Indexed OCR Text

Pages 541-560

الموطأ
مَقامَه بعدَه، فإن مات الواهبُ قبلَ قَبَضِ الهِيَةِ، فهى باطلٌ (١) حِينَئِذٍ؛ التمهيد
لأَنَّهم أَنزَلُوها حيَنَ وهَب، ولم يُسلِّمْ ما وهَب حتى مات، على أنَّ
الهِبَةَ لم تكنْ فى الباطنٍ صحيحَةً، وإنَّما هو كلامٌ تكلّم به الواهِبُ
لتكونَ الهِبَةُ بيَدِه كما كانت، حتى إذا مات خرَجت عن وَرِثَتِه،
فالهِبَةُ على هذا باطِلٌ. وهو معنى حديثِ عمرَ عندَهم الذى رَوَاه
مالكٌ(٢) ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عبد الرحمن بنٍ
عَبدِ القارئِّ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: ما بَالُ رجالٍ يَنحَلُون أبناءَهم
نُخْلًا ثم يُمسِكونَها، فإن مات ابنُ أحَدِهم قال: مالى ييَدِى لم أُعْطِه
أَحَدًا . وإن مات هو قال: هو لابنى، قد كنتُ أعطَيتُه إيَّاه ! مَن نَحَل
نِعْلَةٌ فلم يَحُزْها الذى نُحِلها حتى تكونَ إن مات لوَرَثتِهِ، فهى باطلٌ .
وقال الشافعىُ: ليس لأحدٍ أن يَرجِعَ فى هِيَّتِهِ إلَّا الوالِدَ فيما وهَب
لبنيه، وليس فى الصدقةِ رُجومعٌ؛ لأَنَّه أُرِيد بها وجهُ اللهِ عزَّ وجلَّ. وهِبَةُ
المُشَاعِ عندَه جائزةٌ ، والقبضُ فيها كالقبضِ فى البيوع، والهِبَةُ للثوابِ
عندَه باطلٌ؛ لأنَّها معاوَضَةٌ على مجهولٍ ، وذلك بيعٌ لا يجوزُ ، ولا معنى
عندَه للهِبَةِ على الثوابٍ ، وهى مردودَةٌ ليست بشىءٍ. وحُجَّتُه فيما ذهَب
إليه مِن تَخصيصِ الولدِ بالرجوعِ فى الهِيَةِ، حديثُ حُسينِ المُعلِّمِ، عن
القبس
(١) فى م: «باطلة)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٠٩).
٥٤١

الموطأ
التمهيد عمرو بنٍ شعيبٍ ، عن طاؤُسٍ، عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ جميعًا ، عن النبىِّ
وَلِِّ أَنَّه قال: ((لا يَحِلَّ لأحدٍ أن يَرجِعَ فى هبّتِه إلّا الوالدَ)) (١) . ومِن
حديثٍ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَّهِ مثلَهُ(١).
ومِن مراسيلٍ طاوسٍ، عن النبيِّ وَلِّ مثلَه(١). ولا تَصِحُ الهِبَةُ عندَ الشافعىِّ
لكلِّ أجنبىٌّ ولِكُلِّ ابنٍ بالغٍ إِلَّ بالقبضِ، على نحوٍ قولِ العراقيِينَ سواءً. قال
محمدُ بنُّ نصرٍ أبو عبدِ اللهِ المروزىُّ: وقد اتَّفَق أبو بكرٍ ، وعمرُ، وعثمانُ ،
وعلىِّ، على أنَّ الهِبَةً لا تجوزُ إِلَّ مَقبوضَةً.
قال أبو عمرَ: وللأبِ عندَ الشافعىِّ أن يرجِعَ فيما وهَب لبنيه، وسواءٌ
استَحدَثَ الابنُ دَيْنَا، أَو نَكَح، أو لم يَفعَلْ شيئًا مِن ذلك. فإن كان الابنُ
صغيرًا فى مذهَبِ الشافعىِّ، فإِشهادُ أبيه وإعلانُه بما يُعطِيه حِیازَةً له ، لا
يَشرَكُه فيها أحدٌ مِن وَرِثَةٍ أبيه إن مات، وهى للصغيرِ أبدًا، وإِنْ كَبِر وبلَغ
رشيدًا ، ولا يَحتاجُ فيها إلى قَبضٍ آخَرَ ، وما لم تَرجِعْ فيها أبوه پاشهادٍ بَيِّن(*)
به رُجُوعَه فى تلك الهِيَةِ، فهى للابنِ، وعلى مِلكِه، فإن رجع فيها الأَبُ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٥٧٤، ٥٧٥.
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٧/١١، ٣٠٨ (٦٧٠٥)، والنسائى (٣٦٩١)، وابن ماجه (٢٣٧٨)
من طريق عمرو بن شعيب به.
٠
(٣) أخرجه الشافعى فى اختلاف الحديث ص ١٦٠، وعبد الرزاق (١٦٥٤٢)، والنسائى
(٣٦٩٤، ٣٧٠٦)، والبيهقى ١٧٩، ١٨٠.
(٤) فى م: ((يبين)).
٠٠٩
٥٤٢

الموطأ
بالقولِ والإعلانِ وعُرِف ذلك، كان ذلك له، وإلا فهى للابن، وعلى التمهيد
مِلْكِه على أصلِ إشهادِه بالهِبةً له وهو صغيرٌ، ولا يضُرُّه موتُه وهی بیَدِه ؛
لأنّها قد نفذت له وهو صغيرٌ، فما لم ترجغْ فیھا الأبُ بالقول ، فھی علی
ذلك الأصلِ فى مذهَبِهِ عندِى، واللهُ أعلمُ. وسنذكُرُ قولَ مالك(١ في
ذلك١) بعدَ هذا إن شاء اللهُ .
وقال أبو ثورٍ ، وأحمدُ بنُ حنبلِ: تصِحُ الهِبةُ والصدقةُ غيرَ مقبوضةٍ ..
وسواءٌ كانتِ الهِيةُ مُشاعًا أو غيرَ مُشاع، والقَبضُ فيهما عندَهما كالقَبضِ
فى البيعِ. ورُوِى عن علىٍّ بنِ أبى طالِبٍ أَنَّ الهِبةَ تجوزُ وتصِخُ وإن لم
تُقْبَضْ. مِن وَجْهٍ ضعيفٍ عن علىٍّ) لا يُحتَجُ بمِثلِه. ولم يختَلِفْ قولُ
أبى ثورٍ فى ذلك فى شىءٍ مِن كُتُبِهِ . وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلِ ، فقد اختُلِفَ عنه
فى ذلك، وأصحّ شىءٍ فى ذلك عن أحمدَ أنَّ الهبةَ والصدقةَ فيما يُكالُ أو
يُوزنُ ، لا يَصِحُ شىءٌ منها إلّ بالقَبضِ، وما عَدَا المكيلَ والموزونَ فالهِبَةُ
صحيحةٌ جائزةٌ بالقولٍ وإن لم تُقْبَضْ ، وذلك كلَّه إذا قَبِلها الموهوبُ له،
والمُشَاعُ وغيرُ المُشَاعِ فى ذلك سواءٌ، كالبيعٍ.
وقال أبو ثورٍ: كلُّ مَن عَدَا الأَبَ ، فليس له أن يَرجِعَ فی هِبتِه ، سواءٌ
أراد بها الثواب أو لم يُرِدْ . وحجّتُه فى ذلك کحجّةِ الشافعى، حديثُ ابنِ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢ - ٢) سقط من: م.
٥٤٣

الموطأ
التمهيد
عباس المذكُورُ عن النبيِّ ◌َّةِ؛ قولُه: ((لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَرجِعَ فی هِبَتِه إلا
الوالدَ)»(١) . وهو قولُ طاوسٍ، والحسنّ(٢). وأمَّا أحمدُ بنُّ حتبلٍ، فقال:
لا یچلُّ لواهب أن ترجع فی هیته ، ولا لمُهد أن یرجع فی ھَدِیّته ، وإن لم
يُثَبْ عليها. واحتَجّ بقولِ رسولِ اللهِ وَ له: (( العائدُ فى هِبَتِه كالكلب يعودُ
فى قَيِهِ)). وهو قولُ قتادةَ، قال قتادةُ: لا أعلمُ القَىْءَ إِلَّ حرامًا(٢). والجَدُّ
عندَ أبى ثورٍ (٢) فى الرّجوع) كالأُبِ . وقالت طائفةٌ: يَرجِعُ الوالدانِ والجَدُّ
فيما وهَبوا، ولا يَرجِعُ غيرُهم. وقال إسحاقُ: ما وهَبَ الرجلُ لامرأتِه
فليس له أن يَرجِعَ فيه، وما وهَبته المرأةُ لزّوجِها فلها أن تَرجِعَ فيه .
وهو قولُ شريحَ وغيرِهِ مِن التابعينُ) . ويَحتَجُ مَن ذهَب هذا المذهَبَ
بحديثٍ مروانَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال: إنَّ النساءَ يُعطِينَ رَغْبَةٌ
ورَهْبةٌ. وأجاز إسحاقُ الهِبَةَ للثوابِ، على نحوٍ قولِ مالكٍ، وأبى
حنيفةً، ومَن تابعهم.
وأجمع الفقهاءُ أنَّ عَطِيَّةَ الأُبِ لابنه الصغيرِ فى حَجْرِه لا يُحتائجُ فيها
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٥٧٤، ٥٧٥.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٥٣٩، ١٦٥٤٠) ، والمحلى ٩٩/١٠.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٥٧٥.
(٤ - ٤) سقط من : م.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٥٥٨، ١٦٥٦٠، ١٦٥٦١، ١٦٥٦٣)، واختلاف العلماء
لابن نصر ص ٢٧٨، والمحلى ٩٧/١٠.
٤٤ ٥

١
الموطأ
إلى قبضٍ ، وأنَّ الإشهادَ فيها يُغنى عن القبضِ، وأنَّها صحيحَةٌ وإن وَلِيَها التمهيد
أبوه، مخصوصةٌ (١) بذلك ما دام صغيرًا، على حديثٍ عثمانَ(٢) ، إِلَّا أنَّهم
اختلفوا من هذا المعنى فى هِبَّةِ الوَرِقِ والذهبِ للابنِ الصغيرِ؛ فقال قومٌ:
إِنَّ الإشهاد یُغنی فی ذلك کسائر الأشياءِ . وقال آخرون: لا تصحُ الهِبَةُ فى
ذلك إلَّا بأن يعزِلَها ويُعيَِّها. قال مالك: الأمرُ عندَنا أَنَّ مَن نَحَل ابنًا له
صغيرًا، ذهّبًا أو وَرِقًا، ثم هلّك وهو يَلِيه، أنَّه لا شىء للابنِ مِن ذلك ، إلّا
أن يكونَ عزَّلَها بعَينِها، أو دفَعها إلى رجلٍ وضَعها لابنِهُ(١) عندَ ذلك
الرجل، فإن فعل ذلك، فهو حائزٌ للابنِ.
قال أبو عمرَ : فى حديثٍ عثمانٌ الذى هو أصلُ هذه المسألةِ عندَهم،
اشتراطُ الإشهادِ فى حِبَةِ الرجلِ لابنه الصغيرِ، وذلك أن يُشهِدَ على الشىءِ
يُعينُه(٥)، شُهودًا يقفون عليه وُعلِنُونَه وتحوزونه ) إذا احتيج إلى شهادتِهم
عليه (٢) ، وإن كان شيئًا يُطبَعُ عليه طبَع الشُّهودُ عليه دُونَ الأَبِ، وما لم
القبس
(١) فى م: ((لخصوصه)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٣٨).
(٣) فى الأصل: ((ابنه)).
(٤) فی م: «جائز)).
(٥) فى الأصل: « بعينه)).
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧) سقط من: م.
٥٤٥
(موسوعة شروح الموطأ ٣٥/١٨)

الموطأ
التمهید یقِفِ الشُّهودُ علیه فی حینِ الإشهادِ فليس بشىءٍ.
وحديثُ عثمانَ روَاه مالكٌ(١)، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ ، أَنَّ عثمانَ بنَ عقَّانَ، قال: مَن نحَل ولدًا له صغيرًا لم يبلِّغْ أن
يحوزَ نُحْلَه، فأعلَنَ ذلك وأَشهَدَ عليها، فهى جائزةٌ وإن وَلِيَها أبوه . ولا
أعلَمُ خلافًا أنَّه إذا تصَدَّقَ على ابنِه الصغيرِ؛ بدَارٍ، أو ثوبٍ، أو سائرٍ
الغُروضِ، أنَّ إعلانَ ذلك بالإشهادِ عليه ، يُدْخِلُه فى مِلكِ الابنِ الصغيرِ ،
ويُخرِجُه عن مِلكِ الأَبِ ، وتصحُ بذلك العَطِيئَةُ للابنِ الصغيرِ ؛ مِن هِبَةٍ ، أو
القبض لنفسِه بُلُوغِه ورُشدِه فلا يَقْبِضَ
صَدَقةٍ ، أو نِحْلَةٍ ، إِلَّا أَنْ يَبلُغَ مَبلَغَ"
تلك الهبةً بما يُقْتَضُ به مِثلُها ، وتتمادی فی یدِ الأُپ کما کانت حتى
يموتَ، فإن كان كذلك، بطَلَت حينئذٍ الهِبَةُ عندَ مالكِ وأصحابِه . فإن
بلَغ الابنُّ رُشدًا، ومنَعه الأبُ منها، كان له مُطالَبتُه بها عندَهم حتى
يقبضها ويحوزها لنفسِه ، فإن ادّعى الأُبُ أنَّه رجع فيها ، ولم یکنْ على
الابنِ دَينٌ يَمنَعُ مِن رُجوعِه(١) ، كان ذلك له فى الهِبَةِ ، إذا لم يقُلْ فيها : إنَّها
للهِ . فإن قال : إنَّها للهِ. كانت كالصدقةِ، ولا رُجوعَ له فيها، وأُجبِرَ على
تَسليمِها إلى ابنِه إذا بلَغْ رُشدًا. هذا كلُّه قولُ مالكِ وأصحابِه. وقد مضى
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٣٨).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((رجوعها)).
٥٤٦

الموطأ
قولُ الشافعىِّ وغيرِه فى ذلك. قال مالكٌ: وإذا وهَب لابنِه دنانِيرَ أو التمهيد
دراهمَ ، فأخرَجَها عن نفسِهِ إلى غيرِهِ، وعَيَّتَها، وجعلها لابنه على يَدِ
غيرِهِ، فهى جائزةٌ نافذَةٌ ، إذا مات الأُبُ وفى حياتِه، بحيازَةِ القابضِ لها
للابن.
واختَلَف أصحابُ مالكٍ إذا وهَب لابنِهِ الصَّغيرِ دنانِيرَ أو دَراهمَ ،
فيجعَلُها فى ظرفٍ معلومٍ، ويَختِمُ عليها، وتُوجدُ عندَه مَختُومًا عليها ؛
فروَى ابنُ القاسِم، عن مالكِ، أنَّها لا تجوزُ إلّا أن يُخرِجَها عن يَدِه إلى
غيرِهِ، وسواء طبَع عليها أو لم يطبَعْ، لا تجوزُ حتى يُخرِجَها إلى غيرِه.
وقال ابنُ الماجِشونِ، ومطرّفٌ: هى عَطيَّةٌ جائزةٌ إذا وُجِدت بعَيْنِها . وهو
ظاهر حدیثٍ عثمان ، وظاهر قول مالك فی (موطِئِه))، على ما ذكرناه
هلهنا مِن قولِه: الأمرُ عندَنا. وقد أجمعوا أنَّه إذا تصدّقَ على ابنٍ له صغيرٍ
بدَينٍ له على رجلٍ ، ثم اقتَضَاه ، أنَّه للابن ، وأنَّ ذلك بمنزلة العبدِ يتَصدَّقُ
به على ابنٍ له صغيرٍ، ثم يبيعُه، فالثَّمنُ للابنِ. وأجمَعُوا أَنَّ الوالِدَ لا
يَعْتَصِرُ(١) الفَرْجَ إذا وَهَبه لائِنِهِ فَوَطِئَه. ولا أعلَمُ أحدًا قال: إِنَّ الولَدَ يَعْتَصِرُ
أيضًا ما وهَب لوالدِه. إلَّا رَبِيعَةَ. ذكره ابنُ وهبٍ، عن يونسَ، عنه. فهذا
ما يقومُ(١٢) مِن معانى حديثٍ(٢) هذا البابِ. وبالله التوفيقُ.
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٥٧٢ وما بعدها .
(٢) فى الأصل: ((تقدم)).
(٣) ليس فى: الأصل.
٥٤٧

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: مِن حُجَّةٍ مَن لم يُجِزِ الهبةَ إلّا مقبوضَةً، حديثُ أمّ
كلثوم، أنَّ النبيَّ وَّهِ أَهدَى للنجاشيّ مِسْكًا، وقال لأهلِه: ((أحسبُه
مات، فإن رجَع إلَىَّ أعطَيتُكم منه)). فكان كذلك، وؤُجِد قد مات،
فرَجَع المِسْكُ إليه فأعطاهُنَّ منه (١) . ولو كانت الهِبَةُ والعَطيَّةُ تُحتازُ بالكَلام
لما رجع النبُّ پێ فی هِبته ولا ھَدِێَّته، و کیف کان يتصرّفُ فى ذلك وهو
القائلُ: ((ليس لنا مَثَلُ السَّوْءِ؛ العائدُ فى هِبَتِه كالكلبٍ يعودُ فى قَيِه))(١).
وجاء عن أبى بكر الصدِّيقِ، وعائشةَ، مثلُ هذا المعنی مِن حديث مالك
وغيرِه، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةً(١) . وعن عمرَ مثلَه أيضًا
وقد ذكرناه(٤) . فهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ الهِبَاتِ لا تَتِمُ إِلَّ بالقبضِ، وقد
أجمَعوا على ثُبُوتٍ مِلكِ الواهِبِ ، واختَلَفوا فى زوَالِه مِن جِهَةِ الهِبَةِ بالقولِ
وحدَه، فهو على أصلٍ مِلكِ الواهِبِ حتى يُجمِعُوا، ولم يُجمِعوا إلّ مع
القبضٍ. وكان أبو ثورٍ يقولُ: لا تجوزُ الهبةُ إلَّ معلومةً، وإن كانت
مُشّاعةً ، فيكونُ الجزءُ معلومًا، وإلّا لم تَصِحَ. قال: وإِنَّمَا بَطَلت عَطِيَّةُ أبى
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٤٦/٤٥، ٢٤٧ (٢٧٢٧٦)، والطبرانى ٨١/٢٥ (٢٠٥، ٢٠٠٦)،
والحاكم ١٨٨/٢، والبيهقى ٢٦/٦، ٢٧.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٧٥ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٥٠٨).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٥٠٩).
٥٤٨

الموطأ
١٥٠٨ - مالكٌ، عن ابن شهاب، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةً
زوج النبی پټ أنها قالت : إن أبا بكر الصدیقَ کان نحلھا جَادَّ عِشْرین
وَسْقًّا مِن مالِهِ بالغابَةِ، فلمَّا حضرته الوفاةُ قال: والله يا بُنَيَّةُ ، ما مِن
الناس أحدٌ أحبُّ إِلىَّ غنّى بَعْدى منكِ، ولا أعزُّ علىَّ فقرًا بعدى منك،
وإنى كنتُ نحلتُك جادًّ عِشْرِين وَسْقًا، فلو كُنتِ جَدَدْتِيه واخْتَزْتِيه
كان لكِ، وإنَّما هو اليومَ مالُ وارِثٍ، وإنَّما هما أخَواكِ وأختاكِ،
فَاقْتَسِموه على كتابِ اللهِ. قالت عائشةُ: فقلتُ : يا أبتِ ، واللهِ لو
كان كذا وكذا لتَرَكتُه، إنَّما هى أسماءُ، فمَن الأُخْرَى ؟ فقال أبو
بكرٍ : ذُو بَطْنٍ بنتٍ خَارِجَةً، أُراها جارِيةٌ .
بكرٍ رضِى اللهُ عنه لعائشةً؛ لأنَّها لم تكنْ معلومةً ، ولا سَهْمًا مِن سِهامٍ
معلومةٍ . قال : و کلُّ هِبة أو صدقةٍ على هذا فغير جائزةٍ . فهذا كلُّه فى معنى
حديثٍ النعمانِ بنِ بشيرٍ المذكورِ فى هذا البابٍ ، وهو محمولٌ على أنَّه كان
صحيحًا، والناسُ على الصِّحةِ حتى يَثبُتَ المرَضُ الطَّارِئُ. وللقولٍ فى
هِبَاتِ المريضِ موضِعٌ غيرُ هذا مِن كِتابِنا(١) . وباللهِ تَوْفِيقُنا .
التمهید
مالك، عن ابنٍ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةً أنها قالت : الاستذكار
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٥٢٩) من الموطأ .
٥٤٩

الموطأ
الاستذكار إن أبا بكر الصديقَ كان نحَلها جَادَّ عشرين وَسْقًا مِن مالِه بالغابةِ (١) ، فلما
حضَرته الوفاةُ قال: واللهِ يا بُنَّةُ ما مِن الناسِ أحدٌ أُخَبُّ إلَّ غنی بعدى
منكِ، ولا أعزُّ علىَّ فقرًا بعدِى منكِ، وإنى كنتُ نَحَلتُك ◌َادَّ عشرين
وَشْقًا (٢) ، فلو كنتٍ جَدَدْتِيه واخْتَزْتِيه كان لكِ، وإنما هو اليومَ مالُ
الوارثِ، وإنما هما أَخَوَاكِ وأَخْتاكِ، فاقْتسِموه على كتابِ اللهِ عزَّ
وجلَّ. قالت عائشةُ: فقلتُ : يا أبتِ ، واللهِ لو كان كذا وكذا لترَ كتُه،
إنما هى أسماءُ، فمَن الأُخرى؟ قال أبو بكرٍ : إن ذا بطنٍ بنتِ خارجةً
أُراها جاريةً(٣) .
قال أبو عمرَ: فى حديث عائشةَ هذا أن مِن شرطِ صحةِ الهِبَةِ قبضَ
الموهوبٍ لها قبلَ موتِ الواهبِ ، وقبلَ المرضِ الذى يكونُ منه موتُه،
وسنذ گر ما للفقهاءِ فی معنی قبض الهبةِ وحيازتها بعدُ فى هذا الباب ، عندَ
قولٍ عمرَ: ما بالُ رجالٍ يَنْحَلُون أبناءهم نُخْلًا ثم يُمْسِكونها. الحديث(٤).
القبس
(١) الغابة : موضع قرب المدينة من ناحية الشام ، فيه أموال لأهل المدينة ، وهو على بريد منها.
مراصد الاطلاع ٢/ ٩٨٠.
(٢) أراد حائطا أو نخلا يُجَدُّ منها عشرين وسقا، أى يُصرَم. الاقتضاب ٢٦٨/٢.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٠٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١١و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٩٣٩). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٨٨، والبيهقى ١٦٩/٦،
١٧٠، والبغوى فى شرح السنة (٢٢٠٤) من طريق مالك به.
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٥٠٩).
٥٥٠

الموطأ
وفى حديثٍ عائشةً هذا جَوازُ الهبَةِ المجهولِ عينُها إذا عُلِم مبلغُها ،
وجَوازُ هِبَّةِ المُشاعِ(١) أيضًا.
الاستذ کار
وفيه أن الغِنى أحبُّ إلى الفضلاءِ مِن الفقرِ.
و(٥) أما قولُ أبى بكرٍ فى حديث عائشةَ هذا: إنما هما أُخَواكِ
وأُختاك. فقالت له عائشةُ: إنما هى أسماءُ، فمَن الأُخرى ؟ فأجابُها أبو
بكرٍ وقال : إن ذا بطنٍ بنتِ خارجةَ أُراها جاريةً. فهذا منه، رضِى اللهُ
عنه ، ظٌّ لم يُخطِئْه، فكان ذو بطنٍ بنتِ خارجةً جاريةً أَتَتْ بعدَه،
فسُمِّيت أمّ كلثوم. وأما بنتُ خارجةَ فهى زوجتُه، واسمُها حبيبةُ بنتُ
خارجةَ بنِ زيدِ بنِ أبى زهيرِ الذى آخَى رسولُ اللهِ نَّهِ بينَه وبين أبى
بكرٍ إذ قدِم المدينةَ رسولُ اللهِ وَلّهِ وَآخَى بينَ المهاجرين والأنصارِ،
وكان قولُ أبى بكرٍ ظَنَّا كاليقينِ. والعربُ تقولُ: ظنّ الحليم كهانةٌ .
وتقولُ أيضًا: مَن لم ينتفِعْ بظنِّه لم ينتفِعْ بيقينِه. وتقولُ أيضًا : الظنّ
مِفْتالح اليقينِ .
القبس
(١) فى الأصل: ((المتاع)).
(*) من هنا سقط من المخطوط ح، هـ، وينتهى ص ٥٥٣.
٥٥١

الموطأ
الاستذكار
وقال أوسُ بنُ حَجٍَ (١) :
ـنَّ كأنْ قد رأى وقد سمِعا
الأَلْمَعِىُّ (٢) الذى يَظُنُّ لك الظَّـ
ورُوِى ذلك عن عثمانَ وعلىٍّ رضِى اللهُ عنهما .
ومما يُمدحُ به الظنُّ قولُ رسولِ اللهِ وَلَه: (( لا يَمُوتَنَّ أحدُكم إلا وهو
حَسَنُ الظنِّ باللهِ عزَّ وجلَّ))(٢) .
وقال ◌َ﴾ حاكيًا عن اللهِ تعالى: («أنا عند ظنٍّ عبدى بى، فلْيظُنَّ بی
ما شاء))(4).
(٤)
وقال الحسن البصرىُّ: إن المؤمنَ أُحسن الظنَّ فأحسّن
-(٥)
العملّ(٥) .
قال أبو عمر: وأما ظنَّ الفاسقِ " والكافرِ) والمنافقِ فمذمومٌ غيرُ
القبس
(١) ديوانه ص ٥٣.
(٢) الألمعى : الذكى المتوقد ، الحديد اللسان والقلب . التاج (ل م ع).
(٣) أخرجه أحمد ٢٨/٢٢ (١٤١٢٥)، ومسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣) من حديث جابر.
(٤) أخرجه أحمد ٣٨٥/١٢ (٨٤٢٢)، ومسلم (٢٦٧٥)، والترمذى (٣٦٠٣)، وابن ماجه
(٣٨٢٢) من حديث أبى هريرة:
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩٩/١٣، والفريابى فى صفة النفاق (٩٤)، وأبو نعيم فى الحلية
١٤٤/٢.
(٦ - ٦) سقط من : ط .
٥٥٢

١٥٠٩ - مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبِيرِ، عن الموطأ
عبد الرحمنِ بنِ عبدِ القارئِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: ما بالُ رجالٍ
يَنْحَلون أبناءهم نُخْلًا ثم يُمسِكُونها ، فإن مات ابنُ أحدهم قال: مالى
يَدِى لم أُعطِه أحدًا . وإن مات هو قال: هو لابنى، قد كنتُ أعطيتُه
إياه؟ مَن نحل نِعْلَةً فلم يَحُزُّها الذى نُحِلَها حتى تكونَ إِن مات
لورثته، فھی باطلٌ .
الاستذ کار
ممدوح، قال اللهُ تعالى فيهم: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَرَ التَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
[الفتح: ١٢]. وقال النبيُّ وَله: ((إيَّاكم والظنَّ، فإن الظنَّ أكذبُ الحديثِ،
ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا)) (١).
وقال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّنَ لَا يُغْنِ مِنَ الَِّّْ شَيْئًا﴾
[النجم: ٢٨] .
وقد ذكّرنا فى كتابٍ النساءِ مِن كتابٍ ((الصحابةِ)) بنتَ خارجةً
المذكورةَ وابتَها، بما يجِبُ مِن ذكرِهما هناك(٢) . والحمدُ للهِ كثيرًا(٥).
مالكٌ ، عن ابن شهابٍ ، عن عروةً بنِ الزبيرِ ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدٍ
القارئِّ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: ما بالُ رجالٍ يَنْحَلون أبناءِهم نُخْلًا ثم
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٧٤٩).
(٢) الاستيعاب ١٨٠٧/٤.
(٥) إلى هنا ينتهى السقط من المخطوط ح، هـ، والمشار إليه ص ٥٥١.
٥٥٣

الموطأ
الاستذكار يُمْسِكونها، فإن مات ابنُ أحدِهم قال: مالى بيدِى لم أُعْطِه أحدًا. وإن
مات هو قال: هو لابنى قد كنتُ أعطيتُه إِيَّاه؟ مَن نحَل نِحْلةً فلم يَحُزْها
الذى نُحِلها حتى تكونَ إن مات لوَرَثتِه، فهى باطلٌ(١).
قال أبو عمرَ : صحَّ القضاءُ مِن الخليفتين أبى بكرٍ وعمرَ، ورُوِى ذلك
عن عثمان وعلىٍّ ، أن الهبةً لا تصُ إلا بأن يحوزَها الموهوبُ له فی حیاةِ
الواهبٍ، ويَنفرِدَ بها دونَه، وقد تقدَّمت روايةُ مالك عن أبى بكرٍ فی
(٢)
ذلك(٢) .
ورواه ابنُ عُيينةَ، قال: حدَّثنا الزهرىُّ، عن عروةَ، عن عائشةً ، أن
أباها نحَلها جِدادَ(١) عشرين وَسْقًا مِن مالِه، فلما حضرته الوفاةُ جَلَس
فتشهَّد وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ ، يا بُنَّةُ ، فواللهِ إِن أُحبُّ
الناسِ إلىَّ غِنًى بعدى لأنتِ ، وإن أعزّ الناس على فقرًا بعدِی لأنتِ ، وإنی
كنتُ نحَلتُك جِدادَ(١) عشرينَ وَسْقًا مِن مالى، فوَدِدْتُ أَنكِ حُزْتِه
وجَدَدْتِه، وإنما هو اليومَ من(٤) مالِ الوارثِ، وإنما هما (٥) أخَواكِ وأُسْتَاكِ.
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٠٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١١و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٩٤٠). وأخرجه البيهقى ١٧٠/٦ من طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (١٥٠٨).
(٣) فى ح، هـ: ((جاد))، وفى م: (جاء).
(٤) سقط من: ح ، هـ.
(٥) فى الأصل: ((هم)، وفى ط: ((هو)).
٥٥٤

الموطأ
الاستذكار
قالت : هذا أخَواى، فمَن أُخْتاىَ؟ قال: ذو بطنٍ بنتِ خارجةً، فإنى أظنُّها
جاريةً. قالت: لو كان ما بينَ كذا وكذا لرَدَدْتُه(١).
قال أبو عمرَ: اتفَق مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ،
وأصحابُهم ، أن الهبةَ لا تَصِحُ إلا بالحيازةِ لها .
ومعنى الحيازةِ القبضُ بما يُقبَضُ به مثلُ تلك الهبةِ .
إلا أنهم اختلفوا فى هبةِ المُشاع، وسنذكُرُ ذلك بعدُ إن شاء اللهُ
تعالى .
والهِبَةُ عندَ مالكِ على ما أصِفُه لك؛ تَصِحُ بالقولِ مِن الواهبِ والقبولِ
مِن الموهوبِ له ، وتَتُّ بالقبضِ والحيازة ، وما دام الواهبُ حيًّا فللموهوب
له المُطالبةُ بها الواهب حتی یقبضها ، فإن قبضها تمّت له وصارت مِلْكًا
مِن مِلْكِه، وإن لم يقبِضْها حتى يموتَ الواهِبُ بطَلتِ الهِبَةُ عندَهم(١)؛
لأَنهم أَنزَلوها حينَ وهَبها ولم يُسَلِّمْها إلى أن مات - منزلةَ مَن أراد إخراج
تلك العطيةِ بعدَ موتِه مِن رأسٍ مالِه، لوارثٍ أو لغيرِ وارثٍ ، وكانت فى يدِه
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٣/٦، وابن سعد ١٩٤/٣، واللالكائى فى كرامات الأولياء (٦٨)
من طريق ابن عيينة به .
(٢) فى الأصل، م: «عنده).
٥٥٥

الموطأ
الاستذكار طولَ حياتِه، (ولم يوص له) بها بعدَ مماتِه، فلم يَجُزْ له شىءٌ مِن ذلك.
هذا مُحُكْمُها عندَ مالكِ وأصحابِه إذا مات الواهبُ، فإِن مات
الموهوبُ له قبلَه، كان لوَرَثِه عندَهم (١) أن يقوموا مقامَه فى المُطالبةِ بها
حتى يُسلِّمَها إليهم الواهبُ .
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما : الهبةُ لا تصِحُ إلا بالقبضِ
مِن الموهوب له وتسلیم مِن الواهب ، فإن لم یکنْ ذلك فھی باطلٌ ، ولیس
للموهوبِ له أن يُطالِبَ الواهبَ بتسليمِها؛ لأنها ما لم تُقُبضْ عِدَةٌ وعَده
بها، فإن وفَى محُمِد ، وإِن لم يُوفٍ بما وعَد، ولم يُسَلُّمْ ما وهَب"، لم
يُقْضَ علیه بشىءٍ .
وقال أبو ثورٍ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ : تصِحُ الهِيَةُ والصدقةُ غيرَ مقبوضةٍ .
ورَوَوا ذلك عن علىٍّ مِن وجهٍ لا يُحتَجُّ بمثلِه. قال أبو عبدِ اللهِ
المَرْوَزِىُّ رحِمه اللهُ : اتفَق أبو بكرٍ ، وعمرُ، وعثمانُ، وعلىِّ رضِى اللهُ
عنهم، أن الهبةَ لا تصِحُ إلا مقبوضةً .
وقد رُوِى عن أحمدَ، وهو الصحيحُ عنه، أن الهبةَ إذا كانت مما
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((فلم يوص))، وفى م: ((فلم يرض)).
(٢) فى الأصل، م: ((عنده)).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((يوهب بما سلم).
٥٥٦

الموطأ
الاستذكار
يُكالُ(١) أو يُوزنُ، لم يَصِحَّ شىءٌ منها إلا بالقبضِ، وما عدا المَكِيلَ
والموزونَ ، فالهبةُ صحيحةٌ جائزةٌ بالقولِ وإن لم تُقبَضْ، وذلك كلُّه إذا
قبضها الموهوبُ له .
واختلفوا فى هبةِ المُشَاعِ وكيف القبضُ فيها؛ فقال مالكٌ: هبةُ
المُشَاع جائزةٌ ، ولا تصِحّ إلا بقبضٍ الجميعِ، وتصِحُ للشريكِ فى المُشَاعِ
إذا تخلى الواهبُ عنها "أو أَخْرَجها عن٢) يدِه، وانفرد الشريكُ الموهوبُ
له بها .
وقال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ: تَصِحُ الهبةُ فى
المُشَاعِ، والقبضُ فيها كالقبضِ فى البيعِ سواءً.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: الهبةُ ("فى المُشاعِ) باطلٌ، ولا تَصِحُ إلا
مقبوضةً معلومةً مُنْفَرِدةً، كما يُقْبَضُ(٤) الرهنُ عندَهم يَنفرِدُ به المُرتِهِنُ،
وكذلك الموهوبُ له، ويقبِضُه ولا شركةً فيه لغيره. وقد بيًّّا ذلك فى
كتابٍ الرهنِ . والحمدُ للهِ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يؤكل)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((وأخرجها عن))، وفى ح، هـ، م: ((وأخذها من)).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: (للمشاع)).
(٤) فى م: ((يصح)).
٥٥٧

الموطأ
ما لا يجوزُ من العَطِيَّةِ
١٥١٠ - قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ عندَنا فيمن
أعطَى أحدًا عَطِيَّةً لا يريدُ ثوابَها، فَأَشْهَد عليها، فإنها ثابتةٌ للذى
أُعطِيَها ، إلا أن يموتَ المُعطِى قبلَ أن يَقبِضَها الذى أُعطِيَها . قال:
وإن أراد المُعطِى إمساكها بعدَ أن أَشْهَد عليها ، فليس ذلك له ، إذا قام
عليه بها صاحبُها أخذها .
قال مالكٌ: ومَن أُعْطِى عطيّةً، ثم نكَل الذى أعطاها ، فجاء
الذى أُعطِيَها بشاهدٍ يشهَدُ له أنه أعطاه ذلك؛ عَرْضًا كان، أو
ءُ
ذهبًا، أو وَرِقًا، أو حيوانًا، أَحلِف الذى أُعطِى مع شهادةِ شاهدِه،
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فيمَن أعطَى أحدًا عطيةً لا يريدُ ثوابَها،
الاستذكار
فأشهَد عليها، فإِنها ثابتةٌ للذى أُعطِيَها، إلا أن يموتَ المُعْطِى قبلَ
أن يقبضَها الذى أَعطِيَها. قال: وإن أراد المُعطِى إمساكها بعدَ
أن أَشهَد عليها، فليس ذلك له، وإذا قام عليه بها صاحبُها
أخذها(١) .
قال مالكٌ: ومن أُعطِى عطيةً، ثم نكَل الذى أَعطى، فجاء
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٤٥).
٥٥٨

الموطأ
فإن أتى الذى أُعطِى أن يحلِفَ، حُلِّف المُعطِى، وإن أتَى أن يحلِفَ
أيضًا، أدَّى إلى المُعْطَى ما ادَّعى عليه إذا كان له شاهدٌ واحدٌ ، فإن
لم یکن له شاهدٌ فلا شىء له.
قال مالكٌ: مَن أُعطى عطيّةً لا يريدُ ثوابَها، ثم مات المُعطَى،
فَوَرَثْتُه بمنزلتِه، وإن مات المُعطِى قبلَ أن يَقْبِضَ المُعطَى عطيَتَه،
فلا شىءَ له، وذلك أنه أُعطِى عطاءً لم يَقْبِضْه، فإن أراد المُعطِى
أن يُمسِكَها، وقد أَشْهَد عليها حينَ أُعْطاها، فليس ذلك له، إذا
قام صاحبُها أخذها .
الاستذكار
الذى أُعْطِيَها بشاهدٍ يشهدُ له أنه أعطاه ذلك؛ عرضًا كان، أو
ذهبًا، أو ورِقًا، أو حيوانًا، أُحلِف الذى أُعطِى مع شاهدِهِ، فإن أَتَى
الذى أُعطِى أن يحلِفَ، محُلِّف المُعطِى، وإن أتَى أن يحلِفَ أيضًا،
أدَّى إلى المُعطَى ما ادَّعى عليه إذا كان له شاهدٌ واحدٌ، فإن لم
یکنْ له شاهدٌ فلا شىءَ له(١).
قال مالكٌ: مَن أُعطَى عطيةً لا يريدُ ثوابَها، ثم مات المُعطَى، فورَثُه
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١١ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٤٤).
٥٥٩

٨
الموطأ
الاستذكار بمنزلتِه، وإن مات المُعطِى قبلَ أن يقبِضَ المُعطَى عطيته، فلا شىء له،
وذلك أنه أُعطِى عطاءً لم يقبِضْه ، فإن أراد المُعطِى أن يُمسِكُها وقد أشهَد
عليها حينَ أعطاها، فليس ذلك له، وإذا قام صاحبُها أخَذها(١).
/
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم القولُ فى هذا كلِّه، وأوضَحنا فيه مذهب مالكٍ
ومذهبَ غيرِهِ مِن الفقهاءِ فى البابِ قبلَ هذا، والذى دعانا إلى ذكرِه هناك
قولُ أبى بكر الصديقِ لعائشةً فیه : لو كنت جددته وحُزْتِه لکان لك ، وإنما
هو اليومَ مالُ الوارثِ(٢) . وقولُ عمرَ فيه أيضًا: ما بالُ رجالٍ يَنحَلون أبناءَهم
نُخْلًا، ثم يُمسِكونها، فإن مات ابنُّ أحدهم قال: مالى بيدى.
الحديث(١) . وهذان الحديثان أصلُ حيازةٍ الهبةِ فى ((الموطأ))، فلذلك(٤)
ذكرنا اختلافَ العلماءِ فى قبضِ الهبةِ وحيازتها فى البابِ قبلَ هذا.
وذكّرنا عن الشافعىِّ والكوفيّين، أن الهبةَ إذا لم يقبِضْها الموهوبُ
له، فليس له مطالبةُ الواهبِ بها إن منَعه إيَّها، وذكرنا أن أكثرَ
العلماءِ على ذلك . وباللهِ توفيقُنا .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٤٥).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٥٠٨).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٥٠٩).
(٤) فى الأصل: ((فكذلك))، وفى م: ((وكذلك)).
٠٥٦٠