Indexed OCR Text

Pages 181-200

الموطأ
أن يكونَ أكثرَ مما وزَن، فلا تلزَمُه الزيادةُ، وإن كانت قائمةً أخَذ الاستذكار
الجميعَ أو رَدَّ. قال: وقال الشافعىُ: يُحَطَّ فى المُرابحةِ.
قال أبو عمرَ: يَعنى مثلَ قولِ الثورىِّ. وهو قولُ أبى ثورٍ. قال أبو ثورٍ :
إذا خانَه ثم (١ عَلِم المُشترِى، مُطَّ عنه) مِن الثمنِ الزيادةُ ورِبحُ الزيادةِ .
وقال الطبرىُّ: قياسُ قولِ الشافعيّ أن يكونَ المشترِى بالخيارِ إذا
قامَتْ له البيئةُ بإقرارِ البائع بالخيانةِ ؛ بينَ أن ينقُضَ البيعَ ويَرُدَّ السلعةً
ويرجعَ بالثمنِ، وبينَ أن يُمضِىَ البيعَ بما ابتاعَها به إن كانت السلعةُ
قائمةً. وإن كانت مُستهلَكَةً؛ فإن له أن يأخُذَه بما خانه (١) فيه مِن
الثمن، وربَّحه .
قال أبو عمرَ : مَن لم يَرَ أْن يُحَطِّ عن المُشترِى ما كَذَب فيه البائعُ وخَيَّره،
قاسه على العيبٍ ؛ لأن العيبَ نقصٌ دخَل على المُبتاع ، وهو فيه مُخيّ ؛ إن شاء
أَخَذ، وإن شاءرَدَّ، ومَن رأى أن يُخَطَّ عنه؛ فلأن المُشترِىَ إنما ربَّحه على ما
ابتاعَ به السلعةً ، لا علی غیرِ ذلك ، فلما خانه وجب أن يُدَّ ما خانه به، کما لو
خانَه فى الوزنِ أو الكَثِلِ، ("رَدَّ ذلك؟ الحقَّ، واللهُ الموفقُ للصوابِ.
القبس
(١ - ١) فى ح: ((حط على المشترى)).
(٢) فى الأصل: ((فاته)).
(٣ - ٣) فى ح، ب، م: ((وجب رد ذلك إلى)).
١٨١

الموطأ
البيعُ على البَرْنامَجِ
الاستذكار
بابُ البيعِ على البرنامجِ
فأمَّا بِيعُ البَرْنامَجِ(١) فانفَرد به مالكٌ فقال: يجوزُ على الصفةِ، يَدْفَعُ إليه
القبس
روزنامَجَه (٢) ويقولُ له: هذا تفسيرُ ما فى بَرْنامَجى. فقال الشافعىُّ: لا يجوزُ
لوجھین :
أحدُهما: أن بيعَ الصفةِ إنما يكونُ فيما (٢) فى الذِّمَّةِ لا فى المُعَيَّنِ(٤) . قال
علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم: الصفةُ طريقٌ إلى العلم. كما تقدَّم، ولولا أن الصفةً
تُعَيِّنُ الغائبَ ما جازت فى السَّلَم، ألا تَرَى أنه إذا أحضَر له الموصوفَ فيه لَزِمه
قبولُه .
والثانى: قال: الصفةُ بدلٌ عن الرؤيةِ ، وإنما يكونُ البدلُ معَ تعذّرِ المبدَلِ .
قلنا (٥) : المبدَلُ ههنا، وهى الرؤيةُ، متعذّرةٌ؛ لأن فى حلِّ الشدائدِ فى المواسم
مشقَّةً عظيمةً على الناسِ ، فنزَل البدلُ، وهى الصفةُ ، مقامَ المبدَلِ ، وهى الرؤيةُ ،
لأجلِ المشقة بناءًعلى قاعدة المصلحة ، حتى قال علماؤنا : إنه لو باعه ثوبًافی کمُّه
على الصفةِ لم يجزْ. وقد احتجّ مالكٌ علی ذلك بأنه أمرّ معمول بهعندهم ، معلومٌفی
(١) البرنامج : الورقة الجامعة للحساب ، أو هو زمام يُرسم فيه متاع التجار وسلعهم ، وهو مُعرّب
بَرْنامَه، وأصلها فارسية . التاج (برنمج).
(٢) فى د: ((روزمانجه))، وفى ج، م: ((برنامجه)). وروزنامجه، مصغر روزنامه: الدفتر اليومى
للتجار . المعجم الذهبى ص٣٠٢ .
(٣) ليس فى : د .
(٤) فى م: ((العين )).
(٥) فى ج، م: (( فأما )).
(٦) من الشَّدِّ، وهو الإيثاق. يريد أن حلَّ الأشياء المربوطة الموثقة فيه مشقة وتعب . ينظر التاج (ش د د).
١٨٢

الموطأ
١٤٠٣ - قال مالك: الأمرُ عندَنا فى القوم يشترون السلعةَ ؛ البَزَّ أُو
الرَقيقَ، فيَسمَعُ به الرجلُ، فيقولُ لرجلٍ منهم : البَرُّ الذى اشتَرِيتَ من
فلانٍ قد بلَغْتْنِى صفتُه وأمرُه، فهل لكَ أن أُرِبِحَكَ فى نصيبِكَ كذا
وكذا؟ فيقولُ: نعم. فيُرْبِحُه ويكونُ شريكًا للقومِ مكانَه، فإذا نظَر إليه
رآهُ قبيحًا واستغلَاه .
قال مالك : ذلك لازمٌ له ولا خیار له فیه، إذا کان ابتاعه على
بَرْنامَج وصفةٍ معلومةٍ .
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى القومِ يَشْترون السلعةً؛ البَرَّ أو الرقيقَ، الاستذكار
فيسمعُ به الرجلُ ، فيقولُ لرجلٍ منهم : البرُّ الذى اشتريتَ(١) مِن فلانٍ قد
بلَغنى صفتُه وأمرُه ، فهل لك أن أَرْبِحَك فى نصيبِك كذا وكذا؟ فيقولُ :
نعم. فيُرْبِحُه ويكونُ شريكًا للقوم مكانَه، فإذا نظر إليه رآه قبيحًا
(٢)
واستَغْلاه(٢) .
قال مالكٌ : ذلك لازمٌ له ولا خيارَ له فيه، إذا كان ابتاعهُ على بَرْنامَج
وصفةٍ معلومةٍ .
القبس
معاملتهم، لا من طريقِ التعلَّقِ بأهلِ المدينةِ ، ولكن مِن جهةٍ أن ذلك طريقٌ إلى العلم
فى العادةِ ، فإن وجَدوه على الصفةِ لَزِمهم ، وإن كان على خلافِها فلهم ردُّ البيعِ .
(١) بعده فى ح: ((منك)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٠ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦٦١).
(٣) بعده فى الأصل، ح: ((على صفة)).
١٨٣

الموطأ
قال مالكٌ فى الرجل يَقدَمُ له أصنافٌ من البَرِّ ، ويَحِضُرُه السُّؤَّامُ ،"
ويقرأ عليهم بَرْنامَجَه، ويقولُ: فى كلِّ عِدْلٍ كذا وكذا مِلْحفةً
بَصْريَّةً، وكذا وكذا رَيْطَةٌ سابِرِيَّةً، ذَرْعُها كذا وكذا. ويُسمّى لهم
أصنافًا من البَرِّ بأجناسِه، ويقولُ: اشتَرُوا مِنِّى على هذه الصفةِ.
فيشترُونَ الأُعدالَ على ما وصَف لهم، ثمَّ يَفتحُونها فيَسْتَغْلُونها
ویندمون .
قال مالك: ذلك لازمٌ لهم إذا كان موافقًا للبَرْنامَج الذى باعهم
عليه .
قال مالكٌ فى الرجلِ يَقْدَمُ له أصنافٌ مِن البِرّ، ويَحْضُرُه السُّوَّامُ(١)،
الاستذ کار
ويقرأُ عليهم بَرْنامَجَه، ويقولُ: فى كلِّ عِدْلٍ كذا وكذا مِلْحِفَةً بَصْرِيَّةٌ ،
وكذا وكذا رَيْطَةً(١) سابرِيَّةً(٢) ذرعُها كذا وكذا. ويُسَمِّى لهم أصنافًا مِن
البَرِّ بأجناسِه، ويقولُ: اشْتَرُوا مِنِّى على هذه الصفةِ. فَيَشْتِرُون الأُعدالَ
على ما وصَف لهم، ثم يفتَحونها فيَسْتَغْلونها(*) ويَنْدَمون .
قال مالكٌ: ذلك لازمٌ لهم إذا كان مُوَافِقًّا للتَرْنامَج الذى باعهم عليه .
القبس
(١) السوام: جمع سائم، يقال: سمت بالسلعة أسوم بها سوما وساومت واستمت بها وعليها،
غاليت. اللسان ( س وم).
(٢) فى الأصل: ((رطية)).
(٣) فى الأصل: ((سامرية)).
(٤) فى الأصل، ح: ((فيشتغلونها).
١٨٤

قال مالكٌ: وهذا الأمر الذى لم يَزَلْ عليه الناسُ عندَنا يُجيزونه الموطأ
بينَهم ، إذا كان المتاحُ موافقًا للتَرْنامَجِ ولم يكنْ مخالفًا له .
قال مالكٌ: وهذا الأمر الذى لم يَزَلْ ( عليه الناسُ عندَنا" الاستذكار
يُجِيزونه بينَهم، إذا كان المتاُ مُوافِقًا للتَرْنامَج ولم يكنْ
مُخالفًا له .
قال أبو عمرَ : بِيعُ البَرْنامَجِ هو مِن بابٍ بيعِ الغائبِ ("على الصفةِ(٢) .
وقد اختلف فى ذلك السلفُ والخلفُ؛ فمنهم مَن أجازه وأبطلَ فيه خيارَ
الرؤية إذا وُجِد على الصفةِ، وهو قولُ مالكٍ وأكثرِ أهلِ المدينةِ، وهو أحدُ
قولَى الشافعىِّ فى بيع الغائبِ على الصفةِ. ومنهم مَن قال: للمُشترِى فيه
خيارُ الرؤيةِ على كلٌّ حالٍ . وبه قال أبو حنيفةً وأصحابُه، وهو أحدُ قولَی
الشافعىِّ . وللشافعيّ قولٌ ثالثٌ وهو الذى اختاره المُزنئُ، أن البيعَ فى ذلك
باطلٌ ؛ لأنه لا عينَ مرئيةٌ ولا صفةَ مضمونةٌ ، وأنهما يَفْترِقان فى خيارِ الرؤيةِ
على غيرِ تمامٍ بِيعِ ولا صَفْقةٍ . ومِن حُّه فى ذلك ("على مالك٢ٍ) ، أنه لم
يُجِزْ بِيعَ السَّاجِ المُدرَجِ فى جِرَابِهِ ، ولا الثوبِ القُّبْطِئِّ فى طَيِّه حتى يُنشرَ
ويُنظر إلى ما فى أجوافِهما، قال: والنظرُ إليهما دونَ نشرِهما كصفةٍ
البَرْنامَج أو أكثرَ منها، قال: فإذا لم يُجِزْ ذلك فى الثوبِ الواحدِ وغَرَرُه
القبس
(١ - ١) فى ح: ((العلماء)).
(٢ - ٢) سقط من: ح.
١٨٥

الموطأ
الاستذكار أقلُّ، كان الغَرَرُ فى الكثيرِ مِن الثيابِ أكثرَ.
قال أبو عمرَ : قد وقَف مالكٌ على معنى ما ذكره الشافعىُّ وقال :
فرقٌ بينَ ذلك الأمرِ المعمول به وما فى صدورِ الناسِ مِن معرفةٍ
ذلك، وأنه لم يَزَلْ بيعُ البَرنامَجِ مِن عملِ الناسِ الجائزِ بينَهم، ولا
يُشبِهُ المُلامسةَ.
ذكَر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن معمرٍ، عن أيوبَ ، عن ابنِ سيرينَ ، قال: إذا
ابتاعَ الرجلُ منك شيئًا على صفةٍ ، فلم تُخالِفْ ما وصَفتَ له، فقد وجب
البيعُ. قال أيوبُ : وقال الحسنُ: له خيارُ الرؤية .
وعن معمرٍ، قال: أخبرنا الزهرىُّ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: قال
أصحابُ النبيِّ وَّهِ: ودِدنا لو أن عثمانَ بنَ عَفَّانَ وعبد الرحمنِ بنَ عوف
تبايَعا حتى يُعلمَ أيُّهما(٢) أعظمُ جَدًّا(٢) فى التجارةِ . فاشتَرَى عبدُ الرحمنِ
مِن عثمانَ فرسًا ( بأرضٍ له) أخرى بأربعين ألف درهم، أو أربعةِ آلافٍ ، أو
نحو ذلك، ° فذكَر الخبر).
القبس
(١) عبد الرزاق (١٤٢٣٧).
(٢) فى ح، م: ((أنهما)).
(٣) الجد: الحظ والرزق. اللسان (ج د د ).
(٤ - ٤) فى م، ومصدر التخريج: ((من أرضٍ)).
(٥ - ٥) أخرجه عبد الرزاق (١٤٢٤٠) عن معمر به .
وبعده فى م ، ومصدر التخريج: ((إن أدركتها الصفقة وهى سالمة، ثم أجاز قليلا فرجع،=
١٨٦

الموطأ
وروَى ابنُ وهبٍ ، عن يونس ، عن ابنٍ شهابٍ، قال: كان عثمانُ بنُّ الاستذكار
عَقَّانَ وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ. فذكّر الخبرَ بمعناه، ولم يذكُرْ سعيدَ بنَ
(١)
المسيّب(١) .
وفيه عن الصحابةِ جوازُ بيعِ الغائبٍ، إلا أن ظاهرَه (٢) ليس فيه صفةٌ،
فهو حُجَّةٌ لأبى حنيفةَ الذى يُجِيزُ بيعَ الغائبِ على غيرٍ صفةٍ، فإذا رآه
ورضِيه جازت الصَّفْقةُ) وتَمَّ البيعُ، وإن لم يَرْضَه فلا بيعَ بينَهما . والصفةُ
وغير الصفة عند أبى حنيفةً وأكثرِ الکوفیین فی بابٍ بیع الغائبِ سواءٌ؛ لأن
فيه خيارَ الرؤية .
ومالكٌ لا يُجِيزُه على ذلك حتى يتواصَفاه(٤) ، فإن وجَد البيعَ على
الصفةِ لزِم المشترىَ، ولا خيارَ له إذا رآه .
وأما بيعُ البرنامج فهو أيضًا مِن بيوع المُرابحةِ، وهو الذى يُسَمِّيه أهلُ
العراقٍ بِيعَ ((دَهْ دَوازْدَهْ)) ١٢، وهو بيعُ البَرِّ والمتاع على الصفاتِ ؛ العشَرةُ
مِن رأسِ المالِ أحدَ عشرَ بالربحِ، ونحو ذلك. وقد كرِهه قومٌ وأجازه
القبس
= فقال أزيدك ستة آلاف إن وجدها رسولی سالمة. قال نعم. فوجدها رسول عبد الرحمن قد
هلكت وخرج منها بالشرط الآخر . قال رجل للزهرى فإن لم يشرط؟ قال هى من مال البائع)).
(١) أخرجه سحنون فى المدونة ٢١٠/٤ عن ابن وهب به .
(٢) بعده فى الأصل: ((و)).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((صارت الصفقة))، وفى ح، ب: ((جارت الصفة)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) فى ح: ((يتواصفان)).
(٥) كذا فى النسخ ، وينظر ما تقدم ص ١٧٨ .
١٨٧

الموطأ
الاستذكار آخرون؛ فمَن كرهه فوجهُ(١) كراهيتِه أنه بيعُ عينٍ ١ حاضرةٍ لم يُنظرْ
إليها، فدخَلت فى (٢) بابِ المُلامسةِ، والمُنابذةِ، والغَرَرِ، ولم يلتفِتْ
مَن كرِه ذلك إلى الصفةِ ؛ لأن الصفةَ إنما تكونُ فى بيع المضموناتِ
على الصفةِ فى الذمةِ، وهو بيعُ السَّلَم . وفيه وجةٌ آخرُ مِن الكراهةِ ؛ لأنه
قد حسَب فى بَرْنامَجِه كلَّ ما أَنْفَقَ عليه. ومَن أجازه فَلِما وصَفنا مِن
تَبَائِعِ الصحابةِ الأشياءَ الغائبةَ(٤)؛ إما على الصفةِ، وإما على خيارِ الرؤية .
ذكَّر عبدُ الرزاقٍ (٥) وغيرُه، عن الثورىِّ، عن خالدٍ، عن ابنٍ سيرينَ،
قال: لا بأسَ ببيعِ ((دَهْ دَوازْدَهْ))، وتُحسبُ النفقةُ على الثيابِ.
وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، فى البيعِ على البرنامَجِ
مُرابحةً : إذا أربَحه وهو لا يعلَمُ الثمنَ ، فهو بالخيارِ إذا علم . وقال أبو ثورٍ :
إذا اشترى منه متاعًا " بربح العشرةِ واحدًا، ولم يعلَمْ رأسَ المالِ کم هو ،
فالبيعُ باطلٌ، وإنما يكونُ الربح بعدَ العلم بالثمنِ . ونحوُ ذلك عندَ مالكٍ .
القبس
(١) فى م: ((يوجه)).
(٢) فى الأصل، م: ((غير))، وفى ح: ((عن)).
(٣) فى الأصل، م: ((من)).
(٤) فى ح، م: ((الغالية)).
(٥) عبد الرزاق (١٥٠١٢).
(٦ - ٦) فى ح: ((فربح بعشرة)).
١٨٨

الموطأ
وعن الثورىِّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، وعن جعدةَ بنٍ ذَكْوانَ، الاستذكار
عن شريحٍ، قال: لا بأسَ يبيعِ ((دَهْ دَوازْدَهْ)). وبه يقولُ الثورىُّ(١).
وعن معمرٍ ) ، قال: أَنبئتُ أن ابنَ مسعودٍ كره أن يأخُذَ للنفقةِ
(٣)
ربحًا (٢).
وعن معمرٍ، عن قتادة، عن ابنِ المسيَّبِ ، أنه سأله عن ببع عشرةَ اثنى
عشرةَ، قال: لا بأسَ به ما لم يأخُذْ للنفقةِ رِبِحًا(٤) .
وعن °معمرٍ، عن قتادةً)، عن نوحٍ بن أبى بلالٍ، قال: سمِعتُ
سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: لا بأسَ ببيع ((دَهْ دَوازْدَهْ)) ما لم يَحسِبِ
(٦)
الكِراءَ(٦) .
وقال عبدُ الرزاقِ(٧): (أخبرنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: أخبرنى
عبدُ الرحمنِ بنُ عَجْلانَ، عن إبراهيمَ النخَعيِّ، قال: لا بأسَ أن يأخُذَ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠١٣) عن الثورى به .
(٢) فى ح: ((الثورى)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٠٤) عن معمر به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٠٥) عن معمر به .
(٥ - ٥) فى الأصل، ح: ((الثورى)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٠٦) عن معمر به .
(٧) عبد الرزاق (١٥٠٠٨).
(٨ - ٨) فى الأصل: ((أحسن ما سمعت أن عبد الله بن عمر)).
١٨٩

الموطأ
الاستذكار للنفقة ربحًا .
قال عبدُ الرزاقِ (١) : قال سفيانُ(٢): ربحُ النفقةِ أجرُ الغسالِ وأشباهِه.
قال(٣): وأخبرَنا الثورىُّ، عن عمارِ الدُّهْنِىٌّ، عن ابنِ أبى نُعمِ(٤) ، عن
ابنِ عمرَ، قال: بيعُ (( دَهْ دَوازْدَهْ)) رِبًا .
قال : وأخبرنى الثورىُّ، عن جابرٍ ، عن القاسمِ بنِ عبد الرحمنِ، عن
مسروق ، أنه کره بیع (( دَهْ دَوازْدَهْ))(٢).
قال(١): وأخبرنا ابنُ عيينةً، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعتُ
ابنَ عباسٍ يكرهُ بيعَ ((دَهْ دَوازْدَة)) وقال: ذلك بيعُ الأعاجمِ .
قال(٧): وأخبرنا الثورىُّ، عن سالم الضَّبِّىٌّ، عن إبراهيمَ، قال: لا
بأسَ أن يرْقُمَ على الثوبِ أكثرَ مما(٨) قام به، ويبيعَه مُرابحةً ، لا بأسَ بالبيعِ
على الرّقْم .
القبس
(١) عبد الرزاق (١٥٠٠٩).
(٢) بعده فى ب: ((قول إبراهيم أحب إلى قال و)).
(٣) عبد الرزاق (١٥٠١٠).
(٤) فى الأصل: ((معمر)). وينظر تهذيب الكمال ٤٥٦/١٧.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٣٥/٦ من طريق الثورى به .
(٦) عبد الرزاق (١٥٠١١).
(٧) عبد الرزاق (١٥٠١٥).
(٨) فى الأصل، م: ((ما)).
١٩٠

الموطأ
قال(١): وأخبرنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ الاستذكار
عَجْلانَ، قال: سألتُ إبراهيمَ النخَعيَّ، قلتُ: الرجلُ يشترِى البؤَّ(١)،
فِيَرْقُمُه، فيزيدُ فى رَقْمِه ◌ِرَاءَه وغيرَه، ثم يبيعُه مُرابحةً على الرَّقْم. قال :
أليس ينظُرُ المتاعَ وينشُرُه؟ قلتُ : بلى . قال: لا بأسَ به .
"قال أبو عمرَ: أما قولُ إبراهيمَ فى تَجْوِيزِه أنه يزيدُ فى الرَّقْمِ الكِرَاءَ
والنفقةً، فقد أجازَ ذلك مِن الفقهاءِ مَن ذكّرنا قولَه . واختلفوا هل يأخُذُ
لذلك ربحًا أم لا؟ وقولُه : لا بأسَ أن يَرْقُمَ على الثوبِ أكثرَ مما قام به ويبيعَه
مُرابحةً . فالمعنى فيه أنه يقولُ: قد رقَمتُ(٤) على ثوبى، ورقمتُه(٤) كذا
وكذا، وأنا لا أبيعُه إلا بكذا وكذا. زيادةً على ما رقَمه به، فهذا
كالمُساومةِ ؛ لأنه لا يقولُ لك: قام علىَّ بكذا وكذا. ولا: اشتريتُه(٥)
بكذا وكذا . ولو قال ذلك وكذَب لم يَحِلِّ له بإجماع العلماءِ، وللمُشتِی
أن يقولَ له: لا أرضاه برقْمِه(١) ، فكيف بالزيادة عليه، وبما كسَبتَهُ(٢)"
القبس
مع
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠١٦).
(٢) فى الأصل، م: ((الثوب)).
(٣ - ٣) سقط من: ح.
(٤) فى م: ((ربحت)).
(٥) غير واضحة فى الأصل، وفى م: ((أشتريه)).
(٦) فى ب: ((برقمك))، وفى م: ((برأس ماله)).
(٧) فى الأصل، ب: ((كتبته)). والمثبت يقتضيه السياق.
١٩١
:

الموطأ
الاستذكار " فيه؟! وقد كره جماعةٌ مِن العلماءِ ذلك؛ لأنه بابٌ مِن المَكْرِ والخديعةِ ،
وليس كلُّ العامةِ يعرفُ ذلك، وربما توهَّم المُشترِى أنه يقول له : بذلك
اشتریتُ . أو: بكذلك(٢) قام على(١) .
وذكر عبدُ الرزاقٍ (٢)، قال: أخبرنا الثورىُّ، قال: أخبرنى واصلُ بنُ
سُليمٍ، عن طاوسٍ ، أنه ذكّر له قولَ إبراهيمَ ، فقال: لا أبيعنَّ سلعتی بالكذب.
قال(٤): وأخبر نامعمرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، أنه كان يكرهُ أن يقولَ:
رَبِّخْنِى على (٥)الرَّقْمِ. ولا يَرَى(٦) بأسًا أن يقولَ: زِدْنى(٧) على الرَّقْمِ كذاوكذا.
قال أبو عمرَ : هذا لِما ذكّرتُ لك؛ لأنه إذا قال له: رَبِّحْنى على الرَّقْم
كذا. أوهَمه أن الرَّقْمَ هو ما اشتراه به ، أو ما قام عليه به عندَ مَن أجاز ذلك
أيضًا . وباللهِ التوفيقُ(٨).
القبس
(١ - ١) سقط من: ح .
(٢) فی م: «بكذا».
(٣) عبد الرزاق (١٥٠١٧).
(٤) عبد الرزاق (١٥٠١٤).
(٥) بعده فى ح، م: ((هذا)).
(٦) فى الأصل، م: ((أرى)).
(٧) فى ب: ((ربحنى)).
(٨) بعده فى ب: ((وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فى البيع على البرنامج مرابحة إذا أربحه
وهو لا يعلم الثمن فهو بالخيار إذا علم وقال أبو ثور إذا اشترى منه متاعا بربح للعشرة واحد ولم يعلم
برأس المال كم فالبيع باطل وإنما يكون الربح بعد العلم بالثمن ويجوز ذلك عند مالك».
١٩٢

بيئُ الخِيارِ
الموطأ
١٤٠٤ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ
حَلِّ قال: ((المُتبايعانِ كلّ واحدٍ منهما بالخِيارِ على صاحبِه ما لم
يَتفرّقا، إلا بيعَ الخِيارِ)) .
قال مالكٌ: وليسَ لهذا عندَنا حدِّ معروفٌ ولا أمرٌّ معمولٌ به فيه .
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: التمهيد
((المتبايعانِ كلّ واحدٍ منهما بالخيارِ على صاحبِهِ ما لم يَتَفَّقا، إلا بيعَ
(١)
الخيار))
القبس
بابُ بيعِ الخيارِ
ذكَر مالكٌ، رحمه اللهُ، حديثَ ابنِ عمرَ، أن النبيَّ وَ لّ قال: ((المتبايعان(١)
كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِهِ بالخيارِ مالم يتفرَّقاً ، إلا بيعَ الخيارِ)). قال
الشافعیُّ : خیارُ المجلس ثابت فی البیع لکل واحدٍ من المتبایعیْن حتی یقوما عن
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٨٥)، وبرواية يحيى بن بكير (٥/١٠ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٦٦٤). وأخرجه أحمد ٤٥٥/١ (٣٩٣)، والبخارى (٢١١١)،
ومسلم (٤٣/١٥٣١)، وأبو داود (٣٤٥٤)، والنسائى (٤٤٧٧) من طريق مالك به.
(٢) فى م: ((البيعان بالخيار)).
(٣) فى ج: ((يفترقا)).
١٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٣/١٧ )

الموطأ
لا خلافَ عن مالك فى لفظ هذا الحدیثِ بهذا الإسنادٍ ، ورواه
التمهید
أيوبُ، عن نافع، عن ابنٍ عمرَ، عن النبيِّ بَّهِ: ((البيِّعان بالخيار مالم
يتفقًا ، أُو یقولَ أحدُهما لِصاحبه : اختر» . هکذا قال حمادُ بنُ زيد ، عن
أيوبَ(١) .
القبس مجلسِهما. وروَى فى ذلك الدارقطنىُّ تفسيرًا عن النبيِّ وَّر، أنه قال:
((المتبايعان كلّ واحدٍ منهما على صاحبِه بالخيارِ ما لم يتفرَّقا عن مكانهما الذى
تبايَعا (٢) فيه))(١). وكان ابنُ عمرَ إذا بايَع أحدًا قام ومشَى خُطَّى حتى يَلْزَم البيعُ(٤).
وقد مهَّدنا فى ((مسائِلِ الخلافِ)) تأويلاتِ هذا الحديثِ وحقَّقْناها مِن ثمانيةٍ
أوجهٍ، منها قولُ مالكِ فيه: وليس عندَنا فى هذا الحديثِ حدٍّ معروفٌ ولا أمرٌ
معمولٌ به . إشارةً إلى أن المجلسَ مجهولُ المدةِ ، ولو شرّط الخيارَ مدَّةً مجهولةً
لبطَل إجماعًا، فكيف يثبُتُّ حكمٌ بالشرعِ بما(٥) لا يجوزُ شرطًا فى الشرعِ؟!
وهذا شىءٌ لا يتفطَّنُ إليه إلا مثلُ مالكِ، وَظنَّ الجُمَّالُ المُتفرّسون (١ بالعلمِ مِن
أصحابِنا أن مالكًا إنما تعلَّق فيه بعملِ أهلِ المدينةِ، وهذه غَباوةٌ . وإنما غاص على
(١) أخرجه البخارى (٢١٠٩)، وأبو عوانة (٤٩٢١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ١٢،
والبيهقى ٢٦٩/٥ من طريق حماد بن زيد به، وعندهم جميعًا فى آخره: وربما قال: ((أو يكون
بيع خيار)) .
(٢) فى م: ((كانا يتبايعان)).
(٣) الدارقطنى ٥/٣.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٠٤، ٢٠٥ .
(٥) فى د: ((ما)).
(٦) فى ج، م: ((المتوسمون)). والمتفرسون، من تفرّس ؛ أى أرى الناس أنه فارس على
الخيل، يقال : فلان ليس بفارس ولكنه يتفرس . ينظر التاج والوسيط (ف ر س) .
١٩٤

الموطأ
ورَواه شعبَةٌ، وسعيدُ بنُ أبى عروبةَ ، عن أيوبَ بإسنادِه ، بلفظِ حديثِ التمهيد
مالكٍ ومعناه(١) .
ورَوَاه ابْنُ عُليَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ مثلهَ: ((البَيِّعانِ
بالخِيارِ حتى يَتَفَّقَا، أو يكونَ بيعَ خِيارٍ)). قال: ورُبَّما قال نافع: ((أو يقولَ
أحدُهما لصاحِبِهِ: احْتَرْ))(١).
ورواه عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَ لَه فقال
فيه: ((ما لم يَتَفَّقَا (٢)، أو يكونَ خيارٌ))(٤).
ولفظُ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((كُلّ بَيِّعَين فلا
بيعَ بينَهما حتى يتفرَّقا». قال: ((إلا بيعَ الخيارِ))(٥) .
ما قلناه ، فإن قيل : قد أثبت مالكٌ خيارَ المجلسِ فى التمليكِ. قلنا: الطلاقُ يعلَّقُ القبس
على الغررِ والخطرِ ، ویثبُتُ فى المجهول ومعَ المجهول ، والبيئُ بخلافِه ، ولو لم
يكن فى هذا ((القبس)) إلا هذه المشكاةُ لكفاه .
(١) أخرجه أبو نعيم فى تاريخ أصبهان ٢٥٣/٢ من طريق شعبة وسعيد به، وأخرجه النسائى
(٤٤٨١)، وفى الكبرى (٦٠٦١)، وأبو عوانة (٤٩١٨)، والطحاوى فى شرح المشكل (٥٢٤٨)
من طريق سعيد بن أبى عروبة به، ووقع فى النسخ الخطية من المجتبى: ((شعبة) والصواب: ((سعيد)،
كما فى السنن الكبرى وتحفة الأشراف (٧٥١٢)، ولفظه فى هذه المصادر كلفظ رواية حماد
السابقة .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٢٠٨، ٢٠٩.
(٣) فى الأصل، ى: ((يفترقا)).
(٤) سیأتی تخريجه ص ٢٠٩.
(٥) سيأتى تخريجه ص ٢١٠، ٢١١.
١٩٥

الموطأ
ورُوِى عن النبيِّ وَّ أنَّه قال: «المتبايِعَان بالخيارِ مالم يتفرَّقاً(١)). مِن
التمهید
وجوهٍ كثيرةٍ؛ من حديثٍ سُرةَ بنِ جندُبٍ (٢)، وأبى بَرْزَةَ الأسلمىِّ(٣)،
وعبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِى(٤)، وأبى هريرةً(٥)، وحكيمٍ بنِ حِزَامٍ(١)،
وغيرهم .
وأجمع العلماءُ على أنَّ هذا الحديثَ ثابتٌ عن النبيِّ بَلِّ، وأنه من
أَثْبَتِ ما نَقَل الآحادُ العُدُولُ. واختَلَفوا فى القولِ به والعملِ بما دَلَّ عليه؛
فطائفةٌ استَعمَلَتْه وجعَلْه أصلًا من أَصُولِ الدينِ فى البيوع، وطائِفةٌ ردَّتْه،
واختَلَف الذين رَدُّوه فى تأوِيلِ ما ردُّوه به، وفى الوجوهِ التى بها دفَعوا
العملَ به. فأمَّا الذين رَدُّوه؛ فمالكٌ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما ، لا أعلمُ
أحدًا رَدَّه غيرَ هؤلاءِ، إلا شىءٌ رُوِى عن إبراهيمَ النخعىّ(٧)؛ فأما مالكٌ
رحمه اللهُ فإنه قال فى ((موطئِه)) لما ذكَّر هذا الحديثَ: وليسَ لهذا عندَنا
القبس
(١) فى الأصل، ى: ((يفترقا).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٢١٢.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢١٣، ٢١٤.
(٤) سیأتی تخريجه ص ٢٠٥.
(٥) أخرجه الطيالسى (٢٦٩١)، وابن أبى شيبة ١٢٥/٧، وأحمد ٤٦٤/١٣ (٨٠٩٩)،
والطحاوى فى شرح المعانى ١٣/٤، وفى شرح المشكل (٥٢٦٥).
(٦) سيأتى تخريجه ص ٢١١، ٢١٢.
(٧) سيأتى تخريجه ص ٢٠٢.
١٩٦

الموطأ
التمهید
حدٍّ معروفٌ، ولا أمرٌ معمولٌ به. واختلف المتأخّرون من المالكيِّين فى
تخريج وُجوهِ قولِ مالكِ هذا؛ فقال بعضُهم: دفَعَه مالكٌ رحِمه اللهُ
بإجماع أهلِ المدينةِ على تؤكِ العملِ به، وإجماعُهم حُجّةٌ فيما أجمَعُوا
عليه، ومثلُ هذا يصِحُ فيه العملُ ؛ لأَنَّ ممَّا يقَعُ مُتَواتِرًا ، ولا يقَعُ نادرًا
فيُجهَلَ، وإذا أجمَع أهلُ المدينةِ على تَرْكِ العملِ به وِرَاثَةً بعضُهم عن
بعضٍ ، فمعلومٌ أن هذا توقِيفٌ أقوى مِن خبرِ الواحِدِ، والأقوَى أَوْلَى أن
يُتَبَعَ. وقال بعضُهم: لا يصِحُ دعوَى إجماع أهلِ المدينةِ فى هذه
المسألةِ؛ لأَنَّ سعيدَ بنَ المسيَّبِ وابنَ شهابٍ، وهما أجَلَّ فقهاءِ أهلِ
المدينةِ، رُوِى عنهما منصوصًا العَمَلُ به(١) ، ولم يُروَ عن أحدٍ مِن أهلِ
المدينةِ نصًّا تَرْكُ العملِ به ، إلَّا عن مالكٍ وربيعةً، وقد اختُلِفَ فيه عن(١)
ربيعةً، وقد كان ابنُ أبي ذئبٍ، وهو مِن فقهاءِ أهلِ المدينةِ فى عَصْرِ
مالك ، ثُنکژ على مالك اختياره ترك العملِ به حتی جَرَی منه لذلك فی
مالكِ قولٌ خَشِنٌ، حمَلَه عليه الغَضَبُ ، لم يُستَحسَنْ مِثلُه منه، فكيف
يصِحُ لأحدٍ أن يدَّعِىَ إجماعَ أهلِ المدينةِ فى هذه المسألةِ؟ هذا ما لا يصِحُ
القولُ به . وقال هذا القائلُ فى معنى قولٍ مالِكِ: وليس لهذا عندَنا حدٍّ
معروفٌ ، ولا أمْرٌ معمولٌ به: إِنَّما أراد الخِيارَ؛ لأَنَّه قال ذلك ياثْر قولِه: ((إلّا
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٢٧/٧، والمحلى ٩/ ٣٠١.
(٢) فى ظ، ى: ((على)).
١٩٧

الموطأ
التمهيد بيعَ الخِيارِ)). وأراد مالكٌ بقولِه هذا: أى(١) ليس عندَنا بالمدينةِ(١) فى
الخِيارِ حدٌّ معروفٌ، ولا أمْرٌ معمولٌ به فيه. إنكارًا لقولِ أهلِ العراقِ
وغيرِهم القائلين بأنَّ الخِيارَ لا يكونُ فى جميعِ السّلَعِ إلَّ ثلاثةَ أيامٍ . والخيارُ
عندَ مالكِ وأهلِ المدينةِ يكونُ ثلاثًا وأكثرَ وأَقلَّ، على حسب اختلافٍ
حالِ المبيع، ولیس الخيار عنده فی الحیوانِ کھُوَ فی الثِّیابِ ، ولا هو فی
الثِّيَابِ كَهُوَ فى العَقارِ، وليس لشىءٍ مِن ذلك حَدٌّ بالمدينةِ لا يُتَجاوَزُ كما
زعَم المخالِفُ. قال: فهذا معنى ما أراد مالكٌ رحِمه اللهُ بقولِه: وليس
لهذا عندَنا حدٌّ معروفٌ، ولا أمْرٌ معمولٌ به . أى: ليس للخِيارِ واشتِرَاطِه
عندَنا حَدٍّ لا يُتجاوَزُ فى العملِ به سُنَّةً، كما زعَم مَن خالَفنا. قال: وأما
حديثُ : ((البيِّعانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقا)). فإِنَّما رَدَّه اعتبارًا ونظرًا واختيارًا ،
مال فيه إلى بعضٍ أهلٍ بلدِه، كما صنع فى سائرِ مذهَبِه .
قال أبو عمر: قد أكثر المتأخّرُون من المالكيِّين والحنَفيِّين مِن
الاحتجاج لمذهپهما فی ردّ هذا الحديث بما یطول ذِ كژه ، وأُكثُه تَشْغِيبٌ
لا يُحْصَلُ منه على شىءٍ لازمٍ لا مَدْفَعَ له، ومِن جملةٍ ذلك أنَّهم نَزَعوا
بالظواهِرِ ، وليس ذلك من أصلٍ مذهَبِهم، فاحتَُوا بعموم قولِ اللهِ عزَّ
وجَلّ: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. قالوا: وهذان قد تعاقَدًا، وفى هذا
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((فى المدينة)).
١٩٨

الموطأ
الحديثِ إبطالُ الوفاءِ بالعَقدِ. وبعمومِ قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((مَن ابتاع التمهيد
طَعامًا فلا تَبِعْه حتى يَسْتوفِيَه)) (١) . قالوا: فقد أطلق بيْعَه إذا استوفَاه قبلَ
التَّفرَّقِ وبعدَه . وبأحاديثَ كثيرةٍ مثلِ هذا فيها إطلاقُ البيع دُونَ ذکرٍ
التَّفرُّقِ، وهذه ظواهِرُ وعمومٌ لا يُعتَرَضُ بمثلها على الخُصوصِ
والنُّصوصِ . وبالله التوفيقُ.
واحتجوا أيضًا بلفظةٍ رواها عمرُو بنُ شعیب ، عن أبيه ، عن جَدِّه ، عن
النبىِّ وَلِّ، أَنَّه قال: ((البيِّعان بالخيارِ ما لم يَفْتَرِقًا(١) ، ولا يَحِلُّ له أن يُفَارِقَ
صاحِبَه خشيةَ أن يَستَقِيلَه))(٣). قالوا: فهذا يَدُلُّ على أنَّه قد تَمَّ البيئُ بينَهما
قبلَ الافتِرَاقِ ؛ لأنَّ الإِقالَةَ لا تَصِحُ إلّ فيما قد تَّ مِن البيوع. وقالوا: قد
يكونُ التَّفَرُقُ بالكَلامِ، كعَقدِ النِّكاحِ وشِبْهِه، وكوقوع الطلاقِ الذى
قد سَمَّاه اللهُ فِرَاقًا، والتفرّقُ بالكلام فى لسانِ العربِ معروفٌ أيضًا ،
كما هو بالأبدانِ. واعتَلُّوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ
اللَّهُ كُلَّاً مِّنِ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ
تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وبقولِ رسولِ اللهِ وَهُ: («تَفْتَرِقُ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٣٦٥).
(٢) فى م: (يتفرق)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٠٥.
١٩٩

الموطأ
العمھید ◌ُثْتِی)(١) . لم تُرِدْ بأبدانهم. قالوا: ولما كان الاجتماُ بالأبدانِ لا يُؤْثِّرُ فى
البيعِ، كذلك الافتِرَاقُ بالأبدانِ(٢) لا يُؤْثِّرُ فى البيع. وقالوا : إنَّما أراد بقولِه
وَّهُ: (المتبَايِعانِ بالخيارِ)). المتساوِمَينِ. قال: ولا يقالُ لهما:
مُتبايعانٍ . إلّا ما دَامًا فى حالٍ فِعْلِ التبائُعِ، فإذا وجَب البيعُ لم يُسَمَّيا
مُتَبَايِعَينٍ، وإنَّما يقالُ: كانا مُتَبَايِعَينِ، مِثْلُ ذلك المُصَلَّى، والآكِلِ،
والشَّارِبِ ، والصائِم، فإذا انقضَى فِعُه ذلك ، قيل: كان صائمًا، وكان
آكِلًا، ومُصَلِّيًا، وشارِبًا. ولم يُقَلْ: إِنَّه صائِمٌ، أو مُصَلِّ، أو آكِلٌ، أو
شارِبٌ . إلّا مجازًا أو تقريبًا واتساعًا. وهذا لا وجه له فى الأحكام. قالوا :
فهذا يدُلُّ على أنَّه أراد بقولِه: ((البيِّعانِ بالخيارِ مالم يَفْتَرِقا)). و: (( المتبایعَانِ
بالخيارِ مالم يَتَفرَّقَا)). المتساوٍمَينِ. وعن أبى يوسفَ القاضى نَصَّا أَنَّه قال:
هما المتساوِمانِ . قال: فإذا قال : بعتُكَ بعَشَرةٍ . فللمُشترِى الخيارُ فى
القَبولِ فى المجلِسِ قبلَ الاقْتِراقِ ، وللبائِعِ خِيارُ الرُّجوعِ فى قولِه قبلَ قبولٍ
المشترِى. وعن عيسى بن أبانٍ نحوَه أيضًا. وقال محمدُ بنُّ الحسنِ :
معنى قولِه فى الحديثِ: ((البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقاً(١))). أنَّ البائعَ إِذا
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٢٤/١٤ (٨٣٩٦)، وأبو داود (٤٥٩٦)، والترمذى (٢٦٤٠)، وابن
ماجه (٣٩٩١) من حديث أبى هريرة .
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) فى الأصل، ظ، ى: ((يفترقا).
٢٠٠