Indexed OCR Text

Pages 441-460

الموطأ
(١ كان رأيُه١) فى ذلك خلافَ رأي عمرَ، ورأى الأنصارىّ أيضًا كان الاستذكار
خلافًا لرأي عمرَ و(١) عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ فى قصةٍ الربيعِ وتحويله،
والربيعُ الساقيةُ . وإذا اختلف الصحابةُ وجَب الرجويُ إلى النظرِ، والنظرُ
يدُلَّ على أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضَهم مِن بعضِهم على بعضٍ
حرامٌ إلا ما تَطِيبُ به النفسُ مِن المالِ خاصةً، فهذا هو الثابتُ عن النبىِّ
وَّةِ، وَدُلُّ على الخلافِ أيضًا فى ذلك قولُ أبى هريرةَ: ما لى أراكم
عنها مُعرضِين؟ واللهِ لأَرْمِيَنَّ بها(٣). ونحو هذا.
وروّی أسدُ بنُ موسی ، قال: حدّثنی قیسُ بنُ الربيع ، عن منصور بن
دينارٍ، عن أبى عكرمةَ المخزوميِّ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَه
قال: «لا يَحِلُّ لامرئٍّ مسلم أن يمنعَ جارَه خَشَباتٍ يضعُها على جدارٍه» .
ثم يقولُ أبو هريرةَ: واللهِ لأَضرِبِنَّ بها بينَ أعينكم وإن كرهتُمْ" .
وبهذا الحديثِ وما كان مثلَه احتجَّ مَن رأَى القضاءَ بالمَرْفِقِ ، وألا
يمنعَ الجارُ جارَه وضْعَ خشبٍ فى جدارِه، ولا كلّ شىءٍ لا يَضُرُّه. وقد
ے
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((رد ذلك كله برأيه)).
(٢) بعده فى الأصل: ((كان))، وفى م: (( كذا)).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٤٩٧).
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٣٣.
(٥) سقط من: ح، هـ، م.
٠
٤٤١

الموطأ
الاستذکار ذكرنا فى (التمهيد) فى ذلك آثارًا مُسندَةً()، وذكرنا حدیثَ الأعمشِ،
عن أنسٍ، قال: استُشهِد مِنَّا غلامٌ يومَ أحدٍ ، فجعلَت أمُّه تَمْسَحُ الترابَ
عن وجهِه وتقولُ: أبشِرْ، هنيئًا لك الجنةُ. فقال لها النبيُّ وَله: ((وما
يُدرِيكِ؟ لعله كان يتكلّمُ فيما لا يَعْنِيه، ويمنعُ ما لا(١) يَضُرُهِ))(١).
والأعمشُ لا يَصِحُ له سمائٌ مِن أنسٍ. واللهُ أعلمُ. ولم يختلفوا فى أنه
لا يُحتجُ مِن حديثه بما لم يذكره عن الثقاتِ ویسنِدْه؛ لأنه(٤) كان
يُدَلِّسُ عن الضعفاءِ.
وأما أبو حنيفةً وأصحابُه ، فلا يرون أن يُقضی بشىءٍ مما ذكرنا فى هذا
البابٍ(٥) عن النبيِّ وََّ، فى نهي الجارِ أن يمنعَ جارَه من غَرْزِ الخشبةِ فى
جداره (٢) ، وعن عمرَ فى قصةِ الخليجِ فى أرضٍ محمدِ بنِ مسلمةً، ولا(٧) ما
كان مثلَ ذلك كلِّه؛ لقولِه (٨) وَلَه: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم
القبس
(١) تقدم ص ٤٣١ - ٤٣٣.
(٢) ليس فى : الأصل .
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٣٢.
(٤) فى م: ((لأن)).
(٥) فى ح، هـ: ((الكتاب)).
(٦) تقدم فى الموطأ (١٤٩٧).
(٧) بعده فى الأصل، م: ((لا)).
(٨) فى الأصل، م: ((بقوله)).
٤٤٢

الموطأ
الاستذ کار
حرامٌ))(١). أى: مِن بعضِكم على بعضٍ (٢ وقولِه٢) وَلَةِ: ((لا يَحِلُّ مالُ
امرئٍّ مسلم إلا عن طيبٍ نفسٍ منه » . وهذا هو المشهورُ مِن مذهبٍ
مالكِ المعمولُ به ؛ فرَوى أصبغُ ، عن ابنِ القاسم ، قال : لا يؤخذُ بما قضَى
به عمرُ بنُ الخطابِ على محمدِ بنِ مسلمةً فى الخليج ، ولا ينَبَغِى أن يكونَ
أحقَّ بمالٍ أخيه منه إلا برضاه. قال: وأما ما حكم به لعبد الرحمنِ بنِ
عوفٍ مِن تحويلِ الربيع مِن موضعِه إلى ناحيةٍ أخرى مِن الحائطِ ، فإنه
يؤخذُ به ويُعملُ بمِثْلِه ؛ لأن مَجْرى ذلك الربيع كان لعبد الرحمنِ ثابتًا فى
الحائطِ ، وإنما أراد تحويلَه إلى ناحيةٍ أخرى(٤) هى أقربُ عليه
وأنفعُ (° وأرفَقُْ) لصاحبِ الحائطِ ، ولذلك(٦) حكم له (٢) عمرُ بتحويله.
وأما عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ فإنه اضطَرب فى هذا البابِ ، ولم يَثْبُتْ فيه
على مذهبٍ مالكِ ، ولا مذهبٍ العراقيّين، ولا مذهبٍ الشافعىِّ، وتناقَض
فى ذلك، فقال فى قولِهِ وَله: ((لا يَمْنَعَنَّ أحدُكم جارَه أن يَضَعَ خشبةً فى
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٥٩/١٧.
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((لقوله)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٠٩ .
(٤) بعده فى الأصل، م: ((من الحائط وإنما)).
(٥ - ٥) سقط من: ح ، هـ .
(٦) فى الأصل، م: ((كذلك)).
(٧) فى النسخ: ((عليه)). والمثبت مما تقدم ص ٤٢٩ .
٤٤٣

الموطأ
الاستذكار جدارٍه )): أرى أنه لازمٌ للحاكم أن يَحكُمَ به على مَن أباه (١) ، وأن يُجبرَه عليه
بالقضاءِ؛ لأنه حقٌّ قضَى به رسولُ اللهِ وَلِهِ، ولأنه مِن الضِّرَارِ أن يَمِنعَ(١)
جارَه أن يغرِزَ خَشَبَه على جدارٍه ، فيمنعَه بذلك المنفعةً ، وصاحبُ الجدارِ
لا ضَرَرَ عليه فيه، وقد قال رسولُ اللهِ اَلِهِ: ((لا ضرر ولا ضرارَ))(١). وقال
عمرُ: لِمَ تمنعُ أخاك ما لا يَضُرُك؟ وقال(٤): قد قال مالكٌ: للجارٍ إذا
تَهوَّرت بئرُه أن يسقىَ نخلَه وزرعَه مِن (°بئرٍ جارِهْ) ، وهذا أبعدُ مِن غَوْزِ
الخشبةِ فى جدارِ الجارِ إذا لم يكنْ يَضُرُّ بالجدارِ(١) ، فإن خِيف عليه أن
يُوهِنَ الجدارَ ويَضُرَّ به ، لم يُجْبَرْ صاحبُ الجدار على ذلك ، وقيل لصاحبٍ
الخشب : احتلْ لخشبك . قال : ومِثْلُه حدیثُ ربيع عبد الرحمنِ فى حائط
المازنيٌّ. قال: فهذا أيضًا يُجبرُ عليه بالقضاءِ مِن أجل أن مَجْرى ذلك
الربيعِ كان ثابتًا فى الحائطِ لعبدِ الرحمنِ قد استحَقَّه، فأراد تحويلَه إلى
ناحيةٍ أُخرى هى أقربُ عليه، وأرفقُ(١) لصاحبِ الحائطِ. قال: وأما
القبس
(١) فى ح، هـ: ((أتاه)).
(٢) فى الأصل، م: ((يدفع)).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٤٩٦).
(٤) ليس فى : الأصل، م.
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((بثره).
(٦) فى ح، هـ: ((بالجار)).
(٧) فى ح، هـ: ((أوفق)).
٤٤٤

الموطأ
الاستذكار
الحديثُ الثالثُ(١) فى قصةِ الضحاكِ بنِ خليفةً مع محمدِ بنِ مسلمةً،
فلم أجِدْ أحدًا مِن أصحابٍ مالكِ وغيرِهِ يرَى أن يكونَ ذلك لازمًا
فى الحكم لأحدٍ على أحدٍ، وإنما كان ذلك تشديدًا على محمدٍ
ابنِ مسلمةً، ولا ينبغى لأحدٍ أن يكونَ غيرُه أُحقَّ بمالِه منه إلا
برضاه .
قال أبو عمرَ: مِثْلُ هذا يلزَمُ فى قصةِ ربيع عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ فى
حائط الأنصاریِّ المازنی ؛ لأن الذی کان(٢) استحقَّ منه مَجْری ربیعِه فی
ذلك الموضعِ بعينه ، وما عدا(٣) ذلك الموضعَ فيلْكٌ للأنصارىِّ، لا يَحِلُّ
إلا عن طيبٍ نفسٍ منه، كما لو اكتّرى رجلٌ مِن رجلٍ دارًا أو حانوتًا بعينه،
ثم أراد أن ينقُلَه عنه إلى غيره ، لم يَمُزْ له عندهم ذلك إلا برضا المُكترِى،
ولا يجوزُ إلا أن يكونَ البابُ فى ذلك باًا واحدًا، ويكونُ القضاءُ بالمَرْفِقِ
خارجًا عن معنى قول النبيّ ◌َله: « لا يَحِلّ مالٌ امرئ مسلم إلا عن طِيبٍ
نفسٍ منه)) (١). بدليلٍ حديثٍ أبى هريرةَ فى غَرْزِ الخشبِ على الجدارِ ،
القبس
(١) فى ح، هـ: ((الثابت)).
(٢) سقط من : ح ، هـ ، م.
(٣) فى الأصل: ((على)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٠٩.
(٥) تقدم فى الموطأ (١٤٩٧).
٤٤٥

الموطأ
القضاءُ فى قَسْمِ الأموالِ
الاستذكار وقضاءِ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه بأنه لا يجوزُ للجارٍ أن يمنعَ جارَه ما
لا يَضُرُه، فيكونُ حينئذٍ معنى قولِ النبيِّ وَله: ((لا يَحِلَّ مالُ امرئ مسلم
إلا عن طيب نفسٍ منه)). خرج على الأعيانِ والرقابِ واستهلا کِها ، إذا
أَخِذَت بغيرِ إذنِ صاحبِها، لا على المَرَافقِ والآثارِ (١) التى لا تُستحَقُّ بها
رقبةٌ ولا عينُ شىءٍ، وإنما تُسْتَحَقُّ بها منفعةٌ . وباللهِ التوفيقُ .
التمهيد
القبس
القضاءُ فى قَسْم الأموالِ
إن الله، عزَّ وجلَّ سبحانَه وله الحكم)، لما خلَق لنا ما فى الأرضِ جميعًا ،
وأنشأَنا بصفةِ التَّشاعُ(١) وطلبِ الاستئثارِ، شرَع اختصاصَ المُلَّكِ بِالأَمْلاكِ، وقد
يقعُ بهذا الاختصاصِ الاشتراكُ ، فإن كانت الموافقةُ المندوبُ إليها شرعًا فبها .
ونِعْمَتْ ، وإن تعذَّرت الموافقةُ وتُوقِّع التشاعُ أو وقَع، فإن الله شرّع القسمةً لتمييزِ
الحقوقِ المشتركة حتى تعود إلى الاختصاصِ المذكورِ ، وقد قال اللهُ تعالى فى
القسمةِ فى عارضِ الاشتراكِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اٌلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَاَلْيَى
وَالْمَسَكِينُ ﴿ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الآيةُ) [النساء: ٨]. وأما أحاديثُها(٥)، فهى قليلةٌ،
(١) فى ح، هـ: ((الآبار)).
(٢) فى ج، م: ((الحمد)).
(٣) فى ج، م: ((التشاحى)). والتشاح: التنازع. ينظر اللسان (ش ح ح).
(٤ - ٤) سقط من : ج .
(٥) فى م: ((أحاديثهما)).
٤٤٦

الموطأ
التمهید
القبس
الصحيحُ منها قولُ النبيِّ ◌َِّ: ((الشُّفعةُ فيما لم يُقْسَمْ))(١) . وحديثُ عقبةً بنٍ عامٍ
حيثُ أمَرَه النبيُّ وَلِ أن يقسِمَ غنمًا بينَ أصحابِه فبقى منها عَتُودٌ(١) فقال: ((ضحٌ
به أنت))(٢). ومنها قولُهُ وَّهِ: ((مثَلُ القائم فى حدودِ اللهِ والمُذْهِنِ فيها كمثلٍ
قوم كانوا فى سفينةٍ فاستهموا على أعلاها وأسفلها))(١) الحديث. ومن المشهور
فيها حديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ، أن رجلاً أعتَق ستةَ أَعْبُدٍ فى مرضِه لا مالَ له
غيرُهم، فأقرَع النبيُّ بَلِ بينَهم . الحديث.
فأما کیفیتُها فليس فيها أثرٌ، وإنما سبيلُها النظر، وُ کِلتْ إليه وُصِبت به؛
لأن المطلوبَ فيها تمييزُ الحقِّ . والمَخُوفُ فيها ثلاثةُ أشياءً؛ الغررُ، والربا ، وأكلُ
المالِ بالباطلِ، فميِّزِ الحقوقَ إن أردتَ القسمةَ، وخلِّصْها عن هذه العوارضِ
الثلاثةِ إن أردتَ أن تكونَ واقعةً على وَفْقِ الشرعِ، وعلى هذه الأصولِ تُثنى مسائلُ
القسمةِ كلُّها، وهى على ثلاثةِ أنواعٍ؛ قَسْمُ مُهَايأَةٍ، وهى فى المنفعةِ دونَ
الأعيانِ ، وقسمةُ أعيانٍ ، وهى على وجْهين ؛ أحدُهما ، أن تكونَ بالتراضى ؛ بأن
يقولَ أحدُهما للآخرِ: خُذْ أنت هذه العينَ وآخُذُ أنا الأخرى. والثانى، وهو
(١) تقدم تخريجه فى ٦٠٦/١٧ - ٦١٥ .
(٢) العتود: هو الصغير من أولاد المعز إذا قوى ورعى وأتى عليه الحول، والجمع أعْتِدة. النهاية
١٧٧/٣.
(٣) البخارى (٢٥٠٠)، ومسلم (١٩٦٥).
(٤) المدهن : المحابى، والمراد به من يراثى ويضيع الحقوق ولا يغيّر المنكر. فتح البارى ٢٩٥/٥.
(٥) البخارى (٢٦٨٦) من حديث النعمان بن بشير .
(٦) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٤١) من الموطأ .
(٧) فى م: ((مهيأة)). والمهايأة: أمر يتهاياً القوم فيتراضون به . اللسان (هـ ى أ).
٤٤٧

الموطأ
التمھید
القبس الثالثُ مِن الأصل، أن يقوَّمَ المشترَكُ قيمةَ تحريرٍ وتعديلٍ ، ثم يقرّرَ على الأجزاءِ،
ويُعَدَّدَ على الأقلِّ من السهامِ، ثم يُفْتَرَعَ عليها على صفةٍ تُؤْمَنُ فيها الحيلةُ
والانخداع؛ بأن يُكتَبَ اسمُ المشتركين فى الرقاعِ ثم تُطْلَى بطينٍ، أو قارٍ ، أو
شمعٍ، ثم يجعَلَها من لا يَدْرِيها) على الأعيانِ ، فمَن وقَع على شىءٍ منها اسمُه
فهو سهمه .
وعَرَضت هلهنا مسألةٌ بديعةٌ، وهى أن علماءَنا قالوا: إذا وقَع فى قسمةٍ
التراضى غَيْنٌّ لم يكنْ فيها رجوٌ، ولو وقَع الغبنُ فى قسمةِ التقويمِ والاقتراعِ
لوجب الارتجاع (١، بناءً على أن القسمةً هل هى تمييزُ حقٌّ أو عقدُ بيع؟ وإذا قلنا :
إنها بيعٌ. فالغبنُ فى البيعِ لا يُوجِبُ الرجوعَ، فكيف وجَب فى القسمةِ؟! فتبين
أنها لا تكونُ بيعًا بحالٍ ؛ لأن المغبونَ فى القسمةِ ) يقولُ للآخرِ: أُكَلتَ مالى بغيرِ
يِوَضٍ، فلِى ردُّه. و(١) فى البيع لا مقالَ له؛ لأنه مبنيٌّ على المغابنةِ والمكايسةِ ،
فكيف تكونُ بيعًا وهى أقوى مِن البيع؟! ولكن الردَّ فيها إنما يكونُ مِن أُحدِ الوجوهِ
الثلاثةِ المتقدِّمةِ، ولذلك قال علماؤنا فى صفةِ القسمةِ: إِن الأصنافَ المختلفةَ لا
يجوزُ جمعُها فى قسمةِ الاقتراعِ، ولا النوعَ الواحدَ، إذا كانت أنواعُه مختلفةً
القيمةِ ؛ كالدُّورِ الظاهرةِ والخفيَّةِ والثيابِ الرفيعةِ والدنيةِ . وهذا فيه نظَرٌ عظيمٌ ؛
(١) فى د: ((يريدها)).
(٢) فى م: ((الارتجاح)).
(٣ - ٣) سقط من : ج .
(٤) سقط من : ج .
(٥) فى ج، م: ((القسمة)).
٤٤٨

الموطأ
التمهيد
لأن نصَّ الحديثِ يرُدُّه، وهو قولُه لأصحابِ السفينةِ: ((فاستهموا على أعلاها القبس
وأسفلِها)). وبينَ الأعلى والأسفلِ غَبْنٌ عظيمٌ، وقد بيَنَّ ذلك فى كتبِ المسائلِ
و ((شرحِ الحديثِ)) فلا نطوّلُ به هلهنا، ولْيُطْلَبْ هنالك.
ومِن فروعِ القسمةِ المحتمَلُ فيها تركُ المرافقٍ مِن الأبنيةِ والطرق ، وقد بؤَّب
على هذا مالكٌ رحِمه اللهُ فى البابِ المتقدِّمِ قبلَ هذا، ولكنه ذكَر بعضَ المرافقِ
العامةِ وأغفَل المرافقَ الخاصةً؛ كالجلوسِ على الصُّعُداتِ، وصبِّ الأقذارِ فى
الطرقاتِ ، فأما الجلوسُ على الصُّعُداتِ) فجائزٌ بأداءٍ حقِّها؛ مِن غضِّ البصرِ،
وإرشادِ الضالِّ، ونصرِ المظلومِ، وما يَغْرِضُ لمن تعرّض ذلك مِن الحقوقِ ، وأما
صبُّ الأقذارِ فى الطرقاتِ فلا يجوزُ ذلك على الإطلاقِ؛ لأن فى ذلك إذايةً
· للمسلمين، وإماطةُ الأذى عن الطريقِ صدقةٌ، وقد بينًّ ذلك فى موضعِه مِن
((المسائل)) إلا إذا كانت ضرورةٌ عامةٌ ، کخمرٍ يتعيَّنُ کسُها حتى تجرِىَ فى
السككِ(٢)، كما ورَد فى الحديثِ(٢) . ومِن القولِ فى المرافقِ مسألةُ السفينةِ إذا
غَلَب الهولُ عليها فاحتاجوا إلى التخفيفِ منها؛ فاتفقتِ الأُمُ على وجوبٍ
التخفيفِ والارتفاقِ(٤) بما يُطْرَحُ فيما يَثْقَى، واختلفوا بعدَ ذلك فى تفاصيلَ ؛ منها
دخولُ السفينةِ وآلاتِها فى الحِصاصِ ، ورجالاتِ المراكبِ ، والعبيدِ الراكبين
(١ - ١) سقط من : ج .
(٢) فى م: ((السهل)).
(٣) البخارى (٥٥٨٠)، ومسلم (١٩٨٠) من حديث أنس .
(٤) الارتفاق : الانتفاع . ينظر التاج (رف ق) .
(٥) حاصَّه محاصَّةً وحِصاصًا: قاسمه فأخذ كل واحد منهما حصَّته. اللسان (ح ص ص).
٤٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/١٨)

١٥٠٠ - مالكٌ، عن ثَوْرِ بن زيدِ الدِّيلىّ، أنه قال: بلَغنِى أن
الموطأ
رسولَ اللهِ وَ لّ قال: ((أَيُّما دارٍ أو أرضٍ قُسِمتْ فى الجاهليَّةِ فهى على
قَسْمِ الجاهليةِ ، وأيُّما دارٍ أو أرضٍ أدرَكَها الإسلامُ ولم تُقْسَمْ، فهى
على قَسْم الإسلامِ)).
قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ : وذلك فى غيرِ أهلِ الكتابِ .
التمهيد
مالكٌ، عن ثورِ بنِ زيدِ الدِّيلىِّ، أَنَّه بلَغَه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال:
((أيُّما دارٍ أو أرضٍ قُسِمت فى الجاهليةِ، فهى على قَسْم الجاهليةِ ، وأيُّما
دارٍ أو أرضٍ أدرَكها الإِسلامُ ولم تُقْسَمْ، فهى على قَسْمِ الإسلامِ)) (١).
القبس عليها ، وانتهى النظر إلى نازلةٍ عظيمةٍ، وهى إذا عَلِم الأحرارُ مِن أهل السفينةِ أن
بقاءَ جميعِهِم مُهْلِكٌ، وأن خُلوصَ بعضِهم متيقٌّنٌ؛ فنسَب الخُراسانيون الحنفيون
والشافعيون إلى مالك رحمهُ اللهِ عليه أن هلاكَ بعضِ الأمةِ فى الاستصلاحِ
واجبٌ، وهو برىءٌ مِن ذلك، وإنما سَمِعوا مِن قولِه اعتبار المصلحةِ فاعتبروها
بزعمِهم حتى بلَغوا بها إلى هذا الحدِّ، وكان من حقِّهم لجلالةِ أقدارهم فى العلم
مِن سَعَةٍ حفظِهم ودقّةٍ فهمِهم، أن يتفطّنوا لمقصدِه بالمصلحةِ وأن يُجروها
مُجْراها ، ويَقِفوا بها حيثُ انتَهت ، وليس بينَ الأمةِ خلافٌ فى هذه المسألةِ أنهم
يَصْبِرون لقضاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ حتى ينفُذَ حكمُه فيهم، ويترتَّبُ على هذا مسائلُ
مشكِلةٌ، بيانُها فى أُصولِ الفقهِ .
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١١ و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٠٢). وأخرجه
الشافعى ٧/ ٢١٩، والبيهقى ٩/ ١٢٢، وفى المعرفة (٥٤٦٨) من طريق مالك به .
٤٥٠

الموطأ
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطأ))، لم يتَجاوَزْ به ثورَ بنَ زِيدٍ أَنَّه بلَغَه، التمهيد
عندَ جماعةِ رُوَاةِ ((الموطأُ)). واللهُ أعلمُ .
ورَوَاه إبراهيمُ بنُّ طَهمانَ، عن مالكِ، عن ثورِ بنِ زيدٍ ، عن عكرمةً،
عن ابنِ عباسٍ ١٢. تَفَرَّد به عن مالكِ بهذا الإسنادِ ، وهو ثِقَةٌ .
وقد رُوِى هذا الحديثُ مُسندًا مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَّه.
روَاه محمدُ بنُ مسلِم الطائفىُّ، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن أبى الشَّعثاءِ، عن
ابنِ عباسٍ. ورواه ابنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن النبيِّ نَظله مرسلاً.
أخبرنا عبيدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسرورٍ ، قال: حدّثنا
عیسی بنُ مسکینِ ، قال : حدَّثنا ابنُ سنجرَ ، قال : حدَّثنا موسی بنُ داودَ ،
قال: حدثنا محمدُ بنُ مسلم الطائفىُ ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن أبى
الشعثاءِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( كلَّ قَشْم قُسِم فى
الجاهليَّةِ، فهو على قَسْم الجاهليةِ ، وكلَّ شىءٍ أدرَ كه الإسلامُ ولم يُقْسَمْ،
فهو على قَسْمِ الإسلامِ)، (٢) .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: أخبرنا محمدُ بنُ
القبس
(١) مشيخة ابن طهمان (٧٩) - ومن طريقه البيهقى ١٢٢/٩.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩١٤)، وابن ماجه (٢٤٨٥)، وأبو يعلى (٢٣٥٩)، والبيهقى ١٢٢/٩
من طریق موسی بن داود به .
٤٥١

الموطأ
: التمهيد ( يحيى بن١) عمرَ بنٍ علىٌّ بنِ حربٍ، قال: أخبرنا علىُ بنُ حربٍ ، قال :
حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمرٍو بنِ دينارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّاتٍ:
(( أيُّما ميراثٍ مِن ميراثٍ(٢) الجاهليّةِ اقْتُسِم فى الجاهليّةِ، فهو على قَسْمِ
الجاهليّةِ، وما أدركَ الإسلامُ، فهو على قَسْم الإسلامِ)) (١).
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحيم ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ مسلم الطائفىُّ ، عن عمرٍو بنٍ دينارٍ ، عن أبى الشعثاءِ، عن ابنِ
عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ بَّهِ: ((كلُّ قَسْم قُسِم فى الجاهليّةِ، فهو
على ما قُسِم، وكلَّ قَشْم أدركه الإسلامُ ولم يُقْسَمْ، فهو على قَسْم
الإسلامِ».
قال أبو عمرَ: قال المزنىُ: سألتُ الشافعىَّ عن أهلِ دارِ الحربِ
يقتَسِمُون ميراثًا مِن العَقارِ وغيرِهِ، ويَعْلِكُ بعضُهم على بعضٍ بذلك
القَسْمِ، ثم يُسْلِمُونَ فيريدُ بعضُهم أنْ يَنقُضَ ذلك القَسْمَ، ويَقْسِمَ على
قَسْمِ الإسلامِ. فقال: ليس ذلك له. فقلتُ له: وما الحُجَّةُ فى ذلك؟
فقال: الاستدلالُ بمعنَى الإجماع والسُّنةِ. قلتُ : وأين ذلك؟ فذكَر
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م. وينظر سير أعلام النبلاء ٣٥٧/١٥.
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٩٣) عن سفيان به .
٤٥٢

الموطأ
حديثَ مالكٍ، عن ثورِ بنِ زيدٍ هذا. قال: ونحن نَروِيه مُتَّصِلًا ثابتًا بهذا التمهيد
المعنَى. قال: وأمَّا الإجماعُ، فإِنَّ أهلَ دارِ الحربِ إذا سبّى بعضُهم
بعضًا، وغصَب بعضُهم بعضًا)، وقتل بعضُهم بعضًا، ثم أسلموا،
أَهدِرتِ الدِّماءُ، ومَلَك كلُّ واحدٍ منهم ما كان قد ملكه قبلَ الإسلامِ مِن
الرّقيقِ الذين استرَقُّهم، وسائرِ الأموالِ، فما ملكوه بالقَسْم فى الجاهليَّةِ
أحقُّ وأولَى أَن يَثْبُتَ مِن مِلكِ الغَصْبِ والاسْتِزْقاقِ لمن کان حرًّا .
وقال ابنُ وهبٍ: سألتُ مالكًا عن تفسيرٍ حديث النبيِّ وَ ظَرِ: ((أَيُّما
دارٍ أو أرضٍ قُسِمت فى الجاهليَّةِ، فهى على قَسْم الجاهليّةِ)). فقال لى:
هو كذلك، أيُّما دارٍ فى الجاهليّةِ قُسِمت، ثم أَسلَم أهلُها، فهم على
قِسمَيِّهم يومَئذٍ، وأيُّما دارٍ فى الجاهليّةِ لم تَزَلْ بأيدى أصحابِها لم
يَقْتَسِموها حتى كان الإسلامُ، فاقتسموها فى الإسلام، فهم١) على قَشم
الإسلامِ. قلتُ لمالكٍ : أرأيتَ النصرانيّ يموتُ ويترُكُ ولدًا نَصرانيًّا ، ثم
یموتُ ، فیُسْلِمُ بعضُ ولَدِه قبلَ قَشم میرائهم . فقال مالك : ليس هذا مِن
هذا فی شیءٍ ، إِنَّما يَقْسِمُ هؤلاء، مَن أُسْلَم منهم ومَن لم يُسلِم ، على حالٍ
قِشْمَتِهم يومَ مات أبوهم .
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) فى الأصل، م: ((فهو)).
٤٥٣

الموطأ
التمهيد
وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ فى كتابٍ ((الفرائضِ)) له (١): معنى هذا
الحديثِ ، واللهُ أعلمُ، أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَقتَسِمون المواريثَ على
خِلافٍ فرائضِنا، فإذا اقتسموا ميراثًا فى الجاهليّةِ، ثم أسلموا بعدَ ذلك،
فهم على ما أسلموا عليه، كما يُسلِمُ على ما صار فى يَدِ كُلِّ واحدٍ منهم
وحازَه مِن الغُصُوبِ والرِّبًا (١) وغيرِ ذلك، فكذلك كلّ ما اقتسموا مِن
المواريثِ، فإذا أسلَموا قبلَ أن يُرِمُوا فى ذلك شيئًا، عَمِلوا فيه بأحكام
المسلمين، وأمَّا مواريثُ أهلِ الإسلامِ فقد استقرَّ محُكمُها يومَ مات
الميّتُ، قُسِمت أو لم تُقْسَمْ، وهم "فيها ما لم تُقْسَمْ" على حسَبٍ
شَرِكَيْهم وعلى قَدْرِ سِهامِهم. قال إسماعيلُ: وأحسَبُ أهلَ الجاهليّةِ لم
يكونوا يُعطُّون الزوجةَ ما نُعطِيها، ولا يُعطُّونَ البناتِ ما نُعطِيهنَّ، ورُبّما لم
تکنْ لهم مواریثُ معلومةٌ یعمَلُون علیھا . قال : وقد حدثنا أبو ثابت ، عن
ابنِ القاسم، قال: سألنا مالكًا عن الحديثِ الذى جاء: ((أيُّما دارٍ قُسِمت
فى الجاهليّةِ، فهى على قَسْم الجاهليَّةِ، وأَيُّما دارٍ أدرَكها الإسلامُ ولم
تُقْسَمْ، فهى على قَسْمِ الإسلامِ)). فقال مالكٌ: الحديثُ لغيرِ أهلِ
الكتاب، وأمَّا النصارى واليهودُ فهم على مَوارِيثِهم، لا يَنْقُلُ الإسلام
القبس
(١) بعده ق: ((فى)).
(٢) فى الأصل، م: ((الدماء)).
(٣ - ٣) فى م: ((فيما لم يقسم)).
٤٥٤

الموطأ
مَواريثَهم التى كانوا عليها. قال إسماعيلُ: قولُ مالكِ هذا على أنَّ التعهيد
النصارَى واليهودَ لهم مَوارِيثُ قد تراضَوْا عليها وإن كانت ظُلْمًا، فإذا
أسلَموا على ميراثٍ قد مضى، فهم كما لو اصطَلَحوا عليه، ثم يكونُ ما
يَحدُثُ مِن مَواريثِهم بعدَ الإسلامِ على محكّمِ الإسلامِ.
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ أحمدَ بنٍ كاملٍ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاجِ، قال: حدّثنا زيدُ بنُ البشرِ، قال:
حدَّثنا ابنُ وهب، قال: سمِعتُ الليثَ يقولُ فى قولِ النبيِّ وَلآتِ ((ما
كان " من ميراثٍ قُسِم فى" الجاهِليَّةِ، فهو على قَسْم الجاهليّةِ، وما كان
مِن قَشْم أدرَكه الإسلامُ قبل أن يُقْسَمَ، فهو على قَسْم الإسلامِ)). أنَّ ذلك
يكونُ أبدًا فى الإسلام، فلو أنَّ نَصرانيًّا هَلَك وترَك ولَدًا له نَصرانيًّا ، ثم
أسلَموا جميعًا قبلَ القَسْم، قُسِم بيتَهم الميراثُ على قَسْمِ مَواريثٍ
المسلمين، ولو أنَّهم اقتَسَموا قبلَ أن يُسْلِموا لكانت مَوارِيثُهم على قَشْم
الجاهليَّةِ. قال: وإن أسْلَمَ بعضُهم ولم يُسلِمْ بعضٌ، "فإنَّ القَسْمَ) بيتهم
على قَشم الجاهليّةِ؛ لأنّهم إنَّما وَرِثوه یومَ مات وهم على دينهم.
قال أبو عمر : اختلف أصحاب مالكِ فی معنی هذا الحديث ، فروَی
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((على قسم).
(٢ - ٢) فى ق: ((قال يقسم)).
٤٥٥

الموطأ
التمهيد ابنُّ القاسم (وابنُ وهب١ٍ)، عن مالكِ أنَّه قال: إنَّما ذلك فى مُشرِكى
العربِ والمجوسِ فقط، وأمَّا اليهودُ والنصارى فهم على قِسْمَتِهم.
قال أبو عمرَ : فالوثنئُ والمجوسِئُّ ومَن لا کِتابَ له عنده فی هذه
الروايةِ إذا مات وله وَرَثَةٌ على دِينِه فلم يَقتَسِموا مِيراثَه حتى أسْلَموا،
اقتَسَموه على شريعة الإسلام؛ لأنَّهم فى وقتِ القِسمَةِ مسلمون ، ولا
كِتابَ لهم فيَقتَسِمون ما وجَب لهم مِن ميراثهم عليه . وأمَّا الكِتابیُ على
هذه الرّوايةِ إذا مات وله وَرَثَةٌ على دِينِه، فلم يَقتَسِموا مِيراثَه حتى أسلموا،
فإِنَّهم يَقْتَسِمونَه على حسَبٍ ما وجَب لكلِّ واحدٍ منهم فى دينه وشَرِيعَتِه
فى حينٍ موتٍ مَوْرُوثِهم ؛ لأُنَّ الميراثَ حينئذٍ وجَب ، واستَحَقَّ كلُّ واحدٍ
منهم ما استحقُّه بموتِ مؤژُوثِه، فلا يُزَاخُ أحدٌ منهم عمَّا استحقّه فی دینِه
الذی قدرأقررناه عليه .
وروَى ابنُّ نافعٍ، وأشهبُ ، وعبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ، ومطرفٌ ،
عن مالكٍ، أنَّ ذلك فى الكفارِ كلِّهم؛ المجوسِ، ومُشرِكى العربِ،
وأهلِ الكتابِ، وجميع أهلِ المللِ. وهذا أولَى؛ لما فيه مِن استِعمالٍ
الحديثِ على عُمومِه فى أهلِ الجاهليّةِ ، ولأنَّ الكُفرَ لا تَمْتَرِقُ أحكامُه
لاختلافٍ أديانِهِ ، أَلَا تَرَى أنَّ مَن أسلَم مِن جميعِهم أُقِرَّ علی نِكاحِه ولَحِقه
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
٤٥٦

الموطأ
وَلِدُه؟ وعندَ مالكِ وجميع أصحابِه أَنَّ أَهلَ الكَفرِ كلَّهم سواءٍ، مجوسًا التمهيد
كانوا أو كِتَابِّينَ، فى مُقاتَلتِهم، وضَربِ الجِزيةِ عليهم، وقَبولِها منهم ،
وإقرارِهم على دينهم، وقد جمَعهم اللهُ عزَّ وجلّ فى الوَعيدِ والتَّخلیدِ فى
النارِ، وشَمِلهم اسْمُ الكَفرِ، فلا يُفرَّقُ بينَ شىءٍ مِن أحكامِهم إلّ ما قام
الدليلُ عليه، فيكونُ مخصوصًا بذلك الدليلِ الذى خَصَّه، كأكْلٍ ذبائحٍ
الكِتابِّين ومُناكَحَتِهم دونَ سائرِ أهلِ الكُفرِ بما نصَّ عليه مِن ذلك، ومحالٌ
أن يكونوا جماعةٌ مؤمنين كلَّهم يَقتَسِمونَ مِيراثَهم على شَرِيعِةِ الطَّاغُوتِ
ومنهاج الكفر . وهذا قول ابن شهاب ، وجماعةِ أهلِ الحجازِ ، وجمهور
أهلِ العلمِ والحديثِ. وكلُّ مَن قال بهذا الحديثِ لم يُفَّقْ بِينَ الكِتَابِينَ
وغيرِهم إلّ ما ذكّرنا . وقد أتى قومٌ مِن القولِ به، والحُجَّةُ تَلْزمُهم به ؛ لأنَّه
حديثٌ قد وصَلَه مَن ليسَ به بأسٌ ، وهو معمولٌ به عند أهلِ المدينةِ ومكةً .
وقد روَى أصبغُ، عن ابنِ القاسِم، أنَّه سُئِل عن قولِ رسولِ اللهِ وَّهِ: (« أيُّما
دارٍ قُسِمَت فى الجاهليّةِ، فهى على قَسْم الجاهليَّةِ، وأيُّما دارٍ أدرَ كها
الإسلامُ ولم تُقْسَمْ، فهى على قَسْم الإسلامِ)) . قلتُ : أيريدُ بهذا مُشرِكى
العربِ، أم يكونُ فى اليهودِ والنصارى؟ فقال: تفسيرُه عندى أنَّ كلَّ وَرَثَةٍ
وَرِثُوا دارًا (وهم) على مجوسيَّةٍ، أو يهوديَّةٍ، أَو نَصرانيَّةٍ ، فلم يَقْسِموا
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
٤٥٧

الموطأ
التمهيد حتى أسلموا، فإِنَّ مَوارِيثَهم تَرجِعُ فى قَسْم الدَّارِ على سُنَّةِ فرائضِ الإسلامِ،
وإن كانوا قد اقتسموا وهم على (يهودِيُّهم أو ) مجوسيّهم، مضَى
على(٢) ذلك القَسْم ولم يُعَدْ بينَهم ؛ اتِباعًا للحديثِ وأخذًا به. قلتُ له:
فإن أسلَم بعضُهم قبلَ أن يَقْتَسِموا، فدَعَا مَن أسلم منهم إلى أن يَقْتَسِموا
على فرائضِ الإسلامِ، ودَعا مَن لم يُسلِمْ منهم إلى التَّمسُكِ بفرائضٍ أهلِ
دینھم، کیف الحكم بينهم ؟ فقال : يُقَؤُونَ علی قَشم أهلٍ دینهم ما بَقِی
منهم واحدٌ لم يُسلِمْ، ولا يُجبّرون على غيرِ ذلك إلّا أن يَتَرَاضَوْا على حَكَم
مِن محکام المسلمین، فيحكم بتهم بكتابِ اللهِ. هكذا ذكره، ورَوَاه
مَطْروح بنُ محمدِ بنِ شاكرٍ ، عن أصبغَ.
قال أبو عمرَ : روَی ابنُ وهب ، قال : قلتُ لمالكٍ: النصرانئ يموتُ
وله ولدٌ نَصارَى(١)، فيُسلِمُ بعضُ ولَدِه بعدَ موتِهِ قبلَ قَسْمِ الميراثِ. فقال:
مَن أسلم منهم ومَن لم يُسلِمْ على حالٍ واحدةٍ فى قِسْمَتِهم يومَ مات
أبوهم؛ إن كان للذكرِ فى قِسمَتِهِم مثلُ حظُ الأَنْثَى (٤)، لم يكنْ لمن أسلم
إلَّ ذلك، إنَّما يَقْسِمون(٥) على قَسْم النصرانيةِ، وإن كان قد أسلَم
القبس
(١ - ١) فى ق: ((دينهم و)).
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) فى ق: ((نصرانى)).
(٤) فى الأصل: ((الأنثيين)).
(٥) فى ق: ((يقتسمون)).
٤٥٨
۔۔

الموطأ
بعضُهم، فلا يُقسَمُ لمن أسلم منهم إلَّ ما وجَب له قبلَ أن يُسلِمَ يومَ التمهيد
مات أبوه. قال: وقال مالكٌ فى النصرانيّ يموتُ وله أولادٌ مسلمون
ونصارى، فيُسلِمُ النصرانىُّ منهم قبلَ قَسْم الميراثِ، فقال: إنَّما يكونُ
ميراتُه لمن كان على دينِه يومَ مات، وليس لمن كان مسلمًا قبلَ موتِه
شىءٌ، ولو أسلَم النصرانىُّ وله أولادٌ مسلمونَ ونصارى، ثم مات،
فأسلَم ولَدُه النصارى بعدَ موتِه قبلَ القَسْم، لم يكن لهم مِن ميراثِه
شىءٌ. فقلتُ لمالكِ: والعَتَاقَةُ كذلك؟ فقال: نعم، مَن أُعْتِق بعدَ
الموتِ فلا شىءَ له وإن كان قبلَ القَسْمِ.
قال أبو عمر : بهذا قال الشافعى وجمهور أهلِ العلم . وژُوِی ذلك عن
علىِّ بن أبى طالبٍ، وسعيدِ بنِ المسئَّبِ، وإبراهيم النخعىِّ ، وسليمانَ بنِ
يسارٍ ، والزهرىِّ، كلُّهم يقولُ: مَن أسلَم أو أُعْتِقِ بعدَ الموتِ ، فلا ميراثَ
له ولا قسم؛ لأنَّ المیراثَ قد وجب فی حینِ الموتِ لمن وجب مِن
عَصَبَةٍ ، أو بيتٍ مالِ المسلمينَ، أو سائرٍ وَرَئته(١). وهو قولُ الكونتين،
والحجازِيِّين، وعليه(١) جمهورُ العلماءِ، أنَّ الميراثَ إنَّما يقَعُ ويجبُ
بموتِ المورُوثِ فى حينٍ موتِهِ، كالرجلِ المسلم يموتُ وله أولادٌ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٩٨٨٩، ٩٨٩٠، ٩٨٩٧)، وسنن سعيد بن منصور (١٨٤)،
ومصنف ابن أبى شيبة ٤٢٤/١١.
(٢) ليس فى: الأصل، م.
٤٥٩

الموطأ
التمهيد نَصارَى، ثم يسلِمونَ بعدُ، فلا حَقَّ لهم فى ميراثِه، وقد وجَب بموتِه
لوارث مسلمٍ إن كان له (١) غيرُهم، وإلّا فِلِيتِ مالِ المسلمين، إلَّ ما رُوِى
عن أبى الشَّعْثاءِ جابرٍ بنِ زيدِ البصرىِّ، وطائفةٍ مِن فقهاءِ التابعين بالبصرةِ
خاصّةً ، فإنَّ ابنَ ابی عمر ذكّر عن ابن عيينةً ، قال : حدثنا عمرو بنُ دینارٍ ،
قال: سمِعتُ أبا الشَّعثاءِ يقولُ: إذا مات الرجلُ وتَرَك ابنًا له مملوكًا
فَأُعْتِقَ، أو نصرانيًا فأسلَمَ ، مِن قبلِ أن يُقتَسمَ مِیراتُه، ورِثه . قال سفيانُ:
سمِعتُ عمرَو بنَ دينارٍ يقولُ : أَظُنُّ أبا الشَّعثاءِ أَخَذه مِن قولِ رسولِ اللهِ
وَلِّهِ: ((أيُّما ميراثٍ مِن ميراثِ الجاهليةِ اقْتُسِمَ فى الجاهليةِ، فهو على
قَسْم الجاهليّةِ، وما أدرَكَ الإسلام، فهو على قَسْمِ الإسلامِ))(١) .
قال سفيانُ بنُ عيينة: حدَّثنا داودُ بنُّ أبى هندٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ
المسئَّبِ عن الميراثِ إذا أسلَم أو أَعْتِقَ الوارثُ بعدَ الموتِ ، فقال سعيدٌ:
يُرَدُّ الميراثُ لأَهلِهِ(٣) . يقولُ: لا يرِثُ وإن أُعْتِقَ قبلَ أن يُقْسَمَ الميراثُ؛
لأَنَّ أباه مات(٤) وهو عبدٌ مملوكً (٥).
القبس
(١) فى ق: ((لهم)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٨٩٥)، وسعید بن منصور (١٨٧) عن سفيان به دون قول عمرو بن
دینار .
(٣) فى الأصل، م: ((إلى أهله)).
(٤) سقط من: م.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٩٨٩٦)، وسعيد بن منصور (١٨٨) عن ابن عيينة به.
٤٦٠