Indexed OCR Text

Pages 521-540

الموطأ
الاستذكار
وإن قطَعه قميصًا ولم يَخِطْه، ثم اطلع على عيبٍ، رجَع بالعيبِ،
إلا أن يشاءً البائعُ أن يقبلَه ويَؤُدَّ عليه ثمنَه، وكذلك إن حدث به
عيبٌ عندَ المُشترِى .
وقال الحكمُ بن ◌ُتيبةَ: يَرُدُّه فى حدوثٍ العيبِ، ويَرُدُّ ما نقَص العيبُ
الحادثُ عندَه .
وقال عثمانُ البتّئُ فى الثوبِ والخشبِ : إذا قطعهما ثم وجَد عيبًا
ردَّهما مقطوعَيْن ولا شىءَ عليه فى القطعِ .
قال أبو عمرَ : القطعُ مِن المُشترِى فى الثوبٍ، والصِّبْغُ الذى يَنقُصُه ،
بمنزلةِ العيبِ الحادثِ به، ولا ينبغى له أن يَرُدَّه ويأخُذَ ثمنَه الذى أعطاه
فيه ، إلا أن يكونَ الثوبُ بحالِه كما أخَذه، وأما إذا زاد الصِّبْغُ فى الثوبِ ،
فهو (١عينُ مالِ المشترِى) ، ولذلك كان الجوابُ فيه كما قال مالكٌ ومَن
تابَعه .
وأما مَن لم يرَ للمُشترِى إذا حدَث عندَه (٢) عيبٌ(٣)، ثم اطَّلع على
عيبٍ كان عند البائع، أن يَؤُدَّ ما وجَد به العيبَ، و(ألا له) شىءٌ، إلا أن
4
القبس
(١ - ١) فى ح: ((على غير مال المشترى))، وفى م: ((عين ما للمشترى)).
(٢) فى ح، هـ، ط: (به).
(٣) بعده فى ح، هـ: ( مفسد)).
(٤ - ٤) فى م: ((لأنه)).
٢١

الموطأ
الاستذكار يرجعَ بقيمةِ العيبِ الذى كان عندَ البائع، فلِمَا وصَفنا؛ لأن الثوبَ قد
دخَله ما غيّره عن حالِه التى باعه عليها البائعُ، فليس للمُشترى إلا الرجوع
بما دلَّس به البائعُ، وسواءٌ علِم أو لم يعلم عندَهم ؛ لأن الخطأ فى إذهاب
الأموالِ كالعمدِ .
وقولُ(٢) مَن قال: يَرُدُّ المبيعَ بالعيبِ، ويَرُدُّ معه قيمةً ما حدَث عندَه
مِن العيبِ ، فهو اعتبارُ ذلك المعنى؛ لأنه إذا ردَّ قيمةَ ما حدَث عندَه مِن
العيبِ، فكأنه ردَّه بحالِه؛ لأنه قد أخَذ للنقصانِ بالعيبٍ(٢) الحادثِ عندَ
المُشترِی حقّه .
وأما قولُ عثمانَ البَتَّى، فقولٌ ضعيفٌ، وكأنه (٤قال: لماً) لم يُبيِّنْ له
العيبٍ(*) ، فقد سلَّطه على القطع، فلا شىءَ له فيه .
وقد بيَّن مالكٌ الفرقَ عندَه بينَ الثيابِ والحيوانٍ(١) فيما حكاه ابنُ
القاسم عنه، والمُخالِفُ له يقولُ: لا فرقَ بينَ الحيوان والثيابِ؛ لأن البائعَ
كما أذِن له فى القطع واللُّسِ، فكذلك أذِن له فى الوطءِ والتأديبِ ؛ وقد
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى ح، هـ: ((هو قول)).
(٣) سقط من: ح، هـ.
(٤ - ٤) سقط من: ح، هـ، وفى م: ((لما قال)).
(٥) فى ر٦: ((بالعيب)).
(٦) إلى هنا ينتهى الخرم فى مخطوط الأصل والمشار إليه ص ٥٠٩.
٥٢٢

الموطأ
ما لا يجوزُ من النُّخْلِ
١٥٠٧ - مالك، عن ابن شهاب، عن محمیدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ
عوفٍ، وعن محمدِ بنِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، أنهما حدَّثاه ، عن النعمانِ
ابنِ بَشيرٍ أنه قال، أن أباه بَشيرًا أتَى به إلى رسولِ اللهِ وَ لَه، فقال: إِنِّى
نَحَلتُ ابنى هذا غُلامًا كان لى. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((أكلَّ وَلَدِك
نحَلتَه مِثلَ هذا؟)). قال: لا. فقال رسولُ اللهِ وَله: ((فارْتَجِعْه)).
أجمَع القائلون برَدِّ الثوبِ الموجودِ فيه العَيْبُ، أنه إذا لبسه لُبْسًا يُتِلِيه به ، أنه الاستذكار
لا يَرُدُّه إلا ويردُّ معه ما نقَصه اللُّبْسُ، والأكثرُ يقولون: إنه لا(١) يَرُدُّه، وإنَّما
له قيمةُ العيبِ .
مالك ، عن ابن شهاب، عن محمید بن عبد الرحمن بن عوفٍ ، وعن
محمدِ بنِ النعمانِ بنِ بشيرٍ، يُحدِّثانِهِ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ ، أَنَّ أباهُ أَتَى به
رسولَ اللهِ وَلّ، فقال: إِنِّى نحَلتُ ابنِى هذا غُلامًا كان لى. فقال رسولُ
اللهِ وَلِّ: ((أَكلَّ وَلَدِك نَحَلتَه مِثلَ هذا؟)). قال: لا. قال رسولُ اللهِ
مُ طر: ((فازجِئْه))(١).
التمهيد
القبس
(١) سقط من : ط .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٠٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١١ - مخطوط)،=
٥٢٣

الموطأ
التمهید
قال صاحبُ كتابٍ ((العين))(١): النُّخْلُ والنّحْلَةُ: العطاءُ بلا اسْتِعاضةٍ،
ونُخْلُ المرأةِ: مَهْرُها. وقال أبو عُبيدَةَ(١): ﴿صَدُقَتِنَّ﴾: مُهُورَهُنَّ،
[النساء: ٤]: عن طِيبٍ نَفْسٍ مِنكم. وقال غيرُه: ﴿ِلَةٌ﴾. أى:
هِبَةً مِنَ اللهِ . يعنى أنَّ المهورَ هِبَةٌ مِن اللهِ للنساءِ ، وفِرِيضَةٌ عليكم .
وهكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ(١) أصحابِ ابنِ شهابٍ بهذا
الإسنادِ وهذا المعنى، وكلُّهم يقولُ فيه: إِنَّ النبيَّ وَّهِ قال له:
((فَارْجِعْه)) )). ورُبَّما قال بعضُهم: ((فاردُدْه))(٥) . ولفظُ حديثِ ابنِ
شهاب هذا؛ قوله: ((فازچِغْه)). قد تابعه علیه هشامُ بنُ عروةً ، عن أبيه ،
عن النعمان بنٍ بشيرٍ، على اختلافٍ عن هشامٍ فى ذلك(٦) .
(٧)
وهذا حديثٌ قد رواه جماعةٌ عن النعمان بن بشيرٍ؛ منهم الشعبىُّ
وغيرُه بألفاظٍ مُختلفةٍ توجِبُ أحكامًا سنذكُرُها فى هذا البابِ إن شاء اللهُ.
القبس
= وبرواية أبى مصعب (٢٩٣٨). وأخرجه البخارى (٢٥٨٦)، ومسلم (٩/١٦٢٣)، والنسائى
(٣٦٧٥) من طريق مالك به .
(١) العين ٠٢٣٠/٣.
(٢) مجاز القرآن ١١٧/١.
(٣) بعده فى. م: ((من)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٠٧/٣٠ (١٨٣٥٨)، والنسائى (٣٦٧٦)، وأبو عوانة (٥٦٨٨).
(٥) أخرجه الحميدى (٩٢٢)، وأحمد ٣٣١/٣٠ (١٨٣٨٢)، ومسلم (١٠/١٦٢٣)،
والترمذى (١٣٦٧)، وابن ماجه (٢٣٧٦)، والنسائى (٣٦٧٤).
(٦) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
(٧) سيأتى تخريجها ص ٥٢٧، ٥٢٩، ٥٣٠، ٥٣٢ - ٥٣٤.
٥٢٤

الموطأ
فأمّا حديثُ عروة بن الزبيرِ، فحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بن التمهيد
عبدِ المؤمن، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ التَّمَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ،
قال : حدَّثنا عثمانُ بنُّ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ ،
عن أبيه ، قال : حدَّثنى النعمانُ بنُ بشيرٍ، قال : أعطاه أبوه غلامًا ، فقال له
رسولُ اللهِ وَّ: (( ما هذا الغلامُ؟)). قال: غلام أعطانيه أبى. قال:
((أفكلَّ إخوَتِكَ أعطَاهم كما أعطَاكَ؟)). قال: لا. قال: ((فارْدُدْه))(١).
ففى هذا الخبرِ أَنَّه خاطَب بهذا القولِ النعمانَ بنَ بشيرٍ، وفى حديثٍ
ابنِ شهابٍ أَنَّه خاطَب بذلك أباه بَشِيرًا المعطِىَ، وهو الأكثرُ والأُشھَرُ.
حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال : حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زِیادٍ ،
قال : حدَّثنا سعدانُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةً، عن هشامِ بنِ عروةَ،
عن أبيه ، عن النعمان بن بشيرِ، أَنَّ أباه نحَلَه نُخْلًا ، فقالت أمُّه : أُشهِدْ عليه
لابنى رسولَ اللهِ وَ لهَ. فَأَتَّى النبيُّ ◌َ لَه، فذكر ذلك له، فقال: ((أكلَّ
ولَدِك أعطَيْتَه مثل ما أعطَيتَ هذا؟)). قال: لا. قال: فكَرِه رسولُ اللهِ
وَلِّر أن يَشهَدَ له(٢) .
القبس
(١) أبو داود (٣٥٤٣) - ومن طريقه أبو عوانة (٥٦٨٣) - وأخرجه مسلم (١٢/١٦٢٣)،
وأُبو عوانة (٥٦٩٣) من طريق جرير به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٠/٣٠ (١٨٣٥٤)، والنسائى (٣٦٧٨)، وأبو عوانة (٥٦٨٤) من طريق
أبى معاوية به، وليس عند النسائى: ((أكل ولدك أعطيته مثل ما أعطيت هذا؟)).
٥٢٥
٠٠

الموطأ
ورواه سعدُ بنُ إبراهيمَ، فخالَفَه فى هذه اللَّفِظَةِ .
التمهيد
قرَأْتُ على عبدِ الوارثِ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو
قلابةً ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ ، قال: حدَّثنا شعبةُ ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ ،
عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ ، أنَّ أباه نحَلَه نِخْلَةً، فأَتَى النبىّ
وَّهِ ليُشهِدَه، فقال: ((أكلَّ يَنِيكَ أعطَيتَ مثلَ هذا؟)). قال: لا. فأتى
أَن يَشْهَدَ له(١) .
وفى هذا الحديثِ مِن الفِقهِ جوازُ العَطِيئَّةِ مِن الآباءِ للأبناءِ، وهذا فى
صِحَّةٍ الآباءِ؛ لأَنَّ فِعلَ المريضِ فى مالِه وصِيَّةٌ، والوَصِيَّةُ للوارِثِ باطِلَةٌ .
وهذا أمرٌ مُجتمَعٌ عليه، فيُستَغنَى عن القول فيه، وقد بيّنا هذا المعنَى فى
باب ابن شهاب ، عن عامِرِ بنِ سعدٍ(٢).
وفيه التَّسوِيَةُ بينَ الأبناءِ فى العطاءِ؛ لقوله: ((أكلَّ وَلَدِك أعطَيتَه مثلَ
هذا؟)). واختَلفَ الفقهاءُ فى هذا المعنى؛ هل هو على الإيجاب أو على
الندبِ ؟ فأمَّا مالكٌ، والليثُ، والثورىُّ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً،
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
والحديث أخرجه أبو عوانة (٥٦٨٥) من طريق أبي قلابة به، وأخرجه النسائى (٣٦٧٩) من
طريق شعبة به بنحوه .
(٢) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٥٢٩) من الموطأ.
٥٢٦

الموطأ
وأصحابُهم (١) ، فأجازُوا أَن يَخُصَّ بعضَ ولَدِه دونَ بعضِ بالنِّحَلَةِ والعَطِيَّةِ، التمهيد
على كَراهِيةٍ مِن بعضِهم، على ما يأتِى مِن أقاوِيلهم فى هذا البابِ،
والتَّسوِيَةُ أَحَبُّ إلى جميعِهم، وكان مالكٌ يقولُ: إِنَّما معنى هذا الحديثِ
الذى جاء فيه ، فيمَن نَحَل بعضَ وَلَدِه مالَه كلَّه . قال: وقد نحل أبو بكرٍ
رضِىَ اللهُ عنه عائشةَ دُونَ سائرٍ ولَدِه(٢). حكَى ذلك عنه ابنُّ القاسِمِ،
وأَشْهَبُ . وقال الشافعىُّ: تَرْكُ التَّفضِيلِ فى عَطِيئَّةِ الأبناءِ فيه حُسنُ الأدَبِ،
ويجوزُ له ذلك فى الحُكم. قال : وله أن يَرجِعَ فيما وهَب لابنه؛ لقولٍ
النبيِّ وَّ: ((فارْجِعْه)). واستَدَلَّ الشافعىُ بأنَّ هذا الحديثَ على النَّدْبِ،
بنحوِ ما استَدَلَّ به مالكٌ رحِمه اللهُ مِن عَطِيَّةِ أبى بكرٍ عائشةَ، وبما رَوَاه
داودُ بنُ أبي هندٍ ، عن الشعبىِّ ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال : نَحَلَنى أبی
نُخْلًا، وانطلَق بى إلى النبيِّي ◌َّ ليُشهِدَه على ذلك، فقال: ((أكُلَّ وَلَدِكَ
نَحَلتَه مثلَ هذا؟)). فقال: لا. قال: ((أيسُرُكَ أن يكونوالك فى البِرّ كلُّهم
سواءً؟)). قال: نعم. قال: ((فأُشهِدْ على هذا غيرى))(١). قال: وهذا
يَدُلُّ على صِحَّةِ الهِبَةِ؛ لأَنَّه لم يأمُرُه بِرَدِّها، وإنَّما أمره بتأكِيدِها ياشهادٍ
القبس
(١) فى م: ((أصحابه)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٠٨).
(٣) أخرجه أحمد ٣١٨/٣٠ (١٨٣٦٦)، والبخارى فى الأدب المفرد (٩٣)، ومسلم
(١٧/١٦٢٣)، والنسائى (٣٦٨١، ٣٦٨٢)، وابن ماجه (٢٣٧٥) من طريق داود به.
٥٢٧

الموطأ
التمهيد غيرِه عليها، وإنَّما لم يَشهَدْ عليه السلامُ عليها لتَقصِيرِه عن أُوْلَى الأشياءِ
به ، وتَركِه الأُفضَلَ. وقال الثورىُّ: لا بأسَ أن يَخُصَّ الرجلُ بعضَ ولَدِه بما
شاءَ. وقال أبو يوسفَ: لا بأسَ بذلك إذا لم يُرِدِ الإضرارَ، وينبغِى أن
يسَوِّىَ بينَهم ؛ الذكر والأنثى. وقد رُوِى عن الثورىِّ أنه كَرِه أن يُفَضِّلَ
الرجلُ بعضَ ولَدِه على بعضٍ فى العَطِيئَّةِ. وكَرِهِ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ ،
وأحمدُ بنُ حنبلٍ، أن يُفَضِّلَ بعضَ ولَدِه على بعضٍ فى العطايا. وكان
إسحاقُ يقولُ مثلَ هذا، ثم رجع إلى مثلٍ قولِ الشافعىِّ. وكلَّ هؤلاء
يقولُ : إن فعَل ذلك أحَدٌ ، نَفَذ ، ولم يُرَدَّ. واختُلِف فى ذلك عن أحمدَ بنِ
حنبل، وأصڅ شىءٍ عنه فى ذلك ما ذكره الخِرَقئُ فی ( مختصره)) عنه ،
قال: وإذا فاضَلَ بينَ وَلَدِه فى العَطِيئَّةِ، أَمِرَ بِرَدِّه، كما أُمَر النبيُّ وَلَه، فإن
مات(١) ولم يُرُدَّه، فقد ثَبَت لمن وُهِب له إذا كان ذلك فى صَِّّتِه. وقال
طاؤسٌ: لا يجوزُ لأحَدٍ أن يُفَضِّلَ بعضَ ولَدِه على بعضٍ، فإنْ فَعَلَ لم
يَنْفُذْ، وفُسِخ(٢) . وبه قال أهلُ الظاهرِ؛ منهم داودُ وغيرُه. ورُوِىَ عن
أحمدَ بنِ حنبلِ مثلُه . وحُجَّتُهم فى ذلك حديثُ مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ ،
المذكورُ فى هذا البابٍ؛ قولُه: ((فَارْجِعْه)). حمَلوه على الوجوبِ،
وأبطلوا عَطِيئَّةَ الأُبِ لبعضٍ وَلَدِهِ دونَ بعضٍ؛ لقولِه وَّهِ: ((فَارْجِعْه)).
القبس
(١) فى م: ((فات)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٣٠، ٥٣١,
٥٢٨

الموطأ
ولقولِه فى حديثٍ جابرٍ فى هذه القِصَّةِ: ((هذا لا يَصلُحُ، ولا أَشْهَدُ إلَّ التمهيد
على حَقٍّ ))(١) . قالوا: وما لم يكنْ حقًّا فهو باطِلٌ، (والباطلُ مردودٌ). وقد
قال بعضُهم فى هذا الحديثِ، عن النعمانِ: ((هذا جَوْرٌ، ولا أَشْهَدُ على
جَوْرٍ )). ونحوُ هذا ممَّا احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ(١) بنُ
جعفرِ بنِ حَمدَانَ ، قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمد بن حنبل، قال : حدّثنی
أبى، قال: حدَّثنا يَعلَى، قال: حدَّثنا أبو حيانَ(٤)، عن الشعبىِّ، عن
النعمان بنٍ بشيرِ هذا(٥) الحديثَ، قال: فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: (( يا بَشِيرُ،
ألك ابنٌ غيرُ هذا؟)). قال: نعم. قال: ((فوهَبْتَ له مثلَ الذى وهَبتَ
لهذا؟)). قال: لا. قال: ((فلا تُشهِدْنى "إذن، فإنِّى لا أشهَدُ" على
(٧)
جَوْرٍ))(٧).
القبس
:
(١) سيأتى تخريجه ص ٥٣٥ .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م: (محمد)).
(٤) فى م: ((حباب)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٣١.
(٥) فى م: ((بهذا)).
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧) أحمد ٣١٤/٣٠ (١٨٣٦٣). وأخرجه النسائى (٣٦٨٤)، وأبو عوانة (٥٦٧٨) من =
٥٢٩
(موسوعة شروح الوطا ٣٤/١٨)

.
الموطأ
التمهید
قال أحمدُ : وحدثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، حدّثنا حمَّادُ بنُ زیدٍ ، عن
حاجِبٍ بنِ المفضَّلِ (١) بنِ المُهلَّبِ، عن أبيه، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ
بشيرِ يخْطُبُ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((اغْدِلوا بينَ أبنائِكم، اعْدِلوا
بينَ أبنائِكم٢))). حمَلُوا هذا على الوُجوبِ.
وحدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بن سعيدٍ (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرّفٍ
ابنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ
إسماعيلَ الأَيلىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
طاوسٍ، قال: كان إذا سألوه عن الرجلِ يُفَضِّلُ بعضَ ولَدِه يقرأُ: ﴿أَفَشُكْمَ
اْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
قال سفيانُ: وتُبُتُ(٥) عن طاوسٍ أَنَّه قال: لا يجوزُ للرجلِ أن يُفضِّلَ
القبس
= طريق يعلى بن عبيد به، وأخرجه البخارى (٣٦٥٠)، ومسلم (١٤/١٦٢٣)، والنسائى
(٣٦٨٣) من طريق أبی حیان به.
(١) فى م: ((الفضل)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠٣/٥.
(٢ - ٢) سقط من: م.
والحديث عند أحمد ٣٧٣/٣٠ (١٨٤٢٢). وأخرجه أبو داود (٣٥٤٤)، والنسائى
(٣٦٨٩)، والبيهقى ١٧٧/٦ من طريق سليمان بن حرب به، وأخرجه عبد الله بن أحمد فى
زوائد المسند ٣٧٢/٣٠ (١٨٤٢٠) من طريق حماد بن زيد به.
(٣) فى الأصل: ((سعد)). وينظر جذوة المقتبس ص ٤١، ٤٢.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٥٠٥، ٧٦٤ - تفسير) عن سفيان به.
، (٥) فى ثم: ((نقلت)).
٥٣٠

الموطأ
التمهید
بعضَ ولَدِه ولو كان رَغِيفًا مُحتَرِقًا .
وبهذا الإسنادِ عن سفيانَ، عن مالكِ بنِ مِغوَلٍ، عن أبى معشرٍ
الکوفی، قال: قال إبراهیمُ: کانوا یُحُّون أن يُسَؤُّوا بينهم حتی فی
(١)
القُبلةِ(١) .
قال أبو عمرَ: أكثرُ الفقهاءِ على أنَّ معنى هذا الحديثِ على(٢) النَّدپ
إلى الخيرِ والبِرِّ والفَضْلِ، لا أنَّ ذلك واجِبٌ فَرِضًا ألَّ يُعطِىَ الرجلُ بعضَ
ولَدِهِ دونَ بعضٍ، على ما ذهب إليه أهلُ الظاهِرِ، والدليلُ على أنَّ ذلك
كذلك على الندبٍ لا على الإيجابِ، ممَّا احتَجَّ به الشافعىُّ وغيرُه،
إجماع العلماءِ على جوازِ عَطِيَّةِ الرجلِ مالَه لغيرِ ولَدِه، فإذا جاز أن يُخْرِجَ
جميعَ ولَدِه عن مالِه، جاز له أنْ يُخْرِجَ عن ذلك بعضَهم، وأمَّا قِصَّةُ
النعمانِ بنِ بَشيرِ هذا٢) ، فقد رُوِى فى حديثه ألفاظٌ مُخْتَلِفَةٌ ، أكثَرِها تدُلُّ
على أنَّ ذلك على الندبِ لا على الإيجابِ ؛ منها ما رَواه داودُ بنُّ أبى هندٍ،
عن الشعبىِّ، عنه، ممَّا(٤) قدَّمنا ذِكْرَه(٥) . وروايَةُ حُصينٍ، عن الشعبىِّ فى
هذا الحديثِ نحوُ ذلك .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب العيال (٣٧) من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبى شيبة
٢٢١/١١ من طريق مالك بن مغول به .
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((هذه)).
(٤) فى الأصل: ((بما)).
(٥) تقدم تخريجه ص ٥٢٧ .
٥٣١

الموطأ
التمهید
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بن أسدٍ (١) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ
الشَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ يوسفَ ، قال: حدَّثنا البخارىُّ ، قال :
حدَّثنا حامِدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن محُصينٍ، عن عامٍ ،
قال : سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ وهو على المنبرِ يقولُ: أعطانى أبى عَطِيئَةٌ ،
فقالت عَمرَةُ بنتُ رَوَاحةَ: لا أَرضَى حتى تُشهِدَ رسولَ اللهِ وَلَهِ. فَأَتَى
رسولَ اللهِ وَهِ، فقال: (إِنِّى أعطَيتُ ابنى مِن عَمْرَةَ ابنةٍ رَوَاحَةً)،
فأمَرْنى أن أُشهِدَكَ يا رسولَ اللهِ. قال: ((أعطَيتَ سائِرَ وَلَدِكَ مثلَ هذا؟)).
قال: لا. قال: ((فاتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بينَ أولادِ كم)). قال: فرجَع، فرَدَّ
(٣)
عَطِيئَّتَه(٣) .
فلم يذكُرْ فى هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِ بَّهِ أَمَره أن يَرجِعَ فى
عَطِيئَّتِهِ، وإنَّما فيه أنَّه (٤) رجَع فرَدَّ عَطِيَّتَه .
وأخبرنى عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
القبس
(١) فى م: ((راشد)). وينظر جذوة المقتبس ص ٢٥١.
(٢ - ٢) فى م: ((إن ابنى من عمرة ابنة رواحة أعطيته)).
(٣) البخارى (٢٥٨٧). وأخرجه البيهقى ١٧٦/٦ من طريق حامد بن عمر به، وأخرجه ابن
أبى شيبة ٢١٩/١١، ٢٢٠، ومسلم (١٣/١٦٢٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ٨٦/٤،
وأبو عوانة (٥٦٨٧ - ٥٦٨٩) من طريق حصين به .
(٤) سقط من: م.
٥٣٢

الموطأ
بكرِ التَّمارُ البصرىُّ بالبصرةِ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ التمهيد
حنبل، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثَنَا سَيَّارٌ، ومُغيرةٌ، وداودُ،
ومُجالدٌ ، وإسماعيلُ بنُ سالم، عن الشعبىِّ ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، قال :
نحَلَنى أبى نُحْلًا - قال إسماعيلُ بنُ سالم مِن بينِ القوم : نحَله غلامًا له -
قال: فقالت له أَمِّى عَمْرَةُ بنثُ رَوَاحةً: اْتِ رسولَ اللهِ فِ لّهِ فَأَشْهِدْه.
قال: فَأَتَى النبىَّ وَلَّهِ فذكر ذلك له، فقال: إِنِّى نَحَلتُ ابنى النعمانَ
نُحْلًا، وإنَّ عَمرةً سألتنى أن أُشْهِدَكَ على ذلك. فقال: ((ألك ولَدٌ
سِواهُ؟)). قلتُ: نعم. قال: ((فَكُلَّهم أعطَيتَه مثلَ ما أعطَيتَ النعمانَ؟)) .
قال: قلتُ: لا - قال هُشَيْمٌ: فقال بعضُ هؤلاء المحدِّثينَ: ((هذا
جَوْرٌ)). وقال بعضُهم: ((هذه تَلْجِئَةٌ(١))) - ((فأَشهِدْ على هذا غيرِى)).
و "قال المغيرَةُ) فى حديثه: ((أليس يسُرُكَ أن يكونوا فى البِرِّ واللَّطْفِ
سواءً؟)). قال: نعم. قال: ((فأشهِدْ على هذا غیری)). وذكّرٌ
مُجالِدٌ "فى حديثه١): ((إنَّ لهم عليك مِن الحقِّ أن تعدِلَ بينَهم، كما أنَّ
لك عليهم من الحقِّ أَنْ يَؤُوكَ))(٤).
القبس
(١) التلجئة: تفعلة من الإلجاء، كأنه قد ألجأك إلى أن تأتى أمرا باطنه خلاف ظاهره، وأحوجك
إلى أن تفعل فعلا تكرهه. النهاية ٤/ ٢٣٢.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((ذكر مجالد)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
(٤) أخرجه البيهقى ١٧٨/٦ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٥٤٢)، =
٥٣٣

الموطأ
التمهید
وحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا ابنُ حَمدانَ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
أحمدَ، حدَّثنا أبى، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مجالِدٍ، قال: حدَّثنا
عامرٌ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ يُحدِّثُ(١) بهذا الحديثِ. قال:
فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّ لبَنِيكَ عليك مِن الحقِّ أَن تعدِلَ بينَهم، فلا
تُشهِدْنی علی جورٍ )) (١).
فهذه الألفاظُ كلُّها مع قوله: ((أشهِدْ على هذا غيرِى)) . دليلٌ واضحٌ
على جوازِ العَطِيَّةِ . وأمّا رِوايَةُ مَن روى عن الشعبىِّ ، عن النعمانِ بنِ بشیرٍ ،
فى هذا الحديثِ : ((أكلُّ وَلَدِكَ أعطَيتَه؟)). قال: لا. قال: ((إِنِّى لا أَشهَدُ
إلَّ على حقِّ)). وكذلك روايةُ جابرٍ، عن النبيِّ بَّه فى قصَّةِ النعمانِ بنِ
بَشيرِ هذه (٣) ، فيَحتَمِلُ ألَّ يكونَ مُخالِفًا لما تقدَّم، لاخْتِمالِه أن يكونَ أراد
الحقِّ الذى لا تقصيرَ فيه عن(٤) أَعْلَى مَراتبِ الحقِّ وإن كان ما دُونَه حقًّا .
فصَحُ بهذا كلِّه مذهبُ مالكِ ، والثورىِّ، والشافعىِّ، ومَن قال بقولهم فى
القبس
= وأحمد ٣٢٧/٣٠ (١٨٣٧٨).
(١) سقط من: م.
(٢) أحمد ٣٢١/٣٠ (١٨٣٦٩). وأخرجه الطيالسى (٨٢٦)، والحميدى (٥/٩١٩)،
وأحمد ٣٦٠/٣٠ (١٨٤١٠)، والطحاوى فى شرح المشكل (٥٠٧٨)، وأبو عوانة (٥٦٩٥)
من طريق مجالد به بنحوه .
(٣) سيأتي تخريجه الصفحة التالية .
(٤) فى الأصل: ((على)).
٥٣٤

الموطأ
استِحبابِ تَوْكِ التفضيلِ بينَ الأبناءِ فى العَطِيَّةِ، وإمضائِه إذا وقَع؛ لأَنَّ التمهيد
غايةً(١) ما فى ذلك تركُ الأَفْضَلِ، كما لو أُعطَى لغيرِ رَحِمِه وتَرَكَ رَحِمَه،
كان مُقَصِّرًا عن الحقِّ، وتارِكًا للأفضَلِ، ونَفَذَ مع ذلك فِعْلُه، على أنَّ
حديثَ جابٍ يدُلَّ على أنَّ مُشاوَرَةً بَشيرٍ بنِ سعدٍ لرسولِ اللهِ بَلِّ فى هذه
القصَّةِ إِنَّما كانت قبلَ الهِبَةِ، فدَلَّه رسولُ اللهِ وَلِّ على الأُوْلَى به،
والأوگّدِ علیه، وما فيه الفضلُ له .
وحديثُ جابِرِ هذا حدَّثَنيه سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال : حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدّثنا أبو الزبير ، عن
جابرٍ، قال: قالتِ امرأةٌ بَشيرٍ: انْحَلِ ابنَكَ غُلامًا، وأشهِدْ لى رسولَ اللهِ
نَه. قال: فَأَتَّى رسولَ اللهِ وَله، فقال: إِنَّ (١) ابنَةَ فُلانٍ سألتنى أن أَنْحُلَ
ابنَها غلامًا، وقالت: أُشهِدْ لى(٢) رسولَ اللهِ وَ له. فقال: «أله إخوَةٌ؟)).
قال: نعم. قال: ((وكُلَّهم أعطَيتَه؟)). فقال: لا. فقال: ((ليس يَصلُمُ
هذا، وإِنِّى لا أَشهَدُ إلَّ على حَقٍّ))(٣).
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢٤)، وأبو عوانة (٥٦٩٦)، والبيهقى ١٧٧/٦ من طريق أحمد بن
عبد الله به، وأخرجه أحمد ٣٧٦/٢٢ (١٤٤٩٢)، وأبو داود (٣٥٤٥) من طريق زهير
به .
٥٣٥

الموطأ
التمهید
وذگر الطحاوى(١) هذا الخبرَ، ثم قال : حدیثُ جابٍ أوْلَی مِن حدیثٍ
النعمانِ بنِ بَشيرٍ؛ لأَنَّ جابرًا أحفَظُ لهذا المعنى، وأضبَطُ له؛ لأنَّ
النعمانَ كان صغيرًا. قال: وفى حديثٍ جابرٍ أَنَّ بَشِيرَ بنَ سعدٍ ذكَر
ذلك لرسولِ اللهِ وَ لَهِ قبلَ أن يَهَبَ، فأخبَرَه رسولُ اللهِ وَلَّهِ بأجمَلِ
الأُمورِ وأوْلَاها .
وأمَّا قولُهُ وَلَه فى حديثنا المذكورِ فى هذا البابِ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نحَلْتَه
مثلَ هذا؟)) . فإِنَّ العلماءَ مُجمِعونَ على استِحبابِ التَّسوِيَةِ فى العَطِيَّةِ بينَ
الأبناءِ ، إلَّا ما ذكرنا عن أهلِ الظّاهرِ مِن إيجابٍ ذلك . ومع إجماع الفقهاءِ
على ما ذكرنا مِن استِحبابِهم ، فإنَّهم اختَلَفوا فى كيفِيَّةِ التسوِيَةِ بينَ الأبناءِ
فى العَطِيَّةِ؛ فقال منهم قائلُون: إنَّ(١) التَّسويَةَ بينَهم أن يُعْطِىَ الذَّكَرَ مثلَ ما
يُغْطِى الأنثَى. وممَّن قال ذلك؛ سفيانُ الثورىُّ، وابنُ المباركِ . قال ابنُ
المبارك: ألا تَرَى الحديثَ يُروَى عن النبيِّ نَّه قال: ((سؤُوا بِينَ
أولادِ كم، فلو كنتُ مؤثِرًا أَحدًا آثَوْتُ النِّسَاءَ على الرّجالِ))(١)؟ وقال
آخرون: التَّسوِيَةُ أن يُعطِىَ للذكرِ مثلَ حَظْ الأنثيَيْنِ، قياسًا على قَسْمِ اللهِ
القبس
(١) الطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٨٧.
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه الحارث بن أبى أسامة (٤٥٣ - بغية)، والطبرانى (١١٩٩٧)، والبيهقى ١٧٧/٦
من حديث ابن عباس.
٥٣٦

الموطأ
المواريثَ بينّهم ، فإذا قَسَمَ فى الحياةِ قَسَم بحُكْم اللهِ عزَّ وجلَّ. وممَّن قال التمهيد
هذا القولَ؛ عطاءُ بنُّ أبى رباحٍ ، رَوَاه ابنُ مُجرَيْجٍ عنه (١). وهو قولُ محمدٍ
ابنِ الحسنِ ، وإليه ذهَبُ أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، ولا أحفَظُ
لمالكِ فى هذه المسألةِ قولًا .
وأمَّا قولُه: ((فارْجِئْه)). ففيه دليلٌ على أَنَّ للأبِ أن يَرجِعَ فيما وهَب
لابنه ، علی ظاهِرٍ حدیثِ ابنِ شهاب وغيره، وهذا المعنى قد اختلف فيه
الفقهاءُ؛ فذهَب مالكٌ، وأهلُ المدينةِ ، أنَّ للأُبِ أَن يَعْتَصِرَ ما وَهَبَ لابنِه .
ومعنى الاعْتِصَارِ عندَهم : الرُّجومُ فى الهِبَةِ، وليس ذلك لغيرِ الأُبِ
عندَهم، وإنَّما ذلك للأبٍ وحدَه، وللأُمِّ أيضًا إن وهَبت لابنها شيئًا وأبوه
حَىٌّ أن تَرجِعَ، فإن كان يتيمًا، لم يكنْ لها الرُّجوعُ فيما وهَبت له ؛ لأنَّ
الهِبَةَ لليتيم كالصدقةِ التى لا رُجوعَ فيها لأحدٍ. فإن وهَبت لابنها وأبوه
حٍّ ، ثم مات، وأرادت أن ترجعَ فی هیتِها تلك ، فقد اختلف أصحابُ
مالكٍ فى ذلك، والمشهورُ مِن المذهبِ أنَّها لا تَرجِعُ. وأمَّا الأَبُّ فله أن
يَرجِعَ أبدًا فى هِيَّتِهِ لانِهِ ، هذا إذا كان الولدُ الموهوبُ له لم يَستَحدِثْ دَینًا
يُدَايُه الناسُ ويأمَنونَه عليه مِن أجلِ تلك الهِبَةِ ، أو يَنكِحْ، فإذا تَداين أو
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٦٤٩٧)، وابن أبى شيبة ٢١٩/١١ من طريق ابن جريج، عن عطاء
بمعناه .
٥٣٧

الموطأ
التمهيد
نَکَح، لم يكنْ للأبِ حِينَئذٍ الرجوُ فیما وھَب له، وهذا إنَّما هو(١) فی
الهِبَةِ ، فإن كانت صَدَقَةً، لم يكنْ(٢) فيها رُجوعٌ؛ لأنَّ الصدقةَ إِنَّما يُرادُ بها
وجهُ اللهِ تعالى، فلا رُجوعَ لأحدٍ فيها ، أبًا كان أو غيرَه. وقولُ مالك فى
الهِيَةِ للثوابِ أنَّ الواهِبَ على هِبِّه إذا أراد بها الثوابَ حتى يُثابَ منها ، أبًا
كان أو غيرَه ، إلّا أن تتغيَّرَ بزيادةٍ أو نقصانٍ عندَ الموهوبِ له ، أو تَهلِكَ ،
فإن كان ذلك ، وطلَب الواهِبُ الثوابَ، فإِنَّما له قيمَتُها يومَ قبَضها. وكان
إسحاقُ بنُ راهُويَه يذهَبُ إلى هذا. وكان مالكٌ يذهَبُ إلى أنَّ قولَ
رسولِ اللهِ وَلّ فى حَديثِه فى هذا البابِ: ((فارْجِعْه)). أمْرُ إيجابٍ لا
نَدْبٍ، وكان يقولُ: إِنَّما أمره رسولُ اللهِ وَلِّ بذلك ؛ لأنّه نحلهِ مِن سائرٍ
بنيه مالَه كلَّه، ولم يكنْ له مالٌ غيرُ ذلك العَبدِ. حكَى ذلك أشهبُ عن
مالكِ ، قال أشهبُ : فقيل لمالكٍ: فإذا لم يكنْ للناحِلِ مالٌ غيرُه، أيّرتَجِعُه
بعدَ النِّحَلَةِ؟ فقال: إِنَّ ذلك ليقالُ، وقد قُضِى به عندَنا "فى المدينةِ".
وقال غيرُ مالكِ: لا يُعرَفُ ما ذكره مالكٌ مِن أنَّ بَشِيرًا لم يكنْ له مالٌ غيرُ
ذلك العبدِ. قال: وإنَّما أمَرَه رسولُ اللهِ وَهِ بِرَدِّ تلك العَطِيئَّةِ مِن أجلِ ما
يُؤَلِّدُ ذلك مِن العداوةِ بينَ البنينَ، ورُبَّما أبغَضوا أباهم على ذلك، فكَرِه
القبس
(١) فى م: (يكون)).
(٢) بعده فى م: ((له)).
(٣ - ٣) فى م: ((بالمدينة)).
٥٣٨

الموطأ
ذلك كلَّهُ(١) رسولُ اللهِ وَرَ، لا مِن جِهَةِ التحريم. قال: ولو كان ذلك التمهيد
حرامًا ما نحَل أبو بكرٍ عائشةً مِن بينٍ سائِرٍ ولدِه(٢) . وقال أبو حنيفةً،
وأصحابُه، والثورىُّ، وأكثَرُ العراقيِينَ: مَن وهَب هِبَةً لِذِى رحمٍ مَحْرَمٍ(٣)،
ولَدًا كان أو غيرَه، فلا رُجوعَ له فيها؛ لأَنَّها والصدقةَ سواءٌ إذا أراد بها صِلةً
الرحم. وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهُويَه فى مراعاةِ الرَّحِمِ المَخْرَمِ، وأَنَّه لا
يَعْتَصِرُ ولا يَرجِعُ مَن وهَب هِبَةً لذى رحِم مَحْرَمٍ، وأَنَّها كالصَّدقَةِ للهِ ، لا
يَرجِعُ فى شىءٍ منها . ومجملَةُ قولِ الكَوفيِّين أنَّهم قالوا: مَن وهَب لولدِه هِبَةً
مَقسومةً معلومةً ، فإن كان الولدُ صغيرًا، غُلامًا أو جاريةً ، فالهِبَةُ له جائزةٌ ،
وليس للوالدِ أن يرجِعَ فى ذلك، ولا يَعتَصِرَه، وإن كان الولدُ كبيرًا، لم
تَجُزِ الهِبَةُ حتى يَقبِضَها الولدُ ، فإذا قبَضها ، فهى له جائزةٌ ، وليس للوالدِ أن
يرجِعَ فيها، ولا يَعتَصِرَها. قالوا: وكذلك النُّحلُ والصدقةُ. والزَّوجانِ
عندهم فیما یھبُ بعضُهما لبعضٍ كذى الرَّحِم المحرّمِ ، لا يجوزُ لأحدِهما
أن يرجِعَ فى شىءٍ ممَّا أُعطَى صاحِبَه. ومِن حُجَّتهم فيما ذهبوا إليه مِن
ذلك ما رواه مالكٌ(٤) ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبى غطّفانَ بنِ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٠٨).
(٣) سقط من: م.
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٥١١).
٥٣٩

الموطأ
التمهيد طَرِيفٍ المُرِّىِّ، عن مروانَ بنِ الحكمِ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن
وهَب هِبَةً تَرَى أَنَّه أراد بها صلةَ الرحِم، أو على وَجهِ صدَقَةٍ ، فإنَّه لا
يرجِعُ فيها، ومَن وهَب هِبَةً يَرَى أنه أراد بها" الثوابَ ، فهو على هبِّه،
يَرجِعُ فيها إذا لم يُؤْضَ منها. وروَى الأسودُ، عن عمرَ نحوَ حديثٍ
مروانَ هذا، فيمَن وهَب لصِلَةِ رَحِم أو قَرابةٍ(١) ، وليس فى حديثِ عمرَ
ذِكرُ الزَّوجين. وقولُهم فى الهِبَةِ للثوابِ: إنَّها جائزةٌ. على نحوٍ ما قالَه
مالكٌ، إلَّا أَنَّها إن زادَت عندَ الموهوبِ له للثوابِ، أو نقَصت، أو
هلكت، لم يكنْ فيها رُجوعُ عندَهم. وهو قولُ الثورىِّ. وهِبَةُ المُشَاعِ
عندَهم غيرُ صحِيحةٍ؛ لأَنَّ الهِبَةَ لا تصِحُ إلَّ بالقَبضِ، ولا سبيلَ إلى
قَبَضِ المُشَاعِ فيما زَعَموا، ولو قُبِضَ الجميعُ لم يكنْ قَبضًا عندَهم،
وإنَّما القَبضُ عندَهم أن يُقبَضَ مفروزًا مَقسومًا. وهذا كلَّه فيما ينقَسِمُ
فلم يُقسَمْ، وما لم يكنْ قُبِض، فهى عندَهم عِدَةٌ لا تَلزَمُ الواهبَ ، وأمَّا
مالكٌ فإنَّه يُجِيزُ هِبَةَ المُشَاعِ إذا قبَضَ الموهوبُ له جميعَ الشىءِ
المُشَاعِ وبانَ به، وتَصِحُ الهِبَةُ عندَه بالقولِ، وتَتِّمُّ بالقبضِ،
وللموهوبٍ له أن يُطالِبَ الواهِبَ بها، ولورثَتِه أن يقوموا فى ذلك
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٦٨ ، ٥٦٩ .
٥٤٠