم فى ٢٩٤/١٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٣٥)، وابن أبى شيبة ١٧/١٠.
(٣) فى الأصل: ((بظنها)). وفى م: ((يظنها)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٠/٩ (طبعة الرشد).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٦/١٠ عن سفيان به.
٢٤٧

الموطأ
وكان إبراهيم النخعىُ يقولُ: يُعَزَّرُ ولا حدَّ عليه(١).
الاستذ کار
وقد رُوِى عن ابنٍ مسعودٍ ، أنه ضرّبه دونَ الحدِّ (٢).
وقد ژُوی عن عمر بن الخطاب ، أنه ضربه مائةً جلدةٍ ؛ رواه معمرٌ ،
وابنُ عُيينةَ، عن الزهرىِّ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ (٣).
وقال ابنُ عیینةً فیه : عن الزهرىِّ ، عن القاسم ، عن عبيد بن عميرٍ ، عن
(٤)
عمر .
ورواه معمرٌ، عن سِمَاكِ بنِ الفضلِ، عن عبد الرحمنِ بنِ
التَيلَمانيّ، عن عمرَ. وبه قال ابنُ شهابٍ الزهرىُّ )، وأبو عمرٍو
الأوزاعىُ، أنه يُجلدُ مائةً وإن كان محصَنًا، وذلك أدنى الحدَّيْن. فهذا
قولٌ ثالثٌ .
وفی المسألةِ قول رابٹے رُوِی مِن ◌ُ مجوه ثابتةٍ عن الحسن ، عن قَبِیصةً بنٍ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٢٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٢٠).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٢٨) عن معمر به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٢٩) عن سفيان به .
(٥) فى الأصل، م: ((سلمان)). وينظر تهذيب الكمال ٨/١٧.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٣٣)، والبيهقى ٢٤١/٨ من طريق معمر به .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٣١)، وابن أبى شيبة ٩/١٠.
٢٤٨

ما يجبُّ فيه القطعُ
المرطا
الاستذكار
محريثٍ (١)، عن سلمةً بنِ المُحَبِّقِ، قال: قضَّى رسولُ اللهِ وَّةِ فى رجلٍ
وطئ جاریة امراته ، إن کان استگرهها فهی حوّةً وعلیه مثلُها لسيدتها ، وإن
کانت طاعته فھی له، وعلیه لسيدتها مِثلُها . وهذا حديث صحيح رواه
ابنُ عيينةً، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ الحسن البصرىَّ يُحَدِّثُ عن
قَبِيصةَ بنِ مُريثٍ، عن سلمةَ بنِ المُحَبِّقِ، عن النبيِّ ◌َلِّ(١)
وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ، وهو قولُ ابن مسعودٍ .
ذكّره أبو بكرٍ(١)، قال: حدَّثنى يحيى بنُ سعيدِ القَطَّالُ، عن سفيانَ ،
عن الشيبانىٌّ ، عن الشعبىِّ، عن عامرِ بنِ مَطَرٍ، عن عبدِ اللهِ فى الرجلِ يَقَعُ
علی جارية امرأته ، قال : إن استکرّهها فهی حرةٌ ، وعلیه مِثْلُها ، وإن كانت
طاوَعَتْه فهى له، وعليه مِثْلُها لسيدتِها .
التمهيد
كتابُ السرقة
القبس
قال الله عزَّ وجل: ﴿وَالشَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
فهذه الآيةُ عامَّةٌ فى كلى سرقةٍ كيفما وُجِدت، وعلى أىِّ حالٍ جرَت ، إلَّا أن
(١) فى الأصل، ح، ومصنف عبد الرزاق: ((ذؤيب)). والمثبت هو الصواب كما سيأتى، وكما
رواه أحمد وأبو داود والنسائى من طريق عبد الرزاق، وينظر تهذيب الكمال ٤٧٥/٢٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤١٨) عن ابن عيينة به. وأخرجه أحمد (٢٠٠٦٩)، وأبو داود
(٤٤٦٠)، والنسائى (٣٣٦٣) من طريق الحسن به .
(٣) ابن أبى شيبة ١٦/١٠، ١٧.
٢٤٩

الموطأ
التمهيد
القبس الشريعةَ خصَّصَتها بخصائصَ، وعقَدَتها بمُعاقِدَ :
المَعْقِذُ الأولُ : قالت طائفةٌ: يتعلَّقُ القطعُ فى السرقةِ بقليلِ المالِ وكثيرِهِ؛
لقولِ النبىِّ نَّه: ((لعن اللهُ السارقَ؛ يَشْرِقُ البيضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُه، ويسرِقُ الحبلَ
فتقطَعُ يَدُه)) (١) . وهذا حديثٌ صحيحٌ، قال ابنُ قتيبةً: المرادُ بالبيضةِ بيضةٌ
الحديدِ ، والمرادُ بالحبلِ حبلُ السفينةِ. وابنُ قتيبةَ هَجُومٌ وَلَّاج على ما لا(٢)
يُحْسِنُ، وليتَه يُخْطِئُّ فى البيضِ والحبالِ، ولا يُخْطِىُّ فى صفاتٍ ذى الإكرامِ
والجلالِ. وعضَد ذلك بعضُهم بحديثٍ يُؤْوَى عن النبيِّ وَلِّ، أنه قطع فى بيضةٍ
قيمتُها ثلاثونَ درهمًا، وهذا حديثٌ لا يُساوِى سماعَه، وإنما معنى الحديثِ
تحقيرُ العبدِ المُتَعرِّضِ للسرقةِ، المُتَلَّسِ بدَناءتِها، المُتَوَصِّلِ مِن قليلِها إلى
كثيرِها، فإن الخيرَ عادةٌ ، والشرّ لَجَاجةٌ(١) ، ويعودُ ذلك إلى ضربِ المَثَلِ، وذلك
كثيرٌ فى الشريعةِ فى تحقيرِ المُحَقَّرِ وتعظيم المُعظّم؛ كقولِه وَلِهِ: ((مَن بنَى للهِ
مسجدًا ولو مثلَ (٢مَفْخَصٍ قَطَاةٍ، بنَى اللهُ له بيتا فى الجنةِ)) . والمرادُ بذلك
المبالغةُ فى تعظيم ثوابِ المساجدٍ مع صِغَرِ بنائها. ووَجْهُ المثلِ ، أن مَن بنى للهِ
مسجدًا لا يُصَلِّى فيه إلا واحدٌ كأَفْخُوصِ القَطَاةِ التى لا يَسَعُ فيها(١) سِواها .
(١) البخارى (٦٧٨٣، ٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٧).
(٢) سقط من : ج .
(٣) جعل الخير عادة لعود النفس إليه ، وحرصها عليه إذا ألفته لطيب ثمره وحسن أثره ، وجعل الشر
لجاجة لما فيه من الاعوجاج ولاحتواء العقل إياه . مجمع الأمثال ٤٣٧/١.
(٤ - ٤) مفحص قطاة ، يعنى : موضعها الذى تجثم فيه، وإنما سمى مفحصًا ؛ لأنها لا تجثم حتى
تفحص عنه التراب وتصير إلى موضع مطمئن مستوٍ . غريب الحديث لابن سلام ١٣٢/٣.
(٥) تقدم تخريجه فى ٣٢٥/١.
(٦) سقط من : ج ، م .
٢٥٠

الموطأ
التمهید
المَعْقِدُ الثانى: قالت طائفةٌ لا يُؤْبَهُ لها : إن القطعَ لا يَقِفُ على أخذِ المالِ القبس
مِن الحِرْزِ لعمومٍ هذه الآيةِ . وهذا مُصَادمةٌ للإجماع السابقِ مِن الأمَّةِ قبلَهم ، مع
أنه يَؤُدُّه أمرانٍ ظاهران؛ أما الأولُ: فإن السرقةَ تَقْتَضِى حِفْظًا يخالِفُ بالأخذِ ، فإذا
لم يَكُنْ هنالك حافظٌ ، لم يَكُنْ هنالك سارقٌ ، ولأجلِ هذا لم يُعَدَّ آخِذُ المالِ
المُلْقَى على الطريقِ والمطروحِ فى المَفازةِ سارقًا؛ لأنه لم يَكُنْ له حافظٌ .
والثانى: قولُ النّبِىِّ وَّهِ: ((لا قَطْعَ فى ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ إلا ما أَوَاه الجَرِينُ))(١). فشَرّط
فى وجوبِ القطعِ وضعَ المالِ فى موضعِ الحفظِ .
المَعْقِدُ الثالثُ : القولُ فى النِّصابِ ، لَمَّا ثبَت الفرقُ بينَ قليلِ المالِ وكثيرِهِ
فى وجوبِ القطعِ، تَعيَّنَ الوقوفُ على مقدارٍ يَتَعلَّقُ به الحكمُ ويرتبِطُ به التكليفُ ،
فلو وكَلَته الشريعةُ إلى الاجتهادِ لجاز، ولكنَّ البارئَّ تعالی تولّی بیانَ حُكمِه على
لسان نبيِّهِ وَ *، فقدَّره برُبُع دينارٍ مِن نصابِ الذهبِ، وبثلاثةِ دراهمَ فى
نصاب الفضة . كذلك ادَّعَتْه المالكيةُ . وقالت الشافعيةُ : لا نِصابَ للفضةِ فی
السرقة. وادَّعَت أن النِّصابَ مقصورٌ على الذهبِ. وادَّعَت الحنفيةُ أن
نصابَ السرقةِ عشَرةُ دراهم، وتَعلَّقَت فى ذلك بآثارِ مَرْوِيَّةٍ عن رسولِ اللهِ
وَلَه ، أنه قطَع فى مِجَنّ قیمتُهُ() دينارٌ. رواه أبو داودَ ، وروَى النسائىُّ:
(١) ينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٦١٤، ١٦٢٥)
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٦١٦)
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٦١٣) .
(٤) بعده فى ج: (( ربع)).
(٥) أبو داود (٤٣٨٧) .
٢٥١

الموطأ
التمهيد
القبس عشَرةُ دراهمٌ ، وكذلك روَى عمرُو بنُّ شعيبٍ ، عن أبيه، عن جدِّه بلفظِه(١) .
وتعلَّق الشافعىُّ بما روَى الجميعُ، أن النبىَّ وَّه قال: ((ُقْطَعُ اليَدُ فى رُبع دينارٍ
فصاعدًا»(١) . واخْتَجْت المالكيةُ بما احتجّت به الشافعيةُ أيضًا، وبحديثٍ
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ الذى اتفَق عليه الكلِّ أيضًا، أن النبىّ وَِّ قِطَع فى مِجْنٍّ قيمتُه
ثلاثةُ دراهمَ . وهذا نصٌّ فى النِّصائين من الذهبِ والفضةِ فى الصحيح. فَيَعْطُلُ
بذلك مذهبُ الشافعيةِ. وأما حديثُ الحنفيةِ فضعيفٌ، والدليلُ على ضَعْفِه تركُ
الخلفاءِ العملَ به، فقد قطَع عثمانُ فى (٢ شىءٍ قيمتُهُ" ثلاثةُ دراهمَ. والتقديرُ عندَ
أبى حنيفةً لا يَثْبُتُ بقياسٍ، وعندَ الجميعِ لا يَثْبُتُ إلا بنصِ القرآنِ، أو بخبرِ
صحيح .
المَعْقِدُ الرابعُ: إذا ثبت اعتبارُ القيمةِ فى النِّصابِ ، فإنما يُعْتَبَرُ يومَ الجِنايةِ ،
،وذلك حينَ سرَّق . وقال أبو حنيفةً: تُعتبرُ القيمةُ يومَ القطع . ومذهبُ مالكٍ يَتردّدُ
كثيرًا فى مسائلِ الضَّمانِ بينَ اعتبارِ القيمةِ يومَ الجِناية أو يومَ القضاءِ لأدلةٍ تتعارضُ
هنالك، ومهما وقَع اختلافٌ هنالك فى حالةِ الاعتبارِ، فلا ينبغى أن يكونَ هنا
خلافٌ فى أن الاعتبارَ يومُ الجِنايةِ ، فإن فى ذلك اليومِ تَعلَّق الضمانُ بذِمَّةِ
السارقٍ، ولم يَطْرَأْ ما يُعارِضُه . فإن قيل: قد طرّأْ وهو تَنْقِيصُ القيمةِ يومَ الحُكْم،
(١) النسائى فى الكبرى (٧٤٣٣) .
(٢) النسائی فی الکبرى (٧٤٤٤).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٦١٦).
(٤ - ٤) سقط من : ج ، م .
٢٥٢

الموطأ
التمهيد
فكيف يقطّعُ الحاكمُ فى درهَمين، والقطعُ مما يَشْقُطُ بالشُّجْهَةِ؟ قلنا: ليست القبس
هذه الشُّبْهةُ مما يَشْقُطُ بها القطعُ، فإن الضمانَ قد تعلّقُ بذمةِ السارقِ ، وقد
أَتَّفَقْنا على أنه يَغْرَمُ ثلاثةَ دراهمَ ، فكيف يأخُذُ مِن يدِه ثلاثةَ دراهمَ ويُشْقِطُ القطعَ؟
المَعْقِدُ الخامسُ : إذا طرَأْ مِلْكُ السارقِ على السرقةِ لم يَشْقُطِ القطعُ؛ لأنه
مِلْكُ طرَأْ بعدَ وجوبٍ الحدِّ، فلا يُسْقِطُه، أصلُه إذا اشتَرَى الجاريةَ بعدَ الزِّنى بها،
ويَعْضُدُه - وهو نصّ فيه - حديثُ صفوانَ بنِ أَمَّةَ حينَ سرَق سارقٌ رداءَه وقد
توسَّده ونامَ فى المسجدِ، فقال صفوانُ: هو عليه صَدَقةٌ. فقال رسولُ اللهِ وَلِتٍ :
((فَهَلَّا قبلَ أن تأتيَنى به!))(١) . فإن قيل: هذا الحديثُ لا حُجَّةً فيه فإنه مُضطرِبٌ ؛
لأنه رُوِى أنه نامَ فى المسجدِ فتوسَّد رداءَه. وروى أبو داود والنسائىُّ أَنْه توسَّدَ
خَمِيصةٌ قيمتُها ثلاثون درهمًا، فجاء رجلٌ فاخْتَلَسها، فَأَخِذَ الرجلُ فَأَتِىَ به
رسولُ اللهِ وَّهِ، فَأمَر به ليُقْطَعَ، قال صفوانُ: فقلتُ: أتقطعُه مِن أجلٍ ثلاثین
درهمًا، أنا أَبِيعُه وأَنسَؤُه بثمنها. فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((فَهَلَّا قبلَ أن تأتينى
به!)). وروى النسائئ أن ذلك كان بمكةً. فقال: إنه طاف بالبيتِ ، فأخّذ
رداءَه وتوسّده ونامَ ). الحديث.
قلنا: الحديثُ صحيح، وهذا الاضطرابُ الذى فيه لا يُشْقِطُ الحُجَّةَ
(١) فى ج، م: ((يتعلق)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٦٢١).
(٣) أبو داود (٤٣٩٤) ، والنسائى فى الكبرى (٧٣٦٩)
(٤) النسائى فى الكبرى (٧٣٦٧).
٢٥٣

الموطأ
التمهید
القبس منه؛ لأنه لم تَرِدْ الاضطرابُ فى موضعِ الدليلِ، وهو أن المِلْكَ لا يُشْقِطُ
(١)
القطعَ" .
المَعْقِدُ السادسُ : كلَّ مالٍ يُباعُ ويُتائج وتمتدُّ إليه الأطماعُ تَتَعلَّقُ به السرقةُ .
وأسقَط أبو حنيفةً القطعَ (١) فى مسألتين مِن ذلك ، إحداهما ، قال: لا قطعَ فيما
كان أصلُه على الإباحةِ لشُئهةِ الشَّرِكةِ المتقدِّمةِ فيه . وهذا ضعيفٌ ، فإن ما تقدَّم
مِن الشّركةِ لا يَتْتصِبُ شُئهةً فى حدِّ السرقةِ ، أصلُه خُلُوصُ المِلْكِ فى الجاريةِ
المُشترَ کة لأحدٍ الشر کاءِ لا يُسقِطُ باتفاقٍ حدًّ الزِّنی عمَّن وَطِئها ممن خرج عن
حِصَّتِه فيها . الثانيةُ، قال أبو حنيفةً: ما يُسارِعُ إليه الفسادُ مِن المأكولاتِ ولم
يَصْلُحْ للادخارِ لا قطعَ فى سرقتِه؛ لأنه مُعَرّضٌ للتَّلَفِ بالعفنِ والتلفِ، وكلُّ مالٍ
معرّضٌ للتلفِ لا قطعَ على مَن سرَقه، كالمُلْقَى بِمَضيعَةٍ. قلنا: لا يُشْبِهُ هذا
فهمَ أبى حنيفةَ، فإن المالَ المُلْقَى بالمَضيعَةِ ( لا يَتَعلَّقُ بِهِ طَمَعٌ، ولا يجوزُ فيه
بيعٌ، فصار فى حَيِّزِ المعدوم ، والمالُ المُلْقَى بمَضيعَةٍ ) قُصِد به التَّعْرِيضُ للتَّلَفِ،
والمالُ الذى يَصْلُحُ للبقاءِ والادخارِ ، إذا حُوَّلَت فيه صَنْعةٌ يَشْرُُ معه الفسادُ إليها ،
فلم يُقْصَدْ فيه الفسادُ والتعريضُ للتََّفِ ، وإنما قُصِد فيه الاستصلاحُ للَّةِ والبقاءِ،
ومِن ضرورةِ جِبِلَّةٍ ذلك - حَسَبَ ما أجرَى اللهُ العادةَ فیه - أن یفسُدَ ، فذلك فسادُ
(١) فى م: ((الحجة منه)).
(٢) فى ج، م: ((السرقة)).
(٣ - ٣) سقط من: ج، م .
(٤) فى ج: ((مذهب)).
(٥ - ٥) سقط من: ج .
٢٥٤

الموطأ
التمهید
ضرورةٍ لا فسادُ قَصْدٍ ، فلم يَصِحَّ أن يُعْتَبَرَ بشىءٍ مِن ذلك .
القبس
المَعْقِدُ السابعُ: يُقْطَعُ النََّاشُ عندَنا . وبه قال الشافعىُّ والجمهورُ. وقال أبو
حنيفةً: لا يُقطَعُ لوجهَين؛ أحدُهما: عَدَمُ السرقةِ . والثانى: عَدَمُ الحِرْزِ. قال :
وعلى ذلك أصلٌ زائدٌ)(١)، ذلك أنه قُصِد به الفسادُ والتعريضُ للتلفِ، فصار
ذلك كالمُلْقَى بالمَضْيعَةِ، ولذلك قال الصِّدِّيقُ: الحىُّ أحوجُ للجديدِ مِن
الميتِ، إنما ذلك للمُهْلِ والصَّدِيدِ. قال: أما عدمُ الشَّرِقةِ ، فإنما تكونُ السَّرِقَةُ
عندَ تَحْدِيقٍ أَعْيُنِ النُّظَّارِ (١) الحُفَّاظِ وتَصويِها نحوَ المحفوظِ، وَالكَفَنُ لا عينَ
فيه تَحْفَظُه ولا تَلْحَظُه ، وأما عدمُ الحِزْزِ فظاهرٌ؛ لأنه لم يُجْعَلِ الترابُ علیه لیرجعَ
إليه . قلنا : أما تحقيقُ السرقةِ فهى فيه لا شكّ موجودةٌ، هو مِنْ جملةِ السَّرِقَةِ،
ولكنَّه يَخْتَصُّ باسم النََّّاشِ، اشْتُقَّ له هذا الاسمُ مِن فعلِه. وأما قولُهم : إنه ليس
هنالك عَيْنٌ "تَحْفَظُه وْ تَلْحَظُه. فليس ذلك مِن شرطٍ ) السَّرِقةِ ؛ بدليلِ أن البلدَ
إذا شَغَرُ) عن أهلِه فى يومِ عيدٍ، أو لحادثٍ يَحْتاجون إلى التَّبُزِ له ، فسرَق سارقٌ
المنزلَ حينئذٍ وجَب عليه القَطْعُ إجماعًا ، وليس هنالك حافظٌ ولا بصرّ لاحِظٌ،
(١ - ١) فى ج: ((أصلى زائدًا))، وفى م: ((تأصيل زائد)). وفى نسخة على حاشية د: ((ذلك
أصلها زائد)) .
(٢) بعده فى النسخ: ((إلى)). والسياق يقتضى حذفها.
(٣) فى م: ((للمهلة)). والمهل: القيح والصديد الذى يذوب فيسيل من الجسد. النهاية ٣٧٥/٤.
والأثر تقدم فى الموطأ (٥٢٦).
(٤) ليس فى : د .
(٥ - ٥) ليس فى : د .
(٦) فى ج، م: ((شروط)).
(٧) شغرت الأرض : لم يبق بها أحد يحميها . القاموس المحيط (ش غ ر).
٢٥٥

الموطأ
التمهيد
القبس وأما القبر فإنه حِرْزٌ، قرآنًا وسُنَّةً وعادةً؛ أما القرآنُ، فقوله عزَّ من قائل: ﴿أَلَمْ نَتْعَلٍ
اُلْأَرْضَ كِفَاتًا (٥َ أَخْيَةٍ وَأَمْوَتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]، فامْتَنَّ علينا سبحانه بأن
جعَل الأرضَ كِفانًا لنا فى حالةِ الحياةِ والموتِ، وسٌؤَّى بينَ الموضعين،
وؤُجِدت المنفعةُ بذلك فى الوجهين مِن الاكتتازِ والاسْتِتارِ حالةَ المَخْيا
والمَماتِ. وأما الشنَّةُّ ففى الحديثِ: ((لَعَنَ اللهُ المُخْتَفِىَ والْمُخْتِفِيةَ))(١).
وأما العادةُ؛ فلأَنَّ الحِرْزَ فى الأشياءِ باتِّفاقٍ ليس بابًا واحدًا، وإنما هو فى كلِّ
شىءٍ بقَدْرِه، وعلى حالِه المُخْتملةُ فيه؛ كالجَرِينِ للتمرِ، والتكوير
للعِمامةِ، والتلفُّعُ للرداءِ والخَمِيصةِ، والدُّرْجِ للدُّرِّ، والكِيسٍ للمالِ
العَيْنِ، والقبرِ للكَفَنِ.
وأما قولُه أنه بَناه على أصلِه فى كلِّ مالٍ عُرِّض للتَلَفِ. فقد حرَّرْنا ذلك
الأُصلّ فيما تقدَّم. أما إن") ما وراء النهرِ من أصحابِه اعتمدوا على أن الكفَنُ مالٌ
لا مالك له، قالوا: وإذا لم يَتَعيَّنِ المالكُ الواحدُ مِن جملةِ المُلَّاكِ للمالِ، لم
یجبْ علی مَن سرق منه قَطْعِّ؛ کمالٍ بیتٍ المالِ . فکیف إذا لم يكُنْ له مالك،
والموتُ يُنْطِلُّ المِلْكَ، وَيُقِى(١) الصَّلاحِيَّةَ له، وهذا مِن أغمضٍ كلامِهم. قلنا:
(١) أخرجه الشافعى ١٤٥/٦، وينظر ما تقدم فى الموطأ (٥٦٤).
(٢) فى م، ونسخة على حاشية د: ((المخالفة)).
(٣) فى د: ((للبدر))، وفى ج: (( القمر).
(٤) فى م (( التلفيح)).
(٥) سقط من : ج ، م.
(٦) فى ج: ((ينفى )، وفى م: ( تبقى)).
٢٥٦

الموطأ
التمهيد
الموثُ يُنْطِلُ المِلْكَ كلَّه إلَّ الكَفَنَ، كما أن التَّقْليسَ يرفَعُ بدَ المالكِ عن كلِّ مالِ القبس
له إلَّا ثوبَه الذى يَشْتَيْرُ به، والحكمةُ فى ذلك أن الله عزَّ وجلَّ جعَل المِلْكَ فى
الدنيا على وجهين؛ مِلْكُ ضرورةٍ وحاجةٍ ، كالكِشْرةِ الواحدةِ والثوبِ الواحدِ،
ومِلْكُ متاعٍ ولَلَّةِ كالتَّقِّى (١) فى الدنيا والتكثيرِ(٢) منها، فما استمرّ الأصلُ به ولم
تَفَعِ المُضايقةُ مُلِك بالوجهين، وإذا وقَعت المُضايقةُ كتَزَاحُم الغُرَماءِ معه على
حقوقهم، ارتفعَت اللّلَّةُ وبقِى مِلْكُ الحاجةِ ، وكذلك إذا انقطَع الأملُ عن الدنيا ،
تبقّى مِلْكُ الحاجةِ وحدَه؛ وهو الكَفَنُ.
المَعْقِدُ الثامنُ : قال الشافعىُّ: ليس إيجابُ القطع بمُشْقِطٍ للغُرْمِ؛ لأنهما
حَقَّانِ لمُشْتجِقُّين بسبين مختلفَين فى مَحِلَّين مُتغايرَين فجاز أن يَجْتَمِعا، أصلُه
الدِّيّةُ والكَفَّارَةُ. وقال أبو حنيفةً: لا يجتمعُ الغُرُمُ والْقَطْعُ. وتَعلَّق العراقيون مِن
أصحابِه بقوله تعالى: ﴿فَأَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ولم يذكُرْ غُرْمًا،
والغُوْمُ زيادةٌ على النصِ، والزيادةُ على النصِّ نسخٌ، ونَسُْ القرآنِ لا يجوزُ إلا
بقرآنٍ مثلِه، أو بخبرٍ مُتواترٍ، وتَعلَّقَ الخُراسانِثُون مِن أصحابِهِ بأن قطْعَ السارقِ(١)
ويجب حقًّا للهِ، وما كان ذلك حتى (٤) كان المَحِلُّ المَجْنِىُّ عليه مُخْترَمًا لحقُ اللهِ
عزَّ وجلَّ، فإنه لو كان مُخْترَمًا لحقٌّ العبدِ ، لكان الخيارُ فى اسْتِيفاءِ العقوبةِ للعبد
(١) فى ج: ((بالتنعيم)).
(٢) فى د: ((التكثر)).
(٣) فى ج، م: ( السرقة)).
(٤) سقط من : ج .
٢٥٧
(موسوعة شروح الموطأ ١٧/٢٠)

الموطأ
التمهيد
القبس كالقِصاص. وقال مالكٌ: يَجِبُ القطعُ والغُرْمُ على المُوسِرِ، فإن كان
معسِرًا أُسقِط (١) الضَّمَانُ، ووجَب القطعُ. فأما مذهبُ الشافعىِّ فهو ظاهرُ
النظرِ فى أولِ درجاتِه، لكِنَّا سنُبيِّنُ قُصُورَه الآنَ(١) إن شاء اللهُ. وأما
مذهبُ أبى حنيفةَ ففاسدٌ ؛ لأن دليلَ وجوبِ الضَّمَانِ على كلِّ مُتْلِفٍ
أَظهَرُ بيانًا، وأكثرُ أدلةً مِن وجوبِ القطعِ فى السرقةٍ، وليس لقائلٍ أن
يقولَ: إيجابُ الضمانِ مع القطع فى السرقةِ زيادةٌ على النصِ، وللآخرِ
أن يقولَ : إيجابُ القطع فى السرقةِ مع الضمانِ زيادةٌ على النصِ. فإن
قيل: هذا لا يقولُه أحدٌ. قلنا: وما ذكَرتَ إذا أدَّى إلى هذا لا يَشْتدِلُّ به
أحدٌ. وأما قولُك: إن الحُرْمةَ قد خَلَصَت للهِ. فلو كان هذا صحيحًا
وزَالَ حقُّ الآدمىِّ مِن العَيْنِ ما عاد إليه أبدًا. وأما مالكٌ، فله فى هذه
المسألةِ مَقَامةٌ(٤) عظيمةٌ؛ وذلك أن السارقَ إذا كان مُوسِرًا وجَب القطعُ
فى بدنِهُ عقوبةً، ووجَب الغُْمُ فى مالِه عقوبةً أُخرى، فإذا كان مُعسِرًا
ويجب القطْعُ فى بدنِهُ عقوبةً، فلو أوجَثْنا الغُرْمَ فى ذِمَّتِه، لكنَّا قد
جمَعنا بينَ عقوبتَين فى مَحِلُّ واحدٍ، وذلك لا يجوزُ.
(١) فى م: ((أسقطه)).
(٢) سقط من : ج ، م .
(٣ - ٣) سقط من: ج ، م.
(٤) فى ج، م: ((مقاصته)).
(٥) فى ج، م: ((يديه)).
(٦) فى م: ((يديه)).
٢٥٨

٦
الموطأ
التمهيد
القبس
المَعْقِدُ التاسعُ: رُوِى أن بعضَهم قال : تُقْطَعُ الأصابعُ خاصةً دونَ الكفِّ .
وذلك فاسدٌ جدًّا؛ لأن اليدَ اسم لهذه الجارحةِ المعلومةِ مِن الظُّفُرِ إلى المَنْكِبِ،
وهى فى العُرْفِ مُنطلِقةٌ على ما حازَه الكُوعُ إلى الظُّفُرِ، وهى أقلُّ ما تنطلِقُ عليه،
فلا يتناولُ اللفظُ بعضَ مُحْتمَلِه باتفاقٍ .
المَعْقِدُ العاشرُ: قال عطاءٌ: لا يُقطَعُ للسارقِ إلا يدٌ واحدةٌ؛ لأن الله عزَّ
وجلَّ قال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾. فيُقْطَعُ مِن كلِّ واحدٍ يدٌ . قلنا: لم يُعْطَ عطاءٌ فهمَ هذه
المسألةِ لغةً ، مع أنه كان فى طبقةِ العَلْياءِ مِن الفصاحةِ وهى زُمْرةُ التابِعِين، ألم تَرَ
أنَ ضميرَ المقطوع المُطْلَقِ جمعٌ، وأن التثنيةً إنما كان فى ضميرِ المقطوع
منه؟ ألم يرَ الأمّةَ بعده قد اجتمعت ١ على التثنيةِ فی القطع؟ ألم يُگِّرْ أبو بكرٍ
الصديقُ القطعَ على السارقِ المقطوع اليمينِ"، فلم يُنْكِرْ عليه أحدٌ ذلك(٤)؟
المَعْقِدُ الحادىَ عشَرَ: قال أبو حنيفةً: لا يُقْطَعُ للسارقِ رِجْلٌ ؛ لأن اللهَ عزَّ
وجلَّ قال: ﴿فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ولم يَجْرِ للرّجْلِ ذكرٌ. عن
ذلك جوابان ظاهران؛ أما أحدُهما، فإن اللهَ عزَّ وجلَّ وإن كان لم يذكُرْ قَطْعَ
الرِّجْلِ فى السارقِ ، فإنه قد ذكره فى المُحارِبِ فتَحْمِلُه عليه؛ بأنه أخَذَ المالَ
بالسّغْي عليه فقُطِع، كما لو أخَذه بالسَّعْىِ مُحاربًا . فإن قيل: لا يجوزُ اعتبارُ
(١) فى د: ((الشك))، وفى ج: ((التثنيا)).
(٢) فى ج، م: ((أجمعت)).
(٣ - ٣) فى ج: ((لليمين)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٦٢٣).
٢٥٩

الموطأ
التمهيد
القبس
مسألتِنا بالمُحاربةِ ، فإن القتلَ فى الحِرابةِ وليس فى مسألتِنا قتلٌ. قلنا: وهو
المَعْقِدُ الثانى عشَرَ: قال مالكٌ: يُقْتَلُ إِذا سرّق فى (١) الخامسةِ. فى روايةٍ
المدنيين، وفى ذلك حديثٌ ضعيفٌ(٢) لا تُناطُ بمثلِه إِباحةُ المحظوراتِ ، وإنما
عزَّل مالكٌ فى هذه الروايةِ على المصلحةِ ، وهى أحدُ أركانٍ أصول الفقهِ على ما
بيِنَّه، وذلك أنَّا نقولُ - وهو يجمعُ المسألتين فى دليلٍ واحدٍ - : إن المصلحةَ
تَقْتَضِى إِذا سرَّق أن تُقْطَعَ يمينُه التى بها يَتَناوَلُ ما لا يَحِلُّ له تَنْقِيصًا لِبَطْشِه، الذى
جعله اللهُ له قوةٌ على الطاعةِ ، فصرَفه فى المعصيةِ، فإذا عاد إلى السرقةِ ثانيةً ،
اقتضّت المصلحةُ أن يُنْقَصَ سَعْيُه الذى به تَوَصَّل إلى البَطْشِ ليُسْتَوفَى منه حقُّ
العقوبةِ ، ويَتْقَى له فى البطشِ جارحةٌ، فإذا عاد الثالثةَ إلى السرقةِ تَبِيِّنَّا أَن بَطْشَهِ(٢)
فسَد بتَعدِّيه (٤)، فإذا سرَق الرابعةَ تبيِنَّا أن سّعْيَه فسَد بتَعَدِّيه (٤) ، فإذا سرّق الخامسةً
تبثًا أنها نفسٌ خبيثةٌ لا تَتَّعِظُ بنفسِها، ولا تَرْتدِعُ بآفاتِ جوارحِها ، فلم يَئِقَ إلّا
إتلافُها .
المَعْقِدُ الثالثَ عشَرَ: لم يَخْفَ على ذى لُبِّ أن الله تعالى إنما وضَع هذه
العقوباتِ فى الأبدانِ رَوادعَ وزواجرَ، فَهِم ذلك الخلقُ مِن تَنْبِيهِ اللهِ لهم علیه ،
وتعريفهم به، ولذلك قلنا: إن الجماعةَ إذا قتلوا الواحدَ قُتُلوا به ؛ حِفْظًا لقاعدةٍ
(١) سقط من : ج، م.
(٢) أبو داود (٤٤١٠)، والنسائى فى الكبرى (٧٤٧٠).
(٣) فى ج: ((سعيه)).
(٤) فى ج: ((فتعدمه)).
٢٦٠