Indexed OCR Text
Pages 261-280
الموطأ
قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: ومعنى قولِ النبيِّ وَّه فيما
نرَى واللهُ أعلمُ: ((مَن غيَّرِ دينَه فاضْرِبوا عنقَه)). أنه مَن خرَج مِن
الإسلام إلى غيرِهِ ، مِثلُ الزَّنادِقةِ وأَشْباهِهم، فإن أولئك إذا ظُهِر عليهم
قُتلوا ولم يُسْتَتَابوا؛ لأنه لا تُعرَفُ تَوْبِتُهم، وأنهم كانوا يُسِرُون الكفرَ
ويُعْلِنون الإِسلامَ، فلا أَى أن يُستتابَ هؤلاء، ولا يُقبلَ منهم قولُهم،
وأما مَن خرَج من الإسلام إلى غيرِه وأظهرَ ذلك ، فإنه يُسْتتابُ ، فإن
تاب وإلا قُتل؛ وذلك لو أن قومًا كانوا على ذلك ، رأيتُ أن يُدْعَوْا إلى
الإسلامِ ويُشْتَتابوا، فإن تابوا قُبِل ذلك منهم ، وإن لم يَتُوبُوا قُتِلُوا، ولم
وأمَّا ميراثُ المرْتَدِّ، فقد اخْتَلَف العلماءُ فيه، والصحيحُ عندَنا أَنَّ التمهيد
مِيراثَه فى بيتِ المالِ، لا يَرِثُه أحَدٌ مِن ورثتِه؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَله: (( لا
يَرِثُ الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ)) (١). وسنُبَيِّنُ ذلك، ونَذْكُرُ
أقاوِیلَ السَّلَفِ فیه عندَ ذِ كْرِنا حدیثَ ابنِ شِهَابٍ ، عن علىِّ بنِ حُسَيْنٍ ، فى
كِتابِنا هذا(٢) إن شاءَ اللهُ. واللهُ المستعانُ.
قال مالكٌ فى ((الموطأ)): ومعنى قولِ النبيِّ وَ لِّ فيما نرَى واللهُ أعلمُ: الاستذكار
((مَن غَيَّرِ دينَه فاضرِبوا عُنُقَه)). أنه مَن خرَج مِن الإسلام إلى غيرِهِ ، مثلُ
الزنادقةِ وأشباهِهم ، فإن أولئك إذا ظُهِر عليهم قُتلوا ولم يُستتابُوا؛ لأنه لا
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٤٧٣/١٣، ٤٧٤، ٤٨٤.
(٢) تقدم فى ٤٧٦/١٣ - ٤٨٢ .
٢٦١
الموطأ يُعْنَ بذلك، فيما نرَى واللهُ أعلمُ، مَن خرَج مِن اليهوديَّةِ إِلى النصرانيَّةِ ،
ولا مِن النصرانيّةِ إلى اليهوديَّةِ، ولا مَن يُغيّرُ دِينَه مِن أهل الأديانِ كلّها
إلا الإسلامَ، فمَن خرَج مِن الإسلام إلى غيرِه وأُظْهَر ذلك، فذلك
الذى عُنِى به . واللهُ أعلمُ .
الاستذكار تُعرفُ توبتُهم، وأنهم كانوا يُسِرُّون الكفرَ ويُعلنون الإسلامَ ، فلا نَرى أن
يُستتابَ هؤلاء، ولا يُقبلَ منهم قولُهم ، وأمَّا مَن خرَج مِن الإسلامِ إلى غيرِه
وأظهَر ذلك، فإنه يُستتابُ ، فإن تابَ وإلا قُتل؛ وذلك لو أن قومًا كانوا
على ذلك، رأيتُ أن يُدعَوا إلى الإسلام ويُستتابُوا، فإن تابوا قُبِل ذلك
منهم ، وإن لم يَتوبوا قُتِلوا ، ولم يُعْنَ بذلك، فيما نرَى واللهُ أعلمُ ، مَن خرَج
مِن اليهودية إلى النصرانية ، ولا مِن النصرانيةِ إلى اليهودية، ولا مَن يُغَيُِّ دينَه
مِن أهل الأديانِ كلِّها إلا (١) الإسلامَ، فمَن خرَج مِن الإسلامِ إلى غيرِهِ
وأظهر ذلك، فذلك الذى عُنِى به . واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ: على هذا جماعةُ "العلماءِ فيمَن) خرَج مِن دينٍ
اليهوديةِ إلى النصرانيةِ، أو مِن النصرانيةِ إلى اليهوديةِ أو المجوسيةِ ؛
(٣أنه لا يُقتلُ إن كان ذِمِّيًّا وله ذِمَّتُه؛ لأن النصرانيةَ واليهوديةَ والمجوسيةَ
أديان٣ٌ) قد جاء القرآنُ والشنَّةُ بأن يُقَرَّ أهلُها ذِمَّةً إِذا بذَلوا الجزيةَ
القبس
(١) فى ح، هـ، ط: ((إلى)).
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((فمن)).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ.
٢٦٢
الموطأ
وأعطَوها للمسلمين على ذلك، لا خلافَ بينَ العلماءِ فيما وصَفنا، إلا الاستذكار
أن الشافعيّ قال: إذا كان المُبَدِّلُ لدينه مِن أهلِ الذمةِ، كان للإمام أن
يُخرِجَه مِن بلدِهِ ويُلحِقَه بأرضِ الحربِ، وجاز له استحلالُ مالِه مع
أموالِ الحريئِين إن غلَب على الدارِ؛ لأنه إنما جعَل له الذمةَ على الدِّينِ
الذی کان علیه فی حین عقد العهد له. هكذا حكاه المُزنئ وغیژه مِن
أصحابِه عنه، وهو المعروفُ مِن مذْهبِه.
وحكى عنه محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، أن الذمئَّ إذا
خرَج مِن دينٍ إلى دِينٍ كان للإمام قتلُه؛ بظاهرِ الحديثِ: ((مَن بَدَّل
دينه فاقتلوه)) .
والمشهورُ عن الشافعىِّ ما قدَّمنا ذكرَه مِن روايةِ المُزنىِّ والربيعِ
عنه .
قال أبو عمرَ: ووَجْهُ روايةِ محمدٍ عنه أن الذمىَّ قبلَ أن تُعْقَدَ له الذمةُ
حلالُ الدم، ثم صارت له الذمةُ بما عقَد له الإمامُ مِن العهدِ على أن يُقِرّه
على ذلك الدِّينِ إذا بذَل الجزيةً، فلما خرَج عن الدِّينِ الذى عُقدت له
الذمةُ عليه، عاد محُكْمُه إلى حكم الحربىِّ، فجاز قتلُه، وهذا وجةٌ
مُحتمِلٌ. واللهُ أعلمُ.
٠
القبس
٢٦٣
الموطأ
١٤٨٠ - وحدّثنى عن مالك، عن عبد الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ عبدِ القارئِّ، عن أبيه ، أنه قال : قدم على عمر بن الخطاب
رجلٌ مِن قِبَل أبى موسى الأشعرىِّ، فسأله عن النَّاسِ فأخْبَره، ثم قال له
عمرُ: هل كان فيكم مِن مُغَرِّبَةٍ خَبَرٍ؟ فقال: نعم، رجلٌ كفَر بعدَ
إسلامِه. قال: فما فعلتم به؟ قال: قَرَّبْناه فضَرَبْنا عُنُقَه . فقال عمرُ:
أفلا حَبَسْتُمُوه ثلاثًا ، وأطعَمْتُموه كلَّ يومٍ رغيفًا ، واستنْتُموه لعلَّه يتوبُ
ويُراجِعُ أمرَ اللهِ؟ ثم قال عمرُ: اللَّهُمَّ إنى لم أحضُرْ، ولم آمُرْ، ولم
أرْضَ إذ بلغنى .
الاستذ کار
وروَى مالكٌ فى هذا البابِ مِن ((الموطأ)) عن (١ عبد الرحمنِ بنِ
محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ القارِىِّ)، عن أبيه، أنه قال: قدِم على عمرَ بنِ
الخطابِ رجلٌ مِن قِبَلِ أبى موسى الأشعرىِّ، فسأله عمرُ عن الناسِ
فأخبره ، ثم قال له عمرُ: هل مِن مُغَرِّبَةٍ خبرٍ؟ قال: نعم ، رجلٌ كفَر بعدَ
إسلامِه. قال: فماذا فعَلتُم به؟ قال: قرَّبناهُ(١) فضرَبنا مُنُقَه. قال عمر:
فهلًّا حبَستُموه ثلاثًا، وأَطعَمتُموه كلَّ يومٍ رغيفًا، واسْتَبْتُموه لعله
يتوبُ ويُراجِعُ أمرَ اللهِ؟ اللهمّ إنى لم أحضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أرْضَ إذ
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((عبد الرحمن بن محمد عن عبد القارى))، وفى ح، هـ، ((عبد الرحمن
ابن عبد القارى». وينظر التاريخ الكبير ٣٤٦/٥، والجرح والتعديل ٢٨١/٥.
(٢) فى الأصل: ((قدمناه).
٢٦٤
الموطأ
بلغنى(١) .
(١)
الاستذكار
وحدَّثنى خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنى ابنُّ أبى العَقِبِ (١)، قال:
حدَّثنى أبو زُرعةً، قال: حدَّثنى أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنى محمدُ(١)
ابنُ إسحاق، عن عبد الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ القارِئِّ،
عن أبيه، قال: قدِم وفدُ أهلِ البصرةٍ على عمرٌ، فأخبروه بفتحِ تُسْتَرَ،
فحمِد اللة، ثم قال: هل حدَث فيكم حَدَثّ؟ فقالوا: لا واللهِ يا أميرَ
المؤمنين، إلا رجلٌ ارتدَّ عن دينِه فقتلناه. قال: وَيْلَكم، أعجزتُم أن
تُطَيّنوا عليه بيتًا ثلاثًا، ثم تُلْقُوا إليه كلّ يومٍ رغيفًا، فإن تاب قبِلتُم منه،
وإن أقام كنتُّم قد أعذّرتُم إليه؟ اللهمّ إنى لم أشهَدْ، ولم آمُرْ، ولم أرضّ
(٤)
إذ بلغنى(4) .
ورواه ابنُّ عيينةَ، فقال فيه: عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه(٥) .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٨٦).
وأخرجه الشافعى ٢٥٨/١، والبيهقى ٢٠٦/٨، ٢٠٧، وفى المعرفة (٥٠٣٢) من طريق مالك
ـه.
(٢) فى الأصل: (القعبى))، وفى م: (العقيب)). وينظر تاريخ علماء الأندلس ١٣٧/١، وسير
أعلام النبلاء ٣٨/١٦.
(٣) فى الأصل: (أحمد)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٤٨.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣٧/١٠: ٢٧٣/١٢ عن ابن عيينة به.
٢٦٥
الموطأ
وقولُ مالكِ وابن إسحاقَ الصوابُ ، إن شاء الله تعالى.
الاستذكار
وروی داودُ بنُ أبی هندٍ ، عن الشعبى ، عن أنس بن مالك ، أن نفرًا مِن
بكرِ بنِ وائلِ ارتدُّوا عن الإسلامِ يومَ تُشْتَرَ ولحِقُوا بالمشركين، فلما فُتحت
قُتلوا فى القتالِ ، قال: فأتيتُ عمرَ بفتحِها ، فقال: ما فعَل النفرُ مِن بكرِ بنِ
وائلِ؟ فأعرَضتُ عن حديثِه لأشغَلَه عن ذكرِهم، فقال: ما فعَل النفرُ مِن
بكرٍ بنِ وائلٍ ؟ فقلتُ : قُتلوا . قال: لأن أكونَ كنتُ أَخَذتُهم سِلْمًا أحبُّ
إلىَّ مما طلعت عليه الشمسُ مِن صفراء وبيضاءً. قلتُ : وهل كان سبيلُهم
إلا القتلَ؛ ارتدُّوا عن الإسلام ولحِقوا بالمشركين؟ قال: كنتُ أعْرِضُ
عليهم أن يدخُلوا فى البابِ الذى خرَجوا منه، فإن قبِلوا قبِلتُ منهم ، وإلا
استودعتُهم السجنَ(١).
قال أبو عمرَ: يعنى استودعتُهم السجنَ حتى يَتُوبوا، فإن لم يتوبوا
قُتلوا. هذا لا يجوزُ غيرُه؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَله: ((مَن بَدَّل دينه فاضرِبوا
(٢)
◌ُنْقَه))(٢) .
وروَى عُبادةُ(٣) عن العلاءِ أبى(٤) محمدٍ، أن عليًّا أخذ رجلًا مِن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٢٤٨، ٠٢٤٩.
(٢) تقدم فى الموطأ (١٤٧٩).
(٣) فى الأصل، ح، هـ، ط: ((قتادة)). وينظر ما تقدم ص ٢٤٩.
(٤) فى ح، هـ: ((بن). وينظر تهذيب الكمال ٥١٥/٢٢.
٢٦٦
الموطأ
بكرِ بنِ وائلٍ تنصَّر بعدَ الإسلامِ، فعرَض عليه الإسلامَ شهرًا فأتَى، فأمَر
(١)
بقتله
الاستذكار
وذكر أبو بكرٍ (١) ، قال: حدَّثنی حفصُ بنُ غِيَاتٍ ، عن أشعثَ ، عن
الشعبىِّ، قال: قال عليٍّ: يُستتابُ المُرتدُّ ثلاثًا، فإن عاد قُتل.
وروَى أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن أبى عمرٍو الشيبانيّ، أن عليًّا أُتِى
بالمُسْتورِدِ العِجْلىّ وقد ارتدَّ عن الإسلام، فاستتابَه، فأتى أن يتوبَ ،
فقتله(٣) .
وقد ذكّرنا فى ((التمهيدِ)) كثيرًا مِن هذه الآثارِ. ولا أعلَمُ بينَ الصحابةِ
خلافًا فى استتابةِ المُرتدٌّ، فكأنهم فهِموا مِن قولِ النبيِّ وَلِّ: ((مَن بَدَّل
دينه فاقتلوه)). أى بعدَ أن يُستتابَ، واللهُ أعلمُ ، إلا حديثَ معاذٍ ( مع أبى
موسى ، فإن ظاهرَه القتلُ دونَ استتابةٍ ، وقد قيل: إن ذلك المُرتدَّ قد كان
استِيب. رواه يحيى القَطَّانُ وغيرُه، عن قُوَّةَ بن خالدٍ ، عن محمیدٍ بنِ
هلالٍ (٥)، عن أبى يُؤْدةً)، عن أبى موسى الأشعرىِّ، أن رسولَ اللهِ وَلّه
القبس
(١) تقدم ص ٢٤٩.
(٢) ابن أبى شيبة ١٣٨/١٠، ٢٧٤/١٢.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٤٩.
(٤ - ٤) سقط من: ح، هـ.
(٥) فى الأصل: ((خالد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠٣/٧.
٢٦٧
الموطأ
الاستذكار استعمَله على اليمنِ، ثم أتبعه معاذَ بنَ جبلٍ، فوجَد عندَه رجلًا مُقيّدًا
بالحديدِ ، فقال : ما شأنُ هذا؟ فقال: كان يهودِيًّا فأسلم ، ثم ارتدَّ وراجع
دينه دينَ السَّوءِ. فقال معاذٌ: لا أَنزِلُ حتى يُقتلَ، قضاءُ اللهِ ورسوله (١).
ورُوِى هذا الحديثُ مِن وُجُوهِ عن أبى موسى ، إلا أن بعضَهم قال فيه :
قد كان استثِيب قبلَ ذلك أيامًا .
ذكَر أبو بكرٍ(١) ، قال: حدَّثنَى عَبَّادُ بنُ العوام، عن سعيدٍ ، عن قتادةً،
عن محميدٍ بنٍ هلالٍ، أن معاذًا لمَّا أَتَى أبا موسى وعنده رجلٌ يهودىٌّ،
فقال: ما هذا؟ فقال: یهودیّ أسلم ثم ارتدَّ. وقد استتابَه أبو موسى
شهرين، فقال معاذٌ: لا أَجلِسُ حتى "أضرِبَ عُنُقَه )) .
فاحتجُّ مَن لم يَرَ الاستتابةَ بحديثٍ معاذٍ هذا، واحتجوا أيضًا بأن
رسولَ اللهِ وَ له يومَ فتح مكةَ أَمَر بقتلِ قومٍ ارتدُّوا عن الإسلامِ؛ منهم
عبدُ اللهِ بنُّ خَطَلِ وعبدُ اللهِ بنُ سعدِ بنِ أبى سَرْح العامرىُّ(٤) ، مع ظاهرٍ قولِه
وَ﴾: «مَن بَدَّل دينه فاقتلوه)). وذكَر سُحنونٌ، أن عبد العزيزِ بنَ أیی
سلمةً كان يقولُ : يُقتلُ المُرتدُ ولا يُستتابُ . ويختُ بحديث معاذٍ مع أُبی
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٢٥٩، ٢٦٠.
(٢) ابن أبى شيبة ١٣٨/١٠.
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((يقتل)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٨٤/١٢ - ٨٦.
٢٦٨
الموطأ
الاستذكار
موسى . وقال الليثُ بنُ سعدٍ وطائفةٌ معه: لا يُستتابُ مَن وُلِد فى الإسلامِ
ثم ارتدَّ، إذا شُهِد عليه ، ولكنه يُقتلُ، تاب مِن ذلك أو لم يَتُبْ ، إذا قامتٍ
البينةُ العادلةُ . واختلفوا عن الحسنِ البصرىِّ؛ فرُوِى عنه أنه قال: يُقتلُ دونَ
استتابةٍ. ورُوِى عنه أنه قال : يُستتابُ مائةَ مرةٍ .
قال أبو عمرَ: مَن رأى قتلَه (" بلا استتابةٍ) جعله حدًّا مِن الحدودِ، ولم
يَقْبَلْ فيه توبتَه ، وقال: توبتُه بينَه وبينَ اللهِ فى آخرتِه، ورأى أن حدَّه إذا بَدَّل دينَه
القتلُ.
ورؤَى ابنُّ القاسم وغيرُه، عن مالكِ، قال: يُعرضُ على المُرتدِّ
الإسلامُ ثلاثًا، فإن أَسلَم ، وإلا قُتِل. قال: وإن ازتدَّ سؤًّا (١) قُتِل ولم
يُستَبْ، كما تُقتلُّ الزنادقةُ. قال: وإنما يُستتابُ مَن أَظهَر دينَه الذى ارتدَّ
إليه . قال مالكٌ: ويُقتلُ الزنادقةُ ولا يُستتابُون. قال: والقَدَرِيَّةُ يُستتابون،
يُقالُ لهم: اتركوا ما أنتم عليه. فإن تابوا ، وإلا قُتلوا.
وقال ابنُ وهبٍ، ("عن مالك٣ٍ): ليس فى استتابةِ المُرتدِ أمرٌّ من جماعةٍ
الناسِ . وقال الشافعىُّ (٤): يُستابُ المرتدُّ ظاهرًا والزنديقُ جميعًا، فمَن لم
يُتُبْ منهما قُتِل. وفى الاستتابةِ ثلاثًا قولان؛ أحدُهما حديثُ عمرَ.
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ، م: ((بالاستتابة)).
(٢) فى ح ، هـ، م: ((سواء).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ.
(٤) فى ح، هـ: ((الشعبى).
٢٦٩
الموطأ
الاستذكار والآخرُ، أنه لا يُؤخّرُ؛ لأن النبىَّ وَه لم يأمُرْ فيه بأنَاةٍ ، وهذا ظاهرُ الخبرِ.
قال الشافعىُّ: ولو شهِد عليه شاهدان بالرّدَّةِ قُتِل ، فإن أقرَّ بأن لا إلهَ إلا اللهُ،
وأن محمدًا رسولُ اللهِ ، وتبڑأُ مِن كلِّ دین خالَف الإسلام ، لم يُكشفْ عن
غيرِه .
والمشهورُ مِن مذهبٍ أبى حنيفةً وأصحابِهِ ، أن المرتدَّ لا يُقتلُ حتى
يُستتابَ . وهو قولُ ابنِ عُلَّةَ؛ قالوا: ومَن قتله قبلَ أن يُستتابَ فقد أساء،
ولا ضمانَ علیه .
وروَى محمدُ بنُ الحسنِ فى ((السِّيَّرِ))، عن أبى يوسفَ، عن أبى
حنيفةً، أن المُرتدَّ يُعرّضُ عليه الإسلامُ، فإن أسلَم(١)، وإلا قُتل مكانَه ، إلا
أن يطلُبَ أن يُؤَجَّلَ، فإِن طلَب ذلك أَجْلَ ثلاثةَ أيام . والزنديقُ عندَهم مِثْلُ
المُرتدِ سواءً ، إلا أن أبا يوسفَ لمَّا رأى ما يصنَعُ الزنادقةُ ، وأنهم يعودون(٢)
بعدَ الاستتابةِ، قال: أَرَى إن أَتَيتُ بزنديقِ (أن أضرِبَ" عُنُقَه، ولا
أُسْتَتِيبَه، فإن تاب قبلَ أن أقتُلَه لم أقتُلْه، وخَلَّيْتُه .
قال أبو عمرَ: رُوى عن علىَّ رضِى اللهُ عنه أنه قال: المُرتدُ(٤) يُستتابُ،
فإن تاب قُبِل منه، ثم إن ارتدَّ يُستتابُ، فإن تاب قُبِل منه، ثم إن ارتدَّ
القبس
(١) فى ح، هـ: ((أرتد)).
(٢) فى ح، هـ، م: (يرجعون)).
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((ضربت)).
(٤) فى ح، هـ: ((الزنديق).
٢٧٠
الموطأ
القضاءُ فيمَن وجَد مع امرأتِه رجلًا
١٤٨١ - مالك ، عن شھیلٍ بن أبى صالح الشَّمَّانِ ، عن أبيه، عن
(٢) الاستذكار
يُستتابُ ، فإِن تاب" قُبِل منه، فإن ارتدَّ بعدَ الثلاثِ قُتل ولم يُشْتَنب(٢).
وقالت به طائفةٌ مِن العلماءِ، ونزَع بعضُهم بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ : ﴿إِنَّ
اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُوَّ ءَامَنُواْ ثُذَ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٣٧].
قال أبو عمرَ : رأى مالكٌ وحدَه مِن بين سائرِ الفقهاءِ استتابةَ أَهلِ القَدَرِ وسائرٍ
أهلِ الأهواءِ، وسنذْ كُرُّ ذلك فى موضعِه مِن كتابٍ الجامع(٣) إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ،
وقد مضى فى كتابٍ الفرائضِ ميراثُ المُرتدِ ، واختلافُ العلماءِ فيه(٤).
وأما ◌ُكمُ فراقِه لنسائه وسرَارِيُّه وإمائِه وسائرِ مالِه، ومحكّمُ أولادِه
الصِّغارِ، وهل يجبُ عليه قضاء صلاةٍ وحَجُ وز کاةٍ إذا تاب ، فليس هذا
البابُ بموضعٍ ذكرِ ذلك . وباللهِ التوفيقُ .
مالكٌ، عن سُهَيلِ بنِ أبى صالح السَّمَّانِ ، عن أبيه ، عن أبى هريرةَ ، أن التمهيد
القبس
القضاءُ فيمَن وجَد مع امرأتِه رجلًا
وهى نازلةٌ عظيمةٌ، سأل عنها سعدُ بنُّ عُبادةَ رسولَ اللهِ وَّهِ، فأجابه
(١ - ١) فى ح، هـ: ((وإلا)).
(٢) ينظر سنن البيهقى ٢٠٧/٨.
(٣) ينظر ما سيأتى فى شرح الأثر (١٧٣٠) من الموطأ .
(٤) تقدم فى ٤٧٦/١٣ - ٤٨٢.
٢٧١
الموطأ أبي هُريرةٌ، أن سعدَ بنَ عُبادةَ قال لرسولِ اللهِ وَّهِ: أرأيتَ إن وجدتُ
مع امرأتى رجلًا، أُمْهِلُه حتى آتِيَ بأربعة شهداءَ؟ فقال رسولُ اللهِ
وَالله : ((نعم)).
التمهيد سعدَ بنَ عبادةَ قال لرسولِ اللهِ وَ له: أرأيتَ إن وجدتُ مع امرأتى رجلًا،
أُمهِلُه حتى آتِىَ بأربعة شهداءَ؟ قال: ((نعم)) (١).
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ النهى عن قتلِ مَن هذه حاله ، تعظيمًا
للدم، وخوفًا من التطوّقٍ" إلى إراقةٍ دماء المسلمين بغيرِ ما أباحَها(١) الله به
من البيّناتِ أو الإقرارِ الذى يقامُ عليه(٤)، وسدًّا لبابِ الافتئاتِ على
القبس الجوابَ المعروفّ. قال علماؤنا: إذا نازَعَه فى الخروج عن دارِهِ، فَقَطَّع يدّه
كانت هَذَرًا. ونصَّ عليه ابنُ الماجِشُونِ. فإن نازَعَه فَقَتَلُه، قال ابنُ الماجشُونِ:
يُقْتَلُ إن كان بِكْرًّا، وإن كان تََِّّا لم يُقْتَلْ. واخْتَلَفوا فى الدِّيةِ؛ فقال ابنُ
عبد الحكم: لا شىءَ عليه. وقال سائرُ أصحابنا: فيه الدِّيةُ. واخْتَلَفوا، فقال
أَصْبَغُ خاصَّةً: هى فى ماله. والصحيحُ عندى أنه إذا لم يُقْتَلْ فلا دِيةً له ؛ فإنه قَتْلٌ
عَمْدٌ ، وليس بقَتْلِ خَطَأْ ، وإنما تكونُ الدِّيةُ بقتل الخطأ ، أما إنَّ مالكًا انْفَرَدِ بِشُبْهةٍ
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٧٦٢، ٢٩٨٢). وأخرجه أحمد ٦٣/١٦ (١٠٠٠٧)،
ومسلم (١٥/١٤٩٨)، وأبو داود (٤٥٣٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٣٣٣) من طريق مالك
به .
(٢) فى ص ٢٧: ((الترقى)).
(٣) فى ص ١٧، م: ((أمرنا)).
(٤) بعده فى ص ٢٧: ((الحد)).
٢٧٢
الموطأ
السلطانِ فى الحدود التى جُعلتْ فى الشريعةِ إليه، وأُمِر فيها بإقامةِ الحقِّ التمهيد
على الوجوهِ التى ورَد التوقيفُ بها ، وقد مضى فى غيرِ موضع من كتابنا هذا
ذِكرُها. وثبت عن النبيِّ وَلَ﴿ أنه قال: ((لو أُعطِى قومٌ بدعواهم، لادُّعَى
أقوائم دماءً أقوام وأموالَهم))(١).
وروّى مالكٌ(٢) رحِمه اللهُ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيدِ بنِ
المسيبٍ، أن رجلاً من أهلِ الشام (٣يقالُ له٣): ابنُ خْتَرىّ. وجَد مع
امرأته رجلًا، فقتله، أو قتلهما، فأشكّل على معاويةً القضاء فيه ، فكتب
العَمْدِ، فتكونُ هذه المسألةُ محمولةً عليه؛ لأنه قصَد الدَّفْعَ ولم يَقصِدِ القَتْلَ، القبس
ولستُ أرى شُبهةَ العَمْدِ، وسنُبِينُه فى موضعِه إن شاء اللهُ.
تَكْتَةٌ أُصُولِئَةٌ: قولُ سعدِ بنِ عُبادةَ للنبيِّ وَِّ: أَمْهِلُه؟ قال: ((نعم). مُشْكِلٌ
مُعضڵ؛ لأنه ◌ُوهِم بظاهره توك الزانی مع الزِّنی وتمکینه منه ، وذلك لا یلیقُ بذوی
المُؤُوءاتِ، ولا يجوزُ على الأنبياءِ التَّقريرُ على المعاصى، وهو حديثٌ انْفَرَد به
سُهيلُ بنُّ أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، وهى ترجمةٌ لم يُدخِلِ البخارىُّ
منها شيئًا، مع إدخالِ مالكٍ لها، أما إن البخارىَّ ذكّر منها فى الاستشهادِ
أحادیث ، یذ کر الحدیثَ مِن أُصلِه ، ثم يقولُ : ورواہ شُھیلُ بنُ ابی صالح، عن
(١) تقدم تخريجه ص ١٤١، وسيأتى فى شرح الحديث (١٦٩٤) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٢).
(٣ - ٣) فى م: ((يدعى)).
٢٧٣
(موسوعة شروح الموطأ ١٨/١٨)
١
الموطأ
التمهيد إلى أبى موسى الأشعرىِّ يسألُ له علىَّ بن أبى طالبٍ عن ذلك ، فسأل أبو
موسى عن ذلك علىَّ بنَ أبى طالبٍ ، فقال له علىٍّ: إن هذا لشىءٌ ما هو
بأرضِى، عزَمتُ عليك لتُخبِرَنِّى. فقال أبو موسى: كتَب إلىَّ معاويةُ بنُ
أبى سفيانَ أسألُك عن ذلك. فقال علىّ: أنا أبو الحسنِ، إن لم يأتِ بأربعةِ
شهداءَ فليُعطَ بُمَّتِه .
فأدخل مالكٌ فى ((موطئِه)) قولَ علىِّ هذا بأثَرِ حديثِه المسنَدِ عن
شهيلٍ تفسيرًا له، وكشفًا عن معناه، وعملًا به، ولم تَزِدْ على ذلك فى
بابِهِ، وهو كافٍ على ما وصَفنا، وعلى ذلك جمهورُ العلماءِ .
القبس أبيه، عن أبى هريرةَ. فيُورِدُه مُتَابَعَةً لا أصلًا، وأدخَلَه مسلم معه(١) أصلًا، فذكّر
حدیث مالك بلفظه ، ثم ادخله مِن طريقٍ عبد العزیزِ بن ١ محمد الدّراوزدِئِّ، عن
شهيلٍ، قال فيه لرسولِ اللهِ وَل﴿: أرأيتَ رجلًا وجَد معَ امرأتِه رجلًا،
أَيُقْتُلُه؟ "قال: لا. قال سعدٌ: بلى والذى أَكْرَمَك بالحقِّ. قال النبيُّ وَّهِ :
(انظُروا إلى ما يقولُ سيّدُكم))(١) . وأدخَلَه أيضًا مِن طريقٍ سليمان بن بلالٍ، عن
سُهيلٍ به ، قال فيه : لو وجدتُ مع امرأتى رجلًا لم أمَسَّه حتى آتَىَ بأربعةِ شُهداءً؟!
قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((نعم). قال: كلا والذى بَعَثك بالحقِّ، إن كنتُ
(١) فى ج، م: ((أيضًا)).
(٢) سقط من : ج ، م .
(٣ - ٣) سقط من: ج، م .
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٧٨ .
٢٧٤
ء
الموطأ
وزعَم أبو بكر البزَّارُ أن مالكًا انفرَد بحديثهِ عن سهيل فى هذا البابِ، التمهيد
وأنه ١) لم يَروِه (٢) غيرُه، ولا تابعه أحدٌ عليه. وأظنُّه(٣) لما رَأى حمادَ بنَ سلمةًقد
أرسَله وأسنَده مالكٌ، ظنَّ أنه انفَرِد به، وليس كما ظنَّ البزَّارُ ، وقدرواه سليمانُ
ابنُ بلالٍ ، عن سهيلٍ مسندًا ، عن أبيه ، عن أبى هريرةَ كما رواه مالكٌ(٤)، ورواه
القبس
لَأَعاجِلُه(٥) بالسيفِ. قال البَرْقانىُ(١): لَمُعالِجَه(٢). وقال الجَوْزَقئ(٨) : لَأُعالِجُه.
قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((انظُروا إلى ما يقولُ سَيِّدُكم، إنه لَغَيُورٌ، وأنا أغْيَرُ منه، واللهُ
أغيرُ منا)) (١). وهذه المراجعةُ من سعدٍ لرسولِ اللهِ وَلِّ لم تكنْ على معنى الَّدِّ ،
وإنما رجا بها الثَّثَبْتَ(١١) فى المراجعةِ وطَلَبَ المخرج، لعلَّ اللهَ أن يَفْتَحَ فيه،
(١ - ١) فى ص ١٧: ((بهذا الحديث)).
(٢) بعده فى ص ١٧: ((أحد)).
(٣) فى ص ٢٧: ((أنه)).
(٤) بعده فی ص ١٧: ١ سواء ورواه قوم عن سهیل عن أبيه أن سعد بن عبادة مرسلا وهذا كله يدل على
تحامل البزار فيما ليس لديه علم وكتابه ملء من مثل هذا والله يعصم من يشاء برحمته).
(٥) فى د: ((لأعالجه)).
(٦) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب، أبو بكر الخوارزمی البرقانی، کان ثقة ورعا متدينًا ثبتًا فهمًا ، له
مسند ضمنهما اشتمل علیه «صحیح البخاری» و«مسلم» ، سكن بغداد ومات بها فى أول يوم من رجب سنة
خمس وعشرين وأربعمائة. ينظر سير أعلام النبلاء ٤٦٤/١٧، والوافى بالوفيات ٣٣١/٧.
(٧) بعده فى م: ((بالسيف)).
(٨) فى م: ((الجوزقانى)). والجوزقى هو محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا أبو بكر
الشيبانى الخراسانى المعدل ، أحد أئمة المسلمين علمًا ودينًا ، ومحدث نيسابور، له ((المسند
الصحيح على كتاب مسلم) ، وكتاب (المتفق)) ، توفى فى شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وله
اثنتان وثمانون سنة . ينظر سير أعلام النبلاء ٤٩٣/١٦، وطبقات الشافعية ١٨٤/٣.
(٩) سیأتی تخريجه ص ٢٧٨ .
(١٠) فى د: ((التشبث)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية د.
٢٧٥
،
الموطأ
التمهيد الدَّراوَزْدِىُّ أيضًا عن سهيلٍ بإسناده نحوَ روايةٍ سليمانَ بنِ بلالٍ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا ابنُ وضاح،
حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً، حدَّثنا خالدُ بنُ مَخلدٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ
ابنُّ بلالٍ ، قال: حدَّثَنَى سُهيلُ بنُ أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ،
قال: قال سعدُ بنُ عبادةَ لرسولِ اللهِ وَله: لو وجدتُ(١) رجلًا مع
أهلى " لم أَقْتُلْه؟ حتى آتِيَ بأربعة شهداءَ؟ قال رسولُ اللهِ وَله: ((نعم)).
قال : لا ، والذي بعثك بالحقِّ ، إن كنتُ لأُعاچِلُه بالسيفِ قبلَ ذلك . قال
رسولُ اللهِ وَلِّ: ((اسمَعوا إلى(٣) ما يقولُ سيدُكم، إنه لَغيورٌ، ولأَنا أغيّرُ
القبس فكان سؤالًا مكوّرًا ، لا رَدًّا لقول النبيِّ ◌َالآ ولا إِبایةً ، و کما ژُوِى عن هلالِ بنِ
أميةً فى حديثه الذى منه، أنه قال: يا رسولَ اللهِ، الرجلُ يجدُ مع امرأته رجلًا، إن
تَكَلَّم بجَلَدتُموه، ( وإن قَتَلَ قَلْتُموه)، وإن سكت سكّت على غيظ. فدعا له
رسولُ اللهِ وَالْه بالفَرَج والفتحُ. فهذا وجهُ كلامٍ سعدٍ. وأَمّا قولُ النبىّ
وَله : "((نعم). وهو" أَشْكَلُ وَأَعظَمُ، فإنه بيانٌّ لشرعٍ وإيضاحٌ لحكمٍ ؛ وذلك أن
لكلام سعدٍ الذى جاءت() عنه: ((نعم)). جوابًا محذُوفًا؛ تقديرُه : أُمهِلُه حتى
آتِيَ بأربعة شهداءَ، أم أُقْثُلُه فَأَقْلَ؟ فكانت نازِلةً تقابل فيها حُكْمان ؛ أحَدُهما : أن
(١) فى ص ٢٧: ((أصبت)).
(٢ - ٢) فى ص ١٧: ((لم افتتنه))، وفى ص ٢٧: ((أمهله)).
(٣) سقط من: ص ١٧، ص ٢٧.
(٤) فى م: ((بآياته)).
(٥ - ٥) ليس فى : د ، ج .
(٦) تقدم تخريجه فى ١٧٢/١٥، ١٧٣ .
(٧ - ٧) فى د: ((وهى)).
(٨) فى م: ((أجاب)).
٢٧٦
الموطأ
منه، والله أغيرُ منى»(١).
التمهيد
(٢ قال أبو عمرَ: فهذا سليمانُ بنُ بلالٍ قد رواه مسندًا كما رواه
مالكٌ، ولو لم يروه أحدٌ غيرُ مالكٍ كما زعَمَ البزار ما كان فى ذلك شىءٌ ،
لأنّ(٣) أكثر السنن والأحاديثِ قد انفرد بها الثقاتُ ، وليس ذلك بضائر لها
ولا لشىء منها ، والمعنى الموجودُ فى هذا الحديث مجتمع علیه قد نطَق
به الكتابُ المحكَمُ ، وقد ورَدت به السنةُ الثابتةُ، واجتمعت عليه الأمةُ ،
فأيُّ انفرادٍ فى هذا؟ وليت كلَّ ما انفرَد به المُحدِّثون كان مثلَ هذا" .
يُمهِلَ الرجلُ مَن ضَرَّه فى أهلِه، أو يَدْفعَ الضَّررَ بَتَلَفِ نفسِه بأحدٍ وجهَيْن ؛ إما أن القبس
يقتُلَه المُضَارُّ، وإِمَّا أن يقتُلَ هو المُضارَّ فيُقْتَلَ به، فعلَّمه النبيُّ وَلِ الترجيح،
وقال له أن الأَرْفَقَ بكم والأُوْلَى أَن يَحْتَمِلَ فى الأهلِ الأُذَّى، ولا يؤثِّرَ الفَرْجَ على
النّفْسِ، فإنها فوقُه. فاختار سعدٌ تقديمَ الفَرج على النفسِ، فقال النبيُّ
مُتعجّبًا: ((انظُروا إلى ما يقولُ سيَّدُكم)). معناه: إنه لعظيم الغَيْرَةِ اختار احتمالَ
الأَشَدِّ مِن الضَّرَّرَيْن، وليس ذلك بمُمْتَنعٍ إذا كَثُرتِ الغَيْرةُ، وغَيْرةُ اللهِ تعالى كَفُّه
الخَلْقَ بِقُدرِه لمَن عصَم عن الفواحشِ خُصوصًا، وبأمرِهِ ونَهْيِهِ لكافَّةِ الخلقِ
تُمومًا، فعيَّر عن الشىءٍ بِمُقدِّمتِهِ، ووصَف بذلك نفسه تشريفًا للصّفةِ وتعظيمًا
للحالٍ (٤)، وبعدَ أن انْتَهَى القولُ إلى هذا المقامِ، فلفظاعةِ النازلةِ ما اختلَفت
(١) أخرجه مسلم (١٦/١٤٩٨)، والبيهقى ١٤٧/١٠ من طريق أبى بكر بن أبى شيبة به،
وأخرجه أبو عوانة (٤٧١٧) من طريق خالد بن مخلد به .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) فی ص ١٧، م: ((لكن)).
(٤) الغيرة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وصفه بها رسوله ول9، وهو كذلك موصوف
عند أهل السنة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين ، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلا هو سبحانه =
٢٧٧
الموطأ
التمهيد
وذكَر مسلمُ بنُ الحَّاج(١) ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا
عبدُ العزيزِ، يعنى الدَّراوَزْدِىَّ، عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، أن
سعدَ بنَ عبادةَ الأنصارىَّ قال: يا رسولَ اللهِ ، أرأيتَ الرجلَ يجِدُ مع امرأتِه
رجلًا، أيقتُلُه؟ قال رسولُ اللهِ وَةِ: ((لا)). قال سعدٌ: بلى والذى أكرَمكَ
بالحقّ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اسمَعوا إلى ما يقولُ سيدُكم)).
وذگر مسلم(٢) أیضًا حدیث مالك وحدیثَ سليمانَ بنِ بلالٍ، عن
شهیل، علی خَسَبٍ ما ذكّرناهما ههنا .
وأما حديثُ حمادِ بنِ سلمةً، فأخبرناه خلفُ بنُ أحمدَ ، قال: حدّثنا
القبس الصحابةُ فيها ، فقال عمر: دمُه هَدَرٌ. لأنها حالةٌ لا صبرَ " فيها، وقال علىِّ رضِى
اللهُ عنه: علیه القَوَدُ . وقال محمدُ بنُ عبد الحکم : إن كان معروفًا بالتّشَگی منه
فِدَمُه هَدَرّ. وقال كما قَدَّمْنا علماؤنا: إن عليه الدِّيَةَ فى البِكرِ الذى لا يَسْتَوجِبُ
القتلَ، وهذا القتلُ ليس مقصودًا، وإنما هو مُدافَعَةٌ أَو اقْتِصاصٌ، وكأنه يُشبِهُ
الغِيلَةَ، فإن الرجلَ إذا أخَذ نَفْسَ الرجلِ غِيلةً أو مالَه، اسْتَوْجَب القتلَ، وكذلك إذا
أَخَذ أهلَه غِيلةً كان أوْلَى وأُخْرَى أن يَسْتَوْجِبَ القتلَ، ولا تُراعى الثُّيُوبَةُ ولا
البكارةُ ؛ ولهذا قال ابنُ القاسم: إن دَمَّه هَدَرّ. وذلك، واللهُ أعلمُ ، مِن اختلافٍ
= وتعالى؛ كالقول فى الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك. ينظر شرح العقيدة
الطحاوية ٩٦/١ - ١٠٣، ٦٨٤/٢ - ٦٨٨.
(١) مسلم (١٤/١٤٩٨).
(٢) مسلم (١٥/١٤٩٨، ١٦).
(٣) فى ج: ((خير)).
٢٧٨
الموطأ
أحمدُ بنُ مُطرّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُّ التمهيد
عبدِ اللهِ البالسىُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُّ جميلٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُّ
سلمةً ، عن شھیلٍ بن أبی صالح، عن أبيه ، عن سعد بن عبادةً ، أنه قال : یا
رسولَ اللهِ ، أرأيتَ لو رأيتُ رجلًا مع امرأتى (١ لا أَحَرُّكُه١) حتى أُدْعُوَ أربعةٌ
من الشهداءِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((نعم)). فقال: والذى أنزل عليك
الكتابَ، إذنْ لأَعِجِلَتَّه(٢) بالسيفِ. فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إن سعدًا
لَغيورٌ، وإنى لأغيَرُ منه، وإن اللهَ لأغيّرُ منا)» .
قال أبو عمرَ : يريدُ ، واللهُ أعلمُ ، أن الغيرةَ لا تُبِيحُ للغيورِ ما مُحُرِّم عليه،
وأنه يلزَمُه مع غَيرِهِ الانقيادُ لحكم اللهِ ورسولِه، وألَّ يتعدَّى حدودَه ، فاللهُ
ورسولُه أغيَّرُ. ولا " خلافَ عَلِمتُه٢٢ بينَ العلماءِ فيمَن قتل رجلاً ثم ادَّعى
أنه إنما قتله لأنه وجده مع امرأته بینَ فخِذَیھا ، أو (*) نحو ذلك من وجوهٍ
العلماءِ قديمًا وحديثًا، إنما هو إذا قامت بَيْنَةٌ على دخولِه فى دارِه وقَتْلِه القبس
فيها، وأنا على شكِّ مِن اشتراطِ القتلِ فيها، فأدخَل مالكٌ حديثَ علىّ،
وهو الأصلُ والأُشَدُّ، فإِذا وقَعت(٥) البَيْنَةُ فقولُ مالكٍ، واللهُ أعلمُ، ما
رواه عنه أصحابُه .
(١ - ١) فى م: (((أتركه)).
(٢) فى م: ((لأعجلته)).
(٣ - ٣) فى ص ١٧: ((أعلم خلافا)).
(٤) فى م: ((و)).
(٥) فى م: ((ارتفعت)).
٢٧٩
الموطأ
التسهد زِنَاه بها، ولم يُعلَمْ ما ذكّر عنه إلا بدَعواه، أنه لا يُقبَلُ منه ما ادَّعاه ، وأنه
يُقتَلُ به، إلا أن يأتى بأربعة شهداءً يشهدون أنهم رأوا (١(٢ وطأَه لها،
وإيلاءجه فيها) ، ويكونَ مع ذلك محصّنًا مسلمًا بالغًا، أو من یحِلُّ دمُه
بذلك١)، " فإن جاء بشُهداءً يشْهَدون له بذلك نّجًا، وإلا قُتِل، وهذا أمرٌ
واضح، لو لم يجِئْ به الخبرُ لأوجبه النظرُ؛ لأن اللهَ حرَّمَ دماء المسلمين
تحريمًا مطلقًا، فَمَن ثبت عليه أنه قتل مسلمًا ، فادَّعى أن المسلم قد كان
يجِبُ قتلُه، لم يُقبَلْ منه دفعُه(٤) القِصاصَ عن نفسِه حتى يَتبيَّنّ ما ذكَر،
وهكذا كلُّ مَن لزِمه حقٌّ(٥) لَآدَمِىٌّ، لم يُقْبَلْ قولُه فى المخرَجِ منه إلا بيّةٍ
تشْهَدُ له بذلك) .
وفى حديثٍ مالك١٢ٍ ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ ،
عن علی ، فی قصة ابن خیتری الذی قدّمنا ، بیان ما وصفنا ، وقد رواه عن
القبس
(١ - ١) فى ص ١٧: ((ما ذكر شهادة تامة يجب بمثله الحد من معاينة الوطء كالمرود فى
المكحلة)) .
(٢ - ٢) فى ص ٢٧ : (( ما ذكر شهادة تامة يجب بمثلها الحد من معاينة وطئه لها وإيلاجه فيها
كالمرود فى المكحلة » .
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
(٤) فی م: (رفعه)).
(٥) فى ص ٢٧: ((حد)).
ومن هنا اختلف سياق النسخة ص ١٧، ص ٢٧ عن نسختى الأصل ، م، واخترنا سياق
نسخة الأصلى، م.
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٢).
٢٨٠