Indexed OCR Text

Pages 561-580

الموطأ
القضاءُ فى الهبةِ
الاستذ کار
بابُ القضاءِ فى الهبةِ(١).
القبس
كِتابُ الهِبَةِ
أصلُ الهبةِ على الحقيقةِ للهِ وحدَه ؛ لأن حقيقةً الهبةِ هو العطاءُ بغيرِ عِوَضٍ مما
لا يجبُ ، والذى يُعْطِى على الحقيقةِ بغيرِ عِوَضٍ ولا يجبُ عليه، هو اللهُ تعالى، ولا
يُتَصَوَّرُ ذلك فى الآدمىٌّ؛ لأنه مجبولٌ (١) على التَّلَفَّتِ إلى الأغراضِ؛ إما فى جلبٍ
منفعةٍ، وإما فى دفع مَضَرَّةٍ ، فلذلك كانت هِباتُه محمولةً على القصدِ إلى البَدَلِيّةِ
فيها، وقد " يكونُ توقُّعُ البدلِ من الآدمىٌّ فى هبتِه من اللهِ، فاسمُها صدقةٌ ، وقد )
يكونُ على تَوَقَّع البَدَلِ مِن الآدمىِّ، فبَقِى عليها اسمُها العالم، على عادةِ العربِ فى
إِطْلاقاتِها فى مثلِه. قال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِبًا لِيَرْبُواْ فِىَّ أَمْوَلِ اَلنَّاسِ
فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَلَنْتُم مِّن ذَكَوْمِ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ﴾ الآيةَ [الروم: ٣٩]. وقد
يُعطى الرجلُ على المروءةِ، وذلك مِن الشريعة، وجرَى مَجْرَى الصدقة . روى
مسلمٌ فى ((صحيحِه)) عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((كلُّ معروفٍ صدقةٌ))(٦).
وضرّب له النبيُّ ﴿ أمثلةً متعدّدةً مِن الواجب والمندوپ ، بیانُها فى موضعِها ،
(١) بعده فى ح، هـ: ((الثواب))، وفى ط: ((للوارث)).
(٢) فى ج، م: ((محمول)).
(٣ - ٣) سقط من : ج، م .
(٤) فى د: (( العرف)).
(٥) أشار فى حاشية ((د)) إلى أنه فى نسخة: ((جار)).
(٦) مسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة .
٥٦١
(موسوعة شروح الموطأ ٣٦/١٨)

الموطأ
الاستذكار
القبس وقد تكونُ الهبةُ لصلةِ الرَّحِمِ وهى مِن المعروفِ المُؤجّلِ العِوَضِ، وقد تكونُ
طلبًا لمحضِ العِوَضِ مِن الواهبِ فى مالِ الموهوبِ، فأمَّا مالكٌ فقضَى به،
وأما جمهور الفقهاءِ - منهم الحنفيةُ والشافعيةُ ، فحَرَّموه؛ لأنها مُبَايَعةٌ بثمنٍ
مجهولٍ، قالوا: ويجبُ أن تُخَلَّصَ العقودُ بألفاظِها لأحكامِها، فإن غُيُرتِ
الألفاظُ لم يَجُزْ إسقاطُ الشروطِ، وهبةُ الثوابِ مجهولةُ العِوَضِ، وذلك
حرامٌ، مجهولةُ الأمرِ، وذلك(١) لا يجوزُ، مُعَقَّبَةٌ بالمُنازَعَةِ، وتلك مزَابَنَةٌ
مُنْھٹ عنها بالإجماع، محظورةٌ بالاتّفاق. وقال علماؤنا: هذا كلُّہ صحیح،
إلا أن كلَّ عَقْدٍ نزَّله الشرعُ مَنْزِلتَه وبيَّنهُ(١) بشُروطِهِ، فالبيعُ وأحكامُّه على
مَساقِها، والهبةُ على موضوعِها، وإذا وهَب فصدرُ الهبةِ وفاتحتُها مُخَلَّصٌ مِنِ
جميعِ ما ذَكَرْتم، ولعلَّه لا يَطلُبُ العِوَضَ أبدًا، وربما كَرِهِ المُعْطِى المِنَّةَ()،
فبادَرَ بها مِن قبلِ أن يسألَه، فإن سأل المُعْطِى مكافأةً فيه ، فالغالِبُ مِن الخَلْقِ
المُبادَرةُ للمطلوبِ، والمُسامَحَةُ فيه، وإن وقَع التنازُيُ - وذلك قليلٌ -
وجَب عليه إعطاءُ القيمةِ فى المشهورِ، وقيل: هو على هبتِه حتى يُرِضَى
منها. وهو الصحيحُ؛ لأن الظاهرَ أنه لو أراد القيمةَ لعَرَضَها للسُّوقِ، وإنما
أراد أكْثَرَ منها .
حديثٌ : وقد تكونُ الهبةُ للقريبٍ، كما قال النُّعمانُ بنُّ بَشيرٍ أن أباه بشيرًا أتَى
(١) فى م: ((كذلك)).
(٢) فى م: (عينه)).
(٣) فى نسخة على حاشية د: ((الهبة)).
٥٦٢

الموطأ
الاستذكار
به النبيَّ نَ له فقال: إنى نَحَلتُ ابنى هذا غلامًا. فقال رسولُ اللهِ بَالِ: ((أَكُلَّ القبس
وَلَدِكْ نَحَلْتَه مثلَ هذا؟)). قال: لا. قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((فارْتَجِعْه)) . ورُوِى:
((فارْدُدْه)) ) . ورُوى: ((أَشْهِدْ على هذا غيرى))(١) . ورُوى: (إِنِّى لا أَشْهَدُ على
جَوْرٍ)) ). وروى أنه قال: ((أَتُحِبُّ أن يكونوا لك فى البِرّ سواءً؟)). قال: نعم.
قال: ((فسؤِّ بينهم فى العطئة))(٢) . هذا كلُه فى ((الصحيح))(١) . زاد أبو داود: ((إن
عليهم مِن الحقِّ أن يَرُّوك، وعليك أن تَعْدِلَ بينَهم)) (١) . واختلف فى جوازِ ذلك
قولُ مالك ، والصحیحُ جوازُه عندَه ، وبه قال أبو حنيفةً والشافعىُّ ، وقال أحمدُ بنُ
حنبلٍ: ذلك باطلٌ يجبُ فسخُه؛ لأن النبيَّ وَّهِ أَمَر بِرَدِّه، وقال فى
(الصحيحِ)): ((لا أشهَدُ على جَوْرٍ))(٤). وقال: ((أَتُحِبُّ أن يكونوا لك فى البِرِّ
سَواءً؟)). فعَلَّل بالعُقوقِ ، إلى ما يدخُلُ بينَهم مِن الشَّخْناءِ، وذلك يَقْتَضى
التحريمَ، ورَدُّه هو الصحيح فى الحكمِ .
فإن قيل : فقد قال: ((أَشْهِدْ على هذا غيرى)). قلنا: هذا هو تأكيدُ التحريم؛
(١) تقدم فى الموطأ (١٥٠٧).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٢٤، ٥٢٥ .
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٢٧، ٥٣٣، ٥٣٤ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٢٩، ٥٣٠ .
(٥) البخارى (٢٥٨٦، ٢٥٨٧، ٢٦٥٠).
(٦) أبو داود (٣٥٤٢) .
٥٦٣

الموطأ
الاستذكار
القبس لأن أمرًا لا يَرضاه رسولُ اللهِ وَّهِ ولا يَشْهَدُ به، مَن ذا الذى يَرْضاه أو يشهَدُ به ؟!
وسائر ألفاظِ الحديثِ نصِّ صَريح، فلا يُرَدُّ بهذا المُحْتَمَلِ.
وقد كان النبيُّ ◌َ ﴾﴿ يَقْبَلُ الهديَّةَ ویتیبُ عليها(١) . وروى البخارىُّ أنه كان لا .
تَرُدُّ طِيبًا لمَحَبَِّه فيه(١)، وجاء حديثُ وفدٍ هَوازِنَ وقولُ النبيِّ وَ ل﴿ للمسلمين فى
خُطْبِه: ((إن إخوانكم هؤلاءِ جاءوا تائيين)). إلى قوله: ((فمَن أحبَّ منكم أن
یطیب بذلك نفسًا فلیفْعَلْ ، ومن أحبّ أن يتقی علی حظّه حتى نُعطِیه إياه مِن أولِ
ما يُفِىءُ اللهُ علينا به فلْيَفْعَلْ))(١).
مُفاقَهَةٌ: لَهَا رأَى الناسُ أن عقدَ الهبةِ تبوعُ(١) مَخْضّ، قالوا: إنه لضعفِه لا
يَلْزَمُ إلا بالقَبْضِ. وإليه صَغَى أكثر الفقهاءِ؛ منهم الشافعىُّ وأبو حنيفةً ، وعَجَبًا
لهم، مِن أىِّ أصلٍ نَزَعوا إلى هذا الفصلِ ، والهبةُ عَقْدٌ مِن العقودِ، ومَبنَى العقودِ
على اللَّزومِ، ومَحِلُّها القولُ، منه يكونُ وبِه يَلْزَمُ، وما الإنسانُ لولا اللسانُ؟
وقد بيّن اللهُ عز وجل ذلك بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾
[المائدة: ١]. وما يَقِى بعدَ قولِ هذا: وهَبتُ. وبينَ قولِ الآخَرِ: قَبِلتُ؟
والكفالةُ تبرعُ(٤) باتِّفاقٍ، وَتَلْزَمُ بالقول بإجماع، فكيف غَفَلوا عن هذا؟ فإن
(١) تقدم تخريجه فى ٣٧٤/١٢، ٣٧٥ .
(٢) البخارى (٢٥٨٢).
(٣) البخارى (٢٥٨٣).
(٤) فى ج: ((عقد تبرع))، وفى م: ((عقد)).
٥٦٤

الموطأ
الاستذكار
قيل : كذلك كنا نقولُ كما ذَكَوْتم لولا قولُ أبى بكر الصديقِ لعائشةً: لو كُنتِ القبس
مُحُزْتِيه لكان لكِ، وإنما هو اليومَ مالُ الوارِثِ(١) . فبَيَّن أن الهبةَ إنما تكونُ هبةً
بالقَبْضِ، وأن انْفِرادَها عنها(١) مُبطِلٌ لها . قلنا: كيف تَعَلَّقْتم بهذا فى مثلِ هذا
الأصلِ العظيم، وهو قولُ الواحدِ مِن الصحابةِ، وقد قال أبو بكرٍ: إنَّ الجَدَّ
أبّ (٣) ؟ ولم يَقُلْ بذلك الشافعىُ، فقد وجَب والحالةُ هذه أن تقول : متى ما كان
الواهِبُ صحيحًا ، مالُهُ(٤) لم يَتَعَلَّقْ به حقٌّ لغيرِهِ، وجب عليه أن يَفِىَ بِعَقْدِه ويُسَلِّمَ
ما وهَب لصاحبِهِ، فإذا مَرِض تَعَلَّق به حقُّ الغيرِ، فلو كان عن مُعاوَضَةٍ مَحْضَةٍ
لوَجَب التسليمُ، وإذا كان عن تبرّعِ فحقُّ الغيرِ إذا تَعلّق بالمالِ مُنع مِن التبرّعِ،
أصلُه إذا تَعَلَّق بالمالِ حقوقُ الغُرمَاءِ. وعلى هذه النكتةِ نَّه الصدِّيقُ حينَ قال :
وإنما هو اليومَ مالُ الوارِثِ. فَوَجَدْنا لِرَدِّ الهبةِ فى المرضِ أصلًا فحمَلْناه(٥) عليه ،
وبَقِيَتِ الهبةُ فى الصحةِ على أصلِ العقودِ ومُمومِ الكتابِ، أَوَلا تَّرَى مسألةً أن
الزوجةَ لَئًّا تَعَلَّق بمالها حقُّ الزوج، لم يَجُزْ لها عطيةٌ إلا بإذن زوجها ، على ما يُنّاه
فى ((مسائل الخلاف))؟ وقد روَى أبو داود والنسائىُ: ((لا تجوزُ لامرأةٍ عَطِيَّةً إلا
پإذن زوجها » . إلا أن یکونَ عِثْقًا؛ فقد روى البخارىُّ أن میمونةً کانت لها
(١) تقدم فى الموطأ (١٥٠٨).
(٢) فى ج، م : ((عنه).
(٣) البيهفى ٢٤٦/٦ .
(٤) بعده فى ج، م: ((له)).
(٥) فى د: ((فجعلناه)).
(٦) أبو داود (٣٥٤٧)، والنسائى (٣٧٦٦).
٥٦٥

الموطأ
الاستذكار
القبس جاريةٌ فأعْتَقَتْها، فلمَّا جاء النبيُّ وَلَّهِ إِليها قالت: يا رسولَ اللهِ ، أَشَعَرْتَ أَنِّى قد
أعتقتُ جاريتى؟ قال: (أَمَا إِنك)) لو أَعْطَيِها لأَخْوالِكِ لكان أعْظَمَ لأجرِكٍ))(١).
فبيَّن أن الصدقةَ أَفْضَلُ مِن العِثْقِ، ولكنْ مع الحاجةِ ، فأمَّا مع عدم الحاجةِ فالعِتقُ
أفضلُ، وقد بيَّاه فى ((شرح الحديثِ)) مُسْتثنَى مِن الأصلِ. ولمَّا كانتِ الهبةُ عَقْدًا
لازمًا بالقولِ عندَنا ، وبالقبضِ إجماعًا ، ووقَع التَّعليكُ فيها ، وكان كلُّ ذی مِلْكِ
أَوْلَى بِمِلْكِه، وكان كلُّ ذى حقٍّ أخصَّ بحقِّه - استثنتِ الشريعةُ مِن ذلك ما رأتْ
أن فيه مصلحةً للطائفتَيْن مِن الواهبِ والموهوبِ، فقال النبيُّ وَّهِ، فيما رواه
عمرُو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، وما رواه ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ أن النبيَّ وَلِيه
قال: ((لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يُعْطِىَ عَطيَّةً فيرجِعَ فيها، إِلَّ الوالدَ (١) فيما يُعْطِى ولدَه،
والعائِدُ فى هِيَّتِه كالكلبٍ يعودُ فى قَتِه)) . فبيَّن المُسْتَثْنَى وأبْقَى سائرَ الهِبَاتِ
على أصلِ التحريمِ ، وكانتٍ الحكمةُ فى جَعْلٍ ذلك بينَ الوالدِ والولدِ ، ما له عليه
مِن سَلْطَنَةِ الإيجادِ ، وحقّ الكفالةِ والتّربيةِ، وذِمامُ الذَّبِّ عنه والنُّصْرةِ وسيلةٌ(٤)
رمجوعِ مالِه إليه كلَّه آخِرَ الأمرِ، وإلى هذا وقَعَتِ الإشارةُ بقولِ النبيِّ وَالِهِ: ((إنَّ
أَفْضَلَ ما أكَل أحَدُكم مِن كَسْبِهِ، وإِنَّ وَلَدَ الرجلِ مِن كَسْبِهِ)) (٥). وقَلَب أبو حنيفةً
القوسَ رَكْوةً(١) فقال: لا يَحِلُّ للأُبِ أن يَرْجِعَ فیما وَهَب لولده ؛ لِمَا فی ذلك مِن
(١) البخارى (٢٥٩٢) .
(٢) فى النسخ: ((الواهب)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٥٧٤ ، ٥٧٥ .
(٤) فى د: ((ووسيلة)).
(٥) أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذى (١٣٥٨)، والنسائى (٤٤٦٤)، وابن ماجه (٢١٣٧).
(٦) ينظر ما تقدم ص ٣٦ .
٥٦٦

الموطأ
الاستذكار
تَغييرِ القلبِ وتَوقُّع العُقوقِ، وفى الأجنبىِّ لا يُيالى به، إنما مَقْصِدُه مالُه وكَسْبُه، القبس
فإن وَصَله وَصَله، وإن قَطَعه قَطَعه. قلنا: لا رَأْىَ لمَغْلوبٍ، أنت تقولُ هذا،
والنبىُّ بَّه قد بَيَّن محكمَه وأوجْبَ الرُّجوعَ له. فإن قالوا: هذا الحديثُ ليس
بصحيحٍ. قلنا: أنتم تقولون هذا وليس لكم حديثٌ مِثْلُه، وصحيفةُ عمرو بنِ
شُعیبٍ ، عن أبيه، عن جدِّه، هی نُضارُكم()، ومحرّ متاعِكم()، والمَغْنَی علیکم،
زائدًا إلى هذا فإنَّ كلَّ ولدٍ يطلُبُ والدُّه مالَه الذى لم يَسْتَفِدْه مِن جهتِهِ، فِيَقِفُ
دونَه، لا يُعَدُّ مِن البَرَرَةِ، فما ظَنُك بما كان أصلُه مِن عندِه؟! فإن قيل:
فالحديثُ الصحيحُ يُعارِضُه، قال النبيُّ وَّهِ: ((العائدُ) فى صدقتِه كالكلبٍ يعودُ
فى قَيِه))(٤). قلنا: قد أُشْبَعْنا القولَ فى هذا الحديثِ فى ((مسائلِ الخلافِ))
و ((شرحِ الآثارِ))، والمُعتَمَدُ الآنَ لكم أنه عامّ مُطلَقٌ، وحديثُنا خاصَّ مُقيّدٌ،
والخاصّ يَقْضِى على العامّ باتفاقٍ .
تَتْمِيمٌ: وقد نَّه مالكٌ على تكملةٍ فى هذا الحديثِ وتَوْفِيَّةٍ للنظرِ ، فقال: إن
عَطِيَّةَ الوالدِ لولدِه مُحْتَمِلةٌ ، فما كان للهِ ويدُلُّ عليه لفظُ الصدقةِ ، فلا رجوعَ فيه ؛
لأن المعاملةَ مع اللهِ تعالى لا يَتَطَرَّقُ إليها فَسْخْ مِن جهةِ الآدمىِّ، فإن تَزَوَّج الولِدُ أو
ادَّانَ، فحَقُّ الزوجةِ والمِدْيانِ (١) أقْوَى مِن حقِّ الوالدِ. فخَرَجَتِ المسألةُ الأُولَى
(١) النضار: الخالص من جوهر التبر والخشب . التاج (ن ضر).
(٢) فى م: (( مالكم)).
(٣ - ٣) ليس فى : د.
(٤) تقدم فى الموطأ (٦٢٩) .
(٥) رجل مديان: الذى يُقرض الناس . التاج (د ی ن).
٥٦٧

الموطأ
١٥١١ - مالكٌ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبى غَطَفانَ بنِ
طَرِيفٍ المُرِّىِّ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن وهَب هِيَةً لصلة رَحِم ،
أو على وجهٍ صدقةٍ، فإنه لا يَرجِعُ فيها، ومَن وهَب هِبَةً يَرَى أنه إنَّما
أراد بها الثوابَ ، فهو على هبتِه، يَرجِعُ فيها إذا لم يُرْضَ منها .
الاستذكار
مالكٌ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبى غطّفانَ بنِ طَرِيفِ المُرِّىِّ ، أن
عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن وهَب هبةً لصلةٍ رحم ، أو على وجهٍ صدقةٍ ،
فإنه لا يرجِعُ فيها، ومَن وهَب هبةً يرى أنه إنما أراد بها الثوابَ ، فهو على
هيته، يرجعُ فيها إذا لم يُرضَ منها (١).
قال أبو عمر : رؤی سفیانُ بنُ عیینةً ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن سالمِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن وهَب هبةً فلم يُثَبْ
منها ، فهو أحقُّ بها(٢).
"وعن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، ("عن الأسودِ)، أن عمرَ بنَ
الخطاب قال: من وهَب هبةً فلم يُقَبْ منها، فهو أحقُّ بها،
القبس عن أن تكونّ مُرادةً بالحديثِ ، وخُصَّ الحديثُ فى المسألة الثانيةِ بما هو أقْوَّى مِن
عمومه، حَتَبَ ما بَيْنَاه فى أُصولِ الفقهِ .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٠٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/١١ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٩٤٧). وأخرجه الشافعى ٦١/٤، ٢٣٢/٧، والطحاوى فى شرح المعانى
٨١/٤، والبيهقى ١٨٢/٦ من طريق مالك به ، وعندهم جميعًا بزيادة مروان بن الحكم.
(٢) أخرجه البيهقى ١٨١/٦ من طريق سفيان به .
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ .
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، ط، م، والمثبت من مصدر التخريج، ومما تقدم ص ٥٤٠.
٥٦٨

الموطأ
قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندنا أن
الهبةً إذا تغيّرتْ عندَ المؤهوبِ له للثّوابِ بزیادةٍ أو نُقصانٍ ، فإن علی
المَؤهوبِ له أن يُعطِىّ صاحبَها قيمتها يومَ قّبَضها .
إلا لذى رحم (١).
الاستذكار
وعن أيوب ، عن ابنٍ سيرينَ، عن شريح، قال: مَن أعطَى فى صلةٍ
رحم، أو قرابةٍ، أو حقٍّ، أو (٢) معروفٍ(٣)، فعطيتُه جائزةٌ، والطالبُ(٤)
المستغزژ يُتابُ مِن هبتِه أو ترَدُّ إليه(٢) .
قال مالك : الأمر عندنا أن الهبةَ إذا تغيّرت عند الموهوب له للثواب بزيادةٍ
أو نقصانٍ ، فإن على الموهوبٍ له أن يُعطِىَّ صاحبَها قيمتها يومَ قبَضَها .
قال أبو عمرَ : نذكُرُ فى هذا البابِ أقاويلَ الفقهاءِ فى الهبة للثواب ،
وقد أرجأتُ القولَ فى الرجوع فى الهبةِ لذی رحم وغيره إلى باب الاعتصارِ
فى الصدقةِ بعد هذا(٧) . إن شاءَ اللهُ تعالى.
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٨١/٤ من طريق الأعمش به .
(٢) ليس فى : الأصل ، ط .
(٣) فى ح، هـ: ((بمعروف)).
(٤) فى م، ومصادر التخريج: ((الجانب)).
(٥) فى ح، هـ: ((المستعرر)، وفى م: ((المستعزز)). والمستغزر: هو الذى يطلب أكثر مما يُعطِى. ينظر
النهاية ٣٦٥/٣.
(٦) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٨٣، ووكيع فى أخبار القضاة ٣٥٧/٢ من طريق سفيان به .
(٧) سیأتی ص ٥٧٣ - ٥٧٧ .
٠
٥٦٩

الموطأ
٤
الاستذكار
قال أبو عمرَ : مذهبُ مالكِ فى الهبةِ للثوابِ أنها جائزٌ غيرُ مردودةٍ ،
إذا قبضها الموهوبُ له كان للواهبٍ (١) مطالبتُه بالثوابٍ منها ، ذا رحم منه
كان أو غيرَه، إلا أن يكونَ فقيرًا يرى أنه أراد بها الصدقةً عليه، فلا ثوابَ
فيها (١) حينئذٍ، والموهوبُ له مُخيٌَّ فى ردِّها أو إعطاءِ العوضِ منها ، هذا ما
لم تتغيّر عنده بزيادة أو نقصانٍ ، فإن تغيّرت عنده بزيادة أو نقصانٍ ، كان
للواهبِ قیمتُها یوم قبضها الموهوبُ له .
وكان إسحاقُ بنُ راهُويَه يذهبُ فى ذلك إلى قولٍ مالكٍ .
وروى عن عمرَ، وعلىٍّ، وفَضالةَ بنِ عبيدٍ، جوازُ الهبةِ للثوابٍ (١).
وأما الشافعىُّ ، فالهبةُ للثوابِ عندَه باطلٌ مردودةٌ ليست بشىءٍ . وهو قولُ
أبى ثورٍ ، وداودَ ؛ لأنها معاوضةٌ على مجهولٍ غيرِ مذكورٍ ، وذلك بيعٌ لا
يجوزُ .
وأما أبو حنيفةً وأصحابُه ، فالهبةُ للثوابِ عندَهم جائزةٌ ، على نحوٍ ما
ذهَب إليه مالكٌ فى ذلك، وإن زادَتْ عندَ الموهوبِ له، أو نقَصت ، أو
هلَکت ، لم یکن للواهبِ فیھا رجوع إن کانت لذی رحم؛ لأنها حينئذٍ
صلةٌ خالصةٌ له. وهو قولُ الثورىِّ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عليه)).
(٢) فى الأصل: ((الموهوب)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٥٢٦، ١٦٥٢٨)، والمحلى ٨٩/١٠، ٩٠.
٥٧٠

الموطأ
الاستذكار
وجملةُ قولِ الكوفيِين فى الهبةِ للثوابٍ ، أن كلِّ هبةٍ وقَعت على شرطٍ
عوض ، فھی والعوضُ منها علی حکم الھبة ، لا تَصِحُ ما لم تُقبضْ ، ويَمنُ
كلَّ واحدٍ منهما صاحبه إن شاء، فإن مضَت وقُبِض العوضُ منها ، فهى
كالبيع، ويَردُّ كلَّ واحدٍ منهما ما وجَد فيه العيبَ مِن ذلك إن شاء.
وقال أحمدُ بنُّ حنبلٍ: ليس لأحدٍ رجوعٌ ولا ثوابٌ فى هبةٍ ولا هديةٍ ؛
لقولٍ رسولِ اللهِ وَّهِ: ((العائدُ فى هبتِه كالكلبٍ يعودُ فى قَيْئِه)). وهو قولُ
داودَ وأهلِ الظاهرِ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنى الخُشَنِىُ، قال:
حدَّثنا (« ابنُ أبي عمرَ)، قال: حدَّثنی سفيانُ، عن أيوب ، عن عكرمةَ،
عن ابنِ عباسٍ، أن النبيُّ وَ لِّ قال: ((ليس لنا(١) مثلُ السَّوءِ؛ العائدُ فى هبتِه
كالكلبٍ يعودُ فى قَيِهِ))(١).
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((ابن عمر)).
(٢) فى ح، هـ، م: (منا)).
(٣) أخرجه الحميدى (٥٣٠) عن سفيان بن عيينة به، وأخرجه أحمد ٣٦٦/٣ (١٨٧٢)،
والبخارى (٢٦٢٢، ٦٩٧٥)، وفى الأدب المفرد (٤١٧)، والترمذى (١٢٩٨)، والنسائى
(٣٧٠١) من طريق أيوب به .
٥٧١

الموطأ
الاعتِصارُ فى الصدقةٍ
١٥١٢ - قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ عندَنا الذى لا
اختلافَ فيه، أن كلِّ مَن تَصَدَّق على ابنِه بصدقةٍ قبَضها الابنُ ، أو
كان فى حَجْرٍ أبيه، فَأَشْهَد له على صدقتِه ، فليس له أن يَعتَصِرَ شيئًا مِن
ذلك؛ لأنه لا يُرجَعُ فى شىءٍ مِن الصدقةِ .
قال: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا فيمَن نحَل
ولدَه نُخْلًا، أو أعطاه عطاءً ليس بصدقةٍ ، أن له أن يَعتَصِرَ ذلك ، ما لم
يَسْتَحْدِثِ الولدُ دَيْنًا يُدايِنُه الناسُ به، ويأمنُونَه عليه مِن أَجلِ ذلك
العطاءِ الذى أُعْطاه أبوه ، فليس لأبيه أن يَعتَصِرَ مِن ذلك شيئًا، بعدَ أن
تكونَ عليه الدُّيُونُ .
الاستذكار
بابُ الاعتصارِ فى الصدقةٍ
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا الذى لا اختلافَ فيه ، أن كلّ مَن تصدَّق على
ابنِه بصدقةٍ قبَضها الابنُ، أو كان فى حَجْرِ أبيه، فأشهَد له على صدقتِه ،
فليس له أن يعتصِرَ شيئًا مِن ذلك؛ لأنه لا يُرجَّعُ فى شىءٍ مِن الصدقةِ .
قال مالكٌ: الأمرُ المجتمع عليه عندَنا فيمَن نحَل ولدَه نُخْلًا ، أو أعطاه
عطاءً ليس بصدقةٍ ، أنَّ له أن يعتصرَ ذلك، ما لم يَستحدثِ الولدُ دَيْنًا يُداينُه
القبس
٥٧٢

الموطأ
قال مالكٌ: أو يُعطِى الرجلُ ابنتَه أو ابنَه المالَ، فتَنكِحُ المرأةُ
الرجلَ، إِنَّما تنكِحُه لغِناه، وللمالِ الذى أعطاه أبوه ، فيريدُ أن يَعْتَصِرَ
ذلك الأَبُ، أو يَتَزَوَّجُ الرجلُ المرأةَ قد نحَلها أبوها النُّعْلَ، إنَّما
يَتَزَوَّجُها ويَرفَعُ فى صَداقِها لغناها ومالِها وما أعْطاها أبوها، ثم يقولُ
الأُبُ : أنا أُعتَصِرُ ذلك . فليس له أن يعتصِرَ مِن ابنه ولا من ابنته شيئًا
مِن ذلك ، إذا كان على ما وصفتُ .
الناسُ به ويأمنونه عليه ، مِن أجل ذلك العطاءِ الذى أعطاه أبوه، وليس لأبيه الاستذكار
أن يعتصِرَ مِن ذلك شيئًا، بعد أن تكونَ عليه الديونُ .
قال مالكٌ: أو يعطِى الرجلُ ابنتَه أو ابنَه، فتنكحُ المرأةُ الرجلَ ، إنما
تنكِحُّه لغناه وللمالِ الذى أعطاه أبوه، فيريدُ أن يعتصرَ ذلك الأبُ ، أو
يتزوَّجُ الرجلُ المرأةَ قد نحَلها أبوها النُّحْلَ، إنما يتزوَّبجها ويرفعُ فى
صداقِها لغناها ومالها وما أعطاها أبوها، ثم يقولُ الأَبُ: أنا أعتصرُ
ذلك . فليس له أن يعتصرَ مِن ابنه ولا مِن ابنته شيئًا مِن ذلك ، إذا کان
على ما وصَفتُ(١).
قال أبو عمرَ : قد قلنا : إن الاعتصارَ عندَ أهلِ المدينةِ هو الرجوعُ فى
الهبةِ والعطيّةِ، ولا أعلمُ خلافًا بينَ العلماءِ أن الصدقةً لا رجوعَ فيها
القبس
(١) الموطأ برواية يحبى بن بكير (١٢/١١ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٥٠ - ٢٩٥٢).
٥٧٣

الموطأ
الاستذكار للمُتصدِّقِ بها ، وكلُّ ما أُرِيدَ به مِن الهباتِ وجهُ اللهِ تعالى فإنه يجرِى
مَجرى الصدقةِ فى تحريم الرجوع فيها . وأما الهباتُ إذا لم يَقُلِ الواهبُ
فيها : للهِ . ولا أراد بهبتِه معنَى الصدقةِ المُخرَجةِ للهِ عزَّ وجلّ، فإن العلماءَ
اختلفوا فى ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فمذهبُ مالكِ فيما ذكّره فى (( موطئِه))
على ما أورَدناه؛ مِن تخصيصٍ تركِ رجوع الأبِ فى هيتِه لولدِه، إذا
نكّحت الابنةُ ، أو استدانَ الابنُ، ونحو ذلك على ما تقدَّم وصفُه . وأما
الشافعىُ، فليس لأحدٍ عنده أن يرجعَ فى هبتِه إلا الوالدَ، ثم وقَف عن
ذلك، فقال: لو اتَّصل حديثُ طاوسٍ: ((لا يحلُّ لواهبٍ أن يرجعَ فى هبتِه
إلا الوالدَ)). لقلتُ به، ولم أزِدْ() واهبًا غيرَه، وهَب لمن يستثِيبُ منه،
أو لمن لا یستثیبُ منه .
قال أبو عمرَ : قد وصَل حديثَ طاوسٍ حسينٌ المُعلِّمُ ، وهو ثقةٌ لیس به
بأس .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا
حسينٌ المُعلِّمُ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عمرَ وابنٍ
القبس
(١) فى ح، ط: ((أرد).
(٢) فى ح، هـ: (من).
٥٧٤

الموطأ
الاستذ کار
عباسٍ، أن النبيَّ وَ لِ قال: ((لا يحلُّ لأحدٍ أن يُعطِىَ عطيَّةٌ أو يهَبَ هبةً ثم
يرجعَ فيها ، إلا الوالدَ فيما يُعطِى ولدَه، ومثَلُ الذى يعطِى العطيَّةَ ثم يرجعُ
فيها كمثَلِ الكلبِ يأكلُ، فإذا شبع قاءً، ثم عاد فى قَيْتِه))(١) .
قال أبو عمرَ: أما قولُهُ وَلِّ: ((العائدُ فى هبتِه كالكلبٍ يعودُ فى
قَيِه)). فلا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ فى صحةِ إسنادِه .
ومِن أحسنٍ أسانيدِه حديثُ شعبةً، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ
المسئَّبِ، عن ابنِ عباسٍ(٢) .
٠
وأما قولُهُ وَّهِ: (( لا يحلّ لواهب أن يرجعَ فى هبتِه إلا الوالدَ)). فليس
يَتَّصلُ إِسنادُه إلا مِن حديثٍ حسينِ المُعلِّمِ، كما وصَفتُ لك . وبه قال أبو
ثورٍ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: كلُّ مَن وهَب هبةً لذى رحمٍ محرَّمةٍ ؛
كالأخٍ، والأختِ، ("وابنِ الإخوةِ؟ والأخواتِ، وكذلك الأعمامُ والعماتُ،
والأخوالُ والخالاتُ ، والآباءُ وإن علوا، والبنونَ وإن سفَلوا، وكلُّ من لا
القبس
(١) أبو داود (٣٥٣٩). وأخرجه أحمد ٢٦/٤ (٢١١٩)، وأبو يعلى (٢٧١٧) من طريق يزيد
ابن زريع به، وأخرجه أحمد ٢٧/٤ (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٣٧٧)، والترمذى (١٢٩٩،
٢١٣٢)، والنسائى (٣٦٩٢، ٣٧٠٥) من طريق حسين المعلم به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٢١/٤ (٢٥٣٠)، والبخارى (٢٦٢١)، ومسلم (٧/١٦٢٢)، وأبو داود
(٣٥٣٨)، وابن ماجه (٢٣٨٥) ، والنسائى (٣٦٩٨، ٣٦٩٩) من طريق شعبة به .
(٣ - ٣) فى الأصل، ط: ((وابن الأخت))، وفى ح: ((والإخوة)).
٥٧٥

الموطأ
الاستذكار يحلّ له نكاحها، لو (١) كانت امرأةً مِن جهةِ النسبِ والصّهْرِ، وكذلك
الزوجان إن وھب أحدُهما لصاحبه، لم یکٹ للواهبِ لهم أن یرجعَ فی
هبته، کما لیس للمتصدق أن يرجع فی شیءٍ مِن صدقته . فإن وهب لغيرِ
هؤلاءٍ، فله الرجومُ فی هبته ، ما لم تَزِدْ فى بدنها أو يزيدُ فيها الموهوبُ له ،
وما لم يَمُتْ واحدٌ منهما، وما لم تخرج الهبةُ مِن ملْكِ الموهوبِ له
إلى مِلكِ غيرِهِ، وما لم يُعوّضِ الموهوبُ له الواهبَ عوضًا يقبلُه
ويقبِضُه منه، فأىّ هذه الأشياءِ " كانت فلا رجوعَ فى الهبةِ معه،
كما لا يرجعُ فى الصدقةٍ، ولا فيما وهَب. لذى رحم محرّمةٍ منه،
ولا فيما وهَب أحدُ الزوجين لصاحبِه، وإذا لم تكنْ هذه الأشياءُ
والشروطُ التى ذكّرنا، والأوصافُ التى وصّفنا، كان للواهبِ الرجوعُ
فى الهبة، ولا ترجئ إليه إلا بحكم الحاکم له بها، أو تسلیم مِن
الموهوب له. هذا كلّه قولُ أبى حنيفةً وأصحابِه فيما ذكّره الطحاوىُّ
عنهم فى (مختصره) .
ومحجّتُهم فى ذلك الحديثُ عن عمرَ رضِى اللهُ عنه مِن روايةٍ مالكٍ
وغيرِه ، عن داود بن الحصينِ ، عن أبى غَطَفَانَ، عن مروانَ، عن عمرَ ، أنه
القبس
(١) فى الأصل، م: (و).
(٢) فى الأصل، م: ((منهم).
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((كان فالرجوع).
٥٧٦

الموطأ
الاستذكار
قال: مَن وهَب هبةٌ لصلةٍ رحم أو على وجهِ الصدقةٍ (١) . فسؤى بينَ الهبةٍ
لذى الرحم وبينَ الصدقةِ .
ورؤّى الأسودُ ، عن عمرٌ مثلَّه فيمَن وهَب لصلةٍ رحم أو
.(٢)
قرابة(٢).
وليس فى حديثٍ عمرَ ذكرُ الزوجين، ولا فرَّقَ بينَ الرحم المحرَّمَةِ
وغيرٍ المحرمةِ ، كما فعل الكوفيون .
والأصلُ عندى الذى تلزمُ الحجّةُ به، أنه لا يجوزُ لأحدٍ الرجوعُ فى
هيتِه؛ لقولِه وَ له: ((العائدُ فى هبتِه كالكلبٍ يعودُ فى قَيِهِ))(٢). إلّا أن
تثبتَ سنةٌ(٤) تخُصُ هذه الجملةَ، أو يتفِقَ على معنَى مِن ذلك علماءُ الأُمةِ .
وبالله التوفيقُ .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٥١١).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٤٠.
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٧٥ .
(٤) فى ح، هـ: ((هبة)).
٥٧٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٧/١٨)

الموطأ
القضاءُ فى العُمْرَى
١٥١٣ - مالك، عن ابن شهاب ، عن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ
ابنِ عوفٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصارِىِّ، أن رسولَ اللهِ وَ الإِ قال:
(أُما رجلٍ أُعمِرَ عُمْرَى له ولعَقِبِهِ، فإنها للذى يُعْطاها، لا تَرجِعُ إلى
الذى أعطاها أبدًا)). لأنه أعطَى عطاءً وَقَعَت فيه المواريثُ .
التمهید
مالكٌ(٥) ، عن ابن شهابٍ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ،
عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِقال: ((أيُّمَا رجلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى له
ولِعَقْبِهِ، فإِنَّها للذى أُعطِيَها، لا تَرجِعُ إلى الذى أَعْطَاهَا)). لأنَّه أَعْطَى
القبس
القضاءُ فى الغُمْرَى
روَى مالكٌ وغيرُه من الأئمةِ باتِّفاقٍ، عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ، أن النبيَّ وَج هل
قال: ((مَن أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعَقِبِه، فإنها للذى يُعْطاها، لا تَرْجِعُ إلى الذى
أعطاها)) - زاد مالكٌ: ((أبدًا)) - لأنه أعطَى عطاءً وَقَعَت فيه المواريثُ . قال
الشافعىُّ وأبو حنيفةً وكثيرٌ من العلماءِ: مَن أَعْمَر عُمْرَى رجلًا، كان ذلك له
حياته ، فإذا مات رَجَعَتْ إلى الذى أَعْطاها، أو إلى أحقُّ الناسِ بميراثِه يومَ مات ،
وتَرَكَّب عليه التوريثُ ، فإن أَعْمَرَهِ وعَقِبَه، فإنها مِلْكٌ مَخْضٌ لا تَرجِعُ إلى الذى
أعطاها أبدًا، كما لو وهَب أو باع، وهو ظاهرُ قولِ مالكٍ فى ((الموطأ)). والقولُ
(*) من هنا إلى آخر شرح هذا الحديث لا توجد لدينا نسخ خطية سوى النسخة المطبوعة .
٥٧٨

الموطأ
التمهيد
عطاءً وقَعت فيه المواريثُ(١) .
هكذا هو هذا الحديثُ عندَ كلِّ الرُّوَاةِ عن مالكِ . ورَوَاه معمرٌ، عن
الزهرى ، عن أبى سلمةً بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبدِ اللهِ ، قال : إنما
العُمْرَى التى أجاز رسولُ اللهِ وَّهِ أن يقولَ: هى لك ولعَقِك. فأمَّا إذا
الثانى - وهو المشهورُ اليومَ عندَ الناسِ - أنه إذا انْقطَع العقِبُ رَجَعَت إلى أقربِ القبس
الناسِ بِالمُعْمِرِ. وقال سائرُ الفقهاءِ: تَرْجِعُ إلى بيتِ المالِ كسائرِ المواريثِ .
وتَعَلَّقوا بظاهرِ الحديثِ، وهو قولُه: ((لا تَرْجِعُ إلى الذى أعطاها)). ولا سيَّما بزيادةٍ
مالك فى قوله: ((أبدًا)). وهذا قَطْعٌ محضّ، وقد تَكَلَّم العلماءُ على ذلك دليلاً
وسؤالاً وجوابًا. وها نحنُ نُثْرِزُ لكم نُكْتَةً(١) مَجْلُوَّةً فى مِنَصَّةِ البيانِ، فنقولُ:
العُمْرَى فُعْلَى؛ مِن العُمُرِ، إِمَّا عُمُرُ المُعْطِى وَإِمَّا عِمُرُ المُعْطَى. فقد يقولُ:
أَعْطَيْتُك مَدَى عُمُرِك، أو عُمُرِى، أو عمُرٍ عَقِبى. أو يقولُ: أعطيتُك ◌ُمرَك أو
عَقِبَك وعمرَهم . وقد اتَّفَقْنا على أنه لو كان الحُكمُ مُعلَّقًا بِعُمُرِ المُعْطِى ، لَمَا كان
تَعْلِيكًا مَحْضًا، فكذلك فى عمُرِ المُعْطَى، وتَخريرُه على صِيَغِ القياسٍ: محكمٌ
مُعلَّقٌ بأحدِ العُمرَيْن(٢)، فلم يكنْ على التأبيدِ أضْلُه الثانى، وهذا الفقهُ صحيحٌ
تگشِفُ حقیقةً الحدیثِ ، ويُُِّ لکم مَقْصِدَ الرسول پێ فی بیانِ الحكم ، وذلك
أن العُمْرَى نصفُ هِبَةٍ ، إِذ الهبةُ يكونُ لها مَحِلَّان؛ مِلكُ الرقبةِ ومِلكُ المَنافعِ،
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨١١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/١١ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٩٥٣). وأخرجه مسلم (٢٠/١٦٢٥)، وأبو داود (٣٥٥٣)، والترمذى
(١٣٥٠)، والنسائى (٣٧٤٨) من طريق مالك به .
(٢) بعده فى ج، م: ((مجهولة)).
(٣) فى د: ((المعمرين)).
٥٧٩

الموطأ
التمهيد قال: هى لك ما عِشْتَ. فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها. قال معمرٌ: وكان
الزهرىُّ يُفْتِى بذلك(١).
قال محمدُ بنُّ يحيى الذَّهْلِئُ فى حديثٍ معمرٍ هذا: إنَّما مُنْتَهاه إلى
قوله : هى لك ولِعَقِبِكَ. وما بعدَه عندَنا مِن كلام الزهرِىِّ. قال: وما روّاه
أبو الزبير، عن جابرٍ (١)، يُوهِنُ حديثَ معمرٍ هذا. قال : وقد رواه ابنُ أبی
ذئبٍ، ومالكٌ، وابنُ أخى الزهرىِّ(٢)، وليثٌ(٤) ، على خلاف ما رَواه
القبس وقد يَجْتَمِعان للشخصِ الواحدِ بأن يُطْلِقَ الهبةَ إِطلاقًا، وقد يَنْفَردان فيُعْطِيه المنفعةً
دون الرقبة ، وهى العُمرَى، فإنه لو قال: أسكنتُك هذه الدار وعقتك . لكان تَضْریحًا
بهِيَّةِ المنافعِ، وكذلك: عَمَرْتُك. وقد تُجْعَلُ الرقبةُ لشخص والمنفعةُ لآخَرَ، فيقولُ:
أَعْمَرْتُك وعَقِبَك هذه الدارَ، وجعَلتُ رقبتها لفلانٍ وعَقِبِهِ. فإذا كانت تَنْفَصِلُ فى
أنواعِها اسمًا وحقيقةً وحُكمًا ، فكيف تُجعَلُ بابًا واحدًا؟ وقد تَبَّن بذلك أُنَّ النبىّ:
أراد: مَن وهَب منافعَ دارٍ - مثلاً - لرجلٍ ولعقبه ، فإنه لا تَرْجِعُ إليه إذا مات ذلك الرجلُ
المُعْمَرُ؛ لأنه أُعطَى عطاءً وَقَعَت فيه المواريثُ. يُريدُ أنَّ المَنَافِعَ قد اسْتَحَقَّها العَقِبُ
مِن بعدِ مَوْرُوثِهم ، فكيف تَرْجِعُ إلى الذى أُعْطاها حتى يَنْفَرِضَ جميعُهم؟ وأمَّا مسألةٌ
الُقْبِى فهى مخاطرةٌ داخلةٌ فى الغَرَرِ ، خارجةٌ عن المعروفِ ، وبيانُها فى موضعها .
(١) أخرجه أحمد ٣٥/٢٢ (١٤١٣١)، ومسلم (٢٠/١٦٢٥)، وأبو داود (٣٥٥٥) من
طريق معمر به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٩٠، ٥٩١، ٥٩٣.
(٣) أخرجه أحمد ١٥٦/٢٣ (١٤٨٧١) من طريق ابن أخى الزهرى به .
(٤) سيأتى تخريجه ص ٥٨٢.
٥٨٠