Indexed OCR Text

Pages 21-40

الموطأ
ورُوِى عن الحسن البصرىِّ مثلُه. وقال الحسنُ أيضًا، وجابرُ بنُ زيدٍ ، التمهيد
وسعيدُ بنُّ المسيَّبِ: إذا أوصَى لغيرِ قَرابِتِهِ(١)، فإنَّه يُرَدُّ إِلى قَرابَتِه ثُلُثا
الثُّلُثِ، ويُمضَى ثُلثُه لمن أوصى له .
أخبرنا محمدُ بنُ خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، حدَّثنا أبو
بكرِ بنُ أبى داودَ ، حدَّثنا المثنَّى بنُ أحمدَ، حدَّثنا عاصمُ بنُ علىٍّ، حدَّثنا
أبو هلال ، حدَّثنا قتادةُ، عن الحسن، وسعيد بنِ المسئَّب ، وجابر بنِ
زید . فذ گره(٢) .
وبه قال إسحاق بن راهويه. ذكره إسحاقُ الگؤْسَجُ عنه.
حدَّثناه أحمدُ بنُ محمدٍ بنِ أحمدَ وعُبيدُ بنُ محمدٍ ، قالا : حدَّثنا
الحسنُ بنُ سلمةَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الجارودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ
ابنُ منصورٍ ، عن إسحاقَ . فذكره .
وقال مالكٌ، وسفيان الثورىُّ، والأوزاعىُ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ،
وأصحابُهم: إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه، وتَرَكَ قَرابتَه محتاجينٌ أو غيرٌ
محتاجِينَ، جاز ما صنَع، وبئسَما فعَل ؛ إذا ترَك قَرابتَه محتاجِينَ وأوصى
القبس
(١) بعده فى م: ((وترك قرابته)).
(٢) فى الأصل: ((قد ذكره)).
والأثر أخرجه عبد الرزاق (١٦٤٣٣) من طريق قتادة، عن الحسن وحده به، وأخرجه ابن جرير
فى تفسيره ١٢٧/٣ من طريق قتادة به بدون ذكر ابن المسيب .
٢١

الموطأ
التمهيد لغيرِهم . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ. وهو قولُ عمرَ، وعائشةً ، وابنِ عباسٍ ،
وعطاءٍ، ومجاهدٍ، وقتادةً، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (١)، وجمهورِ أهلِ العلمِ.
واحتَجّ الشافعىُّ وغيرُه فى جوازِ الوصيةِ لغيرِ الأقاربِ بحديثِ عمرانَ بنِ
حصین فی الذی اعتق سنّةً أعبدٍ له عندَ موتِه فی مرضِه، لا مال له غیرُهم ،
فأقرَعَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ بِينَهم، فأعتَقَ اثنينِ، وأَرَقَّ أَربَعَةً (١) . فهذه وصيّةٌ
لهم فى ثُثِه؛ لأَنَّ أفعالَ المريضِ كلَّها وصيّةٌ فى ثُلُثِهِ، وهم لا محالةَ مِن
غيرٍ قَرايتِهِ، وحسبُكَ بجماعَةِ أهلِ الفقهِ والحديثِ يُجِيزُونَ الوصيّةَ لغيرِ
القرابة، وفى ذلك ما يُبيِّنُ لك المُرادَ مِن معانِى الكتابِ، وباللهِ العصمةُ
والتّوفيقُ .
ذکر حمادُ بنُ سلمةً ، عن قتادةً ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنِ
عمرَ، فى رجلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فى غيرِ قرابته، قال: يُعْضَى حيثُ أوْضَى .
وذكَر حمادُ بنُ سلمةَ أيضًا، عن محُميدِ الطّويلِ ، أَنَّ ثُمامةَ بنَ عبدِ اللَّهِ
کتب إلی خالدٍ يسأله عن رجل أوصی بُلُثِه فی غیرِ قرابته، فكتب خالدٌ ،
أنِ امْضِه كما قال، وإن أمَر بِثُلُثِه أن يُلقَى فى البحرِ. قال حميدٌ: وقال
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٤٣٤، ١٦٤٣٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٦٤/١١،
١٦٥.
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٩٢ - ١٩٨ .
٢٢

الموطأ
محمدُ بنُ سيرينَ: أَمَّا فى البحرِ فلا، ولكنْ يُمضَى كما قال(١).
التمهيد
وذكّر وكيع، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: للرجلِ ثُلُثُّه
عندَ موتِه يطرَحُه فى البحرِ إن شاء".
وو کیٹ، عن طلحةً بن عمرو الحضرمىِّ ، عن عطاء بنِ أُبی رباحٍ ، عن
أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تصدَّقَ عليكم بُثُلُثٍ
أموالكم عندَ وفَاتِكم، زيادةً لكم فى أعمالِكم »(٢)
والمباركُ بنُ حسّانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، قال: قال رسولُ اللَّهِ
وَّهِ : ((إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ابنَ آدمَ ، اثْتَتَانِ لم يكنْ لك واحدَةٌ منهما ؛
جعَلْتُ لكَ نَصِيبًا مِن مالِكَ حينَ أخَذْتُ بِكَظَمِك(٤) لأَطهُّرَكَ وَأَزَكِّيكَ ،
٩
وصلاةُ عِبادى عليك))(٥) .
ودُرُسْتُ بنُ زِيادٍ ، عن يزيدَ الرَّقاشىِّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: كنّا
عندَ رسولِ اللَّهِ وَهِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، مات فلانٌ. قال: ((أوَ ليسَ
القبس
(١) أخرجه ابن شَّئَة - كما فى تهذيب الكمال ٤٠٧/٤ - من طريق حماد به سلمة به.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٦٥/١١ عن وكيع به.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٩)، وابن حزم ٤٩٤/١٠ من طريق وكيع به.
(٤) الكظم: مَخْرج النفَس. اللسان (ك ظ م).
(٥) أخرجه عبد بن حميد (٧٧٠)، وابن ماجه (٢٧١٠)، والطبرانى فى الأوسط (٧١٢٤)
من طريق المبارك به .
٢٣

الموطأ
التمهيد كان عندَنا آنفًا؟)). قالُوا: بَلَى. قال: ((سبحانَ اللَّهِ! أخْذَةُ أسفٍ على
غضّب ، المحروم من محرم وصيته)»(١)
وثَورُ بنُّ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعدانَ ، قال: قال أبو بكرِ الصديقُ : إِنَّ
اللَّهَ تصدَّقَ علينا بِثُلُثٍ أموالنا زيادةً فى أعمالِنا .
قال أبو عمر : تر کتُ الأسانید بینی وبین ژواة هذه الأحاديث، وهی
أحاديثُ حِسَانٌ، وليست فيها حُجّةٌ مِن جِهِ الإسنادِ ؛ لأنَّ فى نَقَلَتِها
ضَعْفًا، وأُصَحُّ منها ما حدَّثناه عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ
بكرٍ ، قال : حدَّثنا أبو داودَ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدّثنا
قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قالا: حدَّثنا مسدَّدٌ ، قال:
حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ ، قال: حدَّثنا عمارةُ بنُ القَعقاع، عن أبى زرعةً
ابن عمرو بن جريرٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أمی
الصدقةِ أفضلُ؟ قال: ((أن تَصَدَّقَ وأنت صحيحٌ حريصٌ تَأْمُلُ البقاءَ
وتخْشَى الفقرَ، ولا تُشْهِلْ حتى إذا بلَغَتِ الحلقُومَ قلتَ : لفلانٍ كذا،
ولفلانٍ كذا)). زاد عبدُ الوارثِ: ((وقد كان لفلانٍ ))().
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٠)، وأبو يعلى (٤١٢٢)، وابن عدى ٣/ ٩٦٨، وابن الجوزى فى
العلل (١٤٨٩) من طريق دُرُست بن زياد به.
(٢) أبو داود (٢٨٦٥). وأخرجه أحمد ٢٢٢/١٥ (٩٣٧٨)، والبخارى (١٤١٩)، ومسلم
(٩٣/١٠٣٢) من طريق عبد الواحد بن زياد به.
٢٤

الموطأ
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: التمهيد
حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشامٌ،
قال : حدَّثنا قتادةُ، عن مُطرّفٍ، عن أبيه، قال: أتيتُ النبىَّ عليه السَّلامُ
وهو يقرأ: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. فقال: ((يقولُ ابنُ آدمَ: مالى
مالى. وما لَكَ مِن مَالِكَ إِلَّ مَا أَكَلتَ فأفتَيتَ، أو لَبِستَ فَأَبلَيتَ، أو
تَصَدَّقتَ فأمضَيتَ))(١).
وروَاه شعبةٌ (٢) ، وسعيدُ بنُ أبي عَروبةً(١) ، عن قتادةً، عن مُطرّفِ بنِ
عبدِ اللهِ ، عن أبيه، عن النبيِّ عليه السَّلامُ مثلَه سَواءً.
وأخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا
أبو داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى قُديكٍ ، قال:
أُخبرنى ابنُ أبی ذئبٍ ، عن شُرَحییلٍ بن سعدٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ ، أنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ﴿ قال: ((لأَن يَتَصَدَّقَ المرءُ فى حياتِه بدرهم، خيرٌ مِن أن
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (١٦٥٧)، وابن حبان (٣٣٢٧)، وأبو نعيم فى الحلية
٦/ ٢٨١، والخطيب ٣٥٩/١ من طريق مسلم بن إبراهيم به، وأخرجه أحمد ٢٣٢/٢٦
(١٦٣٠٥)، ومسلم (٢٩٥٨)، وابن جرير فى تفسيره ٥٩٩/١٤ من طريق هشام به
(٢) أخرجه أحمد ٢٣٣/٢٦ (١٦٣٠٦)، ومسلم (٢٩٥٨)، والترمذى (٢٣٤٢، ٣٣٥٤)،
والنسائى (٣٦١٥) من طريق شعبة به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٤٤/٢٦ (١٦٣٢٢)، ومسلم (٢٩٥٨) من طريق ابن أبى عروبة به .
٢٥

الموطأ
التمهيد يتصَدَّقَ بمائةٍ عندَ موتِه))(١).
وروَى موسى بن عقبةً، وشعبةٌ(٢)، والثورىُ(٢)، عن أبى إسحاقَ ،
عن أبى حَبيبةَ الطَّائىٌّ، قال: سمِعتُ أبا الدرداءِ يقولُ: سمِعتُ رسولَ
اللَّهِ وَلِّ يقولُ: ((مَثَلُ الذى يُغْتِقُ عندَ الموتِ مَثَلُ الذى يُهدِى إذا
شبع)) .
ورواه أبو الأحوصِ، وجماعةٌ، عن أبى إسحاقَ يإسنادِهِ مثلَه(٤).
ومِن حديثٍ أبى سفيانَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَلِّ مثلَه.
وذكَر وكيعٌ، عن الثورىِّ والأعمشِ، عن زبيدٍ (١) ، عن مُؤَّةَ، عن
عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فى قوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. قال :
أَن تُؤْتِيَه وأنت صحيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُّلُ العيشَ وتَخشَى الفقرَ(١).
وذكر حمادُ بنُ سلمةً ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبی هِنْدٍ ، عن الشعبىِّ ،
القبس
(١) أبو داود (٢٨٦٦). وأخرجه ابن حبان (٣٣٣٤) من طريق ابن أبى فديك به .
(٢) أخرجه أحمد ٥٠/٣٦ (٢١٧١٨)، والنسائى (٣٦١٦) من طريق شعبة به .
(٣) أخرجه أحمد ٥١/٣٦، ٥٢١/٤٥ (٢١٧١٩، ٢٧٥٣٣)، وأبو داود (٣٩٦٨)،
والترمذى (٢١٢٣) من طريق سفيان به .
(٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (٤٨٩٣) من طريق أبى الأحوص به.
(٥) فى م: ((زيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٩/٩.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨/١ (١٥٤٦) من طريق وكيع به .
٢٦

الموطأ
قال: مَن أوصَى بوصيَّةٍ، فلم يُضَارَّ فيها، ولم يَحِفْ ، كانت بمنزلةٍ ما لو التمهيد
تصدَّقَ بها وهو صحيحٌ() .
حدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال :
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو
معاويةً، حدَّثنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال :
الإضرارُ فى الوصيّةِ مِن الكبائرِ. ثم قرأ: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾.
[النساء: ١٢]. إلى قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤].
قال: فى الوصيّةِ. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾﴾ [النساء: ١٣]. قال: فى
(٣)
الوصيّةِ
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ، حدَّثنا عبدَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، حدَّثنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ ، قال
نصرُ بنُّ علىِّ الحُدَّانِيُ، قال: حدَّثنا الأشعثُ بنُّ جابرِ الحُدَّانِيُ ، قال :
حدَّثنا شهرُ بنُ حوشبٍ، أنَّ أبا هريرةَ حدَّثه، أنَّ رسولَ اللَّهِ فَلِ قال: ((إنَّ
القبس
(١) فى م: ((يجنف)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٦٣٢٩)، وسعيد بن منصور (٣٤٥)، وابن أبى شيبة ٢٠٣/١١،
والدارمى (٣٢٢٢) من طريق داود بن أبى هند به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٦٤٥٦)، وسعيد بن منصور (٢٥٨ - ٢٦٠ - تفسير)، وابن أبى
شيبة ٢٠٤/١١، والنسائى فى الكبرى (١١٠٩٢)، وابن جرير فى تفسيره ٤٨٦/٦ من طريق
داود بن أبی هند به .
٢٧

الموطأ
التمهيد الرجلَ ليعمَلُ، أو المرأةَ، بطاعةِ اللَّهِ سَتِينَ أو سبعِينَ سنةً، ثم يحضُرُهما
الموتُ، فيُضارَّانِ (١) فِى الوصيّةِ، فتجِبُ لهما النارُ)). وقرأ أبو هريرةً:
(٢)
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيِّرَ مُضَآرٍ﴾
وروَى الثورىُّ ومعمرٌ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه، قال: الجَنَفُ أن
يُوصىَ لابنِ ابنَتِه وهو يُرِيدُ ابنَتَه. ويقولُ طاوسٌ: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِّ قال:
((لا وصية لوارث)).
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى تفسِيرِ الجَنَفِ مثلُ قولٍ طاوسٍ. فقال
الحسنُ : هو أن يوصِيَ للأجانبِ ويَرُكَ الأقاربَ . وأصلُ الجَنَفِ فى اللغةِ
الميلُ، ومعناه فى الشَّريعةِ الإِثمُ .
قال أبو عمرَ: جمهورُ العلماءِ على أنَّ الوصيَّةَ لا تجوزُ لوارثٍ على
حالٍ مِن الأحوالِ ، إلّا أن يُجِيزَها الوَرِثَةُ بعدَ موتِ الموصِى ، فإن أجازها
الوَرِثَةُ بعدَ الموتِ، فجمهورُ العلمِاءِ على جوازِها، ومِمَّن قال ذلك؛
مالكٌ، وسفيانُ، والأوزاعىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأحمدُ،
القبس
(١) فى النسخ: ((فيضران)). والمثبت من سنن أبى داود.
(٢) أبو داود (٢٨٦٧). وأخرجه الترمذى (٢١١٧) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث
به
1
وجاء بعده في م: ((وفى رواية معمر إن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة ثم يعدل فى
وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ولم يقل معمر ابن جابر الحدانى)).
٢٨

الموطأ
وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. وقال ابنُ خوازِ بندَادَ (١) : اختلَفَ أصحابنا فى الوصيةِ التمهيد
للوارث ؛ فقال بعضُهم : هى وصيةٌ صحيحةٌ ، وللوارث الخيارُ فى إجازتِها
أو رَدِّها ، فإن أجازوا فإِنَّما هو تنفِيذٌ لِما أوصَى به الميتُ. وقال بعضُهم :
ليست وصيّةً صحيحةً ، فإن أجازُوا فهى عَطِيَّةٌ منهم مُبتَدأةٌ . وقال المزنىُّ،
وداودُ ، وأهلُ الظَّاهرِ: لا تجوزُ وإن أجازَها الوَرِثَةُ، وحَسْبُهم أن يُعطّوه مِن
أموالِهم ما شاءُوا. وحُجَّتُهم أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَ قال: ((لا وصيَّةَ
لوارثٍ))(٢). ولم يقُلْ: إلّا أن يُجِيزَها الوَرِثَةُ. وسائرُ العلماءِ مِن التابعِينَ
ومَن بعدَهم مِن الخالِفِينَ يُجِيزونَها؛ لأنَّهم يرَونَها عَطيَّةً مِن الورَثَةِ بعضِهم
لبعضٍ ، فلذلك اعتَبَروا فيها الجوازَ بعدَ موتِ الموصِی ؛ لأنَّه حينئذٍ يَصِحُ
مِلكُهم، وتَصِحُ عَطيُهم .
واختَلَف الفقهاءُ فى إجازةِ الوَرِثَةِ الوصيَّةَ فى حياةِ المُوصِى إذا أُوصَى
الوَرِثَتِه أو بأكثرَ مِن ثُلُثِه واستَأْذَنهم فى ذلك وهو مريضٌ؛ فقال مالك : إذا
كان مريضًا واستأذَن ورَثَتَه فى أن يُوصِىَ لوارثٍ ، أو يُوصِىَ بأكثَرَ مِن ثُلُثِهِ،
فأذنوا له، وهو مريضّ مخجُوبٌ(١) عن أكثرَ مِن ثُلُثِهِ، لَزِمهم ما أجازُوا مِن
ذلك. وقال الثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعِىُّ، وأصحابُهم، وأحمدُ،
القبس
(١) فى الأصل: ((خوازبنداذ).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٨، ١٩، وسيأتى تخريجه ص ٨٠.
(٣) فى م: ((محجور)).
٢٩

الموطأ
التمهيد وأكثرُ أهلِ العلم : لا يَلزَمُهم حتى يُجِيزوا بعدَ موتِه ، وسواءٌ أجازُوا ذلك فى
مرضِه أو صِحَّتِه ، إذا كان ذلك فى حياتِه . وأجمعوا أنَّهم لو أجازُوا ذلك
وهو صحِيحٌ لم يَلْزَمْهم، وأجمَعُوا أَنَّهم إذا أجازُوا ما أَوْصَى به مَورُوثُهم
لوارثٍ منهم، أو أجازُوا وصِيَّتَه بأكثرَ مِن الثُّلُثِ بعدَ مَوتِهِ، لَزِمهم ذلك،
ولم يكنْ لهم أن يَرجِعوا فى شىءٍ منه، قُبِض أو لم يُقْبَضْ، وأنَّ هذا لا
يُحتاجُ فيه إلى قَبضٍ عندَ جميعِهم، فهذه أصولُ مسائل الوصايا، وأمّا
الفُرُوعُ فتَسِعُ جدًّا. والحمدُ للهِ على كلّ حالٍ .
وأمَّا قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨١].
فمعناه عندَ جماعةِ العلماءِ تَبدِيلُ ما أوصَى به المتوفَّى إذا كان ذلك ممَّا
يجوز إمضاؤه ، فإن أوصَی بما لا يجوزُ ، مثل أن يُوصِیّ بخمرٍ ، أو خنزيرٍ ،
أو بشىءٍ مِن المعاصى ، فهذا يجوزُ تَبدِيلُه، ولا يجوزُ إِمضاؤه، كما لا
يجوزُ إمضاءُ ما زاد على الثُّلُثِ ، أو لوارِثٍ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشرٍ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبى دُلَيْم،
قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ كعب، قال: حدَّثنا
الولیدُ بنُ مسلم، عن ابن٢٢ قَوبانَ، عن أبيه، عن مکحول قال: کان فی
القبس
(١) فى الأصل: ((بشير)).
(٢) ليس فى: الأصل. وينظر تهذيب الكمال ١٢/١٧.
٣٠

الموطأ
وصيّةِ أبى الدرداءِ: بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيم، هذا ما أوصى به أبو الدرداءِ، التمهيد
أَنَّه يَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه،
وأنَّ الجنةَ حَقٌّ ، وأنَّ النارَ حقٍّ ، وأنَّ اللَّهَ يبعَثُ مَن فى القبورِ، وأنَّه يؤمنُ
باللَّهِ ، ويكفُرُ بالطَّاغُوتِ، على ذلك يحيا ويموتُ، إن شاء اللَّهُ، وأوصى
فيما رزَقَه اللَّهُ بكذا وكذا، وأنَّ هذه وصيّتُه إن لم يُغَيِّرْها قبلَ الموتِ(١).
أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ (٢)، حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفر بن حمدانَ،
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، حدَّثنا أبى، حدَّثنا هشيمٌ، عن
مجالدٍ، عن الشعبىِّ، قال: كتَب عمرُ فى وصيّتِه أن(٢): لا يُقَوْلىُ
عاملٌ أكثرَ مِن سنةٍ ، إلّ الأُشعرِىَّ، يعنى أبا موسى، فأُقِرُّوه أربعَ سنينَ (٤)
قال أبو عمرَ: لا يختَلِفُ العلماءُ أنَّ للإنسان أن يُغيِّرَ وصيَّتَه ویرجِعَ
فيما شاءَ منها ، إلّا أنَّهم اختَلَفوا مِن ذلك فى المُدَبَّرِ، فقال مالكٌ رحِمه
اللهُ : الأمرُ المجتَمَعُ عليه عندَنا أنَّ للإنسان أن يُغيِّرَ مِن وصيَّتِه ما شاء مِن
عَتَاقَةٍ وغيرِها إلَّا التَّديِيرَ، وله أن يَنقُضَ وصيَّتَه كلَّها، ويُبدِّلَها بغيرِها،
ويُصنَعَ مِن ذلك ما شاءَ إلَّ التَّديِيرَ، فإنَّه لا يتَصَرَّفُ فيه . قال أبو الفرج
القبس
(١) أخرجه الدارمى (٣٢٢٩) من طريق الوليد بن مسلم به.
(٢) فى النسخ: ((أحمد)). وتقدم على الصواب مرارًا .
(٣) سقط من: م.
(٤) أحمد ٢٣٨/٣٢ (١٩٤٩٠).
٣١

الموطأ
التمهيد المُدبّرُ فى العَتَاقَةِ كالمُعتَقِ إلى شهرٍ؛ لأَنَّه أجَلَ آتٍ لا محالةَ. وقد أجمَعوا
أنَّه لا يَرجِعُ فى اليمينِ بالعِثْقِ، والعِثْقِ إِلى أَجَلِ، فكذلكَ المُدَّرُ. وقال
الثورىُّ وسائر الكوفيّينَ : إذا قال الرجلُ : إِن مِتُّ ففلانٌ محرّ. فليسَ له أن
يَرجِعَ، وإن قال: إِنْ مِتُّ مِن مرضِى هذا، ففلانٌ حُرٍّ. فإِن شاءَ أن يَبِيِعَه
باعه ، فإن لم تبغه، فمات ، عَتَقَ، فإن صَحّ، فلا شىءَ له .
قال أبو عمرَ: وإن قال الرجلُ لعَبدِه: فلانٌ حرٌّ بعدَ موتى. وأراد
الوصيّةَ، فله الرجوعُ عندَ مالكِ فى ذلك، وإن قال : فلانٌّ مُدبَّرَّ بعدَ موتى.
لم يكنْ له الرجوعُ فيه . وإن أراد التَّديِيرَ بقولِه الأوَّلِ، لم يُرجِع أيضًا عندَ
أکثر أصحاب مالك، واختلفَ ابنُ القاسم وأشهبُ فیمن قال : عبدی مُحرِّ
بعدَ موتِى. ولم يُرِدِ الوصيةَ ولا التَّدبِيرَ؛ فقال ابنُّ القاسم: هو وصيّةٌ . وقال
أشهبُ: هو مُدَُّ إن لم يُرِدِ الوصيّةَ. وأمَّا الشافعىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ ،
وأبو ثورٍ، فكلّ هذا عندَهم وصيّةٌ، والمُدَّرُ عندَهم وصيَّةٌ يَرْجِعُ فيها ،
والمُديَّرُ وغيرُ المُديَّرِ مِن سائِرِ ما يَتَفُذُ بعدَ الموتِ فى الثُّلُثِ مِن الوصايا
عندَهم سواءً، يَرجِعُ صاحبُه فى ذلك كلُّه، وفيما شاء منه، إلّا أنَّ الشافعىَّ
قال: لا يكونُ الرُّجوُ فى المُديَّرِ إلَّ بأن يُخْرِجَه مِن مِلْكِه ببيع أو هِبَةٍ ،
ولیس قوله: قد رجعتُ. ژُجوعًا، وإن لم يخرج المُدَبَُّ مِن مِلكِه حتى
یموت ، فإنَّه يَعْتِقُ پموته. وقال فى القديم : ترجئُ فى المدئِّرِ بما ترجعُ فى
القبس
٣٢

قال مالك: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا، أن المُوصِىَ إذا أوصَى فى الموطأ
صحَّتِه أو مرضِه بوصيَّةٍ ، فيها عَتاقَةُ رَقيقٍ مِن رقيقِه ، أو غير ذلك ، فإِنه
يُغيِّرُ مِن ذلك ما بداله ، ويَصنَعُ مِن ذلك ما شاء حتى يموتَ ، وإن أحبَّ
أَن يَطْرَحَ تلك الوصيةَ ويُدِلَها، فعَل، إلا أن يُدبِّرَ مَملوكًا ، فإن دبّر فلا
الوصِيَّةِ. وأجازه المزنئُ) ، قياسًا على إجماعِهم على الرُّجوع فيمَن التمهيد
أوصَى بعِثْقِه. وقال أبو ثورٍ: إذا قال : قد رَجَعتُ فى مُدَبَّرِی فلانٍ . فقد
بَطَل التَّدِيرُ، فإن مات لم يَعْتِقْ. ومحجّةُ الشَّافعىِّ ومَن قال بقولِه فى أنَّ
المُدَبَّرَ وصيّةٌ ، إجماعُهم على أَنَّه فى الثُّلُثِ كسائرِ الوصايا، وفى إجازَتِهم
وَطَءَ المُدَبَّرَةِ ما يَنقُضُ قياسَهم المدَبَّرَ(١) على المعتَقِ إِلى أَجَلِ، وقد ثبت
أنَّ النبيَِّمَِّباعِ مُدَبَّرًا(١)، وأنَّ عائشةَ دَبََّت جاريةً لها ثم باعَتها(٤). وهو
(٥)
قولُ جابٍ، وابنِ المنكدرِ، ومجاهدٍ، وجماعةٍ مِن التَّابعِينَ
قال مالك: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا، أن المُوصِىَ إذا أوصَى فى الاستذكار
القبس
(١) فى الأصل: ((المازنى)).
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه أحمد ٢١٣/٢٢ (١٤٣١١)، والبخارى (٢٢٣١)، ومسلم (٩٩٧)، وأبو داود
(٣٩٥٥)، وابن ماجه (٢٥١٣)، والترمذى (١٢١٩) من حديث جابر بن عبد الله
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٦٦٦٧)، والبيهقى ٣١٣/١٠.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق ( ١٦٦٦٦، ١٦٦٧٣)، والمحلى ٩ / ٦٦٩، ٦٧٠، وسنن البيهقى
٣١٣/١٠.
٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣/١٩)

الموطأ سبيلَ إلى تغييرِ ما دَبَّر، وذلك أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: (( ما حقُّ امرى
مسلم له شىءٌ يُوصِى فيه يَبيتُ ليلتَيْن إلا ووصيتُه عندَه مكتوبةٌ)).
قال مالك : فلو كان المُوصِی لا یقدِرُ علی تغییرٍ وصیتِه، ولا ما
ذُكِر فيها مِن العَتاقَةِ ، كان كلُّ مُوص قد حبَس مالَه الذی أوصَی فیهِ مِن
العَتاقةِ وغيرِها، وقد يُوصِى الرجلُ فى صحتِه وعندَ سفرِه .
قال مالكٌ: فالأمر عندَنا الذى لا اختلافَ فيه ، أنه يُغيِّرُ مِن ذلك ما
شاء غيرَ التدبيرِ .
الاستذكار صِحَّتِه أو مرضِه بوصيةٍ فيها عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِن رقيقِه وغيرُ ذلك، فإنه يُغَيِّرُ مِن
ذلك ما بدًا له، ويَصنَعُ مِن ذلك ما شاء حتى يموتَ، فإن أَحَبَّ أن يَطْرَحَ
تلك الوصيّةَ ويُثْدِلَها فعَل، إلا أن يُدَبِّرَ مملوكًا ، فإن دبّر فلا سبيلَ إلی تَغییرِ
ما دَبَّر، وذلك أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((ما حقُّ امرئٍّ مسلم له شىءٌ
يُوصِى فيه يَبِيتُ ليلتَيْن إلا ووصِيَّتُه عندَه مكتوبةٌ ».
قال مالكٌ : فلو كان المُوصِى لا يقدِرُ على تَغْيِيرٍ وصيَّتِه، ولا ما ذُكِر
فيها مِن العَتَاقةِ ، كان كلَّ مُوصٍ قد حبَس مالَه الذى أوصَى فيه مِن العَتَاقِةِ
وغيرِها، وقد يُوصِى الرجلُ فى صِحَّتِه وعندَ سفرِه .
قال مالكٌ : فالأمرُ عندَنا الذى لا اختلافَ فيه ، أنه يُغَيِّرُ مِن ذلك ما شاء
غيرَ التدبيرِ .
قال أبو عمرَ : ما ذكره مالكٌ فى أن للمُوصِى أن يتصرّفَ فيما أوصَی
القبس
٣٤

الموطأ
جوازُ وصِيَّةِ الصغيرِ والضعيفِ والمصابِ والسفيهِ
١٥٢٧ - مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ حزمٍ ، عن أبيه ، أن
فيه غيرَ التدبيرِ، هو أمرٌ مُجتمَعٌ عليه، لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه إلا التدبيرَ، الاستذكار
فإنهم اختلفوا فى الرجوع فى المُدئِّ وفی بیعِه، فكل (١) من رأی بیعه رأی
الرجوعَ فيه لمَن شاء؛ وممن رأى ذلك مجاهدٌ وعطاء وطاوسٌ(١)، وبه قال
الشافعىُ، وأحمدُ ، وإسحاقُ. ولا يجوزُ بيعُ المُديَّرِ ولا الرجوعُ فيه عندَ
مالكٍ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهما، والثورىِّ، والأوزاعيّ، والحسنِ بنِ
صالحِ بنِ حىٍّ. وقد أجاز الليثُ بيعَه للعتقِ مِن نفسِه ومِن غيرِه . وقال ابنُ
سيرينَ: لا يُيامُ إلا مِن نفسِه(٣) . وهو قولُ مالكِ. وكرِه بيعَ المُديَّرِ ابنُ
عمرَ، وابنُ المسيَّبِ ، والشعبىُ، والنخعىُ، والزهرىُّ(٤) . وقد تقدَّم القولُ
فى ذلك فى كتابِ المُدَرِ. والحمدُ للهِ .
بابُ جَوَازِ وصيَّةِ الصغيرِ والضعيفِ والمَصابِ والسَّفِيهِ
مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بن حزمٍ ، عن أبيه ،
الحكمُ الثالثُ : إن الله عزَّ وجلَّ لما ملَّك الأموالَ للخلقِ وعَلِم أنهم على القبس
(١) فى ح، هـ: ((فكان)).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٦٧٠، ١٦٦٧٣، ١٦٦٧٤).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٧/٦، وسعيد بن منصور (٤٤٤).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٦٧٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٧٣/٦ - ١٧٥، والسنن
الكبرى للبيهقى ٣١٣/١٠، ٣١٤.
٣٥

الموطأ عمرَو بنَ سُليم الزُّرَقِيَّ أَخْبَره، أنه قِيل لعمرَ بنِ الخطابِ : إِن ههُنا
غُلامًا یَفاعًا لم يحتلِمْ ، مِن غسّانَ ووارِثُه بالشام ، وهو ذو مالٍ ، ولیس
له ههُنا إلا ابنةُ عمّ له. قال عمرُ بنُ الخطابِ: فليُوصِ لها . قال :
فأوْصَى لها بمالٍ يُقالُ له : بثرُ جُشَمَ . قال عمرُو بنُ سُليم : فبِيعَ ذلك
المالُ بثلاثین ألف درهم، وابنةُ عمّه التی أوصَی لها هی أُم عمرو بنِ
سُليمِ الزُّرَقَىِّ .
الاستذكار أن عمرو بنَ سُلَيم الزُّرقِىَّ أخبره، أنه قيل لعمرَ بنِ الخطابِ: إن ههنا غلامًا
يَفَاعًا لم يحتلِمْ ، مِن غَسَّانَ ووَارِثُه بالشام ، وهو ذو مالٍ ، وليس له هلهنا إلا
ابنةُ عمِّ له . قال عمرُ بنُ الخطابِ : فليُوصِ لها . فأوصَى لها بمالٍ يُقالُ له :
القبس قسمين؛ منهم مَن يحفَظُ المالَ، ومنهم مَن يُهْمِلُه - شرَع الحَجْرَ على مَن أهمَله
مِن صغيرٍ أو مصابٍ أو ضعيفٍ أو سفيهٍ، فقبض أيديهم عن الأموالِ، وأَلْغَى ما
يصدُرُ عنهم فيها من الأقوالِ ؛ إبقاءً عليهم ورحمةً لهم، إلا أن يُوصُوا، فمَن
أُوْصَی منهم نفذت وصيّتُه ؛ لأنها ظاهرةٌ فى وقتٍ لا يُوقّعُ علیه فسادٌ فى مالِه،
ولا « حاجةٌ فى حاله ، وهذا إذا كان مميّزًا یعقِلُ ما يُوصِی ویتکلَّمُ به عن فهمِ مِن
غيرِ أن يُقوَله، وعلى هذا جاء قضاءُ عمرَ فى الغسَّانيّ، وعليه يُحمَلُ المجنونُ حالَ
الإفاقةِ .
(١) فى م: ((لها)).
٣٦

١٥٢٨ - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبى بكرِ بنِ حزم، أن الموطأ
غُلامًا مِن غَسَّانَ حَضَرتْه الوفاةُ بالمدينةِ ، ووارِثُه بالشام ، فذُكِر ذلك
لعمرَ بنِ الخطابِ، فقيل له: إن فُلانًا يموتُ، أفيُوصِى؟ قال :
فليُوصِ .
قال يحيى بنُ سَعِيدٍ : قال أبو بكر: وكان الغلامُ ابنَ عشرِ سنينَ،
أو اثْنَتَىْ عشْرةَ سنةً، فأوصَى ببئرِ جُشَمَ، فباعَها أهلُها بثلاثينَ أَلفَ
درهم .
بئرُ مُشَمَ . قال عمرُو بنُّ سُلَيْم: فبِيع ذلك المالُ بثلاثين ألف درهم ، وابنةُ الاستذكار
عمّه التى أوصَى لها هى أمُّ عمرٍو بنِ سُلَيمِ الزُّرَقِىَّ(١).
مالك ، عن یحیی بنٍ سعیدٍ ، عن أبی بکرٍ بن محمد بن عمرو بنِ
حزم، أن غلامًا مِن غسَّانَ حضرته الوفاةُ بالمدينةِ ، ووَارِثُه بالشام، فذُكِر
ذلك لعمرَ بنِ الخطابٍ وقيل له : إن فلانًا يموتُ ، أفيوصِى ؟ قال : فليُوصٍ.
قال يحيى بن سعيدٍ: قال أبو بكرِ بنُ حزمٍ: وكان الغلامُ ابنَ عشرٍ سنينَ ، أو
اثنتَى عشْرةَ سنةً ، فأوصَى ببئرِ جُشَمَ ، فباعها أهلُها بثلاثين ألف درهم.
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٣٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/١١ - مخطوط) :
وبرواية أبى مصعب (٢٩٩٢). وأخرجه البيهقى ٢٨٢/٦، ٣١٧/١٠ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٦/١١و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٩٣).
وأخرجه البيهقى ٣١٧/١٠ من طريق مالك به .
٣٧

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : روَى ابنُ عيينةَ هذين الحديثَيْن ؛ الأُولُ عن عبدِ اللهِ بنِ
أبى بكرٍ، عن أبيه، عن عمرو بنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِىّ، أن غلامًا مِن غسّانَ
حضَرته الوفاةُ بالمدينةِ ، فقيل لعمرَ بنِ الخطابٍ: إن فلانًا يموتُ . قال :
مُؤُوه فلْيُوصِ. فأوصى ببئرٍ مُجُشَمَ ، قال: فبِيعت بثلاثين ألفًا . قال : وكان
الغلامُ ابنَ عشْرٍ سنينَ، أو اثنتَى عشْرةَ سنةً(١) . هكذا قال ابنُ عيينةً فى
حديثه، عن عبدِ اللهِ بنِ أُبی بکرٍ .
ورواه عن یحیی بن سعیدٍ ، عن أبی بکرٍ بن محمدٍ ، عن عمرو بنِ
سُلَيْمِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ مثلَه(٢).
وسفیادُ ، عن أيوب ، عن محمدٍ ، عن شریح، قال : مَن أوصَی مِن
صغيرٍ أو كبيرٍ فأصابَ الحقَّ ، فاللهُ قضاه على لسانِه، ليس للحقِّ مَدْفَعْ .
قال ابنُّ سيرينَ: وقاله عبدُ اللهِ بنُ عُتبةً(٣). قال سفيانُ: وقال ابنُ شُبْرُمَةً
وابنُ أبى ليلَى: لا تجوزُ وصيةُ مَن لم يبلُغْ. قال: وقال ابنُ شُبرمَةَ: أنا لا
أُجِيزُ صدقته ، فكيف أُجِيزُ وصيّتَه ؟!
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٤٣٠) عن سفيان بن عيينة به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٠)، وسعيد بن منصور (١٦٤١٠) عن سفيان بن عيينة به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٦٤١٥)، وسعيد بن منصور (٤٣٢) من طريق سفيان عن ابن سيرين عن
عبد الله بن عتبة .
٣٨

قال يحيى: سَمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا ، أن الموطأ
الضَّعيفَ فى عقلِه ، والسَّفِيهَ ، والمُصابَ الذى يُفِيقُ أحيانًا ، تجوزُ
وصاياهم إذا كان معهم مِن عقولهم ما يَعْرِفون ما يُوصُون به ، فأمَّا مَن
ليس معه مِن عقلِه ما يَعرِفُ بذلك ما يُوصِى به، وكان مغلوبًا على
عقلِه ، فلا وصيةً له .
قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا، أن الضعيفَ فى عَقْلِه، الاستذكار
والشّفيه، والمُصابَ الذى يُفِيقُ أحيانًا ، تجوزُ وَصَاياهم إذا كان معهم مِن
عُقُولِهم ما يعرِفون ما يُوصُون به ، فأما مَن ليس معه مِن عَقْلِه ما يعرِفُ به ما
يُوصِى به، وكان مغلوبًا على عقلِه، فلا وصيّةً له .
قال أبو عمرَ : أما وصيّةُ الصغيرِ إذا كان يعقِلُ ما أوصى به، ولم يأتِ
بمُنكَرٍ مِن القولِ والفعلِ، فوصِيَّتُه جائزةٌ ماضيةٌ عندَ مالكِ والليثِ
وأصحابِهما، ولا حدَّ عندَهم فى صِغَرِه ؛ عشر سنينَ ولا غيرُها ، إذا كان
ممن " يَفهمُ ما يأتى" به فى ذلك، وأصابَ وجهَ الوصيّةِ. وقال عبيدُ(٢) اللهِ
ابنُّ الحسنِ : إذا أوصَى فى وسَطِ ما يحتلِمُ له الغلمانُ جازَتْ وصيّتُه .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : لا تجوزُ وصيّةُ الصبى . وقال المُزَنُّ : هو قياسُ
قولِ الشافعىِّ، ولم أجِدْ للشافعيِّ فى ذلك شيئًا ذكّره ونصَّ عليه .
واختلف أصحابُه على قولين؛ أحدُهما كقولٍ مالكٍ. والثانى كقولٍ
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((يقيم ما أتى)).
(٢) فى الأصل، ح، هـ: ((عبد)).
٣٩

الموطأ
الاستذكار أبى حنيفةً. وحُجَّتُهم أنه لا يجوزُ طلاقُه، ولا عتقُه، ولا يُقْتَصُ(١) منه فى
جنايةٍ، ولا يُحَدُّ فى قذفٍ، فليس كالبالغ المحجورِ عليه، فكذلك
وصيَّتُه .
قال أبو عمرَ: قد أجمَع هؤلاء على أن وصيةَ البالغ المحجور عليه
جائزةٌ ، ومعلوم أن مَن يعقِلُ مِن الصبيانِ ما يُوصِى به فحاله حالُ المحجورِ
عليه فى مالِه، وعِلَةُ الحَجْرِ تبذيرُ المالِ وإتلافُه، وتلك عِلَّةٌ مرتفعةٌ عنه
بالموتِ ، وهو بالمحجورِ عليه فى مالِه أشبهُ منه بالمجنونِ الذى لا يعقِلُ ،
فوجب أن تَجوزَ (١) وصيّتُه مع الأثرِ الذى جاء فيه عن عمرَ رضِى اللهُ عنه .
وقال مالكٌ أنه الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَهم بالمدينةِ . وبالله التوفيقُ .
وأما قولُهم(٢) فى البالغ المحجورِ عليه، فقد مضَى فيه قولُ مالكٍ فى
هذا البابٍ من ((موطئِه)). وقال ابنُ القاسم عن مالكِ: إن حضَرته الوفاةُ
فأوصَی بوَصَایا ، فذلك جائزٌ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ فى كتابِ الحَجْرِ - ولم يَحْكِ خلافًا عن أحدٍ
مِن أصحابِهِ - : القياسُ فى وصَايا الغلامِ الذى قد بلَغ وهو مُفسِدٌ غيرُ
مُصلِحٍ، أنها باطلٌ، ولكنَّا نستحسِنُ فى وصَاياه إذا وافَق الحقَّ فيها ولم
القبس
(١) فى م: ((يقبض)).
(٢) فى م: (( تکون)).
(٣) فى م: (( قوله)).
٤٠