Indexed OCR Text

Pages 501-520

الموظ:
كتابُ العقولِ
ذكرُ العقولِ
القبس
القولُ فى الدماءِ والحدودِ
الدماءُ خطيرةُ القَدْرِ فى الدينِ، عظيمةُ المَرتبةِ عندَ اللهِ تعالى، ( وهى )
وإن كانت مُحَرَّمَةٌ(١) بالحكم والأمرِ ، فإنها مُراقَةٌ بالقضاءِ والحِكمةِ ؛ قالت
الملائكةُ لربِّنا تعالى: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَفَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدَِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. ثم
علَّمَنا ربُّنا معنى ذلك وحكمته، وهى ما يَنَّه فى كتابٍ ((الأمدِ))، مِن أنه
سبحانّه له الصفاتُ العُلَّى والأسماءُ الحسنى، وكلَّ اسم من أسمائِه وصفةٍ
مِن صفاتِهِ لها مُتَعَلِّقٌ، لا بُدَّ أن يكونَ ثابتًا على حكم المُتَعَلَّقِ(١)؛ منها عامَّةُ
التَّعَلُّقِ، ومنها خاصةٌ فيه، فلمّا كان مِن صفاتِه الرحمةُ ، أُخذت جزءًا مِن
الخَلْقِ، فكان لهم ( العَقْؤُ والعافيةُ) فى الدنيا والآخرةِ، ولمّا كان مِن صفاتِه
= ٧٤/٥ (٢٨٩٧)، وعبد بن حميد (٦٨٥) من طريق مالك بن خير الزبادى به .
(١ - ١) ليس فى : د، م.
(٢) فى ج: ((تحترمه))، وفى م، ونسخة على حاشية د: ((محترمة)).
(٣) فى نسخة على حاشية د: ((التعلق)).
(٤ - ٤) فى ج: ((العقود والعاقبة)).
٥٠١

الموطأ
التمهيد
القبس الشّخَطُ، أخَذت هذه الصفةُ جزءًا مِن الخَلْقِ، فوجَب لهم العذابُ،
واسْتَحقَّت عليهم النّقْمَةُ، إلى آخرٍ تحقيقِ هذا الفصلِ فى الكتابِ المذكورِ ،
فلما خَلَق الملائكةَ يفعلون ما يُؤْمَرون، ويسبِّحون الليلَ والنهارَ لا يَفْتُرُون، لم
يكنْ بُدِّ - لِما تقدَّم بيانُه - له مِن أن يخلُقَ مَن تجرِى عليه هذه الأحكامُ مِن
خيرٍ وشرّ، وتَنْفُذُ فيهِ هذه المقاديرُ مِن نفعِ وضُرِّ. فالحمدُ للهِ الذى بصّرَنا
حكمتَه وأحكامه، وإيَّاه نسألُ نورًا يتيشَرُ به العملُ.
ولعظيمٍ مُزمةِ الدماءِ حديثٌ، قال النبيُّ وَهِ: (( لا يَزالُ الرجلُ فى
فُسْحةٍ مِن دِينِه - ورُوِى: مِن ذَنْبِهِ - ما لم يُصِبْ دمَّا حرامًا)) (١). فالفُسْحَةُ
فى الدينِ سَعَةُ الأعمالِ الصالحةِ، حتى إذا جاء القتلُ ضاقَت؛ لأنها لا تَفِى
به، والفُسْحةُ فى الذنبِ قَبَولُه للمغفرةِ، وإِنَّ قَتْلَ البهائم بغيرِ حٌّ لَمُوجبٌ
ذنبًا عظيمًا، فكيف قتلُ الآدمى الذى لو وُزِن بالدنيا بأَشْرِها لرجحها ! وقد
ثبت عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((أولُ ما يُقْضَى فيه يومَ القيامةِ الدماءُ)) (١). لأن
المهمّ هو المُقدَّمُ . .
تفصيلٌ: قوله تعالى: ﴿اَلْمُّ بِالْخُرُّ وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِآلْأُنْفَنَّ﴾
[البقرة: ١٧٨]. لم يَمْتَنِعْ مِن قَتْلِ الذَّكَرِ بالأنثى؛ لأنه إنما جاء على بيانِ العدلِ
(١) البخارى (٦٨٦٢). ولفظ: ((من ذنبه)). من رواية الكشميهنى. ينظر فتح البارى
١٨٨/١٢.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢١٥/٢.
٥٠٢

الموطأ
التمهید
بفسادٍ ما كانت تفعلُه العربُ مِن الجَوْرِ ، فأما تفصيلُ أعيانِ المُقتضِين بينَهم)، القبس
فإنما تؤخَذُ مِن دليلٍ (٢) آخرَ، ولمّا اجتمعت الأُمَّةُ على قتلِ الذكرِ بالأنثى ، اختلفوا
فى نُكْتَةٍ ؛ وهى أن الوَلِىّ إذا قتَل ذكرًا بأنثى هل يُحاصِصُ فى ردِّ باقى الدِّيةِ أم لا؟
وعلماءُ الأمصارِ على أن الذكرَ بالأنثى رأسًا برأسٍ. وهو الصحيح؛ لأنه لا يجوزُ
أن يجتمعَ المُبْدَلُ وبعضُ البَدَلِ ، إذ ليس لذلك أصلٌ فى الشريعةِ ولا نظيرٌ، وقد
بالَغ مالكٌ فى تأسيسٍ هذه القاعدةِ ، حتى قال: يُقْتَلُ الوالدُ بالولدِ . وإن كان قد
روَى الترمذىُّ وغيرُه عن النبيِّ نَّه، أنه قال: ((لا يُقادُ والدّ بولدِه))(٢). ولا
يُخَصُّ هذا العمومُ فى هذه القاعدةِ بهذا الحديثِ الذى لم يَصِحّ، أمّا إن مالكًا
انفرَد بمسألةٍ أُخرى مُتَفرِّعةٍ على هذه، وهو إذا حذَفه بالسيفِ فأصابَه فماتَ،
فجعَله عَمْدًا خطأً، وغَلَّظ فيه الدِّيةَ تَشَبُّهَا(٤) لوجهين؛ أما أحدُهما ، فلوجودٍ
وصف الخطأ فى هذا الفعل؛ لأنه لو أراد قتلَه لأُضجعه وذبحه، أو حاول ذلك
على صفةٍ تَنْتِفِى معها الشُّبْهُ ؛ فأمَّا رَمْىُ السلاح عليه فى أثناءِ مُنازعتِه له ، فإنَّ
شُبْهَةَ الأُبوَّةِ وُهمةً(٥) الشَّفَقةِ مع جوازِ الأدبِ يوجِبان شُبهةً فى الفعلِ تَسْلُه وصفَ
العَمْديَّةِ المَخْضةِ ، حتى تجعَلَه منزلةً بينَ المنزلتين، وقد اختلف قولُه رحِمه اللهُ
فى شِئْهِ العمدِ ، والمشهورُ عنه إثباتُه ، ويَعْتضِدُ ذلك بحديثِ عبدِ الله بن عمرو .
(١ - ١) فى م: ((المقتص منهم)).
(٢) فى د: ((قبيس)). والمثبت موافق لنسخة على حاشية د.
(٣) الترمذى (١٤٠٠)، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٦٨٢) من الموطأ .
(٤) فى د: (لشبههما))، وفى م: ((شبها)).
والأثر سيأتى فى الموطأ (١٦٨٢).
(٥) فى م: ((شبهة)).
٥٠٣

الموطأ
التمهید
القبس خرّجه أبو داود، والترمذىُّ، وغيرهما، فى خُطبةِ النبيِّ وَ لته، إلى أن قال: ((أَلَا
إن فى قتلِ العَمدِ الخطأُ؛ قتيلٍ (١) السّوطِ والعصا، مائةً مِن الإبلِ، منها أربعونَ
خَلِفَةً فى بطونِها أولادُها)) (١) . وهذا الحديثُ وإن لم يكنْ على الدرجةِ القُصْوى
فى الصِّحةٍ، فإنه صحيحُ المعنى؛ لأَنَّا وجَدْنا مَحْضَ العمدِ، ووجَدْنا مَخْضَ
الخطأ، ووَجَدْنا منزلةً بينَ هاتَين المنزلتَين، فلم يُمْكِنْ أَن يُلْغَى معنًى وَجَدْناه
حقيقةً، ووجَدْنا له أَثَرًا قويًّا فى الشريعةِ، وقد تكلَّمنا على هذا الحديثِ فى
((مسائلِ الخلافِ)) وغيرِها، بما يَجْلُو حقيقته، فلْيُطْلَبْ هنالك، وقد تعلَّق مالكٌ
فى تحقيقِ المرادِ مِن هذه الآيةِ بقولِه تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]. فأفادَنا(١) مسألتين أصوليتين:
أما إحداهما : فإنَّ شَرْعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا . وأما الثانيةُ: فإِنَّ العُمومَين إِذا
تعارَضا، وأمكن الجمعُ بينَهما ولو فى وجهٍ، فإنه لا يجوزُ أن يُسْقَطا جميعًا .
ووجهُ ذلك هلهنا، أن الله تبارك وتعالى لئًا قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ
اَلْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ثم ذكر التفصيلَ المعلومَ بعدَه، أَوْهَم ذلك أنه أعلم بما
فضَّل حَدَّه، حتى بَيّنَ بقوله: ﴿وَكَبِنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. أن
المقصودَ بذلك التفصيلِ الردّ على العربِ المُعْتديةُ، وأن اعتبارَ القصاصِ بعدَ
(١) فى م: ((قتل)).
(٢) أبو داود (٤٥٤٧)، والنسائى (٤٨٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، وسيأتى تخريجه
ص ٥٨٧، ٥٨٨.
(٣) فى د، م: ((فأفادتنا)).
(٤) فى د: ((المتعدية)). والمثبت موافق لنسخة على حاشية د.
٥٠٤

الموطأ
التمهید
القبس
ذلك يكونُ بأدلتِهِ التى منها ما أشار إليه؛ مِن الإجماع على وجوبِ القِصاصِ
بينٌ (١) الذكرِ والأُنثى، وهو مِن جملةِ التفصيلِ.
خَصِيصةٌ : شرَع اللهُ عزَّ وجلَّ القِصاصَ فى كلِّ مِلَّةٍ للفائدةِ التى نَّه عليها ،
وأُفَضْنا الآنَ فى بيانِها، ثم خباً تعالى فى مَسطورِه لهذه الأمَّةِ رِفْقًا بها فى حرمةٍ
نبيِّهَا وَّ الدِّيةَ، وقد اختلف العلماءُ فى كيفيةٍ وجوبها، وفى تقديرِها، وفى
تفاصيلها. وأطنَب مالك فيها فى ((الموطأُ)) أصلًا وفرعًا، وقد مهَّدْناها فى كتبٍ
الخلاف والمسائل ، نورِدُ الآنَ مِن ◌ُمَّهاتِها ما يفتح غَلْقَ باقیھا ، ونشير بالبیانِ إلى
جملتها، وجِمائُ ذلك ثمانىَ عشْرَةَ مسألةٌ .
المسألةُ الأولى: فى مُوجَبِ القتلِ العمدِ، قالت طائفةٌ : موجَبُه القَوَدُ
خاصةً . ورَواه ابنُّ القاسم عن مالكٍ. وقالت طائفةٌ أخرى : مُوجِئُه أحدُ الأمرين؛
إما القّوَدُ ، وإما الدِّيَّةُ ، والخِيرَةُ فى ذلك لوَلِىٌّ المقتولِ. والمسألةُ طويلةٌ(٢) ، وقد
بيَّنَّها بحِجَاجِها فى مواضعِها، والحقُّ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ، والذى نَراه أنَّ وَليَّ المقتول
مُخَيَرَ؛ إن شاء أخَذ الديةَ، وإن شاء قتَل، والأصلُ فى هذا الحديثُ الصحيحُ
المُتَّفَقُ عليه مِن جميع الأئمةِ، الذى قاله النبيُّ نَّه فى خطبته: «مَن قُتِل له قتيلٌ
فأهلُه بِينَ خِيرَتَيْن؛ إن أُحَبُّوا قتَلوا، وإن أحَبُوا فادَوا)) (١) . وفيه سِتُّ رواياتٍ قد
(١) فى ج: ((من)).
(٢) فى د: ((طولية))، وفى ج: ((طبولية)).
(٣) فى ج: ((قادرا)).
والحديث سيأتي تخريجه ص ٥٩٤ .
٥٠٥

الموطأ
التمهيد
القبس مهَّدْناها فى ((شرح الصحيح)) (١)، وتكلَّمنا على كلِّ لفظٍ منها(٢)، ومِن جملتِها:
((إِن أحَبُوا قتلوا، وإن أحَثُوا" فادوا))(٤). وفى رواية أخرى: ((إن أُحَبُوا أَخَذوا
الدِّيَةَ)). وليس لأحدٍ مع هذا الحديثِ نَظَرّ ؛ لأن المعنى يَعْضُدُه مع صحتِه ، وهو
أنه إذا قال له : أعطِنی دِیتك وأُستختك . فقد عرض عليه بقاء نفسِه بثمنٍ مثله ،
فلَزِمه قَبولُه . أصلُه : إذا عرض عليه الطعام فى المخمصة بقیمتِه ، ولیس على هذا
المُتَعلَّقِ كلامٌ يَنفَعُ .
المسألةُ الثانيةُ: مُوجَبُ قتل الخطأُ الدِّيَّةُ خاصةً، هذا إذا ثبَت بالبيّنةِ ، فإن
كان بالإقرارِ ففيه ثلاثُ رواياتٍ ، أَصَحُّها عندى الآنَ وجوبُها فى مالِه ؛ لئلا تؤْخَذَ
العَواقِلُ بالدَّعْوى، وليس فى أصولِ الشريعةِ ذِمَّةٌ لزيدٍ معمورةٌ لقولٍ عمرٍو ، فإن
قیل : لا يُنَّهَمُ فى هذا الإقرارِ ؛ لأنه لا يُظَنُّ به أنه يُؤْذِی غيره بما لا يَجُّ نفعًا إلى
نفسِه. قلنا: هذا الكلامُ مما يجبُ أن يُلْحَظَ بعَينِ التحقيقِ ويُتَحَفَّظَ مِن أمثالِه،
فإن هذا الكلامَ الذى شَبَبَ(١) به هذا القائلُ إنما يكونُ مُتَعلِّقًا إذا ثبت فى الشريعةِ
أصلُه ووجَب العملُ به، فحينئذٍ يُعْرَضُ على الشُّبَهِ والتُّهَم، هل يَتَطَّقُ إليه، أم
يَتَخَلَّصُ عنها؟ فأما معنَى لم يَسْتَقِرَّ فى الشريعةِ، ولا تأصَّلَ مُوجِبًا فيها ، يُختَبَرُ حالُه
(١) فى د: ((الحديث)). والمثبت موافق لنسخة على حاشية د.
(٢) ينظر فتح البارى ٢٠٨/١٢.
(٣ - ٣) سقط من: م .
(٤) الترمذى (١٣٨٧) .
(٥) فى م: ((قتله)).
(٦) فى م: ((تشبث))، وفى نسخة على حاشية د: ((ثبت)).
٥٠٦

الموطأ
التمهيد
فى تَطَرُّقِ التُّهْمةِ إليه، أو سلامتِه عنها ، هذا ما لا يجوزُ.
القبس
المسألةُ الثالثةُ: فى مقدارِ الدِّيَّةِ ؛ أمَّا مِقْدَارُ الدِّيَّةِ، فهى مائةٌ مِن الإبلِ،
استقَرَّت على ذلك فى الجاهليةِ، وأقرَّها الإسلامُ على هذه السُنَّةِ. ويقالُ: إن أولَ
ما تقرَّرت كذلك فى عَمودٍ (١) النبيِّ ◌َّلَ حينَ نذَر عبدُ المُطَّلبِ أن يذبَحَ عبدَ اللهِ
أباه (١) . الحديثَ إلى آخرِه، ثم تَتَامَّت كذلك ومضَت عليه، حتى جاء الإسلامُ
فِبَيَّها النبيُّ وَ لَّ، وأضافَ إليها أبدالَ ما دونَ النفسِ فى الجِراح، والأحاديثُ
الصحيحةُ فى ذلك عزيزةُ(٢) الوجودِ، ولكن لم تَخْلُ كُتُبُ الأئمةِ عن ذكرِها،
فِرُوِى عن النبيِّ وَُّ فيها الحديثُ المتقدمُ: ((ألا إن فى قتيلِ عمدِ الخطأ ... ))
إلى آخرِه .
وذكر أبو داودَ عن النبيِّ وَلَ، وغيرُهُ": فى الدِّيَةِ على أهلِ الإبلِ مائةً،
وعلى أهلِ البقرِ مائتين، وعلى أهلِ الغنمِ ألفى شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتى حُلَّةٍ ،
وعلى أهلِ القمح مالم يحفَظْه الراوى. وروى الترمذىُّ وغيرُه، أن النبىّ ◌َّل
وَدَى العامِرِيَّيْنُ بدِيَّةِ المسلم(١). ورُوِى أن فى المَواضحِ خمسٌ خمسٌ" .
(١) فى نسخة على حاشية د: ((عقود).
(٢) سقط من : م .
والخبر عند ابن سعد ٨٨/١، والحاكم ٥٥٤/٢ .
(٣) فى ج، م: ((كثيرة)).
(٤ - ٤) سقط من: م . وسيأتى تخريجه ص ٥٨٧، ٥٨٨.
(٥) فى ج: ((العامريتين)).
(٦) الترمذى (١٤٠٤)، والدارقطنى ١٧١/٣.
(٧) سيأتى تخريجه ص ٥٦٢ - ٥٦٤ .
٥٠٧

الموطأ
التمهيد
القبس
ورُوِى: «دِيَّةُ الأصابعِ عشْرٌ عشْرٌ فى كلِّ إِصْبَعٍ، وفى الأسنانِ خمسٌ
خمسٌ)، والأصابعُ والأسنانُ سواءٌ))(١). وروى أبو داودَ(٢) فى الأنفِ الدِّيَّةُ،
وفى اليدِ نصفُ العقلِ()، وفى المَأْمومةِ ثُلُثُ العقلِ؛ ثلاثةٌ وثلاثونَ بعيرًا وثُلُثّ ،
وفى العينِ القائمةِ الشَّادَّةِ لمَكانِها ثُلُثُ الدِّيةِ. وروَى أبو داود، والترمذىُّ
وغيرهما ، أن ديّةَ الخطأُ أخماسٌ؛ عشرونَ بنتُ مَخَاضٍ، وعشرونَ بنو مَخَاضٍ،
وعشرونَ بناتُ(٥) لَبُونٍ، وعشرونَ حِقَّةً، وعشرون جَذَعَةً(٢).
وروى أبو داود(٧) عن عمرو بن شعيب، أنها أثلاثٌ . ورَوَی عن عمر فی
ذلك قضاءً، وعن غيرِه، يأتى بعد هذا إن شاء اللهُ .
المسألةُ الرابعةُ: أمَّا دخولُ الإبل فى الدِّيَةِ ، فلا خلافَ فيه ، فإن تعُدِمت(٨)،
أو لم تَكْنِ العاقِلةُ مِن أهلِها، فقال الشافعىُّ: تُقَوَّمُ الإِبلُ بالغةً ما بلغَت ، وَلْزَمُ
القيمةُ العاقِلَةَ . وقال أبو حنيفةً : تكونُ على العاقلةِ عشَرَةُ آلاف درهم. وقال أبو
يوسفَ ومحمدٌ: تَجبُ البقرُ والشِّياهُ فى الديَّةِ على الوجهِ المَروىِّ. وقال مالكٌ:
(١ - ١) سقط من: ج .
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٥٦٠ - ٥٦٦.
(٣) أبو داود (٤٥٦٤، ٤٥٦٧).
(٤) فى ج، م: ((الدية)).
(٥) فى د، م: (( بنو)).
(٦) أبو داود (٤٥٤٥)، والترمذى (١٣٨٦)، وابن ماجه (٢٦٣١).
(٧) أبو داود (٤٥٤١) .
(٨) فى د: ((عزمت))، وفى م: ((عدم)).
٥٠٨

الموطأ
التمهيد
القضاءُ ما(١) قضَى عمرُ؛ على أهلِ الإبلِ مائةٌ، وعلى أهلِ الذهبِ ألفُ دينارٍ، القبس
وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنا عشرَ ألفَ درهم . والكلامُ ههنا على ثلاثة فصولٍ هى
مَطْلَعُ النَظْرِ، ومَحَزُّ الخِلافِ ؛ الأولُ: تقويمُ الإبلِ عندَ عَدَمِها. نظَرَه الشافعىُّ،
وأغفل أن عمرَ قد فرَغْ مِن هذا النظرِ بحضرةِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم، ولم
يُخالِفْه أحدٌ منهم، ورأى أن ذلك عَدْلٌ فى التقويم، ولم يَكِلْه إلى اجتهادٍ
المُجْتهدِين، باختلافِ الأحوالِ وتَعاقُبِ الأزمانِ . وأما الثانى؛ وهو أصعَبُ مِن
الأول على مالكٍ ، فإنه امتثَل قضاءً عمرَ فى تقديرِ الدِّيةِ بالفضةِ، والنِّصابِ فى
الشّرقةِ، وترَكه فى الزكاةِ ، وامتثَله أبو حنيفةً فى الديَةِ والزكاةٍ ، وأما امتثالُ أبى
حنيفةً له فى الدِّيةِ فمُصادَمَةٌ مَخْضَةٌ لقضاءٍ عمرَ، وكما صدَمه الشافعىُّ فى
الفضةِ، كان ينبغى له أن يَصْدِمَه فى الذهبِ كما فعل أبو حنيفةً)، فيكونُ أقلّ
فى الخطأ، وهذا لا وجة له. وأما مالكٌ فامتثل قضاءَ عمرَ فى الديةِ، والآثارَ
الواردةَ فى القطع فى السرقةِ، أَنَّ القطعَ فى رُبُعِ دينارٍ فصاعدًا(١)، أو فى ثلاثةٍ
دراهم(٦)، ولم يَجِدْ(٧) فى الزكاةٍ أَثْرًا فى التقديرِ، لا عن النبيِّ نَّهِ، ولا عن
٠٫٠٠٠
(١) فى ج: ((بما))، وفى م: ((كما)).
(٢) أبو داود (٤٥٤٢) .
(٣) ليس فى : د .
(٤ - ٤) فى د: ((قال الشافعى)).
(٥) تقدم فى الموطأ (١٦١٦، ١٦١٧).
(٦) تقدم فى الموطأ (١٦١٣، ١٦١٥).
(٧) فى ج، م: ((نجد)).
٥٠٩

الموطأ
التمهيد
القبس خلفائِه، ولا امْتِلافًا مِن الصحابةِ عليه، ورأى الناسَ تَبِيعون الدينارَ بعشرةٍ
دراهمَ، فيكونُ الرجلُ غَنِيًّا بمائتى درهم، كما يكونُ غَنِيًّا بعشرين دينارًا ،
ورأى العلماءَ قد بَنَوا نِصابَ الذهبِ فى الزكاةِ على نصابِ الفضةِ، فقدّر (١)
كلَّ شيءٍ على مَرْتبتِه، وأبرَزه فى نصابِهِ حتى انتَهت الحالُ به إلى أن يقولَ:
إِنْ تعيَّنَ(١) الصرفُ فى الزكاةِ ، فإنه يُتْنَى على العَشَرةِ دراهمَ، نظرًا إلى الاتباعِ
ووقوفًا عندَ موردِ السَّمع، ورأى فى روايةٍ أخرى أن ذلك "إن جرَى وقَع٣)
فيه غَبْنٌ على المساكينِ، فَأَخَذَ بالصَّرْفِ الموجودِ. والروايةُ الأولى أُصَحُ؛
لأنه يلزَمُنا على هذه الرّوايةِ أن نفعَلَ فى النِّصابِ مثلَها، ولو فعلناه لهدَمْنا
رُكْنًا فى الشرع يُوجبُ () الوقوفَ عليه، والقضاءَ بالتفريع عليه. وأما البقرُ
والغنمُ وسائرُ الحديثِ فضعيفٌ لا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُتِنَى أصلٌ به، لا سِيّما
وقد روى أبو داود، والترمذىُّ، عن النبيِّ وََّ، أنه جعَل الدِّيَّةَ اثْنَىْ عشَرَ
(٦)
ألفًا(٦) .
وأما تقديرُ المَواضِح وما يرتبطُ بها مِن الشِّجَاج وهى المسألةُ
الخامسةُ، فنقولُ: إن أسماءَ الشِّجَاج ثلاثةً عشْر اسمًا؛ الدَّامِيةُ،
(١) فى ج، م: ((فقرر)).
(٢) فى ج، م: ((تغير)).
(٣ - ٣) فى م: ((جرى ووقع)).
(٤) فى م: ((يجب)).
(٥) فى ج، م: ((عنده).
(٦) أبو داود (٤٥٤٦)، والترمذى (١٣٨٨).
٥١٠

الموطأ
التمهيد
الدَّامِعةُ(١) ، الحارِصةُ(٢) ، الباضِعةُ، المُتَلاحِمةُ، السَّمْحاقُ، المِلْطاءُ - وقيل: القبس
المِلْطَى . مقصورةً، وقيل : المِلْطاتُ - بالتاءِ، المُوضِحةُ، الهاشِمةُ ، المُنَقِّلَةُ ،
الآمَّةُ، المأمومةُ، الدَّامِغةُ. وقد قال قوم : إن السَّمْحَاقَ هى(٢) الباضِعةُ، فإِن
تَعدَّت هذه الجِرائح إلى فتحِ بابِ الرُّوحِ، فهى الجائِفةُ، ولا تَخْتَصُّ بعضوٍ
بخلافٍ غيرِها مِن الشِّجَاجِ، فإنها تَخْتَصُ فى أحكامِها ببعضِ الأعضاءِ دونَ
بعض ، ومن هذه الجملةِ ما فيه حديث قد ذكرناه ، ومنها ما فيه حديثٌ لم نذكُوه
لضَعْفِه، فلم يَتَّفِقْ ذِكرُه فى عُجالةِ هذا الطارقِ حتى يقعَ الاسْتِيطانُ .
المسألة السادسةُ : هذه الدِیاتُ ، ما ذكرناه منها مقررًا() ومالم نذكره ، لا
زيادةَ فيها ولا تَغْيِيرَ لها عندَ الجمهورِ. وقال الشافعىُّ: يُزَادُ فيها بالبلدِ الحرامِ .
تَعَلُّقًا بما رُوِى أن عمرَ وعثمانَ قَضَيا بالزيادةِ فى الدِّيَةِ لمَن قتَل فى البلدِ الحرامِ ،
وليس له مُعَوَّلٌ سِوى ذلك، وهو مُتَعَلَّقٌ ضعيفٌ ؛ لأن الصحابةَ اختلفوا فيه ، وقد
اتَّفَقْنا على أن الصحابةَ رضوانُ اللهِ عليهم إذا اختلفوا لم يقعْ تَرْجيحٌ بقضاءِ
الخلفاءِ، فكيف بقضاءِ بعضِهم؟ والمسألةُ مشهورةٌ فى أصول الفقهِ بينَةٌ فى
(١) فى النسخ: ((الدامغة)). والمثبت هو الصواب . يقال: دمعت الشجة. إذا جرى دمها.
فهى دامعة . المصباح المنير (د م ع). وينظر عارضة الأحوذى ١٦٤/٦.
(٢) فى ج، م: ((الخارصة)). والحارصة التى تحرص الجلد أى: تشقة. ينظر المصباح المنير (حرص).
(٣) فى م: ((فى)).
(٤) سقط من : ج ، م .
(٥) عبد الرزاق (١٧٢٩٤) ، والبيهقى ٧١/٨ .
(٦) فى ج، م: ((مذكورة)).
٥١١

الموطأ
التمهيد
القبس الدليل. ولو غْلُظتِ الدِّيَةُ بالبلدِ الحرامِ ، لغَلُظَت بالشهرِ الحرامِ أو بحالٍ الإحرامِ،
لا سيّما وقد استوى حالُ الإحرامِ وحالُ البلدِ الحرامِ فى تحريم دماءِ الحيواناتِ .
وهذا ظاهرٌ عند التأمُّلِ، وقد اسْتَوفَيناه فى ((مسائل الخلافِ)).
المسألةُ السابعةُ: قال مالك: لا يُعقلُ(١) الجوخ حتى يبرأ المجروحُ ويَصِحّ ،
فِيُذْرَى ما آلَ إليه أمرُه فيُقْضَى بحَسَبِهِ، وكذلك يجِبُ أَلَّ يُقْتَصَّ مِن بجرحٍ حتى
يُعْلَمَ ما يَقُولُ إليه حالُه. وقد اختلف فى ذلك العلماءُ، وقد بيَّاه فى ((مسائلٍ
الخلاف))، والعَمْدُ بالانتظارِ أحقُّ مِن الخطأ .
المسألةُ الثامنةُ : عقْلُ المرأةِ کعقل الرجل ، هذه مِن حساب ديّها ، کالرجل
مِن حسابٍ دِيَتِهِ، فإذا جِئْنا إلى المُنَقِّلَةِ، أو إلى المُوضحة مثلًا وقد تَكَّرَت ،
أو جِئْنا) إلى الأصابع، والمسألةُ بحالِها(٢) فيها نزَلت، فيجبُّ لها فى إصْبَعِ
عشْرٌ، وفى إصْبَعَين عشرونَ، وفى ثلاثةِ أصابعَ ثلاثونٌ، وهذا باتِّفاقٍ ، فإذا قُطِع
لها أربع أصابعَ، وجبّت لها عشرونَ. هذا فى قولٍ مالكٍ ، وخالفه سائِرُ فقهاءٍ
الأمصارِ. وهذه مسألةُ سعيدِ بنِ المُسيَّبٍ، وربيعةٌ، حين قال له: أكُلَّما
عَظُمت مصيبتُها قَلَّت فائِدتُها؟! إلى قولِه: هى السّنّةُ(٥). فأما مُتَعَلَّقُ المُخالفِّ)
(١) فى م: ((يغسل)).
(٢) فى ج، م: ((جبنا)).
(٣) سقط من : ج، م.
(٤ - ٤) سقط من : ج .
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٦٦٧) .
٥١٢

الموطأ
التمھید
القبس
" فظاهرٌ، وأما مُتَعَلَّقُ مالكِ فمِن طُرُقٍ؛ أحدُها، عمّلُ أهلِ المدينةِ، وذلك
يرجِعُ إلى النَّقْلِ لا إلى العملِ(٢)؛ لقولٍ سعيدٍ ): هى الشُنَّةُ. ولا فرقَ بينَ أن
يقولَ ( سعيدٌ: قال رسولُ اللهِ وَهِ، وبينَ أن يقولَ) أبو هريرةَ: قال
رسولُ اللهِ ﴿. باتِّفَاقٍ مِن الأئمةِ) ، فى أن ذلك إسنادٌ يجِبُ العملُ به،
وإذا قال الصحابيُّ: الشُنَّةُ كذا. فكذلك قولُ سعيدِ بنِ المُسيَّبِ : السُّنَّةُ
كذا. وقد بيَّ فى ((أصول الفقهِ))، أنه لا يُحالُ بالشُنَّةِ إلا على طريقةِ رسول
اللهِ وَ﴿ وقولِه وعملِه، أو ما أقرّ عليه مِن عملٍ غيرِهِ، فليُطْلَبْ هناك. وفى
ذلك كلِّه كلامٌ اسْتَوفَيناه فى ((مسائل الخلاف)) .
المسألةُ التاسعةُ: قال مالكٌ: ليس فى المأمومةِ ولا فى الجائفةِ قَوَدٌ ، ولا
تكونُ المأمومةُ إلا فى الرأسِ، وقد انتهَى رسولُ اللهِ وَلّر فى كتابِه لعمرو بنِ
حزم إلى المُوضِحةِ، وجعَل فيها خمسًا مِن الإبلِ)، واختلف قولُهُ(٥) فى
المُنَقَِّةِ ، هل فيها قَوَدٌ أم لا؟ على روايتين، والأصلُ فى ذلك أن كلَّ مجرحٍ لا
يُخافُ منه الثُّلْفُ ففيه القِصاصُ، وكلُّ ما يُخْشَى فيه التَّلَفُ فالقِصاصُ فيه
ساقِطٌ بإجماع، وكلَّ ما يُشْكِلُ الحالُ فيه، فيَقَعُ الفَتْوى بحَسَبٍ ما يغلِبُ
بـ
(١ - ١) سقط من: ج .
(٢) فى د: ((العقل)).
(٣) فى ج، م: ((الأمة)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٦٤٤).
(٥) سقط من : د . والمثبت موافق لنسخة على حاشية د .
٥١٣
4
(موسوعة شروح الموطأ ٣٣/٢٠)

الموطأ
التمهيد
القبس الظنُّ عليه فى حالِ الفَتْوى .
المسألةُ العاشرةُ: فى مَحِلِّ الدِّيَةِ وهو مُتَعدِّدٌ ، الحاضرُ منه الآنَ سبعةً عشَرَ
مَجِلَّ(١)؛ النفسُ، العَينانِ، اللِّسانُ، الشَّفَتَانِ، اليَدانِ ، الرّجْلانِ - وذلك كلُّه
مذكورٌ فى حديثٍ عمرو بنِ حزمٍ - عينُ الأعورِ، ثَدْىُ المرأةِ ، أَلْيَتَاها، أشرافُ(٢)
الأَذُنَين - باختلافِ السمع - الأنفُ، والصّلْبُ، الذَّكَرُ، الأَنْثَيَانِ ، الإِقْضاءُ،
الكلامُ. وفى كلِّ واحدةٍ مِن الأُنثَبِين دِيَّةٌ فى إحدى الروايتين؛ فأما النفسُ،
والعَينانِ، واليَدانِ، والرِّجْلانِ، واللِّسانُ، والأنفُ، والسمعُ، والعقلُ، والذَّكَرُ،
فلا خلافَ فيه. وأما عينُ الأُعورِ؛ فنظَر مالكٌ إلى أن الجانىَ قد أَتْلَف بصرًا
كاملًا، ونظَر المُخالِفُ إلى أنه أَتْلَف عضوًا واحدًا، ورأى مالكٌ أن نُقْصانَ
المَحِلِّ إنما يرجِعُ إلى نُقْصانِ قَدْرِ البصرِ ، ورأى أن قَدْرَ البصرِ لا يُراعَى إجماعًا ،
فإِن دِيَةَ حادِّ البصرِ كدِيَةِ الناقصِ عنه سواءً. والمسألةُ خَفِيَّةُ النظَرِ، فلتُطْلَبْ فى
((مسائلِ الخلافٍ))، فإن هذا القَدْرَ هو مَطْلَعُ الفريقَين. وأما ثَدْيا المرأةِ؛ فإن
القولَ فيها أقوَى مِن القولِ فى أَلْتِها؛ لأن فى النَّدْتَين إبطالَ ثلاثةِ أشياء؛ خِلْقةً
وجَمالًا ومَنْفَعَةً كالأنفٍ، والأليتانِ دونَ ذلك. وأما أشرافُ الأَذُنَين، فإنْ كان
فيها أَثْرَ للسمع التحَقَتْ بالمَارِنِ(٣) ، وإن لم يكن فيها أَثَر كانت جمالاً مخْضًا،
(١) كذا فى النسخ . ومجموع ما ذكره المصنف من محال الدية ستة عشر محلًّا على سبيل
الإجمال والتفصيل .
(٢) فى م: ((أطراف)). وأشراف الأذنين : هو جلد ما بين العِذار والبياض الذى حولهما.
ينظر الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير ٤٦٥/٢٥ .
(٣) فى ج: ((المازن)). وينظر ما سيأتى ص٥٤٩ .
٥١٤

الموطأ
التمهید
ولا يُقابَلُ الجمالُ بالدِّيةِ ، وأما الصُّلبُ ، فَثْبُتُ فيه الدِّيَّةُ مِن طريقِ الأُولى.
القبس
وأما الأُثْقَيَانِ فهى بمعنى الذَّكَرِ، وهى وإِن ◌َريَتْ(١) عن الشهوة، ففيها أصلُ
الخِلْقةِ ، وأما الإفضاءُ فهو نظيرُ قطع الذُّكَرِ بل أعظمُ .
المسألةُ الحاديةَ عشَرَ: ما كان فيها مِن الجناياتِ إذهابُ جَمَالٍ لم يَسْتَقِلّ
بدِيَةٍ، إذ ليس له فى الشريعةِ نظيرٌ. ورامَ أبو حنيفةَ أن يجعَلَ " جِلدةَ الرأسِ) ،
وجلدةَ اللِّحيةِ وجلدةَ الحاجِبين كالمارِنِ فى إيجابِ الدِّيَةِ. ولم يَصِحَّ ذلك ؛ لأن
المارِنَ لم يُراعَ فيه إذهابُ الجمالِ على الكمالِ كما زعَم، إنما راعَينا فيه الجمالَ
والمنفعةً .
المسألةُ الثانيةَ عشرَ: رَامَ بعضُهم أن يُفاضِلَ بينَ آحادِ كلِّ اثْنَين مِن الجسدِ ،
أو جمعٍ(٢) فى بابِ الدِّيّةِ؛ كابنِ المُسيَّبِ فى الأسنانِ(٤)، وفى الشَّفَةِ الشُّفْلى(٥).
وقد قال النبىُّ وَّهِ: ((فى كلِّ إِصْبَعِ عَشْرٌ مِن الإبلِ)). ولم يُفَصِّل. وخرّج
البخارىُّ(١) عن ابنِ عباسٍ: ((هذه وهذه سواءٌ)). يعنى الخِنصَرَ والإبهامَ. إشارةً
إلى أن منافِعَها وإن اختلفت فإنما يُراعَى صُوَرُها، كما رَامَ أبو حنيفةَ أن يَنْقُضَ
(١) فى م: ((عزبت)).
(٢ - ٢) سقط من : ج .
(٣) فى م: ((يجمع)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٦٦٩).
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٦٥٧).
(٦) البخارى (٦٨٩٥).
٠٦
٥١٥

الموطأ
التمهيد
القبس الحكمَ ويَنْفُضَهُ(١)، فقال: مَن قطَع لسانَ صغيرٍ (١) لا دِيَةً عليه، إنما فى ذلك
حكومةٌ ؛ لأنه لسانٌ بلا منفعةٍ. قلنا: لا يُشْبِهُ هذا تدقيقَكَ، فإنه يَلْزَمُكَ أن تقولَ:
إذا قتَل نفسًا صغيرةً لا دِيَّةً فيها؛ لأنها نفسٌ بلا منفعةٍ، كما فعَل مالكٌ فى
الاحتياطِ ، بالعكسِ مِن أبى حنيفةً فى الاسْتِرِسالِ، فقال مالكٌ: فى السّنِّ
المُسْوَدَّةِ الدِّيَّةُ. وعجبًا لأبى حنيفةَ ساعَده على ذلك. وقال الشافعىُّ: فيها
محكومةٌ؛ لأنها تَغْبِيرُ هيئةٍ كما لو اصْفَرّت . وهذا ضعيفٌ ؛ لأن الصُّفْرةَ صفةٌ فى
ظاهرِها، والاسْوِدادَ مُتداخِلٌ فيها، مُفْسِدٌ لها ، فافترقا .
المسألةُ الثالثةَ عِشْرَ: قال أبو حنيفةَ: دِيَةُ الذمىِّ كديَةِ المسلمِ . لحديثِ
العامِرِيَّيْنِ المُتَقدِّمِ. وقال مالكٌ: دِيتُه على النصفِ مِن ديةِ المسلم، وديةُ
المجوسيِّ ثمانمائةٍ درهم. لأن ذلك قضاءُ عمرَ، وفيه أَثر عن النبىِّ وَلَ قد
تقدَّم. وقال الشافعىُّ: دِيةُ الذمىِّ ثُلُثُ دِيَةِ المسلم. فمَطْلَعُ النَّظرِ الأَوَّلِ نَفْىُ
المُساواةِ بينَ الكافرِ والمسلم فى الدِّيَةِ، كما نَفَيْنا بينَهما المُساواةَ فى القِصاصِ،
حَسَبَ ما تقدَّم، فليُرَكَّبْ عليه، وأما مُتَعَلَّقُ الشافعىِّ فى تقديرِ الثُّلُثِ فضعيفٌ ؛
لأنه ليس فيه أثّر، والنظرُ قد ذكرناه فى ((مسائل الخلافِ))، واطَّخْناه
هلهنا "لقِلَّتِه، والإشارةُ) إليه أنه قال: قدَّرْناه بالثُلُثِ؛ لقولِ النبيِّ وَ لَو: ((إن
الثُلُثَ كثيرٌ)). قلنا: لو خَطَطْتَ الثُّلُثَ مِن الدِّيَّةِ؛ لأن النبيُّ وَلِّ قال أَنْه كثيرٌ،
لكان أولَى بك، وضعيفُ الأثَرِ أولَى مِن ضعيفِ النظرِ، فكيف وقد اعتضَد بقضاءِ
(١) فى د، ج: ((ينقضه)).
(٢) فى ج: ((صغيرة))، وفى م: ((ضفير)).
(٣ - ٣) فى ج: ((لقلة الإشارة)).
٥١٦

الموطأ
التمهيد
عمرَ رضِى اللهُ عنه (١)؟ وأما حديثُ العامِرِيَّيْنِ، فقال علماؤنا: لم يَصِحَّ. وعندى القبس
أنه صحيحٌ، ولكن النبىَّ بَ لَو إنما فعَل ذلك بهم فى صدرِ الإسلامِ تأليفًا لهم ، إذ
لم تكنْ تلزَمُه فى أصلِ المسألةِ دِيَّةٌ، فإذا سقَط الأصلُ وهو الوجوبُ، فأولَى
وأحرَى(٢) أن يسقُطَ الوصفُ وهو التقديرُ.
المسألةُ الرابعةَ عشرَ: عَقْلُ الجنينِ، ثبت عن النبيِّ وَِّ، أنه قضَى فيه
بِغُرَّةٍ ؛ عبدٍ أو وليدةٍ ، فقال الذى قضَى عليه: كيف أغرَمُ مَن لا أكَل ولا شرِب،
ولا نطَق ولا استهلّ(٢)، ومثِلُ ذلك بطَل. أو: يُطَلُّ(٤). فقال(٥) رسول الله ◌ٍَّ:
((إن هذا مِن إخوانِ الكُهَّانِ))(١) . وليس هذا بإنكارٍ لصورةِ السَّجْعِ، فإنه جائزٌ،
وإنما بَّنَ به النبىُ بَ لَّهِ إبطالَ كلِّ سَجْع يُنظَمُ فى معارضةِ حقٍّ، كما أنه يُكرَهُ أن
يُتكلّفَ ابتداءً فى طريقِ الحقِّ إلا أن يرِدَ فى مطَّرَدِ القولِ. وكما قَدَّروا الدِّيَّةَ فى
الإبلِ، كذلك قَدَّروا الغُرّةَ فى الجنينِ، وذلك خمسون دينارًا، و(٢) هو عُشْرُ ديةٍ
أُمِّه . وخالَف أبو حنيفةً فى مسألتين؛ إحداهما، أنه غايَر فى الغُرَّةِ بينَ الذكرِ
والأنثى، وذلك ما لم يُعْلَمْ وَجْهُه أبدًا. وقد بيّنَّا سِرَّها فى ((مسائلِ الخلافِ))،
وهو غريبٌ، فليُنْظَرْ فيه، وليُنْقَلْ مِن ((التلخيصِ)). والثانيةُ: إذا قتَل امرأةً وفى
:
:
(١) عبد الرزاق (١٨٤٨٩)، والدارقطنى ١٧٠/٣، والبيهقى ١٠١/٨.
(٢) بعده فى د: (( له)).
(٣) بعده فى د، م: ((صارخا)).
(٤) يطل: يهدر . ينظر النهاية ١٣٦/٣ .
(٥) بعده فى د، م: ((له )).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٦٥٥).
(٧) فى م: ((أو )).
٥١٧

الموطأ
التمهید
القبس بطنها جنينٌ، هل تدْخُلُ الغُرَّةُ فى الدِّيَةِ أم لا؟ وقد بيّنَّاها فى ((مسائل الخلافِ)).
المسألةُ الخامسةَ عشرَ: قال علماؤنا: روَى (١) أبو داود والنسائىُ: إِنَّ عَقْلَ
الجنينِ خمسمائةٍ شاةٍ ) . والحديثُ لم يَصِحَّ إنما الصحيحُ حديثُ الغُرَّةِ،
والتقديرُ فِعلُ الصحابةِ . وقال ربيعةُ: عَقْلُ الجنينِ للأمّ. وقال ابنُ هُوْمُزَ:
للأبوين . وتَعلَّقَ ربيعةُ بأنه كعضوٍ مِن أعضائِها، فوجب أن يكونَ عَقْلُه لها ، ولو
كان يَجْرِى مَجْرَى عضوٍ مِن أعضائِها لاغْتُبِرٌ مِن قيمةِ دِيَّها كسائرِ الأعضاءِ.
المسألةُ السادسةَ عشرَ: ذكَر مالكٌ فى مسائلِ القَوَدِ ، أن الرجلَ إذا ضرّب
رجلًا بعَصًا أو بحجرٍ عمدًا فماتَ، أن فيه القِصاصَ . وَلَقَبُ هذه المسألةِ القتلُ
بالمُثَقَّلِ، وهى مسألةٌ رَكِيكةٌ لأبى حنيفةَ تَعلَّقَ فيها علماءُ العراقِ بالحديثِ
المشهورِ. ((ألَا إِنَّ فى قتلِ السَّوْطِ والعصا مائةً مِن الإبلِ)) الحديثَ المذكورَ.
فإذا رماه بخَشَبةٍ ، فإنها جملةٌ مجموعةٌ مِن أجزاءٍ ، لو انفرَد كلُّ جزءٍ منها لم يجِبْ
فيه قِصاصٌ ، فإذا اجتمعت كان حالُها فى الانفرادِ شُبْهةً عندَ اجتماعِها فى إسقاطٍ
ما يَشْقُطُ بالشُّبُهاتِ. قلنا: الجوابُ عن هذا أَثْتَنُ مِن إطنابٍ فيه، أترجو أن تُلَفِّقَ
لهذا الباطلِ دليلاً؟ ما محاولةُ هذا إلَّ كما قال الشاعرُ():
تَدُسُّ إلى العطَّارِ سِلعةً بيتِها وهل يُصْلِحُ العطارُ ما أفسَدَ الدَّهْرُ
وإذا أخَذ الرجلُ حَجَرًا مِن أرباعِ وصَبَّه على رأسٍ رجلٍ، إن كان بهذا عَمْدَ
(١) بعده فى د: ((الترمذى و)).
(٢) أبو داود (٤٥٧٨)، والنسائى فى الكبرى (٧٠١٦).
(٣) البيت فى عيون الأخبار ٤٤/٤، والكامل للمبرد ٣١٢/١ .
٥١٨

الموطأ
التمهيد
خطأ فالضربُ بالسيفِ خطأٌ مَحْضّ! ولهذا قال علماؤنا: إن هذا المذهبَ هَدْمٌ القبس
لقاعدةِ القِصاصِ، وتمكينُ الأعداءِ مِن الأعداءِ .
المسألةُ السابعةَ عشرَ: أدخَل مالكٌ فى البابِ قَتْلَ الغِيلةِ ، وهى مِن الحِرَابةِ،
والحِرابةُ عندَنا تكونُ فى الحَضَرِ، كما تكونُ فى القِفَارِ (١) ، وتكونُ بالسيفِ،
وتكونُ بالعصا، وإذا کانت بالعصا لا يؤخذُ فيها بأيسرٍ ذلك؛ لأن المقصود فى
السّلَبِ والقتلِ واحدٌ ، والعصا کالسیفِ عندَ مالك فى العَمْدِ ووجوبِ القِصاصِ،
وزادَت العصا بأنها أعظمُ فى الخَديعةِ ؛ لأنه إذا مشَى بالسيفِ اسْتُكِر، وتَشوَّفَت
النفوسُ إلى التَّحَفّظِ منه، وكان أمرُ العصا فى الخديعةِ أَبْلَغَ، وفى الغِيلةِ أُدْخَلَ ،
فينبغى أن تكونَ فى العقوبةِ أعظمَ ، ألَا تَرى أنه يؤخَذُ فيه مائَةٌ بواحدٍ بلا خلافٍ ؟
كذلك يؤخَذُ فيه بالعصَا والسيفِ بالقتلِ بلا خلافٍ، ولمَّا لم يَتَعرَّضْ للحِرابةِ لم
يَتعرَّض لها(٢) .
المسألةُ الثامنةَ عشرَ: السّخْرُ، قال مالكٌ: يُقْتَلُ الساحرُ كُفرًا. وقال
الشافعىُّ : عقوبتُه على مِقْدارٍ تأثيرِه؛ مِن قتل "فقَتْلٌ أو إذايةٍ فضرب٢ٌ). وتعلَّق مالكٌ
بظاهرِ القرآنِ ، وإنما جعَله مالكٌ فى بابِ الغِيلةِ ؛ لأن المسحورَ لا يعلَمُ بعملٍ
الساحرِ حتى يقعَ فيه ، وقد قال مالكٌ: إن مِن الغِيلةِ سَقْىَ السُمِّ ( بل المُزْقِدِ" لأخذٍ
(١) فى د: ((الفيفاء)).
(٢) فى م: ((لهما)).
(٣ - ٣) فى م: ((يقتل أو أذى به يضرب)).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((بالمرقد)). والمرقد: شىء يشرب فينوِّم من شربه ويرقده. اللسان (رق د).
٥١٩

الموطأ
١٦٤٤ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ
عمرٍو بنٍ حزمٍ، عن أبيه، أن فى الكتابِ الذى كتَبَه رسولُ اللهِ وَه
لعمرو بن حزم فى العُقولِ: ((أن فى النفسِ مائةً من الإبلِ، وفى
الأنفِ إذا أَوعِى جَدْعًا مائةٌ من الإبلِ، وفى المأمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ،
وفى الجائِفَةِ مِثلُها ، وفى العینِ خمسون ، وفی الیدِ خمسون ، وفی
الرّجل خمسون، وفى كلِّ إصبع ممَّا هُنالِك عَشْرٌ من الإبلِ، وفى
السِّنِ خمسٌ، وفى المُوضِحَةِ خمسٌ)).
التمهيد
مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بن أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حزم ، عن أبيه ،
أنَّ فى الكِتابِ الذى كَتَبه رسولُ اللهِ وَلِّ لعمرو بن حزم فى العُقُولِ: «أَنَّ
فى النفس مائةً مِن الإيلِ، وفى الأنف إذا أُوعِىّ جَدْعًا مائةٌ مِن الإبلِ ، وفى
المأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وفى الجائِفَةِ مِثلُها ، وفى العينِ خمسون ، وفی الیدِ
خمسون، وفى الرّجْلِ خمسون، وفى كلّ إصبَع ممَّا هُنالِك عَشْرٌ مِن
الإيلِ، وفى السِّنِّ خمسٌ، وفى الموضِحَةِ خمسٌ))" .
لا خلاف عن مالك فی إرسال هذا الحدیث بهذا الإسناد ، وقد ژُوِی
القبس أموالِ الناس. وهو ظاهرٌ، وقد مهَّدْنا المسألةَ فى كُتُبٍ الخلافِ وغيرِها .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٦٣)، وبرواية أبى مصعب (٢٢٢٦). وأخرجه ابن
وهب (٥١٠)، والشافعى ٧٥/٦، والنسائى (٤٨٧٢)، والدارقطنى ١٢١/١، والبغوى فى
شرح السنة (٢٥٣٨)، والبيهقى ٧٣/٨، ٨١، ٨٢، ٨٧، ٩١ من طريق مالك به .
٥٢٠