Indexed OCR Text

Pages 601-620

الموطأ
ولها؟ معها سِقاؤُهَا وحذاؤُها(١)، تَرِدُ الماءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حتى يَلقَاها التمهيد
(٢)
ربُّها))(٢).
والعِفاصُ ههنا: الخِرِقَةُ المربوطُ فيها الشىءُ المُلْتَقَطُ. وأصلُ
العِفاصِ ما سُدَّ به فمُ القَارُورَةِ، وكلَّ ما سُدَّ به فم الآنيةِ فهو ◌ِفاصٌ . يُقالُ
منه: عَفَضْتُ القارورةَ وأَعَفَصتُها. وقال أبو عُبيدٍ(٢): هو جِلدٌ تُلْتَشُه رأسُ
فقال: ((اعرِفْ عِفاصَها ووِ كاءَها، ثم عَرَّفْها سنةً، فإن جاء صاحبُها ، وإلا فشَأْتَك القبس
بها). قال: فضالَّةُ الغنم يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((هى لكَ، أو لأخيكَ، أو
للذئبٍ)). قال: فضائلَةُ الإِبِلِ؟ قال: «ما لكَ ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ
الماءَ وتأكُلُ الشجرَ حتى يَلْقاها رَبُّها)) . زاد البخارىُّ ومسلم : («فإن جاءً صاحبُها
وإلا فاسْتَنفِقْها))(٤). زاد الجميعُ: ((فإن جاء صاحبُها، وإلا فشَأَنَك بها)). واتَّفَقُوا
على اللفظِ الواحدِ فى الغنمِ والإبلِ. ورُوِى فى ((الصحيحِ)) عن أبيّ بنِ كعبٍ :
الْتَقَطْتُ صُرَّةً فيها مائةُ دينارٍ، فجِئتُ بها رسولَ اللهِ وَ هَ فقال: ((عَرَّفْها
خَوْلًا)). ثم جئتُه فقال: ((عَرَّفْها حَوْلًا آخَرَ)). وذكّر ثلاثةَ أحوالٍ. خَرَّجه
(١) الحذاء: أخفاف الإبل، أراد أنها تقوى على السير وقطع البلاد. غريب الحديث لأبى عبيد
٢٠٢/٢، ٢٠٣.
:
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١١ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٧٥).
وأخرجه عبد بن حميد (٢٧٩)، والبخارى (٢٣٧٢، ٢٤٢٩)، ومسلم (٣،١/١٧٢٢)،
وأبو داود (١٧٠٥)، والنسائى فى الكبرى (٥٨١٤) من طريق مالك به .
(٣) فى النسخ: ((عبيدة)). وينظر غريب الحديث لأبى عبيد ٢٠١/٢.
(٤) البخارى (٢٤٢٧)، ومسلم (٣/١٧٢٢).
٦٠١

الموطأ
التمهيد القارورةِ، والوكاءُ الخيطُ الذى يُشَدُّ به، يقالُ منه: أوْكَيتُها إِيكَاءً. وأمّا
الصِّمامُ فهو ما يُدخَلُ فى فَمِ القارُورَةِ ، فيكونُ سِدادًا لها .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ معانٍ اجتمَع العلماءُ على القولِ بها ،
القبس البخارىُّ(١) وغيرُه. فبيَّنِ النبىُّ وَ لهفى هذا الحديثِ أصولَ أحكام اللَّقْطَةِ. زاد
البخارىُّ أن النبيَّ وَِّ نَهَى عن لُقْطَةِ الحاجٌ. اتَّفَق الأئمةُ(٢) كلُّهم على أن النبىّ
ونَ﴿ر قال فى خُطْبِه حينَ عَظُّم حُزْمَةَ مكةَ، قال: ((ولا تَحِلُّ لُقْطَتُها إلا
المُنْشِدٍ))(٢) . فأمّا سؤالُ السائلِ عن اللَّقطةِ فإنما كان عمَّا يَفْعَلُ بها، وعنه إجابةٌ
النبيِّ بَّه، لا عمَّا قال بعضُ علمائِنا: يَحْتَمِلُ أن يكونَ سأله: هل يأخذُهُ(٤) أم
لا؟ فإنه لم يَجِدْ لذلك جوابًا فى كلامِ النبيِّ وَّه، ولكنَّه معلومٌ مِن غيرِهِ مِن
الأدلَّةِ ، مفهومٌ مِن قوةِ هذا الحديثِ ؛ لأنه لمَّا قال فى ضالَّةِ الإبلِ: ((ما لكَ ولها)).
وقال فى ضالَّةِ الغنم: ((هى لك، أو لأخيك، أو للذِّئْبٍ)) . تَبَّن أنه نَهَى عن أخْذِ
الإبلِ وأباح أخْذَ الغنمِ ، ويَرجعُ ذلك إلى نِيَّةِ الآخِذِ ، فإن أراد بأُخْذِها حِفْظَها على
صاحبِها ، فيا ما أحْسَنَ ذلك، لا سِيَّما فى هذا الزمانِ الذى يُخافُ عليها أن تَقَعَ
فى يدِ مَن يَتَّخِذُها مالًا مِن مالِه، وأمّا إن قصَد أن يأخُذَها لنفسِه ، فذلك حرام ، إلا
أن تكونَ اللُّقطةُ مِن الطعامِ الذى لا يَبْقَى، فلْيَأْخُذْها ولْيَأْكُلْها فى الحالِ ، فإِنَّ
(١) البخارى (٢٤٢٦) .
(٢) فى ج: ((العلماء)).
(٣) البخارى (٢٤٣٣، ٢٤٣٤)، وتقدم تخريجه فى ٧٢٠/٤ .
(٤) فى ج: ((أن يأخذه))، وفى م: ((أيأخذها)).
٦٠٢

الموطأ
ومعانٍ اختَلَفوا فيها؛ فممَّا اجتمعوا عليه أنَّ ◌ِفاصَ اللَّقَطَةِ ووكاءَها مِن التمهيد
أَهْدَى(١) علاماتِها وأَدَلِّها عليها. وأجمَعوا أنَّ اللَّقَطَةَ ما لم تكنْ تافِهًا
يسيرًا، أو شيئًا لا بقاءَ له، فإنَّها تُعرَّفُ حَولًا كاملًا. وأجمعوا على أنَّ
صاحبَها إن(٢) جاءَ فهو أحقُّ بها مِن مُلْتَقِطِها، إِذا أَثْبَتَ(٢) له أنَّه صاحبُها .
وأجمعوا أَنَّ مُلْتَقِطَها إن أكَلَها بعدَ الحولِ وأراد صاحبُها أن يُضَمِّنَه ، فإِنَّ
ذلك له، وإن تَصدَّقَ بها فصاحبُها مُخيٌَّ بين التضمِينِ، وبينَ أن يَنْزِلَ على
القبس
أكْلَها أَوْلَى مِن فسادِها، وأمَّا إن كان يسيرًا مِمَّا لا يَثْقَى، فَرَخَّص مالكٌ فى
((كتابٍ محمدٍ)) فى الدُّرَيْهِماتِ اليسيرةِ أن يأْخُذَها ويَسْتَنْفِقَها ولا يُعرِّفَها (٤)،
والذى روى أبو داود، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَلل أنه رَخّص لهم فى السَّوْطِ والعصا
والحبلِ أن يَنْتَفِعُوا به (٥)، إذ قيمةُ ذلك يسيرةٌ، كما أنه لا خلافَ بينَهم أن ما لَفَظَه
البحرُ مِن قَصْعَةٍ وحُوتٍ ، فإنه يأخُذُه لنفسِه ، فإن كان مَتاعًا لمسلم صار لُقْطةً ،
وإن كان لكافرٍ دَفَعَه إلى الإمامِ. قال المُتأخّرون: إن كان عَدْلًا، وإلا أخَذَه
وواسی منه، وإن شكَّ هل هو لمسلمٍ أو لكافرٍ، تَوَرَّع عنه .
۔
وقد قال مالكٌ: إن لُقطةَ مكةً كسائرِ اللَّقَطِ . وتَكَلُّم فى ذلك العلماءُ مِن
أصحابِنا فى الاحتجاجِ لمالكِ والانْفِصالِ عن الحديثِ، ولستُ أَرَى مخالفةً
(١) فى ك ١، م: ((إحدى)).
(٢) فى ك ١، م: ((إذا)).
(٣) فى ك ١، م: ((ثبت)).
(٤) فى ج، م: ((يرفعها)).
(٥) أبو داود (١٧١٧) .
٦٠٣

الموطأ
التمهيد أجرها، فأىَّ ذلك تخيََّ كان ذلك له بإجماع، ولا تَنْطَلِقُ(١) يَدُ مُلْتَقِطِها
عليها بصدقةٍ ولا تَصَرُّفٍ قبلَ الحَولِ. وأجمعوا أنَّ آخِذَ ضَالَّةِ الغَنَم فى
الموضع المخُوفِ عليها له أكلُها .
واختلفوا فى سائرِ ذلك على ما نذكُرُه إن شاء اللهُ تعالى. فمِن ذلك أنَّ
القبس الحديثِ فى هذه المسألةِ ، ولا حاجةَ بنا أن نَتَكَلَّفَ تأويل ما لا يَقْبَلُ التأويلَ، ولمّا
قال النبىُ وَ الر: ((اغْرِفْ عِفاصَها ووِ كاءَها)) . دلَّ على أن الذى يَجْزِی صاحبها فى
اعْترافِها ، هذا القدرُ مِن الدلیل، وقيل : إنما ذكر ذلك على معنی التَّتْبیهِ ، إذ لا بُدَّ
له أن يذكُرَ الأماراتِ مِن العِفاصِِ والوِكاءِ باتِّفاقٍ ، وزاد ابنُّ القاسمِ وأشهبُ :
والعَدَدِ . زادَ ابنُّ شعبانَ: والسّكّةِ. ولكلِّ واحدٍ منهم حُجَّةٌ؛ أمَّا مَن تَعَلَّق
بالعِفاصِ والوِكاءٍ فقال : لأنه المذكورُ فى الحديثِ. وأمَّا مَن شَرَط العددَ فقال :
لأنه الغايةُ فى البَيانِ. وأما مَن شَرّط السّكةَ فإنما نظَر لاختلاطِ السّكَكِ فى زمانِه .
فلو ذكَّر واحدًا وهو العِفاصُ أو الوِكاءُ؟ فاختلَف الناسُ فيه ؛ ومِن علمائِنا مَن قال:
يَجْزِيه ذكرُ كلِّ واحدٍ منهما، ويَحلِفُ. فى تفصيلٍ بيانُه فى ((المسائلِ))،
ومنهم من قال: لا أقلَّ مِمَّا ذكَر النبيُّ وَلِّ. ومنهم مَن قال: كيف يكونُ مع أحدٍ
شىءٌ لا يَعرِفُ سكّتَه ولا عَدَدَه؟! والصحيحُ عندى أنه يُعْطَى بواحدٍ بغيرٍ يمينٍ،
والدليلُ عليه حديثُ أبى داودَ ، أن علىَّ بن أبى طالبٍ وجَد دينارًا . الحديثَ .
رواه أبو داود، إلى أن قال فيه: فبينما هم يأكُلُون إذا رجلٌ يقولُ: أَنْشُدُ اللهَ
-- 4
(١) فى س: ((تطلق)).
٦٠٤

الموطأ
٠
فى الحديثِ دليلًا على إباحةِ التِقاطِ اللَّقَطَةِ، وأخذِ الضَّالَّةِ ما لم تكنْ إبلاً؛ التمهيد
لأَنَّه عليه السلام أجاب السائلَ عن اللَّقَطَةِ بأن قال: ((اعرِفْ عِفاصَها
ووكاءَها)). كأنَّه قال : احفظها على صاحبها ، واعرِفْ مِن العلاماتِ ما
تُسْتَحَقُّ به إذا طُلِيت. وقال فى الشاةِ: ((هى لك، أو لأخيك، أو
للذّئبِ)). يقولُ: خُذْها، فإنَّما هى لك، أو لأخيك، أو للذئبٍ إن لم
تأخّذْها. كأنَّه يخُضُّه على أخذِها، ولم يقُلْ فى شىءٍ من ذلك: دَعُوه
والإِسلامَ، الدينارَ. فأعطاه النبيُّ وَ ﴿ بعلامةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ للرجل أن يقولَ: القبس
أخذتُه ليلًا فَرَبَطتُه فى الوكاءِ(١)، لا أعرِفُ إلا عَدّدَه. ويَحْتَمِلُ أن يقولَ: خِوقتُه
وَخَيْطُه كذا، فأما العَدَدُ فقد أَنْفَقْتُ منه، وأمّا سِكْتُه فكانت عندى سِكَكّ ، لا
أدرى أُّ هذا منها. وأمّا الوِكاءُ فيقولُ: كنتُ أَحُلُّ وأَشُدُ، ولم يكنْ لذلك وِكاءٌ
واحدٌ . فالدليلُ الواحدُ تَكْفیه ، لا سيّما وليس لأحدٍ علیه يَدّ بها يدعيه ، ولو رأيتَه
فى الطريقِ يأخُّذُها لَمَا كان لك أن تَعْتَرِضَّه، وإن كانت فى تلك الحالِ وديعةٌ
لجميع المسلمين، وهى الآنَ إنما هى وديعةٌ عندك فسَلِّمها لِمَن جاء ولو بدليلٍ
واحدٍ فيها، وأما اليمينُ فلا أَرَاها؛ لأنَّ موضوعَ اليمينِ أن يكونَ فى مُقَابَلَةِ
دَغْوَى، فإن احْتَجُ مُخْتَجٌ بيمينِ الاسْتِثْراءِ، فقد تَقَدَّمَتْها الدعوَى. وأمَّا قولُ
النبىّ ◌َهُ: (فاسْتَنْفِقْ بها)). هو قولُه: ((فشَأَتَك بها)). بل هو أكْثَرُ وأعَم،
وقد رؤى النسائيُّ أنْيَنَّ مِن هذا فى الغَرضِ، فقال: «ذلك مالُ اللهِ ثُؤْتِیه مَن
(١) أبو داود (١٧١٦) .
(٢) فى د: ((الرجاء)).
٦٠٥

الموطأ
التمهيد حتى يَضيعَ أُو يَأْتيَه ربُّه. ولو كان تركُ اللَّقَطَةِ أفضلَ لأمَر به
رسولُ اللهِ وََّ فيها، كما قال فى ضالَّةِ الإبل. واللهُ أعلمُ.
ومعلومٌ أَنَّ أَهلَ الأمانَاتِ لو اتَّفقوا على تَركِ اللَّقَطَةِ، لم تَرجِع لُقَطَّةٌ
ولا ضالةٌ إلى صاحبِها أبدًا؛ لأنَّ غيرَ أهل الأَمانَاتِ لا يُعرِّفونَها،
بل يَستحِلُونَها ويأكُلُونَها .
القبس يشاء) (١). وهذا عام فى الفقيرِ والغنيّ، وقد اخْتَلَف فى ذلك علماؤنا على
قولَيْن ؛ أحدُهما: يأكُلُه الغَنَىُّ. وبه قال الشافعىُّ. والثانى: لا يأكُلُها إلا إذا كان
فقيرًا . وبه قال أبو حنيفةً . واحتجُّ الشافعُ بحديث أبي بن كعب حين قال له النبىُّ
وَهِ : (اسْتَنْفِقْها)). وكان أَبُ بنُ كعبٍ مِن المَياسيرِ. وقال أصحابُ أبى حنيفةً:
كيف يصِحُ هذا للشافعيِّ، وقد قال النبيُّ وَلَ لأبى طلحةً فى بَيْرُحاءً(١): «تَصَدَّقْ
بها)(٢) . فوضَعها أبو طلحةً فى أقاربِه (٤)، ومنهم أَبُ بنُ كعبٍ؟ وقال علماؤنا
المُجَرِّرون : هذه المسألةُ تَنْبَنى على أن اللُّقطةَ هل تُؤْخَذُ احْتِسابًا للهِ أم اكْتسابًا؟
فقالوا: عندَ أبى حنيفةً أنها اخْتِسابٌ، وعندَنا أنها اكْتِسابٌ .
قال القاضى ابنُ العربىِّ: مَعاذَ اللهِ مِن هذا الذی قال علماؤنا ، إنما هى فى
أولِ الحالِ اخْتِسابٌ للهِ، فأبو حنيفةً يقولُ: يَثْقَى هذا الحكمُ مِن الاحتسابِ .
(١) النسائى فى الكبرى (٥٨٠٨).
(٢) بيرحاء : اسم مال وموضع بالمدينة . وقال الزمخشرى فى الفائق: إنها فيعلى من البراح ؛
وهى الأرض الظاهرة . النهاية ١١٤/١.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٩٤٤).
(٤) بعده فى ج، م: ((وبنى عمه)).
٦٠٦

الموطأ
واختَلَف الفقهاءُ فى الأفضلِ مِن أخذِ اللُّقَطَةِ وتركِها، فروَى ابنُ التمهيد
وهب، عن مالكٍ، أَنَّه سُئل عنِ اللَّقَطَةِ يجِدُها الرجلُ ، أيأَخُذُها؟ فقال :
أمَّا الشىءُ الذى له بالٌ، فإِنِّى أَرَى ذلك. فقال له الرجلُ: إِنِّى رأيْتُ شَنْفًا (١)
أو قُْطًا فى المسجدِ مطروحًا فتركتُه . فقال مالكٌ: لو أخَذتَه فأعطَيتَه بعضَ
نساءِ المسجدِ كان أحبَّ إلىَّ. قال: وكذلك الذى يَجِدُ الشىءَ، فإن
کان لا یقوی علی تعریفه ، فإنّه يَجِدُ مَن هو أقوی علی ذلك منه ممَّن يوثقُ
به يُعطِيه فيُعَرِّفُه، فإن كان الشىءُ له بالٌ فَأَرَى أن يَأْخُذَه . وروَی یحیی بنُ
يحيى، عن ابنِ القاسم، عن مالكٍ ، أَنَّه كرِه أخْذَ اللَّقَطَةِ والآبِقِ جميعًا .
قال : فإن أخَذ أحدٌ شيئًا مِن ذلك، فأَبَق الآبِقُ، أو ضاعَتِ اللَّقَطَةُ مِن غير
القبس
ونحنُ نقولُ: يزولُ بقولِ النبيِّ وَلّهِ: ((فشَأْتَك بها)). ولم يَفْصِلْ بینَ فقيرٍ وغنىٌّ ،
ولو كان الحُكمُ يَخْتَلِفُ لَفَصَل، ولأنها لو كانت وديعةً لمّا جاز أكلُها للفقيرِ
كالوديعةِ المُطْلَقةِ، وأما فصلُ الحَوْلِ وما ورَد فيه فى حديثٍ أَبِىِّ بنِ كعبٍ مِن
ذكرِ الثلاثةِ الأحوالِ(٢) ، فقد أراح منه شعبةُ، وذكر البخارىُّ وغيرُه ؛ قال شعبةُ عن
سلمةَ، يعنى ابنَ كُهيلٍ، عن سُويدٍ بِنِ غَفَلَةَ، عن أَبِىِّ بنِ كعبٍ قال : أُصَبْتُ
صُرَّةً، أو التقطتُ صُرَّةً. فذكَر الحديثَ إلى ثلاثةِ أحوالٍ . قال شعبةُ: ثم لَقِيتُه بِعِدَ
ذلك بمكةَ - يعنى سلمةَ - فقال: لا أدرِى قال: حَوْلًا، أو حَوْلَيْن، أو ثلاثةً
أحوالٍ . فشَكَّ سلمةُ فيما أَخْبَرَه به سويدُ بنُ غَفَلَةَ ، وإذا شكَّ الراوى فيما أخبر به ،
(١) فى ك ١: ((سيفًا)). والشَّنْف: الذى يلبس فى أعلى الأذن. اللسان ( ش ن ف).
(٢) فى د: ((الأرواح)).
٦٠٧

الموطأ
التمهيد فِعلِه ولم يُضيّع، لم يَضْمَنْ. وقال مالكٌ فيمَن وجَد آبقًا: ( إن كان لجارٍ
أو لأخٍ ، رأيتُ له أن يَأْخُذَهِ، و١) إن كان لمن لا(٢) تعرِفُ، فلا تَقْرَتِه، وهو
فى سَعَةٍ مِن تركِ "ما لجارِه وأخيه٢). ) وحمله أصحابُ) مالكٍ أَنَّه فى
سَعَّةٍ؛ إن شاء أخذَها، وإن شاء تركها. هذا قولُ إسماعيلَ بنِ إسحاقٌ
رجمه الله ، وهو ظاهر حديث زيد بنٍ خالدٍ هذا إن شاء اللهُ .
القبس سَقَطَت روايته. وقد مَهَّدْنا ذلك فى ((شرح الحديث)).
وأما ضالّةُ الغنم، فقال الشافعىُّ: هى لُقِطَةٌ تُعَرَّفُ . وفَوَق علماؤنا بينَ أن
تکونَ بأرضٍ مَضِيعَةٍ ، أُوفی مُحِلٌّ رجاءٍ ومنفعةٍ . قالوا : فإن كانت فى محلٌ رجاءٍ
ومنفعةٍ ، فهى ◌ُقطةٌ ، وإن كانت فى أرضٍ مُضِيعَةٍ، فهى لواجِدِها حلالٌ مطلقٌ؛
لأن النبيََِّ لَّقال: ((هى لك، أو لمثْلِك)). مِمَّن يَغْبُرُها عَبْرَا، أُو يَقْطَعُها سَيْرًا ،
((أو للذئبٍ)). فبيَّن أنها للهِ لا يدَ لأحدٍ عليها، وأن واجِدَها أحْ للذّئبِ فى بابٍ
الحِلِّ، وارتفاع التكليف عنه فى الامتناعِ منها الذى كان قبلَ هذا عليه، وقد
اسْتَوْفَيتاها فى ((مسائل الخلافِ)) .
وأما ضالَّةُ الإبلِ، فَغَضِب النبيُّ :﴿ على السائلِ حينَ ذكّرها، لِمَا فَهِم
منه من استِشْرافِ الطبعُ ، وتَعَلَّقِ البالِ بمالٍ الغيرِ، وكان السؤالُ عن
(١ - ١) سقط من: س.
(٢) فى ك ١، م: ((لم)).
(٣ - ٣) فى م: ((مال لجاره أو لأخيه)).
(٤ - ٤) فى ك ١: ((وجملة مذهب))، وفى م: ((وجملة مذهب أصحاب)).
(٥) فى النسخ: ((الطمع)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية د.
٦٠٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: إِنَّما جعَله مالكٌ، واللهُ أعلم، فى سَعَةٍ مِن ذلك؛ لما فى التمهيد
أخذِ الآبقِ والحيوانِ الضَّالِّ مِن المُؤَنِ، ولم يُكلِّفِ اللهُ عِبادَه ذلك ، فإن
فعله فاعلٌ فقد أحسَنَ، وليسَتِ اللَّقَطَةُ كذلك؛ لأَنَّ المئونةَ فيها خَفِيفةٌ ؛
لأَنَّها لا تَحتاجُ إلى غذاءٍ ولا اهتبال بحرْزٍ، ولا يُخشَى غائلتُها فيتحفّظَ منها
كما يُصنَعُ بالآبقِ . وقال الليثُ فى اللُّقَطَةِ : إن كان شيءٍ له بالٌ ، فأحبُ
إلىّ أن يأْخُذَّه ويُعَرِّفَه، وإن كان شيئًا يَسيرًا، فإن شاء تركه، وأمَّا ضالَّةُ
الغنمِ (١)، فلا أُحِبُ أن يَقْرَبَها، إلا أن يَحُوزَها(١) لصاحبِها. قال ابنُ
منقولٍ(٣) المالِ وعن الشاءٍ(٤) سؤالًا مُخْتَمِلًا، لقَصْدِ الحِفْظِ على الغيرِ، ولقصدِ القيس
انتفاع الطالبِ، فأمَّا ضالةُ الإِبلِ، فقد خَلَصَتْ للطبع(٥)؛ لأنه لو تَّرَكها لَمَا
خلف عليها، والأخذُ إنما هو لجهةٍ (٢) الخوف، ورَضِى اللهُ عن هذا
السائل، فلقد أفادمسائل استئفتاها فى (( شرحالحديث )) و ◌ُتُبِ المسائل، نذكر
الآنَ لكم منها ثلاثًا؛ الأولى: أنه لا بأسَ بالغضبِ على السائلِ إذا عدّل عن جهةٍ
السؤالِ . الثانيةُ: أنه اسْتَوْفَى لنا بيانَ اللَّقطةِ كلِّها، ولولاه لاخْتَلَفْنا فى الإبلِ كما
اختلفْنا فى البقرِ، معَ وجودٍ النصّ فى الإبلِ، والصحيح فى البقرِ أنها ليست
(١) فى س: ((الإبل)).
(٢) فى ك ١: ((يحرزها)).
(٣) فى ج ، م: ((منفوق)).
(٤) فى حاشية حـ: (النساء).
(٥) فى النسخ: ((الطمع)). والثبت من نسخة على حاشية د.
(٦) فى م: ((لأجل)).
٦٠٩
(موسوعة شروح الموطاً ٣٩/١٨)

الموطأ
التمهيد وهب: وسمِعتُ الليثَ ومالكًا يقولانٍ فى ضالَّةِ الإبل فى القُرَى: مَن
وجَدها يُعرِّفُها، وإن وجَدها فى الصَّحارَى فلا يَقربها. وأصحابُ مالكٍ
يقولونَ فى الذى يأخُذُ اللَّقَطَةَ ثم يَرُدُّها إلى مكانِها فى فَورِها (١) أو قريبًا مِن
ذلك: إِنَّه لا ضَمانَ عليه. قال ابنُ القاسم: إِن تَباعدَ ذلك(١) ثم ردَّها ،
ضَمِنَ. وقال أشهبُ: لا يَضْمَنُ وإن تَباعدَ. ولا وجْهَ عندى لقولٍ.
كالإبلِ، وإنما هى كالغنم، يُعْلَمُ ذلك مُشاهَدَةً. الثالثةُ: أن قولَ النبيِّ وَِّ:
القبس
«معها سِقاؤُها وحِذَاؤُها، تَرِدُ الماءَ)) الحديثَ . بيانٌ لحالِ الموضع الذى تُوجَدُ
فيه ، فإن كان يُمْكِنُها فيه الورودُ لأنها أوديةٌ وحِياضٌ وبِرَكٌ ، فَالأمر كذلك، وإن
كانت فى موضعٍ فيه آبارٌ لا تَتَمَّكّنُ مِن الورودِ ، فهى بمنزلةِ الشاءٍ، وعلى هذا
حَمَل علماؤنا مَن تَرَك دابته بأرضٍ مَضِيعَةٍ وقد يَئِس منها ، فقام عليها رجلٌ حتى
قامَتْ، والصحيح أنها لمَنْ قام عليها ، وإن كان غیر مشهور المذهب، وقد ژُوِی
فى ذلك حديثٌ ليس بصحيح، ولكنَّ فقه هذا الحديثِ يَشْهَدُ بصحةٍ ما قلناه .
ومن فوائدِ هذا الخبرِ ما قال علماؤنا؛ أن ما ورَد فيه وفى حديثِ الزُّبیرِ قبلَه مِن
فتوى النبی پڼ وحکمِہ فی حال الغضب)، مخصوصً فيه، ومِن قولِ النبىِّ
وَله : (لا يَقْضى القاضى وهو غَضْبانُ))(٤). لأنه وَِّ كان يَنْطِقُ بالوحي، ويُؤْيَّدُ
بالعِضْمةِ ، فلا يُخافُ عليه من الغضبِ آفةٌ ، فأمَّا نحن فإنما نَحْكُمُ بالاجتهادِ ،
(١) فى ك ١، م: ((فوره)).
(٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) بعده فى د، م: ((أن ذلك)).
والحديث تقدم تخريجه ص ٣٨٩، ٣٩٠.
(٤) البخارى (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) .
٦١٠

الموطأ
أشهبَ؛ لأَنَّه رجلٌ قد حصَل بيدِه مالُ غيرِه، ثم عرَّضَه للضَّياع والتَّلَفِ . التمهيد
وقال المزنيُ عن الشافعيّ: لا أُحِبُّ لأحدٍ تَوْكَ لُقَطَةٍ وَجَدها إذا كان أمِينًا
عليها . قال : وسواءٌ قليلُ اللَّقَطَةِ و كثيرُها . واحتجّ بقول رسولِ اللهِ ێِ فِی
ضالَّةِ الغَنَمِ: ((هى لك، أو لأخيك، أو للذِّئبِ)). يقولُ: إنْ لم تَحفَظُها
بنفسِك على أخيك أكّلها الذِّئْبُ ، فاحْفَظْ على أخيكَ ضالَّتَه الضَّائعةَ .
وذكر بعضُ أصحابِهِ ما حدَّثنا به) عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ أسدٍ وخلفُ
ابنُ قاسمِ بنِ سهلٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ جعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال:
حدَّثنا مِقدامُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا ذُؤيبُ بنُ عِمامةَ السَّهمِىُّ، قال :
حدَّثنا هشامُ بنُ سعدٍ (١) ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه،
أنَّ النبيَِّ نَّهِ سُئلَ عن (ضالَّةِ الغَنَمِ، فقال: ((هى لك، أو لأخيك،
أو للذِّئبِ، فؤدّ على أخيك٣َ) ضالَّتَهُ)). وسُئِلَ عن ضالَّةِ الإبلِ، فقال:
((ما لَك ولها؟ معَها سِقاؤُهَا وحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشَّجَرَ،
وبَذْلِ الؤُسْعِ فى النظرِ، والغضبُ يُشَوِّشُ الخاطرَ، ويَشْغَلُ القلب عن النظرِ أو القبس
اسْتِيفائِه، وذلك مَظِنَّتُهُ غَلَطْ فى الغالبِ، وعليها ورَد النهىُ، فوجب أن نَقِفَ
دونه .
(١ - ١) فى م: ((حدثناه)).
(٢) فى م: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠٤/٣٠.
(٣ - ٣) سقط من: ك ١.
(٤) فى ج، م: ((مظنة)).
٦١١

الموطأ
التمهيد حتى يَلقَاها ربُّها)). وسُئِل عن خَريسَةِ الجبلِ، فقال: ((فيها جَلَدَاتٌ
نَكَالٌ، وغَرَامَةُ مِثلِها، فإذا أَوَاه المُرامحُ، فالقَطعُ فيمَا بَلَغْ ثَمَنَ
المِجَنّ(١))).
فقولُه فى هذا الحديثِ: ((فرُدَّ على أخيك ضالَتَه)). يَعنِى ضالَّةَ الغَنَم
فى الموضِع المخُوفِ عليها، دليلٌ على الحَضِّ على أخذِها؛ لأنَّها لا تُرَثُـ
إلا بعدَ أُخذِها، وحكم اللُّقَطَةِ فى خَوفِ التَّلَفِ عليها، والبِدَارِ إلى
أخذِها، وتعريفِها، كذلك . واللهُ أعلمُ .
واختلف العلماءُ فى اللُّقَطَةِ والضَّالَّةِ، فكان أبو عُبيدِ القاسمُ بنُ سلَّامِ(٢)
وجماعةٌ مِن (أهلِ العلمِ باللغةِ) يُفرّقُونَ بِينَ اللَّقَطَةِ والضَّالَّةِ ، قالوا: الضَّالَّةُ
لا تكونُ إلا فى الحيوانِ، واللّقَطَةُ فى غيرِ الحيوانِ . قال أبو عُبيدٍ: إِنَّما
الضَّوَالَّ ما ضلَّ بنفسِه. وكان يقولُ: لا يَنبغِى لأحدٍ أنْ يَدعَ اللَّقَطَّةَ، ولا
القبس
(١) المجن هو الترس لأنه يوارى حامله، أى يستره، والميم فيه زائدة. النهاية ٣٠٨/١.
والحديث أخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٤٦٠، والنسائى (٤٩٧٤)، والطحاوى فى شرح
المعانى ١٣٥/٤، ١٣٦، والبيهقى ١٥٢/٤ من طريق هشام بن سعد به، وأخرجه أحمد
٢٧٣/١١ (٦٦٨٣)، وأبو داود ( ١٧١٠، ١٧١٢)، والنسائى (٤٩٧٢) من طريق عمرو بن
شعيب به .
(٢) غريب الحديث لأبى عبيد ٢٠٣/٢.
(٣ - ٣) فى ك ١، م: «العلماء)).
٦١٢
:

الموطأ
يَجوزُ لأحدٍ أَخْذُ الضَّالَّةِ . ويَحتَجُ بحديثِ الجارودِ، وحديثِ عبدِ اللهِ التمهيد
ابنِ الشِّخِيرِ، عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه قال: ((ضالَّةُ المؤمنِ(١) حَرَقُ
النَّارِ))(١). وبحديثٍ جريرٍ، عن النبيِّ وَّهِ: ((لا يُؤْوِى الضَّالَّةَ إلا
ضالٌ»(٣) ..
وقالت طائفةٌ مِن أهلِ العلم: اللَّقَطَةُ والضَّوَالُّ سواءٌ فى المعنَى،
والحكم فيهما سواءٌ. وكان أبو جعفرِ الطّحاوىُّ يَذهبُ إلى هذا، وأنكر
قولَ أبى عُبيدٍ: الضَّالُّ ما ضلَّ بنفسِه. وقال: هذا غَلَطْ ؛ لأنَّه قد رُوِىّ عن
النبيِّ بَّ﴿ فى حديث الإفكِ قولُه للمسلمين: ((إِنَّ أُمَّكم ضلَّت
قِلادَتُها)) (٤). فأطلَق ذلك على القِلادَةِ. وقال فى قولِهِ وَله: ((ضالَّةُ
المؤمنِ حَرَّقُ النَّارِ)). قال: وذلك لأنَّهم أرادوها للرّكوبِ والانتفاع بها،
لا للحفظِ على صاحبِها، فلذلك قال لهم وَله: «ضالّةُ المؤمنِ حَرَقُ
النارِ)) . قال: وذلكَ بَيِّنَّ فى روايةِ الحسنِ، عن مُطرّفٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
القبس
(١) فى س: ((الإبل)).
(٢) أخرجه أحمد ٣٥٦/٣٤ - ٣٦٠ (٢٠٧٥٤ - ٢٠٧٥٩)، والنسائى فى الكبرى
(٥٧٩٢ - ٥٧٩٧)، وأبو يعلى (٩١٩، ١٥٣٩)، وابن حبان (٤٨٨٧، ٤٨٨٨) من حديث
الجارود .
(٣) أخرجه أحمد ٣١/ ٥٢٠، ٥٤٤ (١٩١٨٤، ١٩٢٠٩)، وأبو داود (١٧٢٠)، وابن ماجه
(٢٥٠٣)، والنسائى فى الكبرى (٥٧٩٩ - ٥٨٠١).
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١١١/١ من حديث عائشة.
٦١٣

الموطأ
التمهيد الشّخِّيرِ، عن أبيه، قال: قَدِمنا على رسولِ اللهِ وَلَ فقال: ((أَلَا
أحمِلُكم؟)). قُلْنا: نحن نَجِدُ فى الطَّريقِ ضوالَّ من الإبلِ نركَبُها . فقال
رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((ضالَّةُ المؤمنِ حَرَقُ النارِ))(١). وقال فى قوله: ((لا
يُؤوِى الضَّالَّةَ إلا ضالٌّ)). قال: هذا محمولٌ على أنَّه يُؤْوِيها لنَفْسِه لا
لصاحبِها ، ولا يُعرّفُها.
وذكَر الطحاوىُّ(٢) أيضًا، عن يونسَ بنِ(٢) عبد الأعلى، عن ابنٍ
وهب، عن عمرو بنِ الحارثِ، عن بكرِ بنِ سوادةَ، عن أبى سالم
الجَيْشَانِيٌّ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجهنيّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( من
آوَى ضالَّةً فهو ضالٌّ ما لم يُعرَّفْها » .
قال أبو عمرَ: فى قولِ رسولِ اللهِ وَ له فى ضالّةِ الغَنَم: ((هى لك ، أو
لأخيك، أو للذِّئبِ)). وفى ضالَّةِ الإبل: ((ما لَك ولها؟ معها سِقَاؤُها
وحِذاؤُها ، تَرِدُ الماءَ، وتأكُّلُ الشجرَ حتى يَلقَاها ربُّها)) . دليلٌ واضحٌ على
أنَّ العِلَّةَ فى ذلك خوفُ الثَّلَفِ والذَّهابِ، لا ("جنشُ الذاهبِ) ، فلا فَرِقَ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٤٠/٢٦ (١٦٣١٤)، وابن ماجه (٢٥٠٢)، والنسائى الكبرى (٥٧٩٠)
من طريق الحسن به .
(٢) شرح معاني الآثار ٤/ ١٣٤.
(٣) فى م: ((عن)).
(٤ - ٤) فى ك ١: ((حبس الذاهب))، وفى م: ((جنس الذهاب)).
٦١٤
:

الموطأ
بينَ ما ضلّ بنفسِه وبينَ ما لم يَضِلّ بنفسِه، إذا خُشِى عليه التَّلَفُ ، عندى، التمهيد
واللهُ أعلمُ، بظاهرِ الحديثِ الصحيحِ فى الفَرقِ بينَ ضالَّةِ الغَنمِ وضالَّةِ
الإبلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهِ حينَ سُئل عن ضالَّةِ الإِبل غَضِب واشتدَّ
غَضَبُه، ثم قال فيها ما ذكّرنا؟ وقد قيلَ: إِنَّ الإبلَ تَصِرُ عن (١) الماءِ ثلاثةَ
أيَّامٍ وأكثرَ، وليس ذلك محُكْمَ الشاةٍ؛ لأَنَّه يقولُ: إنْ لم تَأْخُذْها، ولا
وجَدها أخوكَ؛ صاحبُها أو غيرُه، أكَلَها الذِّئبُ. يقولُ: فخُذْها. وهذا
محفوظٌ مِن روايةِ الثِّقَاتِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ قراءةٌ مِنِّى عليه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ
مطرّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أبو(١) يعقوبَ الأيلىُ،
قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن ربيعةً، عن یزیدَ
مولَى المُنبعِثِ ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِيِّ، قال سفيانُ : فلقِيتُ ربيعةً ،
فسألتُه، فقال: حدَّثنى يَزِيدُ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِىّ ، عن النبيِّ
وَلِّ، أَنَّه سُئل عن ضالّةِ الإبلِ، فغضِب، واحمَرَّت وجْنَتاه، وقال:
(«ما لك ولها؟ معها الحِذَاءُ والسِّقاءُ، تَرِدُ الماءَ، وتَأْكُّلُ الشَّجَرَ، حتى
يَلقَاها ربُّها)). وسُئِل عن ضالَّةٍ الغنم، فقال: ((خُذْها، فإِنَّما هى لك، أو
القبس
٠
(١) فى م: ((على)).
(٢) سقط من: ك ١، م. وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٠٨.
(٣ - ٣) سقط من: س.
٦١٥

الموطأ
التمهيد لأخيك، أو للذّئْبِ)). وسئل عن اللَّقَطَّةِ، فقال: ((اعرِفْ عِفاصَها
ووِكاءَها، وعَرَّفْها سنةً، فإن اعتُرِفَتُ(١)، وإلا فاخلِطْها
(٢)
بمالِك))(٢).
كذا قال ابنُ عيينةً، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ربيعةً، وخالَفَه سليمانُ
ابنُ بلالٍ وحماد بن سلمةً ، فرویاه عن یحیی بن سعیدٍ وربیعةً جمیعًا ، عن
يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بنِ خالدٍ، عن النبيِّ وَله .
أخبرنا (" خلفُ بن٣ُ؟ القاسم الحافظُ قراءةً منّى عليه، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ
جعفرِ بنِ الوردِ حدثهم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ غالبٍ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بن إسحاقَ أبو محمدٍ البَيْطَارِىُّ، قال: أخبرنا سُليمانُ
ابنُ بلالٍ ، قال: حدَّثنى يحيى بن سعيدٍ وربيعةُ بنُّ أبى عبدِ الرحمنِ، عن
يزيدَ مولَى المُنبعثِ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجهنىّ، قال: سُئل رسولُ اللهِ
﴿ عن اللَّقَطَةِ؛ الذهبِ أو الوَرِقِ؟ قال: «اعرِفْ وِكاءَها وعِفاصَها، ثم
عڑقها سنةً، فإن لم تُغْرَفْ فاستیعِنْ بها، ولتكنْ وديعةً عندك، فإن جاء
القبس
(١) اعترفت: عرفت. ينظر التاج (ع ر ف).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥٠٤)، والنسائى (٥٨٠٣، ٥٨١٣) عن أبى يعقوب إسحاق بن
إسماعيل به، وأخرجه الحميدى (٨١٦)، وأحمد ٢٨٣/٢٨ (١٧٠٥٠)، والبخارى
(٥٢٩٢)، وأبو عوانة (٦٤٥٢) من طريق سفيان به .
(٣ - ٣) فى ك ١: ((أبو)). وأبو القاسم كنية خلف بن القاسم. ينظر بغية الملتمس
ص ٢٨٦.
٦١٦

الموطأ
طالبُها يّومًا من الدهرِ فأدِّها إليه)). وسأله(١) عن ضالّةِ الإبل، فقال: التمهيد
(مالَّك ولها؟ دعْها، معها حِذاؤُها وسِقاؤُها؛ تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ(٢)
الشّجرّ، حتى يَجِدّها ربُّها)). وسألَّه عن الشاةٍ، فقال: ((خُذْها؛ فإنَّما هى
لك، أو لأخيك، أو الذّئب))(١).
وكذلك رواه القعنبئُّ ، عن سليمان بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيد
وربيعةً ، جميعًا عن يزيدٌ مولَى المنبعثِ ، عن زيد بن خالد الجھنیّ ، عن
النبيِّ ﴿﴿. فذكَر مثلَ حديث مالكِ سواءٌ فى ضالَّةِ الغَنَم، وفى ضالّةٍ
الإبلِ، وفى اللَّقَطَّةِ، إلا أنّه قال: ((عرَّفْها سنةٌ، فإن لم تُعرَفْ فاسْتَنْفِعْ بها،
ولتگنْ وديعة عندك)»(٨) .
وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانٌّ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُّ
أصبغّ، قال : حدثنا إسماعيلُ بُّ إسحاق ، قال : حدّثنا حجاج بنُ منهالٍ ،
قال: حدَّثنا حمّادُ بنُّ سلمةً، عن يحيى بن سعيدٍ وربيعةً، عن يزيدٌ مولّی
القبس
(١) فى م: ((سئل).
(٢) فى ك ١، م: (ترعى).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٣٤/٤، ١٣٥ من طريق البيطارى به، وعنده:
((فاستنفع)). بدلا من: ((فاستعن)).
(٤) أخرجه مسلم (٥/١٧٢٢)، وأبو عوانة (٦٤٥٦)، والبيهقى ١٩٠/٦ من طريق القعنبى،
عن سليمان بن بلال، عن يحيى - وحده - به، وأخرجه أبو عوانة (٦٤٥٥)، والطحاوى فى
شرح المعانى ١٣٥/٤ من طريق القعنبى، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة - وحده - به.
٦١٧
.

الموطأ
التمهيد المُنبعِثِ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهنىٌّ، أنَّ رجلاً سأل النبيَّ وَهِ عن ضالَّةٍ
الإبلِ، فقال: ((ما لَك ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها (١)، تَأْكُلُ الشَّجَرَ،
وتَرِدُ الماءَ، حتى يأتيَها باغِيها)). ثم سألَه عن ضالَّةِ الغَنَمِ، فقال: ((هى
لك، أو لأخيك، أو للذّئبٍ)). ثم سألَه عن اللُّقَطَةِ، فقال: ((اعرِفْ
عِفاصَها، وعِدَّتَها، فإن جاء صاحبُها فعَرَفها، فادْفَعْها إليه، وإلا فهى
(٢)
لك)) (٢).
واختلف الفقهاءُ فى التَّافِهِ اليسيرِ المُلتَقَطِ؛ هل يُعرَّفُ حولًا كاملًاً(٣)
أم لا؟ فقال مالكٌ: إن(٤) كان تافِهًا يَسيرًا تَصدَّقَ به قبلَ الحولِ . قال ابنُ
حبيبٍ: كالدِّرهم ونحوِهِ. وذكر ابنُ وهبٍ، عن مالكِ أَنَّه قال فى
اللَّقَطَةِ ، مثلَ المِخْلاةِ، والحَبْلِ ، والدَّلْوِ، وأشباهِ ذلك : إِنَّه إن كان(°) فى
طريقٍ وضَعه فى أقرَبِ الأماكنِ إليه ليُعْرَفَ، وإن كان فى مدينةٍ انتفَع به
وعرّفه، ولو تَصَدَّقَ به كان أحبّ إليَّ، فإن جاء صاحبُه كان على حقِّه .
القبس
(١) بعده فى ك ١، م: ((دعها)).
(٢) أخرجه الطبرانى (٥٢٥١) من طريق حجاج بن منهال به، وأخرجه مسلم (٦/١٧٢٢)،
وأبو داود (١٧٠٨)، والنسائى فى الكبرى (٥٧٧١، ٥٨٠٢، ٥٨١٢) من طريق حماد بن
سلمة به .
(٣) سقط من: ك ١، م.
(٤) فى م: ((إذا)).
(٥) بعده فى ك ١، م: ((ذلك)).
٦١٨

الموطأ
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: ما كان عَشَرةَ دراهمَ فصاعدًا عَرَّفَها حولًا ، التمهيد
وما (١) كان دونَ ذلك عرَّفها على قدرِ ما يَرَى. وقال الحسنُ بنُّ حَىٍّ
كقولهم سواءً، إلا أنَّه قال: ما كان دُونَ عشَرةِ دراهمَ عَّفَه ثلاثةَ أيامٍ .
وقال الثورىُّ: الذى يَجِدُ الدرهمَ يُعَرِّفُه أربعة أيام . رواه عنه أبو نعيم . وقال
الشافعىُّ: يُعرِّفُ القليلَ والكثيرَ حولًا كاملًا، ولا تَنطَلِقُ يَدُه على شىءٍ منه
إلا بعدَ الحولٍ، فإذا عرّفه حولًا ، أكَلَه بعدَ ذلك أو تَصَدَّقَ به ، فإذا جاء
صاحبُه، كان غَرِيمًا فى الموتِ والحياةِ . قال: وإن كان طعامًا لا ◌َبقَى ،
فله أنْ يَأْكُلَه وَيَغْرَمَّه لربِّه. قال المزنىُّ: (٢ وممَّا وُجِد بخطِّه: أحبُّ إلىّ أن
يَبيعَه ويُقيمَ على تعريفِه حولًا ثم يَأْكُلَه. ("قال المزنئ٢): هذا أولَى به؛
لأَنَّ النبىَّ وَّه لم يَقُلْ للمُلْتَقِطِ: ((فشأنَكَ بها)). إلا بعدَ السَّنَةِ، ولم يُفرِّقْ
بينَ القليلِ والكثيرِ .
قال أبو عمرَ : التعريفُ عندَ جماعةِ الفقهاءِ، فيما علِمتُ ، لا يكونُ إلا
فى الأسواق ، وأبواب المساجد ، ومواضع العامّةِ واجتماع الناسٍ . وژُوِی
عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وجماعةٍ مِن السّلَفِ يطولُ ذِكْرُهم ، أنَّ
القبس
(١) فى ك ١، م: ((إن)).
(٢ - ٢) سقط من: ك ١.
(٣ - ٣) سقط من: م، ومكانه بياض فى س، وينظر الاستذكار ٣٣٦/٢٢ من النسخة
المطبوعة .
٦١٩

الموطأ
التمهيد اللُّقَطَّةَ يُعرِّفُها واجِدُها سنةً، فإن لم يأتِ لها مُستَحِقٌّ، أَكَلها واجِدُها إن
شاء، أو تَصَدَّقَ بها ، فإن جاء صاحبها وقد تَصَدَّقَ بها، فهو مُخیٌُ بينَ
الأجرِ والضَّمانِ (١) . وبهذا كلِّه أيضًا قال جماعةُ فقهاءِ الأُمصارِ؛ منهم
مالكٌ، والثورىُّ، والأوزاعيُ، وأبو حنيفةً، والليثُ، والشافعىُّ، ومَن
تبعَهم ، إلا ما بينا عنهم فى كتابنا هذا مِن تفسير بعضٍ هذه الجملةِ ممَّا
اختلفوا فيه .
وأجمعوا أنَّ الفقيرَ له أن يَأْكُلَها بعدَ الحوْلِ، وعليه الضَّمانُ. واختلفوا
فى الغنىّ ؛ فقال مالكٌ: أَمَّا الغنىُ فأحبُّ إِلىَّ أَن يَتصدَّقَ بها بعدَ الحولِ،
ويَضْمَنَها إن جاء صاحبُها . وقال ابنُ وهبٍ : قلتُ لمالك فى حديث عمرَ
ابنِ الخطّابٍ حينَ قال للذى وجَد الصُّرَّةَ : عرّفْها ثلاثًا ، ثم احبشها سنةً،
فإن جاء صاحبُها، وإلا فشأنَك بها(٢): ما شأنُه بها؟ قال: " شأنُه بها٢)
يَصنَعُ بها ما شاء؛ إن شاء أمسكها، وإن شاء تَصَدَّقَ بها، وإن شاء
استثفَقَها)، فإن جاء صاحبُها أدَّاها إليه. وقال الأوزاعى: إن كان مالًا
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٦١٨، ١٨٦٢٠ - ١٨٦٢٣، ١٨٦٢٧، ١٨٦٣٠،
١٨٦٣٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٤٥٢/٦ - ٤٥٤، والمحلى ١٣٧/٩، ١٤٩.
(٢) بعده فى م: ((قال)).
(٣ - ٣) سقط من: ك ١، م.
(٤) استنفقه: أى: أنفقه وأذهبه. التاج (ن ف ق).
٦٢٠