Indexed OCR Text

Pages 481-500

الموطأ
الثانی، إذا كان الرجلُ راكبًا، فأصابتْ بیدِها أو برجلها ، أو فِيها ، أو
ذنيها، مِن كَشْرٍ (١) وجرحٍ، فهو ضامنٌ له ؛ لأنَّ عليه مَنْعَها فى تلك الحالِ
مِن كلِّ ما تُتْلِفُ به أحدًا .
التمهید
قال أبو عمرَ : قد مضى القولُ فی ضمانٍ ما جنته البهائم مستوعَبًا كافيًا
مُهذَّبًا فى بابِ ما رَواه ابنُ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ مِن هذا
الكتاب، عندَ قولِه ◌َله: ((جَرْحُ العَجْمَاءِ مُجُبَارٌ)) (١). فأغنَى عن إعادتِه
هاهنا .
فأمَّا فسادُ الزروع والحوائطِ والكرومِ ؛ فقال مالكٌ ، والشافعىُ، وأهلُ
الحجاز، فی ذلك ما ذكرناه عنهم، فى هذا الباب، وُجَّتُهم حديثُ
البراءِ بنِ عازبٍ المذكُورُ فيه، مع ما دلَّ عليه القرآنُ فى قصَّةٍ داودَ
وسليمانَ، ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
ولا خلافَ بينَ أَهلِ اللغةِ أنَّ النَّفْشَ لا يكونُ إلَّا بالليل، وكذلك قال
جماعةُ العلماءِ بتأويلِ القرآنِ. وقال الله عزَّ وجلَّ لمحمدٍ وَلِّ عندَ ذِكْرٍ مَن
ذكَر مِن أنبيائه فى سورةِ ((الأنعامِ)): ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنَهُمُ
أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فجاز الاقتِداءُ بكل ما ورَد به القرآنُ مِن شرائع
القبس
(١) أشار فى حاشية ى إلى أنه فى نسخة: ((نفس).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٦٨٥) من الموطأ .
٤٨١
(موسوعة شروح الموطأ ٣١/١٨)

الموطأ
التمهيد الأنبياءِ، إلّا أن يمنَعَ مِن ذلك ما يجبُ التسليمُ له ؛ مِن نَسْخ فى الكتابِ،
أو سنَّةٍ واردةٍ عن النبيِّ نَّه بخلافٍ ذلك تُبيِّنُ مُرادَ اللهِ ، فَيُعلَمُ حِينَئِذٍ أنَّ
شَرِيعتَنا مخالفةٌ لشرِيعتِهم، فتُحمَلُ على ما يجبُ الاحتمالُ عليه مِن
ذلك . وبالله التوفيقُ. وهذه مسألةٌ مِن مسائلِ الأُصولِ قد ذكرناها فى
موضِعِها، وأُورَدنا الاختلافَ فيها . واللهُ المستعانُ لا شريكَ له .
وقد قال جمهورُ فُقهاءِ الحجازِ بحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ فى هذا
الباب . وقال اللیثُ بنُ سعدٍ : يَضمَنُ ربُّ الماشية كلّ ما أفسدت بالليلِ
والنهارِ، ولا يضمَنُ أكثرَ مِن قيمةِ الماشيةِ. ولا أعلمُ مِن أينَ قال الليثُ
هذا؟ إلَّا أن يجعَلَه قياسًا على العبدِ الجانى، أنَّه لا يُفْتَكَّ بأكثرَ مِن قیمَتِه ،
ولا يَلزَمُ سَيِّده جنایتُه بأكثرَ مِن قِیمَتِه ، وهذا ضعيفُ الوجهِ . واختُلِف فيه
عن الثورىٌّ، فروَى ابنُّ المباركِ عنه أن لا ضمانَ على صاحبِ الماشيةِ .
ورَوَى الواقِدىُّ عنه فى شاةٍ وَقَعت فى غَزْلٍ حائكِ بالنَّهارِ ، أَنَّه يضمَنُ .
وقال الطّحاوىُّ: تصحيحُ الرِّوايَتَينِ عن الثورىِّ، أَنَّه إذا أرسَلها سائبةً
ضَمِنَ، وإذا أرسَلها محفوظةً لم يضمَنْ بالليلِ ولا بالنهارِ. واختلَفَ
أصحابُ داودَ فى هذا البابٍ ؛ فقال بعضُهم بقولِ مالكِ ، والشافعىِّ . وقال
بعضُهم : لا ضمانَ علی ربِّ الماشيةِ والدّابةِ ، لا فی لیلِ ولا فى نهارٍ ، ولا
على الراكبِ والسائقِ والقائدِ، إلَّا أن يتَعدَّى فى (إرسَالِها وَرَبْطِها) فى
القبس
(١ - ١) فى ى: ((إرساله أو بربطها)).
٤٨٢

الموطأ
موضعٍ لا يجبُ له رَبطُها فيه ، أو يُعَنِّفَ عليها فى السّياقِ ، فَيَضمَنَ بجِنايةِ التمهيد
نفسِه، وأمَّا إذا لم يكنْ له فى ذلك سببٌ، فلا ضمانَ عليه؛ لقولِه وَّهِ:
(( بجرْعُ العَجماءِ) جُبَارٌ))(٢) . إنما معناه على ما قدَّمنا فى بعضِ المُتْلفاتِ
دون بعض ؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازپٍ . وهو حديثٌ مشھورٌ صحیح ، مِن
حديثٍ الأئمةِ الثِّقاتِ، مع عملٍ أهل المدينة به، وسائرِ أهلِ الحجازِ ،
وهم يَرْؤُونَ حديثَ: ((العَجْماءُ جَرْحُها جُبَارٌ)). وعنهم نُقِلَ، وليس له
مخرَجٌ إلا عن أهلِ المدينةِ، فكيف يجهَلونَ معناه وهم رُوَاتُه، مع عِلْمِهم
ومَوْضِعِهم مِن الفقهِ والفَهْم! هذا ما لا يظُنُّه ذو فَهْم. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: لا ضمانَ علی أربابِ التّهائم فیما تُفسِدُه او تَجْنِی علیه ، لا فى
ليلٍ ولا فى نهارٍ، إلّا أنْ يكونَ راكِبًا، أو سائقًا، أو قائدًا. وحُجَّتُهم فى
ذلك قولُهُ وَِّهِ: ((العَجْماءُ جَرِحُها مُجُبَارٌ)). ومن حُبَّتِهم أيضًا أنَّ الذِّمةَ
بريئةٌ لا يَتْبُتُّ فيها شىءٌ إلَّا بما لا مَدفَعَ فيه، وجعَلوا حديثَ: ((جَرُ
العَجْماءِ جبّارٌ)) . مُعارِضًا لحديثِ البراءِ بنِ عازپٍ ، ولیس کما ذهبوا إليه ؛
لأَنَّ التعارضَ فى الآثارِ إنما يصِحُ إذا لم يُمْكِنِ استعمالُ أحدِهما إلّا بنَفى
الآخرِ، وحديثُ: ((العَجْمَاءُ جَرْحُهَا جبارٌ)). معناه على الجملةِ، لم
یخُصّ حديث البراءِ، وتبقى له أحكام كثيرةٌ على حسب ما ذكرناها فيما
القبس
(١ - ١) فى ى: ((جرحها)). وأشار فى الحاشية إلى أنه فى نسخة: ((جرح العجماء).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٦٨٥).
٤٨٣

الموطأ
التمهيد سلَف مِن كتابِنا هذا؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَ لّ لو جاء عنه فی حدیثٍ واحدٍ :
العَجْماءُ جَرِحُهَا جُبَارٌ نهارًا لا ليلًا، وفى الزَّرع والحوائطِ والحَرثِ دونَ
غيرِهِ. لم يكنْ هذا مُستَحيلًا مِن القول، فكيف يجوزُ أن يُقالَ فى هذا:
مُتعارضٌ؟ وإنَّما المتعارضُ والمُتَضَادُّ المُتَنَافِى الذى لا يَثْبُتُ بعضُه إِلَّ
بنَفْى بعضٍ، وإنَّما هذا مِن بابِ المُجمَلِ والمُفَسَّرِ، ومِن بابِ العمومِ
والخُصُوصِ. وقد بُيِّنَ ذلك فى كتابٍ ((الأُصولِ)) بما فيه كفايةٌ .
والفَرقُ عندَ أهلِ العلم فى حديثِ البراءِ وحديثٍ أبى هريرةً فى
العَجمَاءِ ، وبينَ ما تُتْلِفُه العَجْمَاءُ ليلًا مِن الزرع والحرثِ، وبينَ ما تُتْلِفُه
نهارًا ، أنَّ أهلَ المواشِى بهم ضَرورةٌ إلى إرسالٍ مواشِيهم لتَرعَى بالنهارِ ،
ولأهلِ الزَّرع حقوقٌ فى ألَّا تُتْلَفَ عليهم زُرُوعُهم، والأغْلَبُ عندَهم أنَّ مَن
له الزرعُ يتعاهَدُه بالنهارِ، ويَحفَظُه عمَّن أرادَه؛ لانتشارِ البهائمِ للَّعي
وغيرِهِ، فُجُعِل حِفظُ ذلك بالنهارِ على أهلِ الزرع ؛ لأَنَّه وقتُ التَّصرُّفِ فى
المعاشِ والرّعي، وحفظِ الأموالِ، وإرسالِ الدَّوابِّ والمواشى، وإذا
أَتْلَفت بالنهارِ مِن الزرعِ شيئًا، فصاحبُ الزرعِ إِنَّمَا أَتِىَ(١) مِن قِبَلِ نَفسِه
حيث لم يَحفَظْه فى الوقتِ الذى الأغلَبُ مِن الناسِ اُنَّھم یحفظُونه فیه ممَّن
أراده، إذْ لو مُنِع الناسُ مِن تَركِ مَواشِيهم للرّعيِ مِن أجلِ الزَّرعِ لَلَحِقتهم فى
ذلك مضَرَّةٌ ومشَقَّةٌ، فإذا جاء الليلُ فقد جاء الوقتُ الذى يَرجِعُ كلّ شيءٍ
إلى موضعِه، ويرجعُ أهلُ الزرع إلى منازلهم، ويَرُدُّ أهلُ الماشيةِ ماشيتَهم
٠٤
القبس
(١) فى النسخ: ((أوتى)). والمثبت هو الصواب، وينظر ص ٤٨٩.
٤٨٤

الموطأ
إلى مواضِعِهِم ليَحفَظُوها فيها، فإذا ترَكوها ليلًا حتى أفسدت ، فالجِنايةُ التمهيد
مِن أهلِ المواشى لا مِن أهلِ الزرع؛ لأَنَّ الأغلبَ أنَّ الناسَ لا يحفَظون
زُرُوعَهم بالليلِ لاستِغْنائِهم عن ذلك، وعلْمِهم أنَّ المواشىَ بالليلِ تُرَدُّ إلى
أماكنِها، فإذا فَرَّط صاحِبُ الماشيةِ فى رَدِّها إلى منزِلِه ، أو فَرَّط فى ضبطها
وحبسِها عن الانتشارِ بالليلِ حتى أَتْلَفت شيئًا، فعليه ضَمانُ ذلك، (١ إلَّا
أن تكونَ الماشيةُ ضالَّةً أو نافِرَةً، فلا يتَهِيُّ لصاحبِها ضَتُّها ولا رَدُّها إلى
مكانها ، فإذا كان كذلك، لم يلزَمْه ضمانُ ما أتَلَفت بالليلِ، كما لا يلزَمُه
ضمانُ ما أَتْلَفت بالْنَّهارِ، وأمَّا السَّائقُ والرَّاكبُ والقائِدُ ، فإنَّهم يضمَنونَ ما
أصابتِ الدَّابةُ ، استِدلالاً بحديثِ البراءٍ؛ لأنَّ ذلك فى معنَى ما أَتْلَفت
بالليل، لأنَّ الراكِبَ يتهيّأَ له حِفظُ الدابةِ ، فعليه حِفظُها ، ولا مشقَّةَ عليه
فى ذلك، وكذلك سائِقُها وقائِدُها ، والأُغلَبُ أنَّ الناسَ إذا رَكِبوا، أو
ساقُوا، أو قادُوا ، منَعوا الدَّابةَ ممَّا أرادَت مِن إتلافٍ أو غيرِه ، فإذا لم يفعلوا
ذلك، فإِنَّمَا أَثُوا (٢) مِن قبَلِ أنفسِهم، فعليهم الضَّمانُ، إلّا أن تكونَ الدَّابَةُ
قد غلَبتِ الرَّاكِبَ، أو القائدَ، أو السَّائقَ، فلم يقدِرْ عليها، فإذا كان
كذلك، فلا غُرَمَ عليه، ولا ضمانَ يلزَمُه؛ لأَنَّه مغلوبٌ عن حِفظِ ما أُمِرٍ
بحفظِهِ، ولم يُمكِنْه الدَّفِعُ. وخبَرُ البراءِ بنِ عازبٍ هذا فى طرحِ الضَّمانِ
القبس
(١ - ١) فى ى: ((أو)).
(٢) فى النسخ: ((أوتوا)).
٤٨٥
:
:

م
الموطأ
التمهيد عن أهل المواشِى فيما أتلَفت ماشيتُهم مِن زُرُوع الناسِ نهارًا، إنَّما معناه
عندَ أهلِ العلمِ إذا أُطلِقَت للرَّغْي ولم يكنْ معها صاحِبُها، وأمَّا إذا كانت
تَرعَی ومعها صاحِبُها، فلم يمنعها مِن زَزع غيره، وقد أمكنه ذلك حتى
أَتْلَفَته ، فعليه الضَّمانُ ؛ لأَنَّه لا مشقَّةَ عليه فى مَنعِها، وهو فى معنَى الرَّاكبِ
والسّائقٍ. وباللهِ العِصمةُ والتوفيقُ .
أُخبرَنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال: أنبأنا عبدُ الرزاقِ ،
عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن حَرَامِ بنِ مُحيِّصَةً، عن أبيه، أنَّ ناقةً للبراءِ
دخَلت حائطَ رجلٍ، فأفسدت فيه، فقضَى النبىُّ نَّهِ على أهلِ الأموالِ
حِفظُها بالنهارِ، وعلى أهلِ المواشِى حِفْظُها بالليلِ(١) .
وبه عن عبد الرزاقِ ، قال : أنبأنا ابنُ جريج، عن ابن شهابٍ ، قال :
حدَّثنى أبو أمامةَ بنُ سهل بن حُنيفٍ، أنَّ ناقةً دخَلت فى حائطٍ قومٍ،
فأفسَدت فيه، فذهَب أصحابُ الحائطِ إلى النبيِّ وَلَه، فقال النبىُّ ◌َّهِ:
((على أهلِ الأموالِ حِفظُ أموالِهِم نَهارًا (٢)، وعلى أهلِ الماشيةِ حِفظُ
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٥٤٦٩) من طريق إسحاق به. وهو عند عبد الرزاق (١٨٤٣٧) - ومن
طريقه أحمد ١٠٢/٣٩ (٢٣٦٩٧)، وأبو داود (٣٥٦٩).
(٢) بعده فى النسخ: ((بما معناه عند أهل العلم حفظ أموالهم بالنهار)). والمثبت كما فى مصدر
التخريج .
٤٨٦

الموطأ
ماشِيتِهم بالليل، وعليهم ما أفسدته)) (١).
التمهيد
قال(٢) : وأخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن الشعبىِّ، أَنَّ شاةً وقَعتْ فِى
غَزْلِ حائكِ، فاختَصَموا إلى شريح، فقال الشعبىُّ: انظُرُوه، فإِنَّه
سيَسألُهم؛ أليلاً وقَعت فيه أم نهارًا؟ ففعَل، ثم قال: إن كان بالليلِ
ضَمِن، وإن كان بالنَّهارِ لم يَضمَنْ. ثم قرَأْ شُريح: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ
اُلْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. قال: فالنّفْشُ بالليلِ، والهَمَلُ بالنهارِ .
قال(٣): وأخبرنا معمرٌ، عن الزهرىٌّ، قال: النَّفْشُ بالليلِ والهَمَلُ
بالنهارِ . وقال معمرٌ، وابنُ جريج: بلَغنا أنَّ حَرْتَهم كان عِنْبًا .
قرأتُ على أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، حدَّثكم الميمونُ بنُ حمزةَ؟
قال: نعم، حدَّثنا قال: حدَّثنا الطحاوىُّ، قال: أنبأنا المزنىُ، قال :
حدَّثنا الشافعىُ، قال: أنبأنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ
المسَيَّبِ وحَرامِ بنِ سعدِ بنِ مُحيِّصةَ، أنَّ ناقةً للبراءِ بنِ عازبٍ دخَلت
حائطَ قومٍ، فأفسَدت فيه، فقضَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَنَّ على أهلِ الأموالِ
حِفظَ أموالِهم بالنهارِ، وعلى أهلِ الماشيةِ ما أفسدت بالليلِ. أو قال : ما
القبس.
*
(١) عبد الرزاق (١٨٤٣٨).
(٢) عبد الرزاق (١٨٤٣٩).
(٣) عبد الرزاق (١٨٤٣٢، ١٨٤٣٤).
٠
٠٠
هے
٤٨٧

الموطأ
التمهيد أصابَت مواشِيهم بالليلِ(١).
وحدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
بكرِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا محمودُ بنُّ خالدٍ،
قال: حدَّثنا الفريابيُ، عن الأوزاعىِّ، عن الزُّهرىِّ، عن حَرَامِ بنِ مُحيِّصَةَ ،
عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: كانت لنا ناقةٌ ضاريَةٌ ، فدخَلت حائطَ قومٍ
فأفسَدت فيه، فَكُلِّمَ رسولُ اللهِ وَظِهِ، فقضَى أَنَّ حِفظَ الحوائِطِ بالنهارِ
على أهلِها، وأنَّ على أهلِ الماشيةِ ما أصابَت ماشِيتُهم بالليلِ (١) .
قال أبو داودَ : وكذلك رَوَاه الوليدُ، عن الأوزاعِيِّ. قال: ورَوَاه
عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ ، عن حَرَامٍ بنِ مُحيِّصةً ، عن أبيه ، عن
النبيِِّ بَله. قال: ولم يُتابع أحدٌ عبدَ الرزاقِ على رِوايَتِه عن خَرَامِ بنِ
مُحَيِّصةَ، عن أبيه . ذكره أبو داود فى كتابِهِ المُفرَدِ .
وفى روايةِ الأوزاعىِّ، عن الزهرىِّ فى هذا الحديثِ: كانت لنا ناقةٌ
ضارِيَةٌ . ولا أعلمُ وجهًا لمن فَوَّق مِن أصحابِنا بينَ الضَّارِيَةِ وغيرِها مِن جهةٍ
القبس
(١) الشافعى فى السنن المأثورة (٥٢٥). وأخرجه أحمد ١٠١/٣٩ (٢٣٦٩٤)، وابن أبى شيبة
٩/ ٤٣٥، ٤٣٦، وابن الجارود (٧٩٦)، والبيهقى ٣٤٢/٨ من طريق سفيان به.
(٢) أخرجه البيهقى ٣٤١/٨ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٥٧٠).
وأخرجه الحاكم ٤٧/٢ من طريق الفريابي به، وأخرجه أحمد ٥٦٨/٣٠ (١٨٦٠٦)، والنسائى
فى الكبرى (٥٧٨٥) من طريق الأوزاعى به .
٤٨٨

١٥٠٢ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن يحيى بنِ الموطأ
عبدِ الرحمنِ بنِ حاطِبٍ ، أن رَقِيقًا لحاطبٍ سرَقوا ناقةً لرجلٍ مِن مُزَينةً
فَانْتَحرُوها ، فرُفِع ذلك إلى عمرَ بنِ الخطابِ ، فأمَر عمرُ كَثيرَ بنَ الصَّلْتِ أن
يُقطَعَ أيدِيّهم، ثم قال عمرُ: أَرَاك تُجِيعُهم، ثم قال عمرُ: واللهِ لأَغَرَّمَنَّك
غُرمًا يشُقُّ عليك. ثم قال للمُزَنىِّ : كم ثمنُ ناقتِك؟ فقال المُزَنىُّ: كنتُ
واللهِ أمنَعُها مِن أربعِمائةِ درهم. فقال عمرُ: أُعْطِه ثمانِمائة درهم.
قال يحيى: سَمِعتُ مالكًا يقولُ: وليس على هذا العملُ عندَنا فى
الأثَرِ، ولا صحيح النَّظَرِ، وأمّا من تُقدِّم إليه بالنهي فلم يَنْتَهِ عن كَفِّ عاديةٍ التمهيد
ضاريةٍ، فمِن قِبَلِهِ أَتِىَ ، لا مِن قبلٍ ضاريَةٍ. واللهُ أعلمُ .
الاستذكار
مالك ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمنِ بنِ
حاطبٍ، أن رقيقًا لحاطبٍ سرَقوا ناقةً لرجلٍ مِن مُزينةً فانتحَروها ، فرُفِع
ذلك إلى عمرَ بنِ الخطابِ، فأمَر عمرُ كَثِيرَ بَنَ الصَّلْتٍ أن يقطعَ أيدِيَهم،
ثم قال عمرُ: أراك تُجِيعُهم. ثم قال عمرُ: واللهِ لأُغَرَّمَنَّك غُوْمًا يَشُقُّ
عليك. ثم قال للمُزَنىِّ: كم ثمنُ ناقتِك؟ فقال: كنتُ واللـهِ أمنَعُها مِن
أربعمائة درهم. فقال عمرُ: أَعْطِه ثمانمائة درهم(١).
(٢) قال مالك٢) : وليس على هذا العملُ عندَنا فى تضعيفِ القيمةِ،
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٠٥).
وأخرجه الشافعى ٢٣١/٧ عن مالك به .
(٢ - ٢) فى الأصل. ((قال معمر))، وفى م: ((قال يحيى: سمعت مالكًا يقول)).
٤٨٩

الموطأ تَضْعيفِ القيمةِ، ولكنْ مضَى أمرُ الناسِ عندَنا على أنه إنَّما يغرَمُ الرجلُ
قيمةَ البعيرِ أو الدّابَّةِ ، يومَ يأخُذُها .
الاستذكار ولكن مضَى أمرُ الناسِ عندَنا، على أنه إنما يَغْرَمُ الرجلُ قيمةَ البعيرِ أو الدابةِ
يومَ يأخُذُها(١) .
قال أبو عمرَ: أدخَل مالكٌ هذا الحديثَ فى كتابِهِ ((الموطأُ))، وهو
حديثٌ لم يُتَوَاطَأُ (٢) عليه، ولا قال به أحدٌّ مِن الفقهاءِ، ولا رأَؤًا العملَ به،
وإنما ترَكوه - واللهُ أعلمُ - لظاهرِ القرآنِ والسُّنَّةِ المُجتمَع عليها ؛ فأما
القرآنُ ، فقولُه تعالى: ﴿فَمَنِ أُعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى
عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ولم يَقُلْ: بِمِثْلَى ما اعتدَى عليكم. وكذلك قولُه
تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وأما
السّنَّةُ، فإِن رسولَ اللهِ وَّهِ قَضَى على الذى أعتَقَ شِقْصًا له فى عبدٍ بقيمةٍ
حصة شريكه بالعدلِ ؛ لِما أدخَل عليه مِن النّقصِ() ، وضمِن الصّحفةَ التى
كسرها بعضُ أهلِه بصَحفةٍ مثلها، وقال: ((صَحفةٌ مِثلُ صَحفةٍ))(٤).
وأجمَع العلماءُ أنه لا يَغْرَمُ من استهلَك شيئًا إلا مثلَه أو قيمته. وأجمعوا أنه
القبس
(١) فى الأصل، ط: ((عقره)).
(٢) فى الأصل: ((يتواطأو)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٥٣٩).
(٤) تقدم تخريجه ص٢٣٨.
٤٩٠

الموطأ
الاستذكار
لا يُعطَى أَحدٌ بدَغْواه، وأن البينةَ عليه فيما يَدَّعيه إذا لم يُقِرَّ له به المُدَّعَى
عليه. وقال ◌َله: ((لو أُعطِى قومٌ بدَغْواهم، لادَّعَى أقوام دماءً أقوامٍ
وأموالهم، ولكنَّ البَيِّنَةَ على المُدَّعِى)) (١). وفى هذا الحديثِ تصديقُ
المُزنی فیما ذگره مِن ثمن ناقته . وقد ژُوِی عن النبىِ بُّڑ ما لو صَحَ، کان
أصلًا لقضاءٍ(٢) عمرَ فى تضعيفِ القيمةِ فى ناقةِ المُزنىِّ ، وهو حديثُ عمرٍو
ابنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسولَ اللهِ وَ لَّه قال فى حَرِيسةٍ
الجبلِ: ((غَرَامَةُ مِثْلَيها، وجَلَداتُ نَكَالٍ، ولا قطعَ))(٣).
وهذا عندَ العلماءِ الذين يُصَحِّحُون هذا الحديثَ، منسوخٌ بما تَلَونا
مِن كتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رسولِه بِّهِ المُجتمَع عليها. وقد كان عثمانُ
يَزيدُ فى الشهرِ الحرامِ ثُلُثَ الجِنايةِ فى المالِ ، وتابَعه ابنُ شهابٍ وغيرُه .
ذکر عبد الرزاقِ(٤) ، عن معمرٍ وابنٍ جریج، عن الزهرىِّ، عن أبانِ بنِ
عثمانَ، أن عثمانَ أغرَم فى ناقةٍ مُحرِم أهلَكها(*) رجلٌ، فأغرَمه الثُّلُثَ
زيادةً علی ثمنها .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٤٠، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٦٩٤) من الموطأ .
(٢) فى م: ((لفظ)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٦١١، ٦١٢، وفيه: ((غرامة مثلها)) ..
(٤) عبد الرزاق (١٧٢٩٨، ١٧٢٩٩).
(٥) فى الأصل: ((أهله))، وفى ح، هـ: ((أكلها).
٤٩١
.

الموطأ
قال (١) : وأخبرنا معمر، عن الزهرىٌّ، قال: ما أُصِيب مِن مواشِی
الاستذكار
الناس وأموالهم فى الشهرِ الحرامِ، فإنه يُزادُ فيه الُّلُثُ .
وروى ابنُ وهپ هذا الحدیثَ ، عن ابن٣) ایی الزنادِ ، عن أبيه، عن
عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن يحيى بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ ، عن أبيه، وساقَه
بنحوِ سِيَاقةِ مالكِ فى معنى الغُرْمِ، وتصديقِ المُزنيٌّ فى ثمنٍ ناقتِه،
وتضعيفِ القيمةٍ له. وقد جَوَّده مَن قال فيه: عن أبيه. لأن يحيى بنَ
عبد الرحمنٍ لم يَلْقَ عمرَ ولا سمِع منه ، وأبوه عبدُ الرحمنِ سمِع مِن عمرَ
وروَى عنه، إلا أنه قال فيه: إنَّ هذه القصةَ كانت بعدَ موتِ حاطبٍ .
وهذا غَلَطْ عندَ أهل السِّيرِ؛ لأن حاطبًا مات فى سنةٍ ثلاثين فى خلافةٍ
عثمانَ .
والحديثُ ذكره ابنُ وهبٍ فى (( موطئِه)) ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمنِ
ابنُ أبى الزِّنادِ ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن يحيى بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
حاطبٍ، عن أبيه، قال: تُوفِى حاطبٌ وترَك عبيدًا يعملون فى مالِه،
فأرسَل إليه عمرُ ذاتَ يوم ظُهرًا وهم عندَه، فقال: هؤلاء أَعْبُدُك سرّقوا،
ووجب عليهم ما وجَب على السارقٍ؛ انتحروا(١) ناقةً لرجلٍ مِن مُزينةً
واعترَفوا بها. ومعهم المُزنىُ، فأمَر كَثِيرَ بنَ الصَّلْتِ أن يَقطعَ أيدِيَهم، ثم
القبس
(١) عبد الرزاق (١٧٢٩٧).
(٢) سقط من ح ، هـ ، ط ، م .
(٣) فى ح، هـ: ((وانتحروا)).
٤٩٢

الموطأ
الاستذ کار
أُرسَل " وراءَه من٢ يأتى به بعدَ ما ذهَب بهم كثيرُ بنُ الصَّلَّتِ ، فجاء بهم،
فقال لعبد الرحمنِ بنِ حاطبٍ : أما واللهِ ، لولا أنى أظنُّ أنكم تَسْتعمِلونهم
وتُجِيعُونهم(١) ، حتى لو أن أحدَهم وجَد ما حرّم اللهُ عليه فأكّله خَلَّ له،
لقطّعتُ أيدِيَهم، ولكنْ واللهِ إذ تركتُهم لأغَرِّمَنَّك غُرْمًا يُوجِعُك، كم
ثمنُها؟ للمُزنيّ . قال المُزنىُّ: كنتُ واللهِ أَمنعُها مِن أربعمائة درهم . قال :
فأعطِه ثمانِمائةٍ درهم(١) . قال ابنُ وهبٍ: قال مالكٌ: ليس الأمر عندَنا
علی هذا، ولكنْ له قيمتُها .
قال ابنُ وهبٍ : وحدَّثنى مالكُ بنُ أنسٍ ، والليثُ بنُ سعدٍ ، وسعيدُ بنُ
عبد الرحمنِ الجُمحِئُّ ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن يحيى بنِ
عبد الرحمنِ بنِ حاطبٍ، عن أبيه مثلَه بمعناه .
قال أبو عمرَ: هكذا قال ابنُ وهبٍ فى هذا الحديثِ أيضًا عن
مالكِ ومَن ذكَر معه، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن يحيى بنِ
عبد الرحمنِ بنِ حاطبٍ، عن أبيه (٤). وليس فى ((الموطأ )): عن
أبيه. عندَ جمهورِ الرواةِ له عن مالكِ، وأظنُّ ابنَ وهبٍ وهَم فيه عن
مالكٍ لرواية الليثِ وغيرِه له كذلك، إذ جمَعهم فى حديثٍ واحدٍ،
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ح، هـ: ((وراء من)، وفى م: ((ورأى ما).
(٢) فى ط: ((تجوعونهم))، وفى م: ((تبيعونهم).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٩٧٨) من طريق عروة به.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى العلل ٤٥٠/١، ٤٥١ عن ابن وهب عن مالك وحده به .
٤٩٣

الموطأ
القضاءُ فیمَن أصاب شيئًا مِن البهائم
١٥٠٣ - قال يحيى: سَمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ عندَنا فيمَن
أصاب شيئًا مِن البهائم ، أن على الذى أصابها قدرَ ما نقَص مِن ثمنها .
الاستذكار وكان عندَه أيضًا فيه عن ابن أبى الزنادِ بإسنادِه كذلك عن أبيه،
فأجرَى مالكًا مُجْراهم فى ذلك، فوهَم. واللهُ أعلمُ .
ولعله أن یکون (ذاکر مالگًا) بما رواه غيره، فمال إلى ذكرِه؛ لأنه
كذلك رواه عنه فى « موطئِه» دونَ سائرِ الرواةِ .
قال أبو عمر : أجمع العلماءُ علی أن إقرار العبدِ علی سیدِه فی مالِه لا
يَلزمُه . وفى هذا الحديثِ أن عمرَ أُغرَم عبد الرحمنِ بنَ حاطبٍ ما اعتَرف
به عبيدُه. وهذا خبرٌ تدفعه الأُصولُ مِن كلِّ وَجْهٍ . وباللهِ التوفيقُ.
بابُ القضاءِ فيمَن أصاب شيئًا مِن البهائم
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فيمن أصاب شيئًا مِن البهائم، أن على الذى
أصابَها قدرَ ما نقَص مِن ثمنِها (١).
قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى حكم ما يُصابُ مِن البهائمِ؛ فرُوِى
عن عمر بن الخطاب ، أنه قضى فى عينٍ الدابة بُبُع ثمنها ، وأنه کتب إلى
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: (مالكًا ذاکر).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٠٧).
٤٩٤

قال يحيى : وسمِعتُ مالكًا يقولُ فى الجمل يصولُ على الرجلِ
فيخافُه على نفسِه ، فيقتُله أو يَعقِرُه: فإنه إن كانت له بيّنةٌ على أنه أراده
الموطأ
شريحٍ يأمُرُه أن يقضِىَ بذلك(١). وهو قولُ شريحٍ، والشعبىِّ(٢).
الاستذكار
وبه قال الحسنُ بنُ حىٍّ، والكوفيُّون ، وقضَى به عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وروَى الحسنُ بنُ زیادٍ ، عن زفرَ، أن فى جميع ذلك ما نقَص مِن
البهيمةِ . وهو قولُ مالكِ، والليثِ ، والشافعىِّ.
إلا أن الليثَ قد رُوِى عنه أن الدابةَ إِن فُقِئت عينُها ، أو كُسِرت رِجْلُها ،
أو قُطِع ذَنَيُها، فعلى فاعلِ ذلك ضمانُ الدابةِ حتى يؤدىَ ثمنَها، أو
شراؤها .
وقال الطحاوىُّ: القياسُ عندَ أصحابِنا إيجابُ النُّقصانِ ، إلا أنهم (١)
تركوا القياس بما رُوِى عن عمر بن الخطاب ، أنه قضى فى عينٍ الدابة بربع
قيمتها بمَحضَرٍ مِن الصحابةِ مِن غيرِ خلافٍ منهم، ولأن مثلَه(٤) لا يكونُ
رأيًا ، وإنما هو توقيفٌ .
قال مالكٌ فى الجَمَلِ يَصُولُ على الرجلِ فيخافُه على نفسِه فيقتُلُه أو
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٧٧٤٨، ١٨٤١٨، ١٨٤١٩) وسعيد بن منصور (١٩٦١،
١٩٦٢)، وابن أبى شيبة ٢٧٥/٩، والبيهقى ٩٨/٦، ٩٦/٨، ٩٧.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٤١٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٧٥/٩، ٢٧٦.
(٣) فى م: (من).
(٤) فى الأصل، م: وغيره).
٤٩٥

الموطأ
وصال عليه، فلا غُرْمَ عليه ، وإن لم تقُمْ له بيّنةٌ إلا مَقالتُه ، فهو ضامنٌ
للجملِ .
الاستذكار يَعْقِرُه: فإنه إن كانت له بَيْنَةٌ على أنه أراده وصَالَ عليه ، فلا غُرْمَ عليه ، وإن
لم تَقُمْ له بينةٌ إلا مقالتُه، فهو ضامِنٌ للجملِ .
قال أبو عمرَ : قولُ الشافعىٌّ فى هذا كقولٍ مالكٍ ؛ قال الشافعىُّ: إذا
صال الجملُ(١) عليه وأراده، فلا ضمانَ عليه، كما لو قصَده رجلٌ ليقتُلَه ،
فدفَعه عن نفسِه، ولم يقدِرْ على دفعِه إلا بضربِه (١) فضرَبه فقتله،
كان هَدْرًا، قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((مَن قُتِل دونَ مالِه أو دونَ نفسِه
فهو شهيدٌ)) (٢). وإذا سقَط عنه(٤) الأكثرُ كان الأقلُّ أسقطَ. وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه فى بعيرٍ صال على رجلٍ فقتله الرجلُ، فهو ضامنٌ.
وهو قولُ عطاءٍ (٥).
وروَى علىُّ بِنُّ مَعْبَدٍ، عن أبى يوسفَ ، أنه قال : أَستقبِحُ أن أُضمّتَه .
وقال الثورىُ : يَضْمَنُ .
القبس
(١) فى ح، هـ: ((الفحل)).
(٢) فى الأصل: ((بأرضه)).
(٣) تقدم تخريجه فى ١٢/ ٣٩٤.
(٤) سقط من: هـ، وفى الأصل، ح: ((باب)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣٨٤)، وابن أبى شيبة ٢٧٢/٩، ٢٧٣.
٤٩٦

الموطأ
قال أبو عمرَ : روَى وكيع، عن الثورىِّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ، أن الاستذكار
بعيرًا افتَرس رجلاً فقتله، فجاء رجلٌ فقتَل البعيرَ ، فأبطَل شريح دِيةً الرجلِ ،
وضَمَّن الرجلَ قيمةً(١) البعيرِ(٢).
وروَى معمرٌ، عن الزهرىِّ، قال: يغرَمُ قاتِلُ البهيمةِ ، ولا يغرَمُ أهلُها ما
(٣)
قتلت(٢) .
وروى ابنُّ مهدیٌ، عن زَمْعةً(٤) بن صالح، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه ،
قال : اقتُلوا الفحلَ إذا عدا عليكم، ولا غُرْمَ عليكم (٥) .
وابنُ عيينةً، عن الأسودٍ بنٍ قيسٍ، "عن الحىّ)، أن غلامًا مِن
قومِه " دخَل على١ بُخْتِيَّةٍ لزيدِ بنِ صُوحانَ فى دارِهِ، فخبطَتْه فقتلَتْه، فجاء
أبوه بالسيفِ فعقَرها، فرفع ذلك إلى عمرَ، فأهدَر دمَ الغلامِ ، وضَمَّن أباه
ثمنَ البُخْتِيةِ() .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((دية).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٢/٩ عن و کیع به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٢/٩ من طريق معمر به.
(٤) فى ح، هـ: ((معاوية)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨٦/٩.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٣/٩ عن ابن مهدى به.
(٦ - ٦) سقط من: ح، هـ ، م .
(٧ - ٧) فى الأصل، ح، هـ، م: ((أدخل)).
(٨) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٣/٩ عن ابن عيينة به .
٤٩٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٢/١٨)

الموطأ
القضاءُ فيما يُعطَى العُمَّالُ
١٥٠٤ - قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ فيمَن دفَع إلى الغَسَّالِ
ثوبًا يصبُغُه، فقال صاحبُ الثوبٍ: لم آمُؤْك بهذا الصِّبْغ. وقال
الغشَالُ: بل أنت أمرتَنَى بذلك: فإن الغشَّالَ مُصدَّقٌ فى ذلك،
قال أبو بكرٍ (١): وحدَّثنى معاذُ بنُ معاذٍ، عن أشعثَ ، عن الحسنِ، فی
الاستذكار
الرجلِ يَلْقَى البهيمةَ، فيخافُها على نفسِه، قال: يقتُلُها وثمنُها عليه .
واحتجَّ الطحاوىُّ للضمانِ بأن قال : الضرورةُ إلى مالِ الغيرِ لا تُسقِطُ
الضمانَ . قال: والفرقُ بينَ الرجلِ والجَمَلِ، أن القائلَ يستحِقُّ القتلَ
بقتلِه، ولو قتَل الجملُ الرجلَ كان هَذْرًا، فحُرمتُه بعدَ قتلِه كهى قبلَه .
بابُ القضاءِ فيما يُعطَى العمالُ
قال مالكٌ فِيمَن دفَع إلى الغَسَالِ(١) ثوبًا يَصبُغُه له، فصبَغه، فقال
القبس
القضاءُ فيما يُغْطَى العمَالُ
هذه المسألةُ اختلف فيها العلماءُ؛ فقال أبو حنيفةً ومالكٌ: يضمنون إذا كانوا
مشترٍكين. وقال الشافعىُّ(١): لا ضمانَ عليهم. لأُصلِه الذى مهَّده بزعمِه، وهو
(١) ابن أبى شيبة ٢٧٣/٩.
(٢) فى الأصل: ((الصباغ)).
(٣) بعده فى م: ((مثله)).
٤٩٨

الموطأ
والخيَاطُ مثلُ ذلك، والصائغُ مثلُ ذلك، ویحلِفُون على ذلك ، إلا أن
يأتوا بأمرٍ لا يُسْتَعْمَلون فى مثلِه، فلا يجوزُ قولُهم فى ذلك، وليحلِفْ
صاحبُ الثوبِ، فإِن رَدَّها وأتَى أن يحلِفَ، حُلِّف الصَّاغُ .
صاحبُ الثوبٍ: لم آمُوْك بهذا الصِّبْغِ. وقال الغَسَّالُ: بل أمرتَنى بذلك: الاستذكار
فإن الغَشَّالَ مُصَدَّقٌ فى ذلك، والخَاطُ مثلُ ذلك، والصائغُ مثلُ ذلك،
ويحلفون على ذلك ، إلا أن يأتوا بأمرٍ لا يُستعمَلون فى مثلِه، فلا يجوزُ
قولُهم فى ذلك، ولیحلِفْ صاحبُ الثوب ، فإِن أتی أن یحلِفَ ، مُلِّف
((١).
الصَّبَّاغُ(١).
قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى هذه المسألةِ وما كان مثلَها ؛ فمنهم
مَن قال كقولٍ مالكٍ : القولُ قولُ العمالِ . ومنهم مَن قال : القولُ قولُ ربِّ
القبس
أن ما قُبِض پاذن المالك لا ضمانَ فیه ، على تفصیل قرّرناه فى ((مسائل الخلاف»، ١
ومعوَّلُ أبى حنيفةَ على معانٍ لا تقومُ على ساقٍ، وتُمدتُها على المصلحةِ التى
مهَّدْناها ، فإن العمالَ لو عَلِموا أن الضمانَ ساقطً عنهم لادَّعَوا التلفَ وتَلِفت أموالُ
الناسِ، فقوِيتِ التّهَمةُ، وتعيَّتِ المصلحةُ، فوجب الضمانُ، وتُركَّب على هذا
عندَ ) علمائِنا دُرْجُ الصائغ وغاشيةُ الحائطِ ، وهو مثلُ أُصلِه، ومَن فوّق فقد نقض
الأصلَ.
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/١١ظ، ٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٦٨).
(٢) بعده فى ج، ونسخة على حاشية د: ((بعض)).
٤٩٩

الموطأ
الاستذكار الثوبٍ . والأصلُ فى هذا معرفةُ المُدَّعِى من (١) المُدَّعَى عليه، والقولُ أبدًا
عندَ جميعِهم قولُ المُدَّعَى عليه إن لم تكنْ للمُدَّعِی بِيِّنَةٌ ، فمَن جعَل ربَّ
الثوبِ مُدَّعِيًّا؛ فلأنه قد أقَرَّ أنه أذِن للصَّبَّاغ فى صَبْغِ الثوبِ ، ثم ادَّعى أنه لم
يعمَلْ له ما أمَره به ، وكذلك الخَيَاطُ ، قد أقو له ربُّ الثوبِ أنه أُذِن له فى
قطعِه، ثم ادَّعى بعدُ أنه لم يقطَعْه القطعَ الذى أمَره به ؛ ليُمضِىَ عملَه
باطلًا . ومَن جعَل القولَ قولَ ربِّ الثوبِ، فحُجَّتُه أن الصََّّاعَ أُحدَث فى
ثوبٍ غيره ما لم يُوافِقْه علیه ربّه ولا بينةً له، فصار مُدَّعِیًا، وربُّ الثوبِ
مُنْكِرٌ لدَغْواه ؛ أنه أُذِن له فى ذلك العملِ ، فالقولُ قولُه ؛ لإجماعِهم أنهما لو
أَنَّفَقا على أنه استأجره على عملٍ، ثم ادَّعَى أنه عِمِله، فقال ربُّ المالِ(٢) :
لم يعمَلْه . فالقولُ قولُ ربِّ العملِ .
وقال الشافعىُّ فى كتابٍ ((اختلافٍ ابنٍ أبى ليلَى وأبى حنيفةً)): لو
اختلفا فى ثوبٍ، فقال ربُّه: أمرتُك أن تقطَعَه قميصًا. وقال الآخر: بل
قَبَاءَ. ("قال ابنُ أبى ليلَى٣): القولُ قولُ الخَيَّاطِ؛ لاجتماعِهما على القطع .
وقال أبو حنيفةً: القولُ قولُ ربِّ الثوبِ. قال: لأنهما قد اجتمعا على أنه
أمَره بالقطع، فلم يعمَلْ له عملَه، كما لو استأجره على حَملٍ شىءٍ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((على)).
(٢) فى الأصل، ط: ((العمل)).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ.
٠٠ ..
٥٠٠