Indexed OCR Text

Pages 221-240

القضاءُ فى كِراءٍ الدابة والتّعدِّی بها
الموطأ
١٤٧٦ - قال يحيى: سَمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ
يَسْتَكرى الدَّابَّةَ إلى المكانِ المُسمَّى، ثُم يَتَعَدَّى ذلك ويَتَقَدَّمُ . قال:
فإِن رَبَّ الدابةِ يُخيَّرُ؛ فإن أحبَّ أن يأخُذَ كِراءَ دائَّته إلى المكانِ الذى
تُعدِّى بها إليه، أُعطِى ذلك، ويَقْبِضُ دابتَه وله الكِراءُ الأوَّلُ، وإن
أحبَّ ربُّ الدابةِ، فله قيمةُ دايتِهِ مِن المكانِ الذى تَعَدَّى منه
المُسْتَكْرِى، وله الكراءُ الأولُ إن كان استَكْرَى الدابةَ البَدْأَةَ ، وإن كان
اسْتگراها ذاهبًا وراجعًا ، ثُم تَعدَّی حین بلغ البلد الذی استگری إلیه ،
فإِنَّما لربِّ الدابةِ نصفُ الكراءِ الأولِ ، وذلك أن الكراءَ نصفُه فى البَدْأةِ
ونصفُه فى الرَّجْعَةِ، فَتَعَدَّى المُتعدِّى بالدابةِ، ولم يَجِبْ عليه إلا
الاستذ کار
بابُ القضاءِ فى كراءِ الدابةِ والتعدِّى بها
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ يَستكرِى الدابةً إلى المكانِ
المُسمَّى ، ثم يتعدَّى ذلك ويتقدَّمُ. قال: فإن ربَّ الدابةِ مُخَيَّ؛ فإن أُخبَّ
القبس
القضاءُ(١) فى كِراءِ الدابةِ والتعدِّى فيها
بؤَّب على كراءِ الدوابِّ والرواحلِ، ولم يَرِدْ لها فى الحديثِ أصلٌ سوى أنى
(١) فى د، م: ((القول)).
٢٢١

نصفُ الكراءِ، ولو أن الدابةَ هَلَكَت حينَ بلَغ بها البلد الذی استگرَی
الموطأ
إليه ، لم يكنْ على المُستكْرِى ضمانٌ، ولم يكنْ للمُكرِى إلا نِصفُ
الكراءِ .
الاستذكار أن يأخُذَ كراءَ دايتِه إلى المكانِ الذى تُعُدِّى بها إليه ، أُعطِى ذلك ، ويقبِضُ
دابته وله الكِراءُ الأُولُ، وإن أحبَّ ربُّ الدابةِ، فله قيمةُ دايتِه من المكانِ
الذى تعدَّى منه المُستكرِى، وله الكراءُ الأولُ إن كان استكرَى الدابةَ
البَدْأةَ، وإن كان استكراها ذاهبًا وراجعًا، ثم تعدَّى حينَ (١) بلَغ البلدَ الذى
القبس وجَدْتُ إِشارتين، إحداهما أقوى مِن الأخرى ؛ أمَّا الأولى فهو الحديثُ الصحیحُ
عن عائشةً: واستأجرا رجلًا مِن بنى الدِّيلِ يقالُ له: ابنُ الأَرْقطِ (١) . ودفَعا إليه
راحلتَيْهما، وواعَداه فى غارِ ثورٍ صُبْحَ ثلاثٍ(١) . فقد أخَذت الدابَّةُ هلهنا حظًّا مِن
الكراءِ. وأمَّا الحديثُ الثانى وهو أقوى، فحديثُ جابٍ، أنه باع النبيَّ وَه
جملًا، واشترط ظهرَه إلى المدينةِ(٤)، وهذا ظاهرٌ فى أن الاستثناءَ قد وقَع له جزءٌ
مِن الثمنِ .
فأمّا قولُه : التعدِّى فيها. فإن العدوانَ بابٌ عظيمٌ تصرَّفت فيه الشريعةُ
بالبيانٍ ، وتعلّقت به مِن الأفعالِ أحكام، قال النبيُّ وَلّر: ((إن دماءكم وأموالكم
-
(١) فى ح، هـ: ((حتى).
(٢) فى م: ((الأريقط)). وينظر غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال ١٤٤/٢.
(٣) البخارى (٣٩٠٥) مطولاً .
(٤) البخارى (٢٧١٨)، ومسلم (٧١٥) .
٢٢٢

الموطأ
استكرَى إليه، فإنما لربِّ الدابةِ نصفُ الكِراءِ الأولِ، وذلك أن الكراءَ الاستذكار
نصفُه فى البَدْأَةِ ونصفُه فى الرَّجعةِ ، فتعدَّى المُتعدِّى بالدابةِ ، ولم یچِبْ
عليه إلا نصفُ الكِراءِ، ولو أن الدابةَ هَكت حينَ بلَغ بها البلدَ الذى
استكرَى إليه، لم يكنْ على المُستكرِى ضَمَانٌ، ولم يكنْ للمُكرِى إلا
نصفُ الكِراءِ.
القبس
وأعراضكم عليكم حرامٌ»(١) الحديثَ. وإذا وقَع التعدِّى فيها، فللشرعِ على
المتعدِّى حكمان؛ أحدُهما: حكمُ زجرٍ ؛ كالضوْبِ والقتلِ . والآخرُ: حكمُ
جَبْرٍ؛ كالقيمةِ والديةِ، وفى الجَبرِ زَجْرٌ(١) ؛ لأنه بنقيضٍ لملكِ المتعدِّى، وليس
فى الزجْرِ جَهْرٌ، ولكنْ فيه حفظٌ واستيفاءٌ(٢)، عنه وقَع البيانُ بقوله عزَّ وجلَّ:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ولأجلِ ذلك شرّف اللهُ تعالى هذه
الأمةَ على سائرِ الأمم ، فإن القِصاصَ زاجرٌ فى كلِّ أمةٍ ، وخُصَّت هذه الأمةُ بالديةِ
جَبْرًا، وجعَل اللهُ عزَّ وجلَّ الولىَّ بالخيارِ بينَ أن يقتُلَ أُو يأخُذَ الديةَ، وهذا هو
الصحيحُ. ومن النُّكَتِ الغربيةِ فى هذا الحديثِ أن النبيَّ وَ ل ◌ِ لم يَذْكُرْ فيه
الفروجَ، ولكن دخَلت فى الأعراضِ، فاستوعبَ هذا الحديثُ محارمَ الشريعةِ ،
فأمّا الزَّجْرُ() فيكونُ بما تقدَّم من القتلِ والضرب، وأما الجبْرُ فیکونُ بالمثلِ ، وهو
(١) تقدم تخريجه فى ٢٥٩/١٧ .
(٢) فى د : ((جزء)):
(٣) فى د: ((استبقاء)).
(٤) فى م: ((الرجم)).
٢٢٣

الموطأ
قال: وعلى ذلك أمرُ أهل التَّعَدِّى والخِلافِ، لِما أُخَذوا الدابةً
عليه .
قال: و کذلك أيضًا من أخذ مالا قراضًا مِن صاحبه، فقال له ربُّ
المالِ: لا تَشترِ به حيوانًا ولا سِلَعًا كذا وكذا. لسلع يُسمِّيها ويَنْهاه
عنها، ويَكرَةُ أن يضَعَ مالَه فيها . فيَشتَرِى الذى أخذ المالَ الذی نُهِی
عنه، يريدُ بذلك أن يَضمَنَ المالَ ويذهَبَ بربح صاحبِهِ، فإذا صنَع
ذلك، غربُّ المالِ بالخِيارِ؛ إن أحبَّ أن يدخُلَ معه فى السلعة على ما
شرَطا بينَهما مِن الربح فعَل ، وإِن أحبَّ فله رأسُ مالِه، ضامنًا على الذى
قال: وعلى ذلك أمرُ أهلِ التَّعَدِّى والخلافِ، لِما أخذوا الدابةً
(١)
الاستذ کار
عليه
القبس على قسمين؛ مثلٌ فى الصورة ، ومثلٌ فى المالئَةِ، فأمَّا المثلُ مِن جهةِ الماليةِ فقد
عيْتَها اللهُ عزَّ وجلَّ فى القيمةِ مِن النقدَيْن، أو ما جرَى مَجْراهما بالعرفِ . وأما
المثلُ مِن طريقِ الصورةِ فيما يشاهَدُ ؛ وذلك فى المكيلِ والموزون ، أما إنه قد يشِدُّ
من ذلك شىءٌ فى التفريع، كمسألة القَزْلِ() ، فإن العلماء اختلفوا فى ذلك ؛ هل
هو مِن ذواتِ الأمثالِ، أو من ذواتِ القِيّم؟ والصحيح أنه مِن ذواتٍ القيم ، فإن
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١١ و - مخطوط).
(٢) فى «: «العزل».
(٣) أشار الناسخ فى حاشية د أنها فى نسخة: ((الأمثال)).
٢٢٤

الموطأ
أخّذ المالَ وتَعَدَّى .
قال: وكذلك أيضًا الرجلُ يُضِعُ معه الرجلُ البضاعةَ، فيأمُرُّه
صاحبُ المالي أن تشترى له سلعةً باسمها ، فيُخالِفُ فيشترى بضاعته
غير ما أمره به ويتعدَّى ذلك ، فإن صاحب البضاعةِ عليه بالخيارِ ؛ إن
أحبّ أن يأْخُذَ ما اشتُرِى بمالِه أخذه، وإن أحبّ أن يكونَ المُبضغُ معه
ضامنًا لرأس مالِه فذلك له .
ثم ذكر مسألةً فى المُقارَضِ يُخالِفُ، فَيَشْترِى غيرَ ما أمره به صاحبُ الاستذكار
المالِ؛ ليكونَ له الربحُ كلَّه، ويضمنَ رأسَ المالِ، والمُبضَع معه يخالفُ
ربَّ البضاعةِ فيما أمَره به)، ويتعدَّى ليَضمنَ البضاعةً ويأْخُذَ ربحَها، فإن
ربَّ المالِ فى الوجهينِ جميعًا مُخيٌّ بينَ أَن يَضمنُه، وبينَ أَن يُجِيزَ فعلُه
ويكونَ على شرطِه . وقد تقدَّم ذكو ذلك كله فى كتابٍ القراضِ.
ضبطَ القاعدةِ أوكّدُ مِن النظرِ فى الفروع، أو مِن مراعاةِ الرجالِ، فإن قيل: فكيف القبس
تَصْتَعون بما فی الحدیثِ الصحیح من أن النبئ بێ کان فی بیت بعض نسائِه،
فأهْدَتْ إليه إحدى أمهات المؤمنين قَصعةً فيها طعام ، فضرَبت التى هو فى بيتِها
يدَ الخادم، فوقَعت القصعةُ فانكسرتْ، فقال النبيُ اَله: ((غارَتْ أُمّكم)).
وجعَلَ يجمَعُ الطعامَ فى القصعةِ)) ويقولُ: ((كُلُوا)). فأكلوا وأخذ قصعةً التى هو
فى بيتها، وأرسلها إلى التى كُسِرت قصعتُها(٣)؟
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢ - ٢) سقط من : ج ، م.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٣٧: ٢٣٨.
٢٣٥
٢٠٠٠.
(موسوعة شرح الموطأً ١٥/١٨)

الموطأ
الاستذكار
وأما تَعَدِّى المُكترِى بالدابةِ، فإن أكثرَ أهلِ العلمِ خالَفوا مالكًا فى
ذلك، ولم يجعَلوه من بابِ العاملِ فى القِراضِ ولا المُبْضَعِ معه
يُخالِفان (١ ما أُمِرا به فى ذلك.
وأما الشافعى، فقال عنه المُزنىُّ: ولو اكتَرى دابةً من مكةً إلى
مَ (٢) فتعدَّى١) بها إلى عُشْفانَ(٢)، فعليه كراؤُها إلى مَرٍ(٤)، وکراءُ مثلها
إلى عُشْفانَ(٢)، وعليه الضمانُ. يعنى إن عَطِيت. وقال أحمدُ
قلنا: هذا الأمرُ جَرَى للنبىِّ وَال# مرتين؛ إحداهما: كانت أمُّ سلمةً أُهْدَتْ
القبس
إلى النبيِّ وَّ﴿ وهو فى بيتٍ عائشةَ. خرّجه النسائىُ(١). الثانيةُ: أن التى أَهْدَتْ
كانت زينبَ، فقالت عائشةُ للنبىِّ وَِّ: ما كفارةُ ما صنَعتُ؟ قال: ((إِناءٌ بإناءٍ،
وطعامٌ بطعامٍ)). خرّجه مسلم٢ٌ . واختلافُ المُهْدَى دليلٌ على أنها كانت
حالتين، وكانت دارُ النبيِّ وَّةِ ( وأهلُهُ) وأوانيه والكلُّ له، وإنما الكلامُ فى
المُشاحَّةِ بينَ المتنازعَين وطلبِ المثلِ على التحقيقِ عندَ الاختلاف، وذلك لا
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) مر: موضع على مرحلة من مكة. معجم البلدان ٤٩٤/٤.
(٣) فى ح، هـ: ((عسقلان)). وعسفان: موضع على مرحلتين من مكة على طريق المدينة
والجحفة . معجم البلدان ٦٧٣/٣.
(٤) فى ح، هـ: ((مراق)). وينظر الأم ٤/ ٣٢.
(٥) النسائى (٣٩٦٦).
(٦) لم نجده عند مسلم، وهو عند أبى داود (٣٥٦٧، ٣٥٦٨)، والترمذى (١٣٥٩)، وينظر
فتح البارى ١٢٥/٥.
(٧ - ٧) سقط من: ج، م .
٢٢٦

الموطأ
ابنُّ حنبلٍ: مَن اكتَرى دابةً إلى موضع فجاوَز، فعليه الأجرةُ الاستذكار
المذكورةُ، وأجرةُ المثلِ لِما جاوَز، وإن تلفت فعليه أيضًا قيمتُها .
ذكَرِه الخِرَقِىُّ(١) فى ((مختصرِه)) على مذهبٍ أحمدَ. وهذا كقولٍ
الشافعىِّ سواءً. وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، فيما ذكّر
الطحاوىُّ عنهم: مَن اكتَرى دابةً إلى مكانٍ ، فجاوَز بها إلى مكانٍ
القبس
يكونُ إلا بالمعيارِ الشرعىِّ . وقيل: إنما كان ذلك فى القصعةِ لحقارتِها ، وأن
القيمةَ فى ذلك لا تختلِفُ ، بخلافٍ الأثوابِ والدوابٌ ، فإنها لا تكادُ تتفقُ
وتكثُرُ(١) قيمتُها، أما إنه قد روَى عبدُ اللهِ بن عمرو عن النبيِّ ◌َالل أنه قال: ((فی
کلبِ الزرعِ فَرَقٌ مِن طعام، وفی کلبِ الغنمِ شاةً، وفی کلبِ الصید کذا درهمًا ،
وفى كلبِ الدارِ فَرَقٌ مِن ترابٍ، عليك أن تحمِلَه وعليه أن يأخُذَه))(٢). وهذا
الحديثُ ضعيفٌ فى السندِ فلا يُلتَفَتُ إليه، ( ضعيفٌ لا يَصِحُ منه حرفٌ، فلا
ينبغى أن يُلْتَفَتَ إليه ) .
مَرْجِعٌ: فإذا أَكْرَى دابةٌ فتعدَّى، (والفروعُْ) كثيرةٌ كما قدَّمنا، ولكن جملةٌ
الحالِ تَرْجِعُ إلى أصلٍ؛ وهو أن الشافعىَّ يقولُ: على المتعدِّى قيمةُ ما أفسَد بالغًا
ما بلَغ قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يسقُطُ حقُّ المالكِ عن العينِ المملوكةِ بالتعدِّى،
(١) فى م: ((المزنى)). وينظر مختصر الخرقى ص ٧٧.
(٢) فى د: ((تكرى)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية د.
(٣) الدارقطنى ٢٤٣/٤، والبيهقى ٨/٦.
(٤ - ٤) سقط من : ج ، م .
(٥ - ٥) فى م: ((فالفروع)).
٢٢٧

الموطأ
الاستذكار آخرَ، كان ضامنًا لها ساعةً جاوَز بها، وكان عليه الأجرةُ، ولا شىءَ
عليه فى مُجاوزتِه بها بعدَ سلامتها، وإن عَطِيت فى مجاوزتِه بها،
كان عليه ضمانُ قيمتِها ساعةً تجاوز بها١) .
:
قال أبو عمرَ : مذهبهم أنه إذا جاوَز بها كانت فى ضمانِه إن سلِمت أو
عَطِيت ، فليس عليه أجرةٌ لما هو ضامنٌ له. وهذا خلافُ ظاهرِ القرآنِ
وظاهرِ السُّنَّةِ؛ قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال رسولُ اللهِ وَله: ((لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلمٍ
إلا بطيبٍ " نفسٍ منه٢٢))(٣). والمُتعدِّى بالدابة إذا تجاوز بها الموضعَ
الذى اكتراها إليه، فقد وجب لصاحبِها عليه أجرةُ مثلها فى ذلك، فإن
القبس ولو بَقِى منها قيمةُ حّةٍ، بل يُحكَمُ بردِّها إلى مالكِها بجميع قيمتِها غيرَ تلك
الحبةِ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: إذا ذهَب المعظَمُ مِن المنفعةِ فعلى المتعدِّى
جميعُ القيمةِ ويكونُ لربِّ الدابةِ أو السلعةِ أو العبدِ ، ويكونُ ذلك كلُّه للمتعدِّى .
وكأنها معاوضةٌ قهريةً، وينشَأُ هنالك فروعٌ تتعارضُ فيها الأدلةُ ، فحكَم مالكٌ
فيها للمالكِ بالتخييرِ، وقد مَّهَّدْنا فى ((مسائلِ الخلاف)) هذا المأُخذَ، والأقوى
عندى فيها مذهبُ الشافعىِّ .
(١ - ١) سقط من: ح ، هـ.
(٢ - ٢) فى ح ، هـ: ((نفسه).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٤٠٩ .
٢٢٨

الموطأ
القضاءُ فى المُسْتكرَهةِ مِن النساءِ
١٤٧٧ - مالك، عن ابن شهابٍ ، أن عبدَ الملكِ بنّ مَرْوانَ قضَی
فى امرأةٍ أُصِيبت مُستَكْرَهةً بصَداقِها على مَن فعَل ذلك بها .
لم يُؤدِّها إليه كان قد أكّل مالَه باطلًا بغيرِ طيبٍ نفسٍ منه، ومَن لم الاستذكار
يُوجِبْ على المُكترِى المتعدِّى (١) كراءَ ما تعدَّى فيه بها، فقد أعطَاه مالَ
غيرِه بغيرِ طيبٍ نفسٍ منه، وليس اعتلالُه برأيه أنها صارت فى ضمانِه
بشىءٍ؛ لأن الله تعالى لم يجعَلِ الدابةَ إذا سَلِمت فى ضمانِ المُتعدِّى
بها، ولا رسولُه، ولا اتفَق الجميعُ عليه، بل الجمهورُ يقولون: إذا
سلِمت فلا ضمانَ على المُكترِى فيها، وإنما عليه كراءُ المسافةِ التى
تَعدَّى إِليها(٢) . وقد تناقَض أبو حنيفةً، فقال فيمَن تَعدَّى فى بضاعةٍ
أَبضِعت معه، فتجَر فيها، أنه ليس له الربح، وعليه أن يتصدَّقَ به،
و كذلك الغاصب. وسنذكرُ هذه المسألةَ فى موضعها من هذا الكتاب
إن شاء الله.
بابُ القضاءِ فى الْمُسْتكرَھةِ مِن النساءِ
مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، أن عبدَ الملكِ بنَ مروانَ قضَى فى امرأةٍ
تتميمٌ : قال علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم: إذا غصَب الفرجُ وجَبت عليه قيمتُه؛ القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) فى الأصل، م: ((عليها)).
٢٢٩

2
قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ يَغتصِبُ
الموطأ
المرأةَ؛ بِكْرًا كانت أو ثًَّا ، أنها إن كانت محُرّةً فعليه صَداقُ مِثلِها،
وإن كانت أَمَةً فعليه ما نقَص مِن ثمنِها، والعقوبةُ فى ذلك على
المُغتَصِبِ، ولا عقوبةَ على المُغتصَبَةِ فى ذلك كلّه، وإن كان
المُغتَصِبُ عبدًا فذلك على سيدِه ، إلا أن يشاءَ أن يُسلِمَه .
الاستذكار أُصيبت مُستكرَهةً بصداقِها على مَن فعَل ذلك بها .
قال مالك: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ يغتصِبُ المرأةَ ؛ بِكْرًا أو تَيِّبًا ، أنها إن
كانت حرةً فعليه صداقُ مِثْلِها ، وإن كانت أَمَةً فعليه ما نقَص من ثمنِها ،
والعقوبةُ فى ذلك على المُغتصِبِ، ولا عقوبةَ فى ذلك على المُغتصَبةِ ،
وإن كان المُغتصِبُ عبدًا فذلك على سيدِه، إلا أن يشاءَ أن يُسلِمَهُ(١) .
قال أبو عمرَ: قولُه: والعقوبةُ فى ذلك على المُغتصِبِ. قد روَاه
القَعْنَبِىُّ كما روَاه يحيى، ولم يَرْوِه ابنُ بكيرٍ ١ ، ولا ابنُ القاسم، ولا
القبس لأن ما ضُمِن بالمسمَّى (١) فى الصحيح مِن العقودِ وبالمثلِ فى الفاسدِ، ضُمِن
بالإتلافِ ، أصلُه الأعيانُ. ولا تستمِرُّ لنا هذه المسألةُ مع أبى حنيفةً وأهلِ الكوفةِ
إلا بعدَ القولِ بأن منافعَ الرقابِ مضمونةٌ بالإتلافِ ، وفيها خمسةُ أقوالٍ ؛ الصحيحُ
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٠٩، ٢٩١٠) بدون قوله: ((والعقوبة فى ذلك على
المغتصب)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١١ظ - مخطوط).
(٣) فى م: ((بالثمن)).
٢٣٠

الموطأ
مُطَرِّفٌ. ورَوَوا كلُّهم : ولا عُقُوبَةَ فى ذلك على المُغتصَبةِ. إلا القَعْنَبيَّ فلم الاستذكار
يروه .
وقد أجمع العلماءُ أن على المُسْتكرِهِ المغتصِبِ الحدَّ إن شَهِدت
البيّنةُ عليه بما يُوجِبُ الحدَّ أو أقرَّ بذلك، فإن لم يكنْ فعليه العقوبةُ ،
ولا عقوبةَ عليها إذا صحَّ أنه استكرَهها ( وغلَبها) على نفسِها،
وذلك يُعلَمُ بصُرَاخِها واستغاثتِها وصياحِها، وإن كانت بكرًا فبما
يظهَرُ مِن دمِها، ونحو ذلك مما يُفصِحُ(١) به أمرُها، فإن لم يكنْ
أن المنافعَ مالٌ وأنها مضمونةٌ، سواءٌ تَلِفت تحتَ اليدِ العاديةِ، أو أَتْلَفها القبس
المتعدِّى، قال أبو حنيفةً: منافعُ البُضْعِ لا تتقوَّمُ، وليس المهرُ فى النكاحِ
ثمنًا(٢) لها. قلنا: لو كان هذا صحيحًا لما ضُمِنت بالمثْلِ فى الفاسدِ. فإن
قيل: ذلك لشبهةِ العقدِ. قلنا: إذا ضُمِنت بالاستيفاءِ بالشبهةِ فأولى وأحرَى
أن تُضْمَنَ بالإتلافِ فى اليقينِ). وقد بيَّها فى ((مسائل الخلاف»، فإنها
مِن المطوّلاتِ (٥)، وهذه المسألةُ لا تُتصوَّرُ إلا بأحدٍ ثلاثةِ وجوهٍ؛ الوجهُ
الأوَّلُ: أن يثبتَ الزّنى غصبًا فيُرجَمَ ( ويَغْرَمَ)، أو يُجلَدَ ويَغْرَمَ. الثانى: أن
يثبتَ ذلك بالإقرارِ. وهذان متَّفَقٌ عليهما من العلماءِ. الثالثُ: انفرد به
(١ - ١) فى الأصل: ((وقبلها)).
(٢) فى ح، هـ، ط: (يصح)).
(٣) فى د، ج، م: ((بمثل))، والمثبت كما فى نسخة على حاشية د.
(٤) فى م: ((التعيين)).
(٥) فى د، ج: ((الطبوليات)).
(٦ - ٦) ليس فى : د .
٢٣١

الموطأ
الاستذكار شىءٌ من ذلك وظهَر بها حَمْلٌ، وقالت: استكرهتُ. فقد اختلف
العلماءُ فى ذلك، ونذكُرُه عندَ قولِ عمرَ بنِ الخطابِ: أو كان
الحَفْلُ أو الاعترافُ. فى كتابِ الرَّجْم، إن شاء اللهُ تعالى (١). ولا
نعلَمُ خلافًا بينَ العلماءِ أن المُستكرَهَةَ لا حدَّ عليها إذا صَحَّ
استکراهُها بما ذكّرنا وشِئْهِه .
حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنی قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال: حدثنى
محمدُ بنُّ وَضَّاح، قال: حدَّثنى أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنى مُعَمَّرُ
ابنُّ سليمانَ الرَّقْىُّ(١) ، عن حجّاج، عن عبدِ الجبارِ بنِ وائلٍ، عن أبيه،
القبس مالكٌ؛ وهو أن يشهَدّ شاهدان أنه احتمَلها قشرًا حتى أدخلها فى دارِه، ثم
خرَجت فقالت: وَطِئنى. قال العلماءُ: يُؤَدَّبُ(٢) أدبًا عظيمًا، وتُحَدُّ هی حَدَّ
القذفِ، وتُحَدُّ فى نفسِها حدَّ الزِّنى كيفما كانت صفتُها. وقال مالك:
تُصَدَّقُ مع يمينِها ويَغْرَمُ المهرَ. وهذا مَبنىٌّ على قاعدةِ المصلحةِ، فإنه
لا يصِحُ أن تُدخَلَ( الدارَ قسرًا ثم يظهَرَ بها حملٌ فتُوْجَمَ أبدًا، فلابدَّ أن
تقولَ : إنه مِن فلانٍ. وقد ظهَر مِن الحالِ ما يشهَدُ لها، وقد أوجب ذلك
على نفسِه تصديقَها فيما يكونُ مِن حقوقِها، ومن حقوقِها المهرُ، وليس
(١) سيأتى فى شرح الأثر (١٥٩٦) من الموطأ .
(٢) فى ح، هـ: ((المرى))، وفى م: ((الزينى))، وفى ابن أبى شيبة: ((الزرقى)). وينظر تهذيب
الكمال ٣٢٦/٢٨.
(٣) فى م: (( تؤدب)).
(٤) فى م: ((يدخل)).
٢٣٢

الموطأ
قال: استُكرِهت امرأةٌ على عهد النبيِّ وَلَِّ، قدرًاً عنها الحدّ(١)
الاستذكار
وعن أبى بكرٍ، وعمرَ، والخلفاءِ، وفقهاءِ الحجازِ والعراقِ ، مثلُ
ذلك().
واختلف الفقهاءُ فى وُجوبٍ الصداقٍ على المُغتصِبِ ؛ فقال مالكٌ ،
والليثُ ، والشافعىُّ: عليه الصداقُ والحدُّ جميعًا. وقال أبو حنيفةً، وأبو
يوسفَ، ومحمدٌ، وسفيانُ الثورىُّ: عليه الحدُّ ولا مهرَ عليه. وهو قولُ
ابنِ شُجُومَةَ ، لا يجتمعُ عندَهم صداقٌ وعَدٌّ .
قال أبو عمر: هذا على مذهبهم (٢) فى السارقِ ، أنه إذا قُطع لم يجِبْ
القبس
تُكُولُ(٤) المدَّعِى بأضعفَ مِن احتمالِ المرأةِ قشرًا إلى الدارِ، فإن لم تَقُمْ على
ذلك بئّةٌ، فقد زاد مالك وأصحابُه : إذا جاءت به متعلّقةً وهو رجلٌ صالحٌ وهى لا
تَلْمَى، عليها الحدُّ، فإن كانت تَدْمَى وهو رجلٌ صالحٌ، لا حدَّ عليها فى
الصحيح عندى، فإن كان مُنَّهمَا وهى تَدْمى أو لا تَدْمَى، ففى ذلك تفصيلٌ
كثيرٌ؛ أصحّه أنها إن كانت تَدْمَى فعليه الصَّدّاقُ والعقوبةُ ، وإن كانت لا تَدْمَی
فليس يَنْبغِى أن يكونَ عليه الصداقُ (٥) ، إلا على الحالةِ الأولى.
(١) ابن أبى شيبة ٥٤٩/٩ - ومن طريقه الطبرانى ٢٩/٢٢ (٦٤)، والبيهقى ٢٣٥/٨.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٥٤٩/٩، ٥٥٠، وسنن البيهقى ٢٣٥/٨، ٢٣٦.
(٣) فى الأصل، ط، م: «مذاهبهم).
(٤) فى م: ((يكون)).
(٥) بعده فى م: ((والعقوبة)).
٢٣٣

الموطأ
الاستذكار عليه غُرْمٌ. ومسألةُ السارقٍ مُختلَفٌ فيها أيضًا. والصحيحُ فى المسألتين
وُجُوبُ الصداقِ ووجوبُ الغُرْم؛ لأن حدَّ اللهِ تعالى لا يسقُطُ به حقُّ
الآدمىٌّ ، وهما حَقَّان واجِبان أوجَبهما اللهُ تعالى ورسولُه، فلا يَضُؤْ
اجتماعُهما .
ذکر عبد الرزاق (١) ، عن ابن جريج، قال : اخترنی ابنُ شهاب فی پِکرِ
افْتُضَّتِ بصداقٍ نسائِها، قال: قضَى بذلك عبدُ الملكِ.
:
قال(٢): وأخبرنا ابنُ مجريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: البكرُ تُستكرَهُ؟
قال : لها مثلُ صداقٍ نسائِها . قال: وآيةُ ذلك أن تصيحَ أو يُوجدَ بها
أثرٌ.
قال(٣): أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ قال: مَن استكرَه امرأةً بكرًا
فلها صداقُها، وعليه الحدُّ، ولا حدَّ عليها. قال معمرٌ: وقال قتادةُ
مثلَ ذلك. قال : وآيةُ البكرِ تُستكرّهُ أن تصيحَ. قالا: والثَّيِّبُ فى ذلك
مثلُ البکرِ .
وذكر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(٤)، قال: حدَّثنى هشيمٌ، عن أبى
القبس
(١) عبد الرزاق (١٣٦٥٩).
(٢) عبد الرزاق (١٣٦٥٥).
(٣) عبد الرزاق (١٣٦٥٦).
(٤) ابن أبى شيبة ٩/ ٥٥١.
٢٣٤

الموطأ
القضاءُ فى استهلاكِ الحيوانِ والطعامِ وغيرِه
١٤٧٨ - قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ عندَنا فيمَن
استَهْلَك شيئًا مِن الحيوانِ بغيرِ إذنِ صاحبِهِ، أن عليه قيمتَه يومَ
اسْتَهْلَكه، ليس عليه أن يُؤْخذَ بمثلِه مِن الحيوانِ ، ولا يكونُ له أن
يُعطِىَ صاحبَه - فيما استَهْلَك - شيئًا مِن الحيوانِ ، ولكنْ عليه
مُحُرّةَ، عن الحسنِ، قال: استكرَه عبدٌ امرأةً فوطِئها، فاختصَما إلى الاستذكار
الحسنِ وهو قاضٍ يومَئذٍ، فضرَبه الحدَّ، وقضَى بالعبدِ للمرأةِ .
قال أبو عمرَ: أُسلَمه سيدُه بجنابِهِ (١) . واللهُ أعلمُ. وقد تقدَّم القولُ بما
قاله أبو حنيفةً وطائفةٌ مِن علماءِ الكوفةِ .
ذكَر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنى شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ، عن شعبةً
قال: سألتُ الحكمَ وحَمَّادًا عن مملوكٍ افترَعُ(٣) جاريةً، فقالا: عليه
الحدُّ، وليس عليه الصداقُ .
بابُ القضاءِ فى استهلاكِ الحيوانِ
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فيمن استهلَك شيئًا مِن الحيوانِ بغيرِ إذنٍ
القبس
(١) فى هـ: ((بخيانته)).
(٢) ابن أبى شيبة ٩/ ٥٥١.
(٣) فى م: ((انتزع)). وافترع البكر: افتضها. اللسان ( ف رع).
٢٣٥

الموطأ قيمتُه يومَ استَهْلَكه، القيمةُ أَعْدَلُ ذلك فيما بينَهما فى الحيوانِ
والعُرُوضِ .
قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقولُ فيمَن استَهْلَك شيئًا مِن الطعامِ
بغیر إِذن صاحبه : فإِنَّما يُدُّ على صاحبِه مِثلَ طعامِه بمَکِیلَتِه من صِنفِه ،
وإنَّما الطعامُ بمنزلةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ إنَّما يُرَدُّ مِن الذهبِ الذهبُ ،
ومن الفِضَّةِ الفضةُ ، وليس الحيوانُ بمنزلةِ الذهبِ فى ذلك ، فرَق بينَ
ذلك السُنَّةُ والعملُ المعمولُ به.
الاستذكار صاحبِه، أن عليه قيمتَه يومَ(١) استهلكه، ليس عليه أن يؤخذَ بمثلِه مِن
الحيوان ، ولا يكونُ له أن يُعطِىَ صاحبه - فيما استهلَك - شيئًا مِن
الحیوان، ولکن علیه قیمتُه يوم استهلكه ، القيمةُ أعدل(٢) ذلك فيما بينهما
فى الحيوان والتُژوضِ.
قال مالكٌ فيمن استهلَك شيئًا مِن الطعامِ ("بغيرِ إذنٍ) صاحبِه : فإنما
يَردُّ على صاحبِهِ مثلَ طعامِه بمَكِيلتِه مِن صنفِه ، وإنما الطعامُ بمنزلةِ الذهبِ
والفضةِ، وليس الحيوانُ بمنزلةِ الذهبِ، فَرَق بينَ ذلك السُنَّةُ والعملُ
القبس
(١) فى الأصل: ((أو م)).
(٢) بعده فى ح، هـ: (من).
(٣ - ٣) فى، ح، هـ، ط: ((يإذن)).
٢٣٦

الموطأ
المعمولُ به(١).
الاستذكار
قال أبو عمرَ: أجمَع العلماءُ، لا خلافَ بينَهم فيما علِمتُ ، أن مَن
استهلَك ذهبًا أو وَرِقًا أو طعامًا، مكيلاً أو موزونًا، أن عليه مِثلَ ما استهلَك
مِن صنفِه بوزنِه وكّيلِه ، على ظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِّ﴾ [النحل: ١٢٦].
واختلفوا فيمَن استهلَك شيئًا مِن الحيوانِ ؛ فقال منهم قائلون : لا
يُقضى بالقيمةِ فى شىءٍ مِن الأشياءِ إلا عندَ عدمِ المِثْلِ .
وممن قال بذلك ؛ الشافعى، وأبو حنيفةً، وداودُ، وأصحابُهم.
وحُّتُهم قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ﴾ الآية.
ومِن الأثَرِ ما حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ بکرٍ ،
قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنی
خالدٌ ، قال(٢) أبو داود: وحدّثنی مُسدّدً ، قال : حدّثنی یحیی، جميعًا عن
محُميدٍ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ كان عندَ بعضِ نسائِه، فأرسلَت
إحدَى أمهاتِ المؤمنين مع جاريةٍ بقَصْعةٍ فيها طعام، قال: فضرَبت
صَلَىاللّه
بيدِها ، فكسرت القَصْعةَ. قال ابنُ المُثَنَّى فى حديثه: فأخذ النبيُّ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٩/١١و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٣٠١٠ - ٣٠١٢).
(٢) بعده فى الأصل: ((حدثنى).
٢٣٧

الموطأ
الاستذكار الكِشْرتَيْن، قضمَّ إحداهما إلى الأخرى، وجعَل فيها جميعَ الطعامِ
ويقولُ: ((غارَتْ أمُّكم، كُلُوا)). فأكّلوا حتى جاءت قصعتُها التى فى
بيتها. ثم رجَع إلى حديثٍ مُسَدَّدٍ، وقال: ((كُلُوا)). وحبَس الرسولَ
والقصعةً حتى فرغوا، فدفَع القصعةَ الصحيحةَ إلى الرسولِ، وحبس
المكسورةَ فى بيته(١) .
قال أبو داودَ(٢): وحدَّثنى مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنى يحيى، عن سفيانَ
الثورىٌّ، قال: حدَّثنَى فُلَيَتْ(٢) العامرىُّ، قال أبو داودَ: وهو أفلتُ بنُّ
خليفةً، عن (جَسْرةَ بنتِ دِجاجةً) ، قالت: قالت عائشةُ : ما رأيتُ صانعًا
مثلَ صفيةً، صنَعت لرسولِ اللهِ وَ لَهِ طعامًا فبعَثت به، فأخذنى أَفْكَلٌ (٥)
فكسرتُ الإِناءَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما كفارةُ ما صنَعتُ؟ قال: ((إِناءٌ
مثلُ إناءٍ، وطعامٌ مثلُ طعامٍ)) .
واحتجّ بهذا كلَّ مَن قال بالمِثْلِ فى العُرُوضِ وغيرِها؛ لأنه ضمِن
القَصْعةَ بقصعةٍ مثلها، كما ضمِن الطعامَ بطعامٍ مثلِه .
القبس
(١) أبو داود (٣٥٦٧). وأخرجه البخارى (٢٤٨١) عن مسدد به، وأخرجه ابن ماجه (٢٣٣٤)،
والنسائى (٣٩٦٥) عن محمد بن المثنى به. وسيأتى فى شرح الحديث (١٥٣٩) من الموطأ .
(٢) أبو داود (٣٥٦٨).
(٣) غير منقوطة فى: ح، وفى هـ: ((قليب))، وسيأتى على الصواب فى شرح الحديث (١٥٣٩) من الموطأ.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((حصرة بنت جرادة))، وفى ح: ((حسره بنت حاجة))، وفى هـ: ((حصرة بنت
حاجة» .
(٥) الأفكل: رعدة وهى تكون من البرد أو الخوف، والمراد من شدة الغيرة . النهاية ٣ /٤٦٦.
٢٣٨

الموطأ
قال یحیی : وسمعتُ مالگا يقول : إذا استُودِع الرجلُ مالًا فابتاع
وقال مالكٌ ومَن تابَعه: لا يُقْضَى فى العُروضِ مِن الحيوانِ وغيرِه إلا الاستذكار
بالقيمةِ. ومحُبَّتُهم (١حديثُ(٢) ابنِ عمرَ و١) حديثُ أبى هريرةَ، عن النبىَّ
وَلِّ، أنه قضَى فيمَنِ أَعتَقِ شِرْكًا له فى عبدٍ بقيمةٍ() حصة شريکِه دونَ
حصته مِن عبدٍ مِثْلِه(٤) .
قال أبو عمرَ : المِثْلُ لا يُوصِلُ إليه إلا بالاجتهادِ ، °كما أن القيمةَ
تُدرَكُ بالاجتهادِ ) ، وقيمةُ العدلِ فى الحقيقةِ مِثْلٌ. وقد قال العراقيون فى
قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]: إن
القيمةَ مِثْلٌ فى هذا الموضع . فتناقَضوا، والحديثُ فى القضاءِ بالقيمةِ فى
الشِّقْصِ مِن العبدِ أصحُ مِن حديثِ القَصْعةِ ، فهو أولى أن يُمثلَ ويُعملَ به .
واللهُ أعلمُ .
قال مالكٌ: إذا استُودِع الرجلُ مالًا فابتاع به لنفسِه وربح فيه، فإن
القبس
(١ - ١) سقط من: ح ، هـ، م.
(٢) فى الأصل: ((حجة)).
(٣) فى ح، هـ: ((القيمة).
(٤) حديث ابن عمر سيأتى فى الموطأ (١٥٣٩)، وحديث أبى هريرة أخرجه أحمد ٤٣٦/١٢
(٧٤٦٨)، والبخارى (٢٤٩٢، ٢٥٢٧)، ومسلم (١٥٠٣)، وأبو داود (٣٩٣٨، ٣٩٣٩)،
وابن ماجه (٢٥٢٧)، والترمذى (١٣٤٨)، والنسائى فى الكبرى (٤٩٦٢، ٤٩٦٣).
(٥ - ٥) سقط من: ح ، هـ.
٢٣٩

الموطأ به لنفسِه وربح فيه، فإن ذلك الربح له؛ لأنه ضامنٌ للمالِ حتى يُؤَدُِّه
إلى صاحبه .
الاستذكار ذلك الربح له؛ لأنه ضامِنَّ للمالِ حتى يؤدِّيَه إلى صاحبِه .
قال أبو عمر: اختلف العلماءُ فى هذه المسألة؛ فكان ربيعةُ بُ أبی
عبد الرحمنِ، ومالكُ بنُ أنسٍ ، والليثُ بنُ سعدٍ ، وأبو يوسفَ القاضى ،
يقولون : إذا رَدَّ المالَ طاب له الربح، غاصبًا كان للمالِ أُو مُستودَعًا عندَه
مُتعدِّيًا (١) فيه. وكان أبو حنيفةً، وزُفَرُ، ومحمدُ بنُّ الحسنِ ، يقولون :
يُؤدِّى المالَ، ويتصدَّقُ بالربح كلِّه، ولا يطيبُ له شىءٌ منه. وقال
الأوزاعى: الذى هو أسلمُ له أن يتصدَّقَ بالربح . وقال ابنُ خُوازٍبَندادَ : مَن
اشتری بدراهم مغصوبةٍ فربح، کان الربح له، وُستحبُّ له فیما بینَه وبینَ
الله تعالی أن یتنزّة عنه ویتصدّق به . وقال الشافعىُ : إن كان اشتری بالمالِ
بعينه، فالسلعةُ والربحُ لربِّ المالِ المغصوبٍ(٢).
وحكى الربيعُ عن الشافعىِّ قال : إذا اشترى الغاصبُ السلعةً بمالٍ بغيرِ
عينِه، ثم نفِد المالُ المغصوبُ أو مالُ الوديعةِ بغيرِ إذنِ ربِّها ، فالربح له،
وهو ضامنٌ لِما استهلَك خاصةً مِن مالٍ غيرِه، وإن اشتراه بالمالِ بعينه ،
القبس
(١) فى م: «مستعديا)).
(٢) ليس فى : الأصل ، ح ، هـ ، م .
٢٤٠