Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَؤْسُوْعَة"
شروع الموظّة
لِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
لأِ عَ بُوسُفَ بْ عْد ◌ِل ◌ْع ◌َّ النّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لأبى بكر محمَّدِينٍ عَبْد الّه ابْنِ العَربيّ المالكىّ
المتوفى سنة ٥٤٣هـ
ټحقيں
الدكتور/ عَبْد اللَّه بن عبد المُحْسن التركيّ
بالتّاون مع
مركز مجر البحوث والدراسية العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء الثامن عشر

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة : ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م

مَؤْسُوْعَة"
شُرِقٌ المُودَا

-

الموطأ
كتابُ الأقضِيَةِ
الترغيبُ فى القَضاءِ بالحقِّ
١٤٥٥ - وحدَّثنى يحيى ، عن مالك، عن هشام بنِ ◌ُروةَ ، عن
أبيه، عن زينبَ بنتِ أَبِى سلمةً، عن أمّ سلمةً زوج النبيِّ وَلَّهِ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((إِنَّما أنا بشرٌّ، وإنَّكم تختصِمون إلىّ، فلعلّ
بعضَكم أن يكونَ ألحَنَ بحُبّتِه من بعضٍ، فَأَقْضِىَ له على نحوٍ ما
أسمَعُ منه ، فمَن قضَيتُ له بشىءٍ مِن حقٌّ أخيه فلا يأخُذْ منه شيئًا ،
فإِنَّمَا أقطَعُ له قِطعةٌ مِن النارِ)) .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبى سلمةً ، عن التمهيد
أمّ سلمةً، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إنما أنا بشرٌ، وإنكم تَخْتَصِمون إلىّ،
فلعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألحنَ بحُجّتِه من بعضٍ، فأقضِىَ له على نحوٍ ما
أسْمَعُ منه، فمَن قضَيتُ له بشىءٍ من حقٌّ أخيه فلا يأخُذْه ، فإِنَّمَا أقطَعُ له
کتابُ الأقضیةِ
القبس
حديثُ أمّ سلمةً زوج النبيِّ وَّر قال: ((إنما أنا بشرّ وإنكم
تختصِمون إلىٍّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألحنَ بحجته مِن بعضٍ فَأَقْضِىّ
له على نحوٍ ما أسمَعُ، فمَن قضَيتُ له بشىءٍ من حقٌّ أخيه فلا يأخُذْه،

الموطأ
التمهيد قطعةً من النارٍ))(١).
هذا حديثٌ لم يُختَلَفْ عن مالكِ فى إسنادِه فيما علِمتُ ، ورواه كما
رواه مالكٌ سواءً عن هشام بإسنادِه هذا، جماعةٌ مِن الأئمةِ الحفاظِ ؛ منهم
الثورىُّ(٢)، وابنُ عُيينةَ(٢)، والقطَّانُ(٤)، وغيرهم. وقد رواه معمرٌ، عن
الزهرىِّ، عن عروةَ، عن زينبَ بنتِ أبى سلمةً، عن أمّ سلمةً، عن
القبس فإِنما أقطَعُ له قطعةٌ مِن النارِ)).
مقدمةٌ : القضاءُ بينَ الناسِ أصلُ الشريعةِ ، ومدارُ الأحكامِ، وخِلافُ اللهِ فی
الخلقِ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ
بِالْحَقِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال اللهُ عزَّ وجلَّ لرسولِه محمدٍ وَهِ: ﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ
أَنَزَّلَ اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَّا أَرَكَ اَللَّهُ﴾
[النساء: ١٠٥]. وروَى النسائىُ، وأبو داودَ، والترمذىُّ حديثًا اتفقوا على معناه وإن
اختلفوا فى لفظِهِ، المعنى: ((القضاةُ ثلاثةٌ ؛ اثنان فى النارِ، وواحدٌ فى الجنةِ ؛
+
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٧٧).
وأخرجه الشافعى ١٩٩/٦، ١١/٧، ٤٠، والبخارى (٢٦٨٠، ٧١٦٩)، وأبو عوانة
(٦٣٧٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ١٥٤، وابن حبان (٥٠٧٠)، والبيهقى ١٤٣/١٠،
١٤٩ من طريق مالك به .
(٢) أخرجه البخارى (٦٩٦٧)، وأبو داود (٣٥٨٣) من طريق الثورى به .
(٣) أخرجه الحميدى (٢٩٦) عن ابن عيينة به .
(٤) أخرجه أحمد ٤٤٥/٤٢، ٤٤٦ (٢٥٦٧٠)، والنسائى (٥٤١٦)، وأبو يعلى (٦٩٩٤)
من طريق القطان به .
٦

الموطأ
النبيِّ وَّرَ بمثلِ حديث هشام سواء). وقد روَى هذا المعنى عن التمهيد
النبيِّ وَ لّ أبو هريرةَ كما روَته أمّ سلمةَ(٢) .
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ أن البشرَ لا يعلمون ما غُيِّب عنهم وسُتِر ،
مِن الضمائرِ وغيرِها؛ لأنه قال ◌َ لَّه فى هذا الحديثِ: ((إنما أنا بَشَرٌ)).
أی: إنی مِن البشر ، ولا أدری باطن ما تتحاكمون فيه عندی وتختصِمون
فيه إلىَّ، وإنما أقضِى بينَكم على ظاهرٍ ما تقولون وتُدْلون به مِن الحِجَاج .
فإذا كان الأنبياءُ لا يعلمون ذلك، فغيرُ جائزٍ أن يصِحَّ دَغْوى ذلك لأحدٍ
رجلٌ عرَف الحقَّ فقضَى بغيرِه، ورجلٌ لا يَدْرِى بما يحكُمُ، فهذان فى النارِ ، القبس
ورجلٌ عرّف الحقَّ فقضَى به، فذلك فى الجنةِ)) (١). وثبت عن النبيِّ وَ ل أنه قال
لمعاذٍ حينَ أرسلَه إلى اليمنِ: ((بمَ تقضِى؟)). قال: بكتابِ اللهِ. قال: ((فإن لم
تَجِدْ؟)). قال: فبسُنَّةِ رسولِ اللهِ فِلَّ. قال: ((فإن لم تَجِدْ؟)). قال: أجتهِدُ
رأيي ولا آلو. قال: ((الحمدُ للهِ الذى وفَّق رسولَ رسولِه لما يُرْضِى رسولَ اللهِ))(*).
وأرسل رسولُ اللهِ وَلِ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمنِ فقال لهما فى ((الصحيحِ)):
(١) أخرجه أحمد ٢٤٠/٤٤، ٢٤١ (٢٦٦٢٦)، ومسلم (٦/١٧١٣)، والنسائى فى الكبرى
(٥٩٨٤) من طريق معمر به .
(٢) أخرجه أحمد ١٢٢/١٤، ١٢٣ (٨٣٩٤)، وابن ماجه (٢٣١٨)، وأبو يعلى (٥٩٢٠)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ١٥٤.
(٣) أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذى (١٣٢٢)، والنسائى فى الكبرى (٥٩٢٢).
(٤) أحمد ٣٣٣/٣٦ (٢٢٠٠٧)، وأبو داود (٣٥٩٣)، والترمذى (١٣٢٨).
٧

الموطأ
التمهيد غيرهم مِن كاهنٍ أو مُنجِّم ، وإنما يعلَمُ الأنبياءُ مِن الغيبِ ما أعلِموا به بوجهٍ
من وجوهِ الوحي .
وفيه أن بعضَ الناسِ أدرى بموقعِ الحُبَّةِ وتصرّف القولِ مِن بعضٍ.
قال أبو عبيدٍ (١): معنى قوله: ((ألحنَ بحُبَّتِه)). يعنى: أفطنّ لها وأجدَلَ(٢)
بها . قال أبو عبيدٍ: اللَّحَنُ بفتح الحاءِ، الفِطْنَةُ، واللَّخْنُ بالجزم ، الخطأُ
فى القول .
القبس ((يسَّرا ولا تُعسّرا، وبشِّرا ولا تنفّرا، وتَطَاوَعا ولا تَخْتلِفا))(١). وثبَت أَنّه ◌َلَّهِقال
فى حديثِ الْعَسيفِ: ((واغْدُ يا أَنيُ على امرأةٍ هذا، فإن اعترفتْ ()
فارجنها))(). وثبت عنه وَلي أنه قال: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانٍ ،
فإِن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ))(١). وفى رواية: ((فإن أَصاب فله عشَرةُ أجورٍ))(١) .
رُوِّيناه مِن طرقٍ كثيرةٍ ، والأوَّلُ أكثرٌ.
مَرْجِعُ: قولُهُ وَالَ: ((إنما أنا بشرٌ)). اعلّموا نوَّر اللهُ أَفدتكم أن النبيِ وَل
بشَرَ مثلُكم كما بلَّغ عن ربِّه عزَّ وجلَّ فى نفسِه، فقال: ﴿إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلَكُمْ بُوحَى
(١) غريب الحديث لأبى عبيد ٢٣٢/٢، ٢٣٣.
(٢) فى م: ((أجدى)).
(٣) البخارى (٤٣٤٤)، ومسلم (١٧٣٣)، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٦٣٧) من
الموطأ .
(٤) فى د: ((زنت)). والمثبت من النسختين ونسخة على حاشية د.
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٤).
(٦) البخارى (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاصى.
(٧) أحمد ٣٦٧/١١ (٦٧٥٥) .
٨

الموطأ
وفيه أن القاضى إنما يقضِى على الخصم بما يسمع منه من إقرارٍ ، أو التمهيد
إنکارٍ ، أو بینات، على حسب ما أحکمته الشّنةُ فى ذلك، وفى ذلك ردِّ
وإبطالٌ للحكم بالهوى، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةُ
في اَلْأَرْضِ فَخْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِذْحِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى﴾ الآية [ص: ٢٦].
وقد احتجّ بعضُ أصحابِنا بهذا الحديث فى ردِّ حكم القاضى بعلمِه ؛
لقوله: ((فأقضِىّ له على نحوٍ ما أُسمَعُ منه)). ولم يقل: على نحوٍ ما علِمتُ
منه. قال: وإنما تُبُّدْنا بالبينةِ أو (١) الإقرارِ، وهو المسموعُ الذى قال فيه
رسولُ اللهِ وَ﴾: ((إنما أقضِى على نحوٍ ما أُسمَعُ)). قال: والعلةُ فى
القضاءِ بالبينةِ دونَ العلم التهَمةُ؛ لأنه يدَّعى ما لا يُعلم إلا مِن جهتِه ، وقد
أجمعوا أن القاضى لو قتل أخاه لعلمه بأنه قتَل مَن لم يجِبْ قتلُه مِن
إِلَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. فأخبر أنه# على حكم البشرية التى مجبل عليها، وأنَّ اللهَ القبس
عزَّ وجلَّ شرّفه بالوحي الذى جعله فيه واسطةٍ بينه وبينَ خلقِه ، وللبشرِ صفاتٌ،
منها كمالٌ ومنها دناءاتٌ؛ فأما صفات الكمال فهى له ولأصحابه الكرام على
التمام والكمال، وأما الدناءاتُ فهم مبژُون عنها مُنزهون عن التلئُس بها، وقد
اختلف الناسُ فى عصمة الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين، وبيَّاه فى كتبٍ
الأصولِ ، والذى عندى أنهم بعدَ النبوّةِ معصومون، ولا يواقِعُ أحدٌ منهم خطيئةً ،
٠٠٠.
(١) فى م: ((و).
(٢ - ٢) سقط من : م .
٩

الموطأ
التمهيد المسلمين لم يرِثْه، وهذا لموضع التهَمةِ، وأجمعوا على أنه لا يقضِى بعلمِه
فى الحدود .
قال أبو عمرَ : مِن أفضلِ ما يُحتجُّ به فى أن القاضىَ لا یقضِی بعلمِه ،
حديثُ معمرٍ، عن الزهرىٌّ، عن عروةَ، عن عائشةً، أن النبيَّ وَلّ بعَث أُبا
جهم على صدقةٍ، فلاجُه(١) رجلٌ فى فريضةٍ، فوقَع بينَهم شِجاجٌ، فَأَتَوُا
النبىَّ نَّهِ وخبَّروه، فأعطاهم الأرْشَ(٢)، ثم قال: ((إنى خاطبٌ الناسَ،
ومُخبِرُهم أنكم قد رضِيتُم، أرضيتُم؟)). قالوا: نعم، فصعِد رسولُ اللهِ
القبس ولا يأتى دناءةً؛ صغيرة ولا كبيرةً، وقد دلِّلْنا عليه وبثِنَّاه، وانفصَلْنا عن الظواهرِ
التى تشبّث بها الجاهلون، وخُذُوا فى ذلك أنموذجًا؛ لا يقولَنَّ أحدُكم عن النبىِّ
وَل﴿ ولا عن سائرِ الرسلِ إلا ما قال اللهُ، لا يزيدُ مِن عندِه ولا يفسِّرُ إلا بما يحتمِلُه
اللفظُ؛ من آدمَ إلى محمدٍ وَ لَّ، وإذا قال عن أحدٍ منهم شيئًا من ذلك فلا يقولُه
إلا قارئًا للقرآنِ ومنيُّهًا لمن أَشْكَل عليه حالٌ مِن الأحوالِ ، فأما أن يضرب به مثلًا ،
أو يجعَلَه لمَن(١) عصَى عذرًا، فهو كفْرٌ يُستتابُ قائلُه ؛ فآدمُ صلواتُ اللهِ عليه إنما
اجتهد فى التأويلِ فلم يُصِبْ وجهَ الدليلِ ، وذلك جائزٌ على الأنبياءِ فى كلِّ حالٍ،
ونوحٌ غضِب على قومِه، فدعا عليهم بالهلكةِ حينَ يِكِس منهم، وما أحقّهم بتلك
(١) لاجه: نازعه وخاصمه، واللجاج واللجاجة: التمادى فى الخصومة . ينظر التاج ( ل ج ج).
(٢) الأرش: دية الجراحات، وهو الذى يأخذه المشترى من البائع إذا اطلع على عيب فى المبيع،
وأروش الجنايات والجراحات من ذلك؛ لأنها جابرة لها عما حصل فيها من النقص. النهاية
٣٩/١، واللسان (أر ش).
(٣) فى د: ((من)).
١

الموطأ
وَهُ المنبرَ(١)، فخطَب، وذكَر القصةَ، وقال: ((أرضِيتم؟)). قالوا: لا. التمهيد
فهمَّ بهم المهاجرون، فنزَل النبيُّ بَلّ فأعطاهم، ثم صعِد، فخطَب
فقال: ((أرضِيتم؟)). فقالوا: نعم(١) . وهذا بَيِّنّ؛ لأنه لم يؤاخِذْهم بعلمِه
فيهم، ولا قضَى بذلك عليهم وقد علم رضاهم .
ومِن ◌ُحَجَّةٍ مَن ذهَب إلى أن القاضىَ له أن يقضِىَ بما علِمه؛ أنَّ(١) البينةَ
إنما تُعلِمُه بما ليس عندَه لِيَعْلَمَه فيقضِىَ به، وقد تكونُ كاذبةً وواهِمةً،
وعلمُه بالشىءٍ أوكدُ، وقد أجمعوا على أن له أن يُعدِّلَ ويُسقِطَ العدولَ
بعلمِه، فكذلك ما علِيمٍ صحته، وأجمعوا أيضًا على أنه إذا علم أن ما شهِد
الدعوة، ولكنَّ الذى يقتضِيه منصبُ النبوةِ احتمالُ الأذى والصبر على الخَلْقِ، القبس
ولم يُطِقْ() ذلك إلا محمدٌ وَلَ حينَ كُسِرت رَباعِيَتُه وشُجَ " وجهُه الكريمُ)(٦)،
فاحتمل ذلك وصبّر عليه اقتداءً بالنبيِّ الذى أُخبّر عنه حينَ قال: (( كأنِّ به قد
ضُرِب فسال دمُّه فجعَل يمسَحُه وقال: اللَّهِمَّ اغْفِرْ لقومى فإنهم لا يعلمون)) (١).
فهذا المقدارُ رأى نوعٌ أنه ما(١) قصَّر فيه بعدَ ما سبَق منه، فهو يَعُدُّه على نفسِه لا
(١) ليس فى: الأصل.
(٢) أخرجه أحمد ١١٠/٤٣ (٢٥٩٥٨)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائى (٤٧٩٢)، وابن
ماجه (٢٦٣٨) من طريق معمر به .
(٣) فى النسخ: ((لأن)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) فى ج ، م: (( یکن )).
(٥ - ٥) فى ج: ((وجهه))، وفى م: ((فى وجهه)).
(٦) مسلم (١٧٩١) من حديث أنس .
(٧) مسلم (١٧٩٢) من حديث ابن مسعود.
(٨) فى ج، م: (( قد)).
١١

الموطأ
التمهيد به الشهودُ علی غیر ما شهدوا به ، أنه ینفِذُ علمه فى ذلك دونَ شهادتهم ولا
يقضِى . واحتجّ بعضُهم بأمرٍ رسولِ اللهِ ﴾ ټ سودةً زوجه أن تحتجِبَ مِن
ابنِ وليدةِ زَمْعةً (١)؛ لِما علِمه ورآه مِن شَهِه بعُتْبةَ، وقالوا : إنما يقضِى بما
يسمَعُ فيما طريقُه السمعُ مِن الإقرارِ أو البينةِ، وفيما طريقُه علمُه قضَى
بعلمِه. ولهم فى هذا البابِ منازعاتٌ أكثرُها تشغيبٌ، والسلفُ مِن
الصحابة والتابعين مختلفون فى قضاءِ القاضى بعلمِه، على حسَبٍ
القبس نحن، وإبراهيمُ قال: إنى كَذَبْتُ ثلاثَ كَذَباتٍ. وكلُّ كَذْبةٍ منها تصلُحُ أن
تكونَ لنا (١) درجًا إلى الجنةٍ. قال النبىُّ وَ له: ((لأنه ما حَلَ ١ بها عن دينِ اللهِ عزَّ
وجلَّ))(٤). وهذا يذُلُّك على جهالةِ المفسّرين الذين قالوا فى قوله: ﴿هَذَا
رَبِّ﴾ [الأنعام: ٧٦]: إنه غَلِط فى الكوكبِ فى قوله: ﴿هَذَا رَبِ﴾. فظنَّه الله عزَّ
وجلُّ. وكذلك موسى قتَل بالغضبِ فى اللهِ نفسًا لم يُؤْمَرْ بقتلها، فإنما كان
الوهْمُ فى عدمِ انتظارِ الأمرِ خاصةً وقتلِه بالنظرِ ، وأما يوسفُ فهمّ بها، وكان فعلَ
قلبٍ لا فعلَ جارحةٍ ، فالبارىُّ يُخبِرُ أن يوسفَ فعَل بقلبِهِ، والناسُ كلُّهم يقولون:
فَعَل بجوارحِه . والهمّ غيرُ مؤاخَذٍ به، وأما داودُ فقد داد(١) فيه دينُ الخلْقِ ، وانبثَّت
أقوالُهم حتى ملأَّتِ الخَلْقَ دَفَرًا(١) ، واللهُ عزَّ وجلَّ إنما أخبر عنه بكلمةٍ واحدةٍ ،
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٤).
(٢) سقط من : ج ، م .
(٣) ماخل: أى دافع وجادل. ينظر النهاية ٣٠٣/٤.
(٤) أحمد ٣٣٠/٤ (٢٥٤٦) من حديث ابن عباس .
(٥) داد الطعام: أى وقع فيه الدود، والمراد أن دين الناس دخله التحريف والخلل. المصباح المنير (دود).
(٦) دفر الشىء دَفَرًا: أنتنت ريحه . المصباح المنير (د ف ر).
١٢

الموطأ
اختلافٍ فقهاءِ الأمصارِ فى ذلك. ومما احتجَّ به مَن ذَهَب إلى أن القاضىَ التمهيد
يقضِى بعلمه مع ما قدَّمنا ذكرَه، ما رُوِّيناه مِن طرق عن عروةً ، عن مجاهدٍ
جمیعًا ، بمعنی واحدٍ ، أن رجلًا مِن بنی مخزوم استعدی عمر بن الخطاب
على أبى سفيانَ بنِ حربٍ ، أنه ظلَمه حدًّا فى موضع كذا وكذا من مكةً،
فقال عمرُ: إنى لأَعلَمُ الناسِ بذلك، وربما لعِبتُ أنا وأنت فيه ونحن
غلمانٌ ، فإِذا قدِمتُ مكةً، فأتِنِى بأبى سفيانَ. فلما قدِم مكةَ، أتاه
المخزوميُّ بأبى سفيانَ ، فقال له عمرُ: يا أبا سفيانَ، انهَضْ إلى موضعٍ
كذا. فنهَض ونظَر عمرُ، فقال: يا أبا سفيانَ، خذْ هذا الحجرَ مِن هلهنا ،
القبس
وهى قولُه: ﴿أَكْفِلْنِهَا﴾ [ص: ٢٣]. فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى
نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]. وليس فى قولِ الرجلِ للرجلِ (١) : طلّقْ أهلَك لى. معصيةٌ؛
فإنه يُعَدُّ مِن المروءةِ والصلةِ أن يقولَ الرجلُ لصاحبه: هذه زوجتى أطلِّقُها لك
فخُذْها وتزوَّجْها. وقد فعل ذلك أصحابُ رسولِ اللهِ وَله بعضُهم معَ بعضٍ".
وأما محمدٌ وَّهِ فتلك حضرةٌ مكرّمةٌ، ورفع عن المكروهاتِ مطهّرٌ،
وشخصٌ رُضِى عنه فى كلِّ حالٍ، وغُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر فى الأوَّلِ
والمآلِ، وإذا أردتم الإشفاءً على الاستيفاءِ، فعليكم بكتاب ((المُشْكِلَين)).
إذا ثبت هذا فقولُهُ وَّهِ: ((إنما أنا بشرٌ)). إشارةٌ فى هذا الموضع إلى أنه لا
(١) ليس فى : د، م.
(٢) تقلم تخريجه فى ٤١٠/١٤، ٤١١ .
(٣) فى د، ج: ((الشفاء»، والمثبت موافق لنسخة على حاشية د . وأشفى على الشىء:
أشرف . القاموس المحيط (ش ف ی) .
١٣
1

الموطأ
التمهيد فضَعْه هلهنا . فقال: واللهِ لا أَفعَلُ. فقال: واللهِ لتفعلَنَّ. فقال: لا أَفعَلُ.
فعلاه عمرُ بالدِّرَّةِ وقال : خذْه، لا أمَّ لك، وضَعْه ههنا ، فإنك ما علِمتُ
قديمَ الظلم . فأخَذ الحجرَ أبو سفيانَ ووضَعه حيثُ قال عمرُ، ثم إن عمرَ
استقبَلَ القبلةَ ، فقال: اللهمَّ لك الحمدُ إذ لم تُمِثْنى حتى غلَبتُ أبا سفيانَ
على رأيِه، وأذلَلتَه لى بالإسلام. قال: فاستقبَل أبو سفيانَ القبلةَ، وقال :
اللهمَّ لك الحمدُ إذ لم تُمِثْنى حتى جعَلتَ فى قلبى مِنِ الإسلامِ ما ذلَلتُ به
(١)
لعمرَ().
القبس يعلَمُ الغيبَ، وهى مسألةٌ أصوليةٌ ، فإن المشاهدةَ أبرزها اللهُ عزَّ وجلَّ إلى الخلقِ،
وجعَلها مُدْرَكةً لهم بالطرقِ التى شرَع لهم إليها ، وأمسَك الغيبَ لنفسِه فهو عالمُ
الغيب والشهادة ، وأخبر أنه لا يَدْريه إلا هو ، وقطع أطماعَ الخلقِ عنه فقال تعالى :
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وألقَى إلينا منه ما شاء
للحكمة التى عَلِم، ومن فضلِه المتقدِّمِ، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِ مِن رُّسُلِهِ، مَن
كَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. معناه: فيُطْلِعُهم على الغيبِ فیعلمونكم به، وفى هذا
إشارةٌ إلى أنه لا يُعْلَمُ شىءٍ مِن الغيبِ إلا مِن قِبلِ الرسلِ ، فلا يَلحَقْكم(٢) فى ذلك
ريبٌ ، ولا تَغْتَرُّوا بمنجِّم أو عرَّافٍ، ولا تستدِلُّوا بأمارةٍ فى السماءِ مِن كوكبٍ ، أو
فى الأرضِ من مذهبٍ، على ما يكونُ غدًا بحالٍ ، فإنه تِيةٌ فى الضلالِ ، قد تبوّأ
النبيُِّ نَّهِ منه، ولو جاز لأحدٍ أن يُدْرِكَه لكان أولانا به رسولُ اللهِ وَله .
(١) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٢٥٤/٣، ٢٥٥ (٢٠٧٧)، واللالكائى فى شرح أصول
الاعتقاد (٢٧٩٤) من طريق مجاهد وحده .
(٢) فى ج، م: ((يلحقهم)).
١٤

الموطأ
ففى هذا الخبرِ قضَى عمرُ بعلمِه فيما قد علِمه قبلَ ولايتِه، وإلى هذا التمهيد
ذهَب أبو يوسفَ ، ومحمدٌ ، والشافعىُّ، وأبو ثورٍ ، سواءٌ عندَهم علمه قبلَ
أن یلی القضاءً، أو بعد ذلك، فی مصرِه کان أو فى غير مصرِه، له أن
يقضِىَ فى ذلك كلِّه عندَهم بعلمِه؛ لأن يقينَه فى ذلك أكثرُ مِن شهادةِ
الشهودِ الذين لا يُقطَّعُ على غيبٍ ما شهِدوا به، كما يُقطَّعُ على صحةِ ما
علِموا . وقال أبو حنيفةً: ما علِمه قبلَ أن يلىَ القضاء أو رآه فى غيرِ مصرِه لم
يقضٍ فيه بعلمِه، وما علِمه بعدَ أن استقضَى أو رآه بمصرِه قضَى فى ذلك
بعلمِه، ولم يَخْتَجْ فى ذلك إلى غيرِه .
واتفَق أبو حنيفةً وأصحابُه أنه لا يقضِى القاضى بعلمِه فی شیءٍ مِن
القبس
وقولُه: ((إنما أنا بشرٌ)). يعنى به: إنما أنا بشرٌ حاكم بينكم، ((وإنكم
تختصِمون إلىَّ)). وفى هذا إشارةٌ إلى الدليلِ على أن الخصامَ لا يكونُ إلا عندَ
الحاكم، فهو الذى يَقْضِى ويَنْفُذُّ قضاؤه، وإن حكّم رجلان رجلًا بينَهما ،
فإنه على اختلافٍ كثيرٍ بينَ العلماءِ، جملتُه أنه يجوزُ عندَنا ويَنْفُذُّ ، وبه قال
الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةً: لا يَنْفُذُّ إلا إن وافَق مذهبَ قاضى البلدِ. وهذا
باطلٌ؛ لأن علماءَنا إنما قالوا: إنه يَنْفُذُ؛ لأن القاضىَ وكيلٌ للخلقِ، هم
أقاموه للفصلِ بينَهم وللقيام بمنافعِهم، فإن خفَّفوا عنه مِن ثِقَلِهم جاز ذلك
لهم، ولا يجوزُ صرفُ الكلِّ عنه أو الأكثرِ؛ لأن ذلك يكونُ عَزْلًا . وقد اتفقنا
على أن القاضىَ لو قدَّم قاضيًا فحكَم الثانى بغيرِ مذهبِ الأوَّلِ، أنه نافذٌ ،
فكذلك هذا .
١٥

الموطأ
التمهيد الحدودٍ، لا فيما علمه قبلُ ولا بعدُ، ولا فيما رآه بمصرِه ولا بغيرِ مصرِه.
وقال الشافعىُّ وأبو ثورٍ: حقوقُ الناسِ وحقوقُ اللهِ سواءٌ فى ذلك،
والحدودُ وغيرُها سواءٌ فى ذلك، وجائزٌ أن يقضِىَ القاضى فى ذلك كلِّه
بما علمه . وقال مالكٌ وأصحابُه : لا يقضِى القاضى فى شىءٍ مِن ذلك كلِّه
بما علِمه، حدًّا كان أو غيرَ حدٍّ، لا قبلَ ولايتِه ولا بعدَها، ولا يقضِى إلا
بالبيناتِ والإقرارِ. وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وأبو عبيدٍ. وهو قولُ شريحٍ،
والشعبىّ .
وفی قوله عليه السلام: ((فأقضِی له على نحو ما أُسمُ منه)). دليلٌ
على إبطالِ القضاءِ بالظنِّ والاستحسانِ ، وإيجابِ القضاءِ بالظاهرِ ، ألا
القبس
وقولُه: ((ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألحنَ بحُجَّتِه مِن بعضٍ)). إشارةٌ
إلی الدلیل علی) أن أحد الخضمین وإن کان أُفهم مِن الآخرِ ، فإنه ليس يَنْبغِی
للحاكم أن يَعضُدَه بحُجّةٍ ولا أن ينبَّهَه على منفعةٍ ، وقد قال بعضُ علمائنا : لا
بأسَ للقاضى أن ينبَّ المغفَّلَ مِن الخصومِ على محبّةٍ. ولستُ أَراه لِما يثِنَّه.
وقولُه: ((فَأَقْضِىَ له على نحوٍ ما أسمَعُ)). إشارةً إلى الدليل على أن القاضىّ
لا يكونُ إِلا عالمًا، خلافًا لأبى حنيفةً حيثُ قال: إنه يجوزُ أن يكونَ جاهلًا عاقلًا
فيقلّدَ غيرَه ويحكُمَ بما يقولُ له . وهذا باطلٌ ؛ فإن الذى يُفْتِى هو الذى يَقْضِى،
وهذه الواسطةُ الجاهلةُ عَناءٌ فى القضاءِ، وقد تعلَّقوا فى ذلك بأن عبدَ الرحمنِ بنَ
(١ - ١) سقط من: م .
١٦

الموطأ
ترَى أن رسولَ اللهِ وَلِقَضَى فى المُتلاعنَين بظاهرِ أمرِهما، وما ادَّعاه كلُّ التمهيد
واحدٍ منهما ونفَاه، فأُحلَفهما بأيمانِ اللُّعانِ ، ولم يلتفِتْ إلى غيرِ ذلك؟ بل
قال : إن جاءت به على نعت (١) كذا و كذا فهو للزوج، وإن جاءت به على
نعتٍ كذا وكذا فهو الذى رُميت به (١) . فجاءت به على النعتِ المكروهِ،
فلم يلتفِتْ رسولُ اللهِ وَلّ إلى ذلك، بل أمضَى حكمَ اللهِ فيهما بعدَ أن
سمع منهما ، ولم يُعرِّجْ على الممكن، ولا أوجب بالشُّبْهةِ حكمًا؟ فهذا
معنى قولِهِ وَله: ((إنما أقضِى على نحوٍ ما أسمَعُ)).
وأما قولُه عليه السلام: ((فَمَن قضَيتُ له بشىءٍ مِن حقٌّ أخيه فلا
يأخُذْه، فإنما أقطَعُ له قطعةٌ مِن النارِ)). فإنه بيانٌ واضحٌ فى أن قضاءً
عوفي دعا عثمانَ بنَ عفانَ إلى البيعةِ على تقليدِ أبى بكر وعمرَ ، وعَجبًا لعلمائِهم القبس
أن يتعلَّقوا بهذا المعنى الذى ليس من مسألتنا بوزدٍ ولا فى صَدْرٍ، وأولُ ما فيه
الكذب، فإن عبد الرحمنِ إنما بايع عثمانَ لیسیر بسيرة الشیخین فی اعتمادٍ
العذلِ، والاحتياطِ على الخلقِ، وإحكامِ الضبطِ لِما انتشَر مِن أمرِ الناسِ،
وكذلك " فعَل، ما خالَف" ولا نَقَضَ، كما بيَّه فى كتابٍ ((المُشْكِلَين)) . أما
إنه ربما توهُّم متوهِّمٌ أَنَّ فى قولٍ عبد الرحمنِ لعثمانَ: أبايعُك على سيرةٍ
(١) سقط من: م.
(٢) تقدم فى ١٧٨/١٥، ١٧٩. وينظر تخريجه فى ١٤٩/١٥، ١٥٠.
(٣) البخارى (٧٢٠٧) .
(٤ - ٤) فى د: ((ما فعل بما خالف)). والمثبت موافق لنسخة على حاشية د.
١٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢/١٨)

الموطأ
التمهيد القاضى بالظاهرِ الذى تعبَّد به لا يُحِلّ فى الباطنِ حرامًا قد علِمه الذى قضَى
له به ، وأن حكمَه بالظاهرِ بينَهم لا يُحِلَّ لهم ما حرَّم اللهُ عليهم ؛ مثالُ ذلك
رجلٌ ادَّعى على رجلٍ بدَعْوى ، وأقام عليه بينةً زورٍ كاذبةٌ ، فقضَى القاضى
بشهادتهم بظاهرٍ عدالتهم عنده، وألزم المدعى عليه ما شهدوا به ، فإنه لا
يحِلُّ ذلك للمدَّعِى إذا علِم أنه لا شىءَ له عندَه، وأن بينتَه كاذبةٌ ؛ إما مِن
القبس الشيخين. حملًا له على تقليدِهما فيما سبق مِن أحكامِهما ، بناءً على تقليدِ العالم
للعالم، وقد بيًّّا أن ذلك جائزٌ فى مسائل الأصولِ عندَ الحاجة إلى ذلك ولضيقٍ
الوقتِ . فأمّا مع الإطلاقِ والاستِرْسالِ وفى كل نازلةٍ تقعُ، فإنه ممنوعٌ إجماعًا .
وقولُه: ((فأَقْضِىَّ له على نحوٍ ما أسمَعُ)). مما تعلَّق به أصحابُ أبى
حنيفةً) فى الامتناعِ مِن القضاءِ على الغائبٍ؛ لأنه إذا لم يَسمَعْ كلامَه، لِمَن
يَقْضِى أو بمَ يَقْضِى؟! وقد روى أبو داودَ وغيرُه عن علىّ، أن النبيَّ وَ لَّه قال لعلىَّ
حينَ أرْسَله إلى اليمنِ: (لا تقضِى لأحد٢ٍ) الخَضْمَيْن حتى تسمَعَ مِن الآخرِ،
فإنك (يا علىُ" إن فعلتَ لا تَدْرِى بِمَ قَضَيْتَ))(٤). وساعده على ذلك
عبدُ الملكِ بنُ الماجشونِ مِن أصحابِنا والشافعىُ ، فالمسألةُ عظيمةُ المَوْقِعِ كثيرةٌ
الاختلافِ فى المذهبِ . وعندَ العلماءِ فى تفصيلٍ ما بينَ المجلسِ وغيرِه ، وقبلَ
(١ - ١) فى نسخة على حاشية د: ((أبو حنيفة)). وينظر عارضة الأحوذى ٧٦/٦.
(٢ - ٢) فى ج: ((لا تقضى على أحد))، وفى م: ((لا تقض على أحد)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((يعنى).
(٤) أبو داود (٣٥٨٢)، والترمذى (١٣٣١).
١٨

الموطأ
جهةِ تعمُّدِ الكذبِ ، أو مِن جهةِ الغلطِ .
التمهید
ومما احتجَّ به الشافعىُّ وغيرُه لقضاءِ القاضى بعلمِه، حديثُ عُبادةَ :
وأن نقومَ(١) بالحقِّ حيثُما كنَّا، لا نخافُ(٢) فى اللهِ لومةَ لائم(٢).
وقولُه: ﴿كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وحديثُ عائشةً فى قصةٍ
هند بنتٍ أبی سفيان ، قوله: ((خُذی ما يكفيك وولدك))(٤) . وكذلك لو
ثبت على رجلٍ لرجلٍ حقٌّ بإقرارٍ أو بينةٍ ، فادَّعى دفعه إليه والبراءةَ منه ، وهو
صادقٌ فى دَغْواه ، ولم يكنْ له بينةٌ ، وجحَده المدَّعِى الدفعَ إليه، وحلَف
القضاءِ وبعدَ القضاءِ، وفى حقوقِ الناسِ ، وفى حقوقِ اللهِ عزَّ وجلّ، وفى الدماءِ، القبس
وفى الأموالٍ - أصولٌ كثيرةٌ، وذلك مستوفَّى فى ((المسائلِ)).
نُكْنةٌ: إن القاضىّ لا تَقْضى بعلمِه بحالٍ، ولو جاز ذلك لأحدٍ لكان أَوْلَی
الناسِ به رسولُ اللهِ وَّهِ، وهو قد ترَك ذلك وتوَرَّع عنه، فرُوِى أنه قال حينَ أُشِير
عليه بقتلٍ مَن اسْتَوْجَب القتلَ؛ مِمَّن ظهَر نفاقُه وتبيَّن شقاقُه: «أخافُ أن يتحَدَّثَ
الناسُ أن محمدًا يقتُلُ أصحابَه)) (٥). فعَلَّل بالتُّهْمةِ التى تعُمُّ جميعَ ما قَدَّمْنا مِن
التفصيلِ. وروَى أبو داودَ، أن النبيَّ ◌َّأَرْسَل أبا جَهْمِ مُصَدِّقًا ، فُوجِجَ(٦) فى
(١) فى م: ((تقوم)).
(٢) فى م: ((تخاف)).
(٣) تقدم فى الموطأ (٩٨٢).
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٠٦١/١٧ .
(٥) البخاری (٤٩٠٥) ، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر .
(٦) فى م: ((فلوحج)). ولوجج فى الصدقة: أى خوصم ونوزع. ينظر ما تقدم ص ١٠.
١٩

الموطأ
التمهيد له عليه، وقبَض منه ذلك الحقَّ مرةً أخرى بقضاءٍ قاضٍ، فإن ذلك ممن
قطَع له أيضًا قطعةً مِن النارِ ، ولا يُحِلَّ له قضاءُ القاضى بالظاهرِ ما حرّم اللهُ
عليه فى الباطنٍ، ومثلُ هذا كثيرٌ. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم
بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ
بِإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وهذه الآيةُ فى معنى هذا الحديث
سواءً .
قال معمر، عن قتادةَ فى قوله: ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّارِ﴾.
قال: لا تُدلى بمالٍ أخيك إلى الحاكم وأنت تعلمُ أنك له ظالم، فإن
قضاءَه لا يُحِلُّ لك شيئًا كان حرامًا عليك(١) .
قال أبو عمرَ: وعلى هذه المعانى كلِّها المذكورةِ فى هذا الحديثِ
القبس الصدقةِ، فشجّه٢٢ُ، فارْتَفَعوا إلى النبيِّ وَّهِ وقالوا: القَوَدَ يا رسولَ اللهِ . فقال:
((أوَ تَأْخُذوا كذا؟)). فأَبُوا، ثم قال: ((أو كذا؟)). فأَبَوْا، ثم قال: ((أو
كذا؟)). فَرَضُوا (٣)، قال: ((فأخطُبُ الناسَ أَعْلِمُهم برضاكم؟)). قالوا: نعم.
. فخَطَب فَأَعْلَمَ ، فقالوا: لا ، ما رَضِينا . فأرادهم المهاجرون والأنصارُ، فقال النبىُّ
وَّل: ((لا)). ونزَل فجلسوا إليه فأرضاهم، فقال: ((أخطُبُ فَأُعْلِمُ الناسَ؟».
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٢/١، وابن جرير فى تفسيره ٢٧٨/٣ من طريق معمر به.
(٢) فى ج، م: ((بشجة)). والمراد أن أبا جهم هو الذى شجّ رأس الرجل الذى نازعه
وخاصمه .
(٣) فى م: ((فرفضوا)).
٢٠