Indexed OCR Text

Pages 121-140

الموطأ
١٥٩٥ - وحدّثنی عن مالك، عن سهیلٍ بن أبی صالح، عن
أبيه، عن أبى هريرةَ، أن سعدَ بنَ عُبادةَ قال لرسولِ اللهِ وَ له: أرأيتَ لو
أَنَّى وجَدتُ مع امرأتى رجلً، أأُمِهِلُه حتى آتِيَ بأربعةِ شُهداءَ؟ فقال
رسولُ اللهِ وَلِ: ((نعم))(١).
١٥٩٦ - مالك، عن ابنِ شهاب ، عن ◌ُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
عُتبةَ بنِ مسعودٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، أنه قال : سَمِعتُ عمرَ بنَ
الخطاب يقولُ: الرَّجمُ فى كتابِ اللهِ حقٌّ على مَن زَنَى مِن الرجالِ
التمهید
و(٢) فى هذا الحديثِ دليلٌ على أن الحاكمَ يَقْضِی بما يُقِرُّ به عنده
المُقِرُّ، وإنْ لم يَحْضُرْهُ أحَدٌ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ لم يقلْ له: احْمِلْ معك
مَن يَسْمَعُ اعترافَها. وفى ذلك إيجابُ القضاءِ بما عَلِم القاضِى وهو
حاكمٌ، وسيأتى القولُ فى قضاءِ القاضى بعِلْمِه، واختلافُ العلماءِ فى
ذلك، ووُجوهُ أقوالِهم، وما نَزَعوا به ، فى بابِ هشام بن عروةَ ، عن أبيه،
عن زينبَ بنتِ أبى سلمةً، عن أُمِّ سلّمةَ، مِن كتابنا هذا(٣) إن شاء اللهُ .
واللهُ المستعانُ لا ربَّ غیرُه .
مالكٌ ، عن ابنِ شهاب، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةً بن مسعودٍ، الاستذكار
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٤٨١).
(٢) بعده فى ر، ى: ((زعم قوم أن)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٩/١٨ - ١٦ .
١٢١

الموطأ والنساءٍ إِذا أَحصَنَ ، إذا قامتِ البَيْنَةُ، أو كان الحبَلُ أو الاعترافُ.
الاستذكار عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، أنه قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: الرَّجْمُ
فى كتابِ اللهِ حقٌّ على مَن زنَى مِن الرجالِ والنساءِ إِذا أحصَنَ ، إذا قامتٍ
البَيْنَةُ، أو كان الحَبَلُ(١) أو الاعترافُ(٢).
قد مضَى فى هذا البابِ من إثباتِ الرجم على مَن أحصَن مِن الزُّناةِ
الأحرارِ ما أغنَى عن إعادتِه هلهنا .
واختلف الفقهاءُ فى حدِّ الإحصانِ المُوجِبِ للرجم؛ فجملةُ مذهبٍ
مالكِ فى ذلك ، أن يكونَ الزانى حُرًّا مسلمًا بالغًا عاقلاً، قد وَطِئ قبلَ أن
یزنیَ وطئًا مُباحًا ، فی عقد نكاحٍ صحيحٍ ، ثم زنَی بعد ذلك، فإذا كان
هذا وجَب الرَّجمُ. ولا يَتْبُتُ لكافرٍ ولا لعبدٍ عندَه(٣) إِحصانٌ، كما لا
يَثْبُتُّ عندَ الجميع لصبىٌّ ولا مجنونٍ إِحصادٌ، وكذلك العقدُ الفاسدُ لا
يثبُتُ به عندَه إحصانٌ)، وكذلك الوطءُ المحظورُ؛ كالوطءٍ(١) فى
القبس
(١) هنا وفيما سيأتى فى ح، هـ: ((الحمل)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٩٢)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١٣و - مخطوط).
وأخرجه أحمد ٣٧٨/١، ٤٤٩ (٢٧٦، ٣٩١)، والدارمى (٢٣٦٨)، والنسائى فى الكبرى
(٧١٥٧، ٧١٥٨) من طريق مالك به.
(٣) ليس فى: الأصل.
(٤ - ٤) سقط من: م.
١٢٢

الموطأ
الاستذكار
الحجّ، وفى الصيامِ، وفى الاعتكافِ، وفى الحيض، لا يثبُتُ به عندَه ـ
إحصانٌ . والأمَّةُ والكافرةُ والصغيرةُ(١) تُحصِنُ الحَّ المسلمَ عندَ مالكٍ )،
(ولا يُحصِنُهن٣)؛ لأنه لا يجتمعُ فيهن شروطُ (٤) الإحصانِ. وهذا كلُّه
مذهبُ مالكِ وأصحابِهِ .
وأما أبو حنيفةً وأصحابُه، فحدُّ الإحصانِ عندَهم على ضَربين؛
أحدُهما ، إِحصانٌ يُوجِبُ الرجمَ يَتَعلَّقُ بسِتٌّ شرائطَ ؛ الحريةُ ، والبلوغُ،
والعقلُ، والإسلامُ، والنكاحُ الصحيح، والدخولُ(٥)، ولا يُراعُون وطئًا
محظورًا مع ذلك ولا مُباحًا. والآخرُ، إحصانٌ يتعلَّقُ به حدُّ القذف ، له
خمسُ خِصالٍ عندَهم؛ الحريةُ ، والبلوُ، والعقلُ، والإسلامُ، والعِفَّةُ .
وروَى أبو يوسفَ، عن ابنٍ أبى ليلى، قال: إذا زنَى اليهودىُّ أو
النصرانىُ بعدَما أَحصَنا، فعليهما الرجمُ. قال أبو يوسفَ : وبه نأخذُ .
فالإِحصانُ عندَ هؤلاء له أربعةُ شروطٍ ؛ الحريةُ ، والبلوغُ ، والعقلُ ،
والوطُ فی النكاح الصحيح. ونحۇُ هذا قولُ الشافعى وأحمد بن حنبل ؛
قال الشافعىُّ: إذا دخَل الرجلُ بامرأتِه وهما حرَّان ووطِئها ، فهذا إحصانٌ ،
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) بعده فى م: ((لا)).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ، م.
(٤) فى ح: ((شرط)).
(٥) سقط من: ح ، هـ .
١٢٣

الموطأ
الاستذكار مسلمَيْن كانا أو كافرَيْن. يعنى: إذا كانا فى حينٍ) الزِّنى بالِغَيْنِ.
واختلَف أصحابُه على أربعةٍ أوجُهٍ؛ فقال بعضُهم: إذا تزوَّج العبدُ أو
الصبىُ ووَطِئ، فذلك إحصانٌ، إذا زنَى بعدَ البلوغ والحريةِ. وقال
بعضُهم : لا يكونُ واحدٌ منهما مُحصَنًا. كما قال مالكٌ . وقال بعضُهم :
إذا تزوَّج الصبىُ الحرّ أُحصَن، فإذا بلَغ وزنَى رُجِم، والعبدُ لا يُحصِنُ حتى
يَعْتِقَ بالغًا ويزنىَ بعدُ. وقال بعضُهم: إذا تزوَّج الصبىُّ لم يُحصِنْ، وإذا
تزوَّج العبدُ أَحصَن. وقالوا جميعًا: الوطءُ الفاسدُ لا يقعُ به إحصانٌ . وقد
تقدَّم فى كتابٍ النكاح من أقوال العلماءِ فى الإحصان أكثرٌ مِن هذا(٢)،
وتقصَّينا ذلك فى ((التمهيدٍ)) (١).
وأما قولُه فى هذا الحديثِ عن عمرَ رضِى اللهُ عنه: أو قامَت عليه
البَيِّنَةُ ، أو كان الحَبَلُ أو الاعترافُ . فأجمع العلماءُ أن البيّنةَ فى الزِّنى أربعةُ
شهداءَ رجالٍ عُدُولٍ ، يشهدون بالصريح (١) من الزّنى لا بالكنايةِ ، وبالرؤية
كذلك والمُعاينةِ. ولا يجوزُ عندَ الجميع فى ذلك شهادةُ النساءِ ، فإذا
شهِد بذلك مَن وصَفنا على مَن أُحصَن كما ذكّرنا ، وجَب الرجمُ على ما
قال عمر رضِى اللهُ عنه .
القبس
(١) سقط من: ح، هـ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٠٣/١٤ - ٣١٥.
(٣) تقدم ص١٠٩ - ١١٢.
(٤) فى ط: ((بالتصريح)).
١٢٤

الموطأ
الاستذكار
وأما الاعترافُ فهو الإقرارُ من البالغ العاقلِ بالزِّنی صُرَاحًا لا کنایةً ، فإِذا
ثبت على إقرارِه ولم يَنزِعُ عنه وكان مُحصَنًا ، وجَب عليه الرجمُ ، وإن كان
بكرًا مُلِد مائةَ جَلْدَةٍ(١) ، وهذا كلُّه لا خلافَ فيه بينَ العلماءِ.
وأما الحبَلُ الظاهرُ بالمرأةِ ولا زوجَ لها يُعلَمُ ، فقد اختلف العلماءُ فى
ذلك؛ فقالت طائفةٌ: الحَبَلُ والاعترافُ والبيّنةُ سواءٌ فيما يُوجِبُ (٢ الحدَّ
فى الزِّنى، على حديثٍ عمرَ هذا، فى قولِه: إذا قامَتْ عليه البيّنةُ ، أو كان
الحَبَلُ أو الاعترافُ. فسَوَّى بينَ ذلك فيما يُوجِبُ ١١ الرجمَ على مَن
أَحصَن، فوجَبت التسويةُ بذلك(٣). وممن قال ذلك مالكُ بنُ أنسٍ فيما
ذكر عنه ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه - وذكره فى (( موطئه)) - قال : إذا وُجِدت
المرأةُ حاملًا، فقالت: تزوجتُ. أو: استُكرِهتُ. لم يُقبَّلْ ذلك منها إلَّ
بالبيّنة على ما ذكرتُ ، إلا أن تكون جاءت تستغيثُ وهی تَدْمَی ، أو نحو
ذلك من فضيحةِ نفسِها، فإن لم يكنْ ذلك أَقِيم عليها الحدُّ . وقال ابنُ
القاسم : إذا كانت طارئةً غريبةً فلا حدَّ عليها. وهو قولُ عثمانَ البِّىّ .
وقال أبو حنيفةً ، والشافعىُ، وأصحابُهما: لا حدَّ عليها إلا أن تُقِرَّ بالزِّنى،
أو يقومَ عليها بذلك بيّنةٌ. ولم يُفرِّقوا بينَ طارئةٍ وغيرٍ طارئةٍ؛ لأن الحبَلَ
دونَ إِقرارٍ ولا بيِّنةٍ ممكنٌ أن تكونَ المرأةُ فيما ادَّعته من النكاح أو الاستِکرامِ
القبس
(١) سقط من : م .
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ.
(٣) فى ح، هـ، ط: ((بين ذلك)).
١٢٥

١٥٩٧ - وحدّثنى عن مالكِ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن سُليمانَ
الموطأ
ابنِ يسارٍ، عن أبى واقِدِ اللَّيْتِىّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ أتاه رجلٌ وهو
بالشام، فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلًا ، فبعث عمرُ بنُ الخطابِ أُبا
الاستذكار صادقةً، والحدودُ لا تُقَامُ إلا باليقينِ، بل تُدرأَ بالشُّبُهاتِ .
فإن احتجّ مُحتج بحديث عمر المذكور، وتسويته فيه بين البيّنة والإقرارِ
والحَبَلِ، قيل له : قد رُوِى عنه خلافُ ذلك من روايةِ الثقاتِ أيضًا .
روَى شعبةُ بنُ الحجّاجِ، عن عبدِ الملكِ بنِ مَيْسرةَ، عن التَّالِ بنِ
سَبْرةً(١) ، قال: إنَّا لَمَع عمرَ رضِى اللهُ عنه بمنّى إذا بامرأةٍ ضخمةٍ حُبلى،
قد كاد الناسُ أن يقتُلوها من الزِّحامِ وهى تبكِى، فقال لها عمرُ: ما
يكِيك؟ إن المرأةَ ربما استُكرِهت . فقالت: إنى امرأةٌ ثقيلةُ الرأسِ، وكان
اللهُ عزَّ وجلَّ يرزُقُنى من الليلِ ما شاء أن يرزقَنى، فصلَّيتُ ونِمْتُ ، فواللهِ ما
استيقظتُ إلا ورجلٌ قد ركِبنى ومضَى، وما(٢) أدرِى أَىُّ خلقِ اللهِ هو.
فقال عمرُ: لو قَتَلتُ هذه خِفْتُ على مَن بينَ الأخشبين(٢) النارَ. ثم كتَب
إلى الأمراءِ أَلَّا يَفْتلوا(٤) أحدًا إِلا بإذنِه (٥).
مالكٌ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن أبى واقد الليثيّ،
القبس
(١) فى م: ((صبرة))، وينظر تهذيب الكمال ٣٣٤/٢٩، والإصابة ٤٢٥/٦، ٤٩٤.
(٢) فى ط، م: (( لا)).
(٣) الأخشبان: الجبلان المطيفان بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر. ينظر النهاية ٣٢/٢.
(٤) فى م: ((لا تعجلوا)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٥٦٩، والبيهقى ٢٣٦/٨ من طريق شعبة به.
١٢٦
i
.-

الموطأ
وَاقِدٍ الليثيَّ إلى امرأتِه يسألُها عن ذلك، فأتاها وعندَها نسوةٌ حولَها ،
فذكَّر لها الذى قال زوجها لعمرَ بنِ الخطابِ، وأخبَرَها أنها لا تُؤْخَذُ
بقولِه ، وجعَل يُلقِّنُها أَشْباه ذلك لتَنْزِعَ، فَأَبَت أَن تَنزِعَ، وتَمَّتْ على
الاعترافٍ، فأمَر بها عمرُ فرُجِمَت .
الاستذكار
أن عمرَ بنَ الخطابِ أتاه رجلٌ وهو بالشام، فذكر له أنه وجَد مع امرأتِه
رجلًا، فبعَث عمرُ بنُ الخطابِ أبا واقد الليثىَّ إلى امرأتِه يسألُها عن ذلك ،
فأتاها وعندَها نسوةٌ حولَها ، فذكَر لها الذى قال زوجها لعمرَ بنِ الخطابِ ،
وأخبرها أنها لا تؤخذُ بقولِه، وجعَل يُلقِّنُها أشباه ذلك لتَنْزِعَ، فَأَبَتْ أن
تَنْزِعَ، وتمَّت(١) على الاعترافِ، فأمَر بها عمرُ فرجِمت(٢) .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم القولُ فى معنَى هذا الحديثِ كلِّه فى هذا
الباب، فلا معنی لإعادته. وقد روى هذا الحدیثَ نافة مولی ابنِ عمرَ ،
عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن رجلًا جاء إلى عمرَ وهو بالجابيةِ ، فقال: يا أميرَ
المؤمنين، إنه وجَد عبدَه على امرأتِه. فقال له عمرُ: انظرْ ما تقولُ؛ فإِنَّك
مأخوذٌ بما تقولُ . قال: نعم. فقال عمر لأبى واقدٍ . وذكر معنی حدیثٍ
مالك . ذكَره سُنيدٌ ، عن حجاجٍ، عن صخرِ بنِ جويريةَ، عن نافعٍ .
القبس
(١) فى ح، هـ، ط: ((ثبتت)). وتمَّ على الأمر، ثمَمَ على الأمر، وتمم عليه بإظهار الإدغام: أى
استمر عليه. النهاية ١٩٧/١.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٣ظ، ٣و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٦٤). وأخرجه
الشافعى ١٥٤/٦، والطحاوى فى شرح المعانى ١٤١/٣ والبيهقى ٢٢٠/٨ من طريق مالك به .
١٢٧

الموطأ
١٥٩٨ - مالك، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ،
أنه سَمِعه يقولُ: لمَّا صدَر عمرُ بنُ الخطابِ مِن مِنَّى أناخ بالأَبْطَحِ ، ثم
كوَّم كُوْمَةً بَطْحاءَ، ثم طرَح عليها رِداءَه واستَلْقَى ، ثم مدَّ يَدَيْه إلى
السماءِ فقال : اللهمَّ كبِرتْ سِنِّى، وضعُفَت قوتى، وانتَشَرَت رَعِيَّتِى،
فاقْبِضْنى إليك غيرَ مُضيِّع ولا مُفرِّطٍ. ثم قدم المدينةَ فخطب الناسَ ،
فقال: أيها الناسُ، قد سُنَّتْ لكم السُنَنُ، وفُرِضَت لكم الفرائضُ،
وتُرِكْتُم على الواضِحَةِ ، إلا أن تَضِلُّوا بالناس يمينًا وشمالاً. وضرَب
الاستذكار
ورواه معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن أبى واقدٍ
الليثىّ، قال: إِنِّى لَمع عمرَ بالجابيةِ، إذ جاءه رجلٌ فقال: عبدی زنَی
بامرأتى ، وهى هذه تعترِفُ . قال أبو واقدٍ : فأرسَلَنى عمرُ إليها فى نفرٍ مِن
قومِه. وذكّر تمامَ الخبرِ(١).
التمهيد
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ (١) ، عن سعيدٍ بنِ المسيَّبِ ، أنه سمِعه
القبس
(١) أخرجه ابن عساكر ٢٧٣/٦٧ من طريق معمر به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ١٤٠،
والبيهقى ٢١٥/٨ من طريق الزهرى به .
(٢) قال أبو عمر: «وهو یحیی بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زید
ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، ولجده قيس بن عمرو صحبة، وقد ذكرناه فى كتاب
(الصحابة)). وقال قوم: جد يحيى بن سعيد، قيس بن فهد. وقال آخرون : قيس بن عاصم.
وكل ذلك خطأ، وإنما جده قيس بن عمرو على ما ذكرناه، وهو الصحيح عندنا. ويكنى يحبى
ابن سعيد أبا سعيد، وكان فقيها، عالما، محدثا، حافظا، ثقة، مأمونا، عدلا ، مرضيا، وكان
كريما جوادا حين أدرك الغنى بعد ولايته القضاء، وكان نزه النفس، وكان فى أول أمره مقلا،=
١٢٨

الموطأ
بإحدَى يَدَيْه على الأخرى ، ثم قال: إياكم أن تَهْلِكوا عن آيةِ الرجمِ،
يقولُ: لما صدّر عمرُ بنُ الخطابٍ من منّى أناخ بالأبطح، ثم كوَّم كُومةٌ التمهيد
القبس
= قد ر کبه الدَّین، ثم أثری بعد. وله أخبار كثيرة كرهت اجتلابها ، وسنذكر ما يستدل به على
ما قلنا، إن شاء الله. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا
أحمد بن زهیر، قال حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا ابن مهدى، عن حماد بن زيد، عن
هشام بن عروة، قال: حدثنى الأمين المأمون - على ما يغيب عليه - يحيى بن سعيد، عن
عروة، قال: يقطع الآبق إذا سرق. قال: وسمعت أبى ويحيى بن معين يقولان: يحيى بن
سعيد بن قيس الأنصارى مدنى ثقة. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا إسماعيل بن
محمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: سمعت على بن المدينى يقول: أربعة من أهل
الأمصار يسكن القلب إليهم فى الحديث؛ يحيى بن سعيد بالمدينة، وعمرو بن دينار بمكة،
وأيوب بالبصرة، ومنصور بالكوفة. وذكر الواقدى قال: لما استخلف الوليد بن يزيد بن عبد
الملك، استعمل على المدينة يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى، فاستقضى سعد بن إبراهيم
على المدينة ، ثم عزله واستقضى يحيى بن سعيد الأنصارى. قال الواقدى: وقدم يحيى بن سعيد
على أبى جعفر الكوفة وهو بالهاشمية فاستقضاه على القضاء بالهاشمية ، فمات بها سنة ثلاث
وأربعين. قال: وأخبرنا سليمان بن بلال، قال: خرج يحيى بن سعيد إلى إفريقية لميراث وجب
له هناك وطلب له ربيعة بن أبى عبد الرحمن البريد فركبه إلى إفريقية، فقدم بذلك الميراث ، وهو
خمسمائة دينار، قال: فأتاه الناس يسلمون عليه، وأتاه ربيعة فسلم عليه، فلما أراد ربيعة أن
يقوم حبسه، فلما ذهب الناس ، أمر بالباب فأغلق ؛ ثم دعا بمنطقته فصبها بين يدى ربيعة وقال
يا أبا عثمان، والله الذى لا إله إلا هو ما غيبت منها دينارا إلا شيئا أنفقته فى الطريق. ثم عد
خمسين ومائتى دينار فدفعها إلى ربيعة، وأخذ خمسين ومائتى دينارٍ لنفسه، قاسمه إياها ، وكان
ثقة صدوقا. أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا أحمد بن
زهير، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، قال: حدثنا يحيى بن محمد، قال : حدثنا
سليمان بن بلال، قال: لما خرج يحيى بن سعيد إلى العراق ، خرجت أُشيعه، فكان أول ما
استقبله جنازة، فتغير وجهى لذلك، فالتفت إلى فقال: يا أبا محمد كأنك تطيرت . فقلت :
اللهم لا طير إلا طيرك. فقال: لا عليك، والله لئن صدق، لينعشن الله أمرى. قال: فمضى=
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/٢٠ )

الموطأ أن يقولَ قائلٌ: لا نجِدُ حَدَّين فى كتابِ اللهِ . فقد رجَم رسولُ اللهِ
وَلَهُ ورَجَمْنا، والذى نفسى بيدِه، لولا أن يقولَ الناسُ: زاد عمرُ بنُ
الخطابٍ فى كتابِ اللهِ تعالى لكتَبْتُها (الشيخُ والشيخةُ فارجُمُوهما
البَنَّةَ) فإِنَّا قد قَرَأْناها .
التمهيد بطحاءَ، ثم طرَح عليها رداءَه واستلقى، ثم مدَّ يديه إلى السماءِ فقال:
القبس
= والله، ما أقام إلا شهرین حتى بعث بقضاء دينه ونفقة أهله، وأصاب خيرا. قال: وحدثنا
إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبى
بکر الصدیق ، قال: حدثنی سلیمان بن بلال، قال: کان یحیی بن سعید قد ساءت حاله،
وأصابه ضيق شديد، وركبه الدين، فبينما هو على ذلك، إذ جاءه كتاب أبى العباس يستقضيه ،
قال سليمان: فوكلنى يحيى بأهله، وقال لى: والله ما خرجت وأنا أجهل شيئًا، فلما قدم
العراق ، كتب إلىَّ : إنى كنتُ قلتُ لك حين خرجتُ : قد خرجتُ وما أجهلُ شيئًا. وإنه والله
لأول خصمين جلسا بين يدى فاقتصا شيئًا، والله ما سمعته قط، فإذا جاءك كتابى هذا فسل
ربيعة بن أبى عبد الرحمن، واكتب إلىَّ بما يقول، ولا يعلم أنى كتبت إليك بذلك. قال:
وحدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا ابن وهب ، قال: حدثنا مالك، قال : قال لی یحیی بن
سعيد: اكتب لى أحاديث من أحاديث ابن شهاب فى الأقضية. قال: فكتبت له ذلك فى
صحيفة كأنى أنظر إليها صفراء، فقيل لمالك: يا أبا عبد الله أعرض عليك؟ قال: هو كان أفقه
من ذلك. قال أبو عمر: يحيى بن سعيد من فقهاء التابعين بالمدينة ، سمع من أنس بن مالك ،
وروی عنه أحادیث مسندة وغیر مسندة، ولیس عند مالك عنه عن ابن شهاب ، حدیث مسند .
قال محمد بن عبد الله بن نمير: مات يحيى بن سعيد سنة ثلاث وأربعين ومائة ، ويكنى أبا
سعيد، وكذلك قال يزيد بن هارون والواقدى، إلا أنهما قالا : بالهاشمية سنة ثلاث وأربعين
ولمالك عنه فی ((الموطأ)» من حدیث النبی پلژ خمسة وسبعون حديثا، منها ثلاثون حدیثا
مسندة، فى يسير منها انقطاع، ومنها تسعة موقوفة ، وسائرها مرسلة ومنقطعة وبلاغات ، وكلها
مرفوعة إلى النبى وَال﴿ نصا أو معنى)). تهذيب الكمال ٣٤٦/٣١، وسير أعلام النبلاء ٤٦٨/٥.
١٣٠

الموطأ
قال مالكٌ : قال يحيى بنُ سعيدٍ : قال سعيدُ بنُ المُسيَّبِ : فما
انسَلَخ ذو الحِجَّةِ حتى قُتِل عُمَرُ رحِمه اللهُ .
قال يحيى : سَمِعتُ مالكًا يقولُ: قولُه: (الشيخُ والشيخةُ) يَعْنِى
الثَّيِّبَ والتَّيِّبَةَ، ( فارجُمُوهما البتةَ).
اللهمَّ كبِرت سنِّى، وضَعُفت قوَّتى ، وانتشرت رعيَتَى، فاقبِضْنى إليك غيرَ التمهيد
مضيِّعٍ ولا مفرِّطِ . ثم قدم المدينةَ فخطَب الناسَ فقال: أيُّها الناسُ، قدسُنَّت
لكم السننُ ، وفُرِضت لكم الفرائضُ، وتُرِكُم على الواضِحةِ ، إلا أن تضِلُّوا
بالناسٍ يمينًا وشمالاً . وضرّب بإحدى يديه على الأخرى ، ثم قال : إيَّكم
أن تَهلِكوا عن آية الرجم ، أن يقولَ قائلٌ: لا نجدُ حَدَّين فى كتابِ اللهِ . فقد
رجَم رسولُ اللهِ وَّه ورجَمنا، والذى نفسى بيدِه، لولا أن يقولَ الناسُ : زاد
عمرُ بنُ الخطابِ فى كتابِ اللهِ تعالى لكتبتُها : (الشيخُ والشيخةُ
فار مجُمُوهما البَّةَ). فإِنَّا قد قرأناها .
قال مالكٌ : قال يحيى بنُ سعيدٍ: قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: فما انسلَخ
ذو الحِجَّةِ حتى قُتِل عمر رحمه اللهُ .
قال مالكٌ: (الشيخُ والشيخةُ): الثيِّبُ والثيّةُ، (فارمجموهما البتّةَ)(١).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٩٣)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١٣و، ٣ظ -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٦٦، ١٦٦٧). وأخرجه الشافعى فى مسنده (٢٦٦ -
شفاء العى)، والبيهقى ٢١٢/٨ من طريق مالك به .
١٣١

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ مسندٌ صحيحٌ ، والذى يستندُ منه قولُه : فقد
رجَم رسولُ اللهِ وَلِ﴾(١). وأما سماُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ من عمرَ بنِ
الخطابٍ فمختلَفَّ فيه ؛ فقالت طائفةٌ من أهلِ العلم: لم يسمَعْ من عمرَ
شيئًا ، ولا أدرَكه إدراكَ من يَحفَظُ عنه. وذكروا ما رواه ابنُ لهيعةً، عن
بكيرِ بنِ الأشْجِّ، قال: قيل لسعيدِ بنِ المسيَّبِ: أُدرَكتَ عمرَ بنَ
الخطابِ؟ قال : لا (١) . وقال آخرون: قد سمِع سعيدُ بنُ المسيَّبِ من عمر
أحاديثَ حفِظها عنه، منها هذا الحديثُ، ومنها قولُه حينَ رأى البيتَ .
وزعَموا أن سعيدَ بنَ المسئَّبِ شهِد هذه الحَجَّةً مع عمرَ، وحفظ عنه فیها
أشياءَ وأدَّاها عنه ، وهى آخرُ حَجةٍ حَجَّها عمرُ، وكانت خلافتُه عشْرَ سنين
وستةَ أشهرٍ وأربعةً أيام ، وقُتِل بعد انصرافِه من حجته تلك، لأربعٍ يَقِين من
ذى الحجة سنةَ أربع وعشرين .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ المُهاجرِ، قال: حدَّثنا عبدُ
الصمدِ ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، قال : قلتُ لسعيدِ بنِ المسيَّبِ :
رأيتَ عمرَ بنَ الخطابِ؟ قال: نعم. قال ابنُ وضاحٍ: وُلِد سعيدُ بنُ
المسيَّبِ لسنتين مضَتا من خلافةٍ عمرَ، وسمِع منه كلامَه الذى قال حينَ
القبس
(١) بعده فى ف: ((ورجمنا)).
(٢) أخرجه ابن سعد ١٢٠/٥ من طريق ابن لهيعة به .
١٣٢

الموطأ
نظَر إلى الكعبةِ : اللهمَّ أنت السلامُ، ومنك السلامُ، فحيِّنا ربَّنا بالسلام. التمهيد
كذلك قال لىّ ابنُ كاسبٍ وغيرُ واحدٍ . ابنُ وضاح يقولُه.
قال أبو عمرَ: أصحُ ما قيل فى (١مولدٍ سعيد١ٍ) أنه لسنتين مضَتا من
خلافةٍ عمرَ، وقد قيل: لسنتين بقِيتا . وقال مالكٌ والليثُ : كان سعيدُ بنُ
المسئِّبِ يقالُ له : راوِيةُ عمرَ .
وذكر الحلوانيُ قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن الشيبانيِّ ، عن بُکیرِ بنِ
الأخنسِ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، قال: سمِعتُ عمرَ يقولُ على هذا
المِنبرٍ: لا أجدُ أحدًا جامَع ولم يغتسِلْ، أَنزَل أو لم يُنزِلْ ، إلا عاقبتُه .
قال الحسنُ بنُ علىّ الحلوانيُ: وحدَّثنا الأصمعىُّ، قال: حدَّثنا طلحةُ
ابنُ محمدِ بنِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ قال: أنا فى
الغِلْمةِ الذين جَرُوا جَعدةَ العقيلىَّ ) إلى عمرَ.
قال : وحدَّثنا عبدُ الصمدِ ، قال : حدثنا شعبةُ ، عن إیاسِ بنِ معاویةً ،
قال: قال لى سعيدُ بنُ المسيَّبِ : ممن أنت؟ قلتُ: من مزينةَ. فقال : إنى
القبس
(١ - ١) سقط من: ف، وفى م: ((قوله يقصد)).
(٢) الذى فى المصادر أنه جعدة السلمى، من بنى سليم. ينظر المؤتلف والمختلف للآمدى
ص ٨٢، وتاريخ دمشق ١٠٦/١٤، ومعجم الأدباء ٨٣/١٠، وبغية الباحث (٤٩٩)،
والإصابة ٥٣٦/١.
١٣٣

الموطأ
التمهيد لأذكُرُ اليومَ الذى نعَى فيه عمرُ بنُ الخطابِ النعمانَ بنَ مقرِّنِ المزنىَّ إلى
الناس على المِنيرِ(١).
و کان علُّ بنُ المدینیّ يصحِّحُ سماعه من عمرَ .
قال أبو عمرَ : معنى هذا الحديثِ يستنِدُ من وجوهٍ صحاحٍ ثابتةٍ من
حدیثِ ابنِ عباسٍ، عن عمرَ .
أخبرنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا
الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن
الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍٍ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ
الخطاب يقولُ: إن اللهَ بعَث محمدًا بالحقِّ، وأنزل عليه الكتابَ ، وكان
فيما أُنزِل عليه آيةُ الرجم، فرجَم رسولُ اللهِ وَ لَه ورجَمنا بعدَه. قال
سفيانُ : وقد سمِعتُه من الزهرىِّ بطولِه ، فحفِظتُ منه أشياءَ، وهذا مما لم
(٢)
أحفَظْه يومَئذٍ (٢) .
قال أبو عمرَ : قولُ ابن عيينةَ: وقد سمِعتُه من الزهرىِّ بطولِه . يعنى
حديثَ السَّقيفةِ، وفيه هذا الكلامُ عن عمرَ فى الرجم . وقد روَى حديثَ
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ١٩/٦، والبخارى فى التاريخ الصغير ١/ ٨١، وابن أبى عاصم فى الآحاد
والمثانى ٣١٦/٢ من طريق شعبة به.
(٢) الحميدى (٢٥).
١٣٤

الموطأ
السَّقيفةِ عن الزهرىِّ بتمامِه، مالكٌ وغيرُه ، رواه عن مالكِ جماعةٌ ، منهم
ابنُ وهبٍ(١)، وإسحاقُ بنُ محمدِ الفَرْوىُّ، وعبدُ العزيزِ بنُ يحيى،
وجويريةُ بنُ أسماءَ.
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ إِسماعيلَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدِ الفَرْوىُّ ، قال:
حدَّثنا مالكُ بنُ أنس ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةً بنِ
مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
أسماءَ، قال: حدَّثنا جويريةُ بنُ أسماءَ، عن مالكِ، عن الزهرىِّ، أن
عبيدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عتبةً أخبره ، أن عبد الله بن عباس أخبره ، أنه كان يُقرئُ
عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ . فذكَرا حديثَ السقيفةِ بطوله، وفيه : قال عمرُ:
أما بعدُ ، فإنى قائلٌ لكم مَقالةً قد قُدِّر لى أن أقولَها ، لعلها بين يدَى أجَلِى ،
فمن وعاها وعقَلها ، فلْيُحدِّثْ بها حيث انتَهت به راحلتُه، ومن خشِى أَلَّا
يعيّها ، فلا أُحلِّ له أن يكذِبَ علىَّ، إن اللهَ بعَث محمدًا بالحقِّ، وأَنزَل
عليه الكتابَ، وكان مما أنزل عليه آيةُ الرجم ، فقرَأناها وعقَلناها ، ورجم
رسولُ اللهِ وَّه ورجَمنا، وأخشَى إن طال بالناسِ زمانٌ أن يقولَ قائلٌ:
القبس
(١) أخرجه البخارى (٢٤٦٢، ٣٩٢٨)، والنسائى فى الكبرى (٧١٥٨)، والطحاوى فى
شرح المشكل (٢٠٥٧) من طريق ابن وهب به.
١٣٥

الموطأ
التمهيد واللهِ ما نجِدُ آيَةَ الرجم فى كتابِ اللهِ. فتْرَكَ(١) فريضةٌ أنزلها اللهُ ، فيضِلُّوا ،
فإن الرجمَ فى كتابِ اللهِ على مَن زنَّى إذا أحصَن من الرجالِ والنساءِ ، إذا
قامت البينةُ ، أو كان الحَبَلُ أو الاعترافُ. وذكر الحديثَ بتمامِهِ(٢).
وذكر مالكٌ فى ((الموطأ)) (٣) هذا الكلام الآخِرَ ، عن ابن شهاب ، عن
عبيدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ :
الرجمُ فى كتابِ اللهِ حقٌّ على مَن زنَّى من الرجالِ والنساءِ ، إذا أحصَن ، إذا
قامت عليه البينةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعترافُ .
وأجمَع العلماءُ على أن البينةَ إذا كانوا شهودًا أربعةٌ عدولاً ، أَقيم الحدّ
على الزانى، وكذلك الاعترافُ إذا ثبت عليه (٤) العاقلُ البالغُ ولم ينزِعُ عنه .
واختلفوا فى الحَبَلِ يظهَرُ بالمرأةِ ، هل يكونُ مثلَ البينةِ والاعترافِ أم لا؟
ففى حديثٍ عمرَ هذا التسويةُ بين البيّنةِ والاعترافِ والحَبَلِ ؛ فذهب قومٌ
إلى أن المرأةَ إذا ظهَر بها حملٌ ولم يُعْلَمْ لها زوجٌ ، أن عليها الحدَّ ، ولا
ينفعُها قولُها: إنه من زوجٍ، أو من سيّدٍ. إن كانت أمةً ، إذا لم يُعْلَمْ ذلك.
قالوا: وهذا حَدٌّ قد وجَب بظهورِ الحَبّلِ(٥) ، فلا يُزِيلُه إلا يقينٌ من بينةٍ
القبس
(١) فى م: ((فنترك))، وفى مصدر التخريج: ((فيترك)).
(٢) أخرجه ابن حبان (٤١٤) من طريق عبد الله بن محمد به .
(٣) تقدم فى الموطأ (١٥٩٦).
(٤) فى م: ((على)).
(٥) فى م: ((الحمل)).
١٣٦
٠٠

الموطأ
نكاح أو مِلكِ يمينٍ. وقال مالك: إذا وُجِدت امرأةٌ حاملًا فقالت : التمهيد
تزوَّجتُ ، أو استُكرِهتُ . لم يُقبلْ ذلك منها إلا بيّنةٍ ، على ما ذكرتُ لك،
أو جاءت تستغيثُ وهى تَدْمَى، أو نحو ذلك من فضيحةِ نفسِها ، وإلا أُقيم
عليها الحدُّ. هكذا رواه ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه، عن مالكِ . وقال ابنُ
القاسم : إن كانت طارئةً غريبةً فلا حدَّ عليها، وإلا أُقيم عليها الحدُّ. وهو
قولُ عثمانَ البَّنِّى. وقال أبو حنيفةً، والشافعىُ: لا حدَّ عليها إلا أن تُقرّ
بالزِّنى، أو تقومَ بذلك عليها بينةٌ. ولم يفرِّقوا بين طارئةٍ وغيرِ طارئةٍ.
ورَوى حديثَ السقيفةِ بتمامِه عن ابن شهابٍ، عُقيلٌ(١)، ويونسُ(٢)،
ومعمرٌ(١)، وابنُ إسحاقَ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ ، وغيرهم.
وحدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ،
قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةً، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عیسى ،
وحدّثنا عبد الوارث ، قال: حدّثنا قاسم، قال : حدَّثنا بکرُ بنُ حمادٍ ،
القبس
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (٧١٦٠)، وأبو عوانة (٦٢٥٩) من طريق عقيل به .
(٢) أخرجه البخارى (٢٤٦٢، ٣٩٢٨)، ومسلم (١٦٩١)، والنسائى فى الكبرى (٧١٥٨)
من طریق یونس به .
(٣) أخرجه أحمد ٤١٤/١ (٣٣١)، والبخارى (٤٠٢١، ٧٣٢٣)، والترمذى (١٤٣٢) من
طريق معمر به .
(٤) سيرة ابن هشام ٦٥٧/٢. وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٦٣/١٤، والنسائى فى الكبرى
(٧١٥٩) من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبی بکر، عن الزهرى به .
١٣٧

الموطأ
التمهيد قال: حدَّثنا مسددٌ ، قالا: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ - واللفظُ لحديثِ مسدَّدٍ ،
وهو أتَّمُّ - عن علىٍّ بنِ زيدٍ ، عن يوسفَ بنِ مِهرانَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يخطُبُ فقال: أيُّها الناسُ ، إن الرجمَ حقٌّ ، فلا
تُخدَعُنَّ عنه، وإن آيةَ ذلك أن رسولَ اللهِ ◌ّله قد رجم، وأن أبا بكرٍ قد
رجَم، وأنَّا قد رجمنا بعدَهما، وسيكونُ قوم من هذه الأمةِ يكذّبون
بالرجم، ويكذِّبون بالدَّجَالِ، ويكذِّبون بطلوع الشمسٍ من
مغربِها، ويكذّبون بعذابِ القبرِ)، ويكذِّبون بالشفاعةِ، ويكذِّبون
بقومٍ يخرجون من النارِ بعدَما امْتَحَشُوا(٢).
قال أبو عمرَ: الخوارجُ كلُّها والمعتزلةُ تكذِّبُ(٣) بكلِّ هذه الفصولِ
الستةِ، وأهلُ السنةِ على التصديقِ بها، وهم الجماعةُ، والحجّةُ على
مَن خالفهم بما هم عليه من استمساكِهم بسنَّةٍ نبيِّهم ◌ََّ، ولا
خلافَ بين علماءِ المسلمين ؛ أهلِ الحديثِ والرأي، أن المحصَنَ إذا
زنَى حدُّه الرجمُ، وجمهورُهم يقولُ: ليس عليه مع الرجم شىءٌ.
ومنهم من يقولُ: يُجْلَدُ ويُرجَمُ. وهم قليلٌ، وقد ذكّرنا هذه المسألةَ
مجوّدةً فى بابٍ ابن شهاب، عن عبيدِ اللهِ، عن زيد بنِ خالدٍ ، من
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٠٨.
(٣) فى الأصل: ((يكذب)).
١٣٨

الموطأ
١٥٩٩ - وحدّثنى عن مالكِ، أنه بلغه أن عثمانَ بنَ عفانَ أَتِی
بامرأةٍ قد وَلَدَتْ فى ستةٍ أشهرٍ ، فأمَر بها أن تُرجم ، فقال له علىُ بنُ أُبی
طالبٍ : ليس ذلك عليها، إن الله تبارك وتعالى يقولُ فى كتابِه :
﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقال: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةٌ﴾ [البقرة:
فالحملُ يكونُ ستةَ أشْهُرِ، فلا رجمَ عليها . فبعَث عثمانُ فى أثَرِها
هذا الكتاب(١) . والحمدُ للهِ.
التمهيد
وذكَر حمادُ بنُ سلمةَ، عن الحجاج، عن الحسنِ بنِ سعدٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ، أن عمرَ رجَم رجلًا فى الزِّنى ولم يجِدْهُ(١).
وفى حديثٍ مالكِ هذا دليلٌ على أن آيةَ الرجمِ مما نُسِخ خطُّه من
القرآنِ، ولم يكتُبُه عثمانُ فى المصحفِ، ولا جمَعه أبو بكرٍ فى
الصحف()، وقد ذكرنا وجوه النسخ فى القرآن عند ذکرٍ حديث زيد بنِ
أسلمَ من كتابنا هذا (٤) ، فلا معنَى لتكريرِه هلهنا .
مالكٌّ، أنه بلغه أن عثمانَ بنَ عفانَ أَتَى بامرأةٍ قد ولَدت لستة أشهر، الاستذكار
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ١٠٣ - ١٠٨.
(٢) تقدم ص ١٠٥.
(٣) فى ف: ((المصحف)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٠٨/٥ - ٤١١ .
١٣٩

الموطأ
فوجَدها قد رُجِمَت .
الاستذكار فأمَر بها أن تُرجمَ ، فقال له علىُّ بن أبى طالب: ليس ذلك عليها ، إن الله عز
وجل يقولُ فى كتابِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا﴾. وقال: ﴿ وَأْوَلِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. فالحملُ يكونُ
ستةَ أشهرٍ، فلا رجمَ عليها. فبعَث عثمانُ فى أثّرِها، فوجدها قد
(١)
رُجِمت(١) .
قال أبو عمرَ : رواه ابنُ أبى ذئب وذكره فى (( موطئِه)) ، عن يزيد بن
عبدِ اللهِ بنِ قُسيطٍ، عن بَعجةً(٣) الجهنيّ، قال: تزوَّج رجلٌ منَّا امرأةٌ،
فولّدت لستةٍ أشهرٍ، فأتَى عثمانَ فذكّر ذلك له ، فأمَر برجمِها ، فأتاه علىّ
فقال: إن الله تعالى يقولُ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾. وقال:
﴿وَفِصَلُ فِ عَامَيْنٍ﴾(٤) [لقمان
[لقمان: ١٤ ] .
قال أبو عمرَ : يختلِفُ أهلُ المدينةِ فى روايةِ هذه القصةِ؛ فمنهم مَن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٦٣). وأخرجه
البيهقى ٤٤٢/٧، ٤٤٣، ٢٢١/٨ من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل، م: ((زيد)).
(٣) فى هـ، م: ((نعجة)). وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٩٠.
(٤) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٣/ ٩٧٩، ٩٨٠، وابن جرير فى تفسيره ٦٥٧/٢٠ من طريق
ابن أبی ذئب به .
١٤٠