Indexed OCR Text
Pages 621-640
الموطأ
وهذا الحديثُ يرويه عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، عن التمهيد
جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((الجارُ أحقُّ بشفعة جاره، يُنتظر بها
وإن كان غائبًا ، إذا كان طريقُهما واحدةً)).
حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ،
حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، حدَّثنا هشيم ، أنبأنا عبدُ الملكِ ، عن عطاءٍ، عن
جابر بن عبدِ اللهِ . فذكره(١).
ويحتمِلُ أن يكونَ الجارُ المذكورُ فى هذا الحديثِ هو الشّرِيكَ فی
المُشَاعِ، والعربُ قد تُسَمِّى الشريكَ جارًا، والزوجةَ جارةً. وإذا محمِلَ
على هذا لم تتعارَضِ الأحاديثُ ، على أَنِّى أقولُ : إِنَّ حديثَ عبدِ الملكِ
هذا فى ذكرِ الطريقِ، قد أنكره يحيى القطانُ وغيرُه، وقالوا: لو جاء بآخَرَ
مثلِهِ تُرِك حديثُه. وليس عبدُ الملكِ هذا ممَّا يُعارَضُ به أبو سلمةً وأبو
الزبيرِ، وفيما ذكرنا مِن روايتهما عن جابرٍ ما يدفَعُ روايةَ عبدِ الملكِ هذه،
وإيجابُ الشفعةِ إِیجابُ حکمٍ ، والحکمُ إنَّما یجبُ بدلیلٍ لا مُعارضَ له،
وليس فى الشفعةِ أصلٌ لا اعتراضَ فيه ولا خلافَ إلّا فى الشريكِ المُشاعِ،
فقِفْ عليه. وفى قولٍ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: إنما جعَل رسولُ اللهِ وَهِ الشفعةَ
القبس
(١) أبو داود (٣٥١٨)، وأحمد ١٥٥/٢٢، ١٥٦ (١٤٢٥٣)، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٩٤)،
والطحاوى فى شرح المعانى ١٢١/٤ من طريق هشيم به .
٦٢١
الموطأ
التمهيد فى كُلِّ شِركِ ؛ رَبْع أو حائطٍ . ما ينفى الشفعةَ فى غيرِ المشاع مِن العَقَّارِ .
وفى قولِه وَله: ((إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعَةَ)). ما ينفِى
شُفْعَةَ الجارِ . وبالله التوفيقُ .
وقد أوجب قومٌ الشفعةَ فى كلِّ شيءٍ من الحيوانِ أو غیرِهِ، وسائرٍ
المشاعِ من الأصولِ وغيرِها، وهى طائفةٌ مِن المكتِين، ورووا فى ذلك
حديثًا مِن أحاديثِ الشيوخ التى لا أصلَ لها ، ولا يُلْتَفَتُ إليها ، لضعفِها
ونكارتها . وأبى أكثر فقهاءِ الحجازِ من الشفعةِ فى شىءٍ مِن ذلك كلِّه، إلَّا
أن يكونَ أصلاً مُشاعًا يحتمِلُ القسمةَ، وتصلُحُ فيه الحدودُ؛ لحديثٍ
ابنِ شهابٍ هذا، لأَنَّه ينفى الشفعةَ فى كلِّ مقسومٍ، بقولِه: ((فإذا
وَقَعَتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةً)). وهو مذهبُ عمرَ، وعثمانَ، وعمرَ بنِ
عبد العزيزِ .
وذكر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابن جريجٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنَّ عمرَ بنَ
الخطابِ قال: إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وَمُدَّتْ، فلا شُفْعَةً فيها .
قال(٢) : وأخبرنا مالكٌ، عن محمدٍ بنٍ عمارةَ، عن أبى بكرِ بنِ حزمٍ،
أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ قال: إذا وقَعتِ الحدودُ ، فلا شُفْعَةً فيها .
القبس
(١) عبد الرزاق (١٤٣٩٢).
(٢) عبد الرزاق (١٤٣٩٣).
٦٢٢
الموطأ
قال(١): وأخبرنا معمرٌ والثورىُّ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، عن عمرَ بنِ التمهيد
عبدِ العزيزِ، قال: إذا ضُرِبَتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةً فيها .
قال(٢): وأخبرنا ابنُ عيينةً، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، قال: قلتُ
الطاوسٍٍ : إنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب: إذا ضُرِبَتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةً .
قال طاوسٌ : الجارُ أحقُّ .
قال أبو عمرَ : إذا لم تَجِبِ الشفعةُ للشرِيكِ إذا قسم وضرَب الحدودَ ،
کان الجائُ الملاصقُ(١) لم يقسم ولا ضرب الحدود أُبعدَ مِن أن یچِبَ ذلك
له . فالشفعةُ واجبةً بهذا الحديث فی کلِّ أصلٍ مُشَاعٍ؛ مِن رَئع ، أو أرضٍ،
أو نخلٍ، أو شجرٍ تُمكِنُ فيه القسمةُ والحدودُ. وهذا فى الشرِيك فى
المشَاعِ دونَ غيرِهِ إجماعٌ من العلماءِ. وفى قضاءِ رسولِ اللهِ وَّهِ بالشفعةِ
فى المشاعِ بعدَ تمامِ البيعِ دليلٌ على جوازٍ بيعِ المشاع وإن لم يتعيَّنْ(٢)، إذا
عُلِمَ السهمُ والجزءُ. والدليلُ على صحةٍ تمامٍ البيعِ فى المُشَاعِ أنَّ العهدةَ
القبس
(١) عبد الرزاق (١٤٣٩٤).
(٢) عبد الرزاق (١٤٣٩٥).
(٣) كذا وقع هنا، وفيما سيأتى ص ٦٣٠ حاشية (٣ - ٣). وفى شرح الزرقانى ٤٧٧/٣:
((الملاصق الذى لم يقسم)).
(٤) فى م: ((يتعير).
٦٢٣
الموطأ
التمهيد إنَّما تجِبُّ على المبتاع، وفى قولِهِ وَّهِ: ((الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ)). دليلٌ
على أنَّ ما لا يُقسمُ ولا يُضْرَبُ فيه محُدودٌ ، لا شُفْعَةً فيه، وهذا ينفى الشفعةً
أيضًا فى الحيوانِ وغيرِهِ ممَّا لا يُقسَمُ، ويُوجِبُها فى الأصلِ الثابتِ فى
الأرضِ المُشَاعِ دونَ ما عَدَاه .
فإن قيلَ : إنَّ الأحاديثَ الموجِبَةَ للشفعةِ للجارِ وغيرِهِ، فيها زيادةُ
حكم على حديثٍ ابنٍ شهابٍ هذا، فيجِبُ المصيرُ إليها . قيل له : قد
عارَضَها حديثُ ابنِ شهابٍ ؛ لأَنَّه ينفِى الشفعةَ بقولِه: ((الشفعةُ فى كلٌّ
شِركٍ لم يُقْسَمْ)) . فأوجب الشفعةَ فى المشاع، وأبطَلها فى المقسومِ . وإذا
حصَلتِ الآثارُ فى هذا البابِ متعارِضةً متدافعةً، سقطت عندَ النَّظَرِ،
ووجَّب الرجومُ إلى الأصولِ، وأصولُ الشَتَنِ كلِّها والكتابُ يشهَدُ أَنَّه لا
يحِلّ إخراج ملكٍ مِن يدٍ قد ملَكَتْه ملكًا صحيحًا إلَّ بحجةٍ لا معارِضَ لها ،
والمشْتَرِى شراءً صحيحًا قد ملَك ملكًا تامًّا ، فكيف يُؤْخَذُ مالُه بغيرِ طِيبٍ
نفسٍ منه دونَ مُجَّةٍ قاطعةٍ يجِبُ التسليمُ لها ؟
وهذا الذى احتجَجْنا له، كلُّه قولُ مالكِ، وأهلِ المدينةِ، والشافعىِّ
وأصحابِهِ، وعامَّةٍ أهل الأثرِ ، إلَّا أنَّ أصحابَ مالكِ اختلفوا فى الشفعةِ فى
الثمرةِ إذا بِبعَتْ حصَّةٌ منها دُونَ الأصلِ، فأوجَب الشفعةَ للشَّرِيكِ فيها ابنُ
وهبٍ، وابنُ القاسم، وأشهبُ ، وروَؤه عن مالكِ. وقال المغيرةُ ، وعبدُ
القبس
٦٢٤
الموطأ
الملكِ بنُ الماجشونِ ، وابنُ أبى حازمٍ ، وابنُ دينارٍ : لا شُفْعَةً فيها . ورَوَؤْه التمهيد
عن مالكِ أيضًا، وهو قولُ أكثرِ أهلِ المدينةِ، وهو مذهبُ الشافعىِّ،
وأحمد بن حنبلٍ، وداودَ بنِ علىٍّ، وأهلِ النظرِ والأثرِ، وهو الصحيح
عندِى ، وباللَّهِ التوفيقُ. وقد حكَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ ، أنَّه قال: ما
أعْلَمُ أحدًا قبلى أوجب الشفعةً فى الثمرة . وحسبكَ بهذا . ولا خِلافَ عن
مالكٍ وأصحابِهِ أنَّهم لا يُوجِبُون الشفعةَ فى الثمرةِ إذا بِبعَتْ مع الأصلِ
واشترَطها مشترِيها . وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ لأَنَّها تبعٌ للأصلِ ، فكأنها
شىءٌ منه إذا بِيعَتْ معه. وقد أبطَل ابنُ القاسمِ الشُّفْعَةَ فى الأرضِ دونَ
الرَّحَى، وخالَفه أشهبُ، وابنُ وهبٍ، فأوجَبًا الشفعةَ فى الرّحَى مع
الأرض، ومعلوم أنَّ الّحی مع أرضها أثبتُ وأشبه بالأصولِ التى وردتٍ
الشفعةُ فى مثلها من الثمرةِ المبيعةِ دونَ أصلِها، ومن الثمرةِ المبيعةِ مع
الأصلِ التى لا تدخُلُ فى الصَّفْقَةِ إلَّا باشْتِراطِ ، كسائرِ العروضِ المباينةِ .
وبقولِ أشهبَ وابنٍ وهبٍ يقولُ سُحنونٌ فى الشُّفْعَةِ فى الرَّحَى . واختَلَف
قولُ مالكٍ وأصحابِه فى الشُّفْعَةِ فى الحَمَّامِ فأوجَبها بعضُهم، ونَفَاها
بعضُهم . وكذلك اختَلَفَ أصحابُ مالكِ أيضًا فى الشفعةِ فى الكِرَاءِ،
وفى المُسَاقَاةِ، واختلفَ فى ذلك قولُ مالكِ أيضًا، وحديثُ النبىّ وَّلـ
المذكورُ فى هذا البابِ يَنْفِى الشفعةَ فى كُلِّ ما لا يقَعُ فيه الحدودُ من
المُشاع، والقولُ به نجاةٌ لمن اتَّبَعَه . وبالله التوفيقُ والرشادُ . وقال محمدُ
القبس
٦٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ٤٠/١٧ )
الموطأ
..
التمهيد ابنُ عبدِ الحكم: لا شُفْعَةَ إلَّا فِى الأَرَضِينَ والنخلِ والشجرِ، ولا شُفْعَةً فى
ثمرةٍ، ولا كتابةٍ مُكاتَبٍ، ولا فى دينٍ، وإنما الشُّفْعَةُ فى الأصول
والأَرَضِينَ خاصَّةً . وهو قولُ الشافعىِّ ، وجمهورِ العلماءِ، وقد قال مالكٌ:
لا شُفْعَةً فی عینِإِلا أن یکونَ لھا بیاض ، ولا فی بئرٍ، ولا فی عرصةِ دارٍ ،
ولا فحلِ نخلٍ. وقال محمدُ بنُ عبدِ الحكم : الشفعةُ فى ذلك؛ لأنَّه من
الأصولِ .
قال أبو عمر : هذه الأشياءُ عندَ مَن أوجب الشفعةً فیھا ، من جنسٍ
الأصولِ التی قُصِدَتْ پايجاب الشفعة فيها . قال : وجرَی ذکر الحدودِ فی
ذلك؛ لأَنَّه الأغلبُ فيها، وما لا تأخُذُه الحدودُ منها فتبعّ لها، حكمُه
حکمُها . ومَن لم يُوجِبِ الشفعةً فى البئر والعینِ التی قد قُسِم البیاضُ الذى
يُشْقَى منها ، ثم نبعتِ العينُ بعدَ ذلك، وفى فحلِ النخلِ، فمن حُجَّتِه أن
ذلك ليس ممَّا تأخذُهُ الحدودُ. إلَّا أنه يدخُلُ على قائلِ هذه المقالةِ تناقضٌ
فى إيجابِهِ الشفعةَ فى الثمرةِ والكراءِ، وتناقضٌ آخَرُ فى نفى الشُّفْعَةِ عن
عرصةِ الدارِ. ولهذه المسائلِ ؤُجوة يدخُلُ عليها الاعتراضاتُ يطولُ
الکتابُ بذ کرِها .
واختلَف أصحابُ مالكٍ أيضًا فى الرجلِ يبيتُ دينًا له على رجلٍ ؛ هل
يكونُ المِدْیَانُ أُحقَّ به أم لا ؟ وژُوِیَتْ يإجازة ذلك آثار عن بعض السّلفِ مِن
القبس
٦٢٦
الموطأ
أهلِ المدينةِ ، أنَّ الذى عليه الدينُ أحقُّ به. وهذا عندى ليس مِن بابِ التمهيد
الشفعةِ فى شىءٍ، وإنَّما هو مِن بابٍ: ((لا ضرر ولا ضرارَ)) (١). وإن كان
المشترِى كالبائع فى حسنِ التقاضِى والبعدِ من الأُذَّى والجورِ، فلا قولَ
للمدينِ فى ذلك . وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، وهو الصحيح فى
النظرِ ، وذكرُ الشفعةِ فى الدينِ مجازٌ؛ لأَنَّه محالٌ أنْ تجِبَ الشُّفْعَةُ فيما لا
يُقْسَمُ مِن الأصولِ الثابتةِ عندَ جمهورٍ علماءِ المسلمينَ ، والأُصلُ فى هذا
البابِ حديثُ ابنٍ شهابٍ المذكورُ، وهو ينفِى الشفعةً فى كلِّ ما لا يجوزُ
فيه القسمةُ بضربٍ الحدودِ من الأصولِ ، وما كان فى معنَى ما يُضرَبُ فيه
الحدودُ من الأصولِ. واللهُ أعلمُ. وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الشفعةَ تجِبُ
لكلِّ شَرِيكٍ فى مُشَاعٍ من الأُصولِ .
واختلَف أصحابُ مالكِ فى دخولِ العصباتِ على أصحابِ السهامِ
فى الشفعة ، مثلَ رجلٍ تُوفِّی وترك بناتٍ وعصبةً ، (فباعت إحدى" البنات
حصَّتَها مِن الرَّبْع الموروثِ ، فالمشهورُ مِن مذهبٍ مالكٍ، وابنِ القاسمِ،
أنَّ الشفعةَ تجبُ فى نصِيِها مِن ذلك لأُخواتِها دونَ العصباتِ ، ولا يدخُلُ
العصبةُ على أهلِ السهامِ فى شُفْعَتِهم بينَهم . ولو باع أحدُ العصبةِ حصته
مِن ذلك، دخَل البناتُ مع مَن بَقِىَ مِن العصبةِ فى الشفعةِ . وقال أشهبُ :
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٦).
(٢ - ٢) فى م: ((فباع أحد)).
٦٢٧
الموطأ
١٤٥٢ - وحدثنى عن مالكِ ، أنه بلغه أن سعيدَ بنَ المُسیّبِ سُئِل
عن الشُّفعةِ، هل فيها مِن سُنَّةٍ؟ فقال: نعم، الشفعةُ فى الدُّورِ
والأَرَضِينَ، ولا تكونُ إلا بينَ الشُّرَکاءِ.
١٤٥٣ - وحدَّثنى عن مالكِ ، أنه بلغه عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ مِثلٌ
ذلك .
التمهيد لا يدخُلُ هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء. وقال المغيرةُ
وابنُ دينارٍ : يدخُلُ هؤلاء على هؤلاء. وهو قولُ الشافعيّ؛ لأنَّ العلةَ
فى ذلك الشركةُ ودخولُ الضَّرَرِ فى الأغلبِ، وليس للقرابةِ فى ذلك
معنَى عندَهم. ومسائلُ الشفعةِ وفروعُها كثيرةٌ جدًّا، لا يصلُحُ بنا
إيرادُها فى هذا الكتابِ. واللهُ الموفقُ للصوابِ، لا شريكَ له .
الاستذكار
مالكٌ، أنه بلغه أن سعيدَ بنَ المسئَّبِ سئل عن الشُّفعةِ هل فيها مِن
سُنَّةٍ؟ فقال: نعم، الشُّفعةُ فى الدُّورِ والأَرَضين، ولا تكونُ إلا بينَ
(١)
الشركاءٍ (١).
مالكٌ، أنه بلَغه عن سليمانَ بنِ يسارٍ مثلُ ذلك(١).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٢/١٤ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٣٨٣).
وأخرجه الشافعى ٢٤٦/٧، والبيهقى فى المعرفة (٣٧٠٠) من طريق مالك به.
٦٢٨
الموطأ
الاستذكار
وهذا قولُ مالكِ، والشافعيّ وأصحابِهما(١)، وجمهورِ فقهاءِ أهلٍ
الحجازِ، أنه لا شفعةً إلا فى المُشاع مما تصلُحُ فيه الحدودُ عندَ القسمةِ
بینَ الشر کاءِ .
قال أبو عمرَ : أجمعَ العلماءُ على أن الشفعةَ فى الدُّورِ والأرضين،
والحوانيتِ، " والرّباع) كلِّها بينَ الشركاءِ فى المُشاعِ مِن ذلك كلّه،
وأنها سنَّةٌ مجتمعٌ عليها فيجبُ التسليمُ لها، ولم يُجمعوا أنها لا تكونُ إلا
بينَ الشركاءِ؛ لأن منهم مَن أوجبها للجارِ المُلاصقِ، وهم أكثرُ أهلِ
العراقٍ ، ومنهم مَن أوجبَها إذا كانت الطريقُ واحدةً ، ومنهم مَن أوجبَها فى
كلِّ شىءٍ مُشاعٍ بينَ الشركاءِ مِن جميع الأشياءِ مِن الحيوانِ ، والعُرُوضِ،
والأصولِ كلِّها ، وغيرِها . وهو قولٌ شاذّ، قاله بعضُ أهلِ مكةً ، وروَى فيه
حديثًا مُنقطعًا عن النبيِّ وَ له. وأما السُّنَّةُ المُجتمعُ عليها، فعلى ما قال
سعيدُ بنُّ المسيَّبِ، وعلى ما حكاه مالكٌ أنه الأمر الذى لا اختلافَ فيه
عندَهم - يعنى بالمدينةِ - وفيه مِن الأخبارِ المنقولةِ(٣) بنقلِ الآحادِ العدولِ
حدیثُ ابنِ شهاپ المذ کورُ فی هذا الباب، وقد أُسنَده معمرٌ وجوَّده .
ذکر عبد الرزاق(٤) وغيره، عن معمرٍ ، أنه أخبرهم عن الزهرىِّ، عن
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أصحابه)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) فى الأصل: ((المقبولة)).
(٤) عبد الرزاق (١٤٣٩١).
٦٢٩
الموطأ
الاستذكار أبى سلمةً، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنه قال: إنما جعَل رسولُ اللهِ وَل
الشُّفعةَ فى كلِّ ما لم يُقسمْ، فإذا وقَعت الحدودُ وصُرِّفت الطرقُ ، فلا
شفعةً. وكان أحمدُ بنُ حنبلِ يقولُ : حدیثُ معمرٍ ، عن ابنٍ شهابٍ فى
الشفعة، عن أبى سلمةً ، عن جابرٍ ، عن النبيِّ ◌ُٹے ◌ُصُ ما روی فیه عن
النبيِّ وَّهِ. وقال يحيى بن معينٍ: مرسلُ مالكِ أحبُّ إلىّ. ذكره أبو زرعةً
الدِّمشقيُّ عنهما. وذكر عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ قال: سمِعتُ أُبی
يقولُ : أهلُ المدينةِ لا يَرَون الشفعةَ إلا للشريكِ؛ على حديثٍ الزهرىِّ،
عن أبى سلمةً ، عن جابرٍ: إذا وقَعت الحدودُ فلا شفعةً. قال: ورواه مالكٌ
عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ وأبى سلمةً مرسلاً(١) . وبه أقولُ: لا أُرَى الشفعةً
لغيرِ الشريكِ، لا أراهاً(٢) للجارِ.
قال أبو عمرَ: فى حديثِ ابنِ شهابٍ ما ينفى الشفعةَ (٣ فى
الجوارِ؛ لأَن ضَرْبَ الحدودِ إذا نفَى الشفعةَ كان الجارُ أَبعدَ مِن
ذلك) ، وفى حديثٍ ابنٍ شهابٍ أيضًا ما ينفى الشفعةً فى كلِّ ما لا
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٤٥١).
(٢) بعده فى ح: ((إلا)).
(٣ - ٣) فى م: ((بالجوار فإذا لم تجب الشفعة للشريك إذا قسم وضرب الحدود كان الجار الملاصق
لم يقسم ولا ضرب الحدود أبعد من أن يجب ذلك)).
٦٣٠
٠۵
٦
الموطأ
الاستذكار
يُقسمُ، ولا يحتملُ قسمةً، ولا يصلُحُ أن تضربَ(١) فيه الحدودُ، "
وذلك ينفى الشفعةً فى الحيوانِ والعُرُوضِ كلِّها؛ لأنها ليست
بموضعٍ للحدودِ. وأما قولُ أبى حنيفةً وأصحابِه والثورىٌّ فى هذا
البابِ، فقالوا: لا شفعةً فيما سوى الدُّورِ والأَرَضينَ، والشفعةُ فى
ذلك مقسومًا كان أو مُشاعًا. وأوجبوا الشفعةً للجارِ بحديثٍ أبى
رافعٍ عن النبيِّ بَله، أنه قال: ((الجارُ أحقُّ بصَقَبِه(٢))). وهو حديثٌ
يَرويه جماعةٌ مِن أئمةِ أهلِ الحديثِ"، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، عن
عمرو بنِ الشَّريدِ، عن أبى رافع، عن النبيِّ بَه(٤). وحديثُ ابن شهابٍ
يُعارضُہ وهو أُصُ إسنادًا .
والشفعةُ عندَ الكوفيِين مُرتَبةٌ، فأولى الناسِ بالشفعةِ عندَهم الشريكُ(٥)
الذى لم يُقاسِمْ، ثم الشريكُ المُقاسِمُ ، إذا بقيت له فى الطريقِ شركةٌ ، ثم
الجارُ المُلاصقُ. وإنما تجِبُ عندَهم الشفعةُ فى الطريقِ إذا لم يكن
الشريكُ فى المُشاعُ(١). وكذلك لا يجبُ للجارِ الذى لا شركةً له فى
القبس
(١) فى م: ((يصرف)).
(٢) فى م: (( بسقبه)).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ.
(٤) تقدم تخريجه ص ٦١٩.
(٥) سقط من: م.
(٦) فى هـ: ((المتاع)).
٦٣١٠
الموطأ
الاستذكار الطريقِ إلا عندَ عدمٍ مَن ذكّرنا، أو عدم إرادتِه الأُخذَ بها. وحجَّتُهم فى
اعتبار الشر کة فی الطریقِ حدیثُ عبدِ الملكِ بنِ أبی سليمان العَرزمىِّ ، عن
عطاءٍ، عن جابرٍ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((الجارُ أحقُّ بصَقَبِه(١) يُنتَظَرُ
بها إذا كان غائبًا ، إذا كانت طريقُهما واحدةً))(٢) . وهذا حديثّ انفرد به
عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ العَرزمىُّ ، وهو ثقةٌ ، وأنگره عليه شعبةُ وقال : لو
جاء عبدُ الملكِ بحديثٍ آخرَ مثلَ هذا لأسقطتُ حدیثَہ ، وما حدثتُ عنه
بشىءٍ. وقال سفيانُ الثورىُّ: عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ أعدلُ مِن
الميزان .
قال أبو عمرَ: قد روِى مثلُ قولٍ الكوفيِّين عن طائفةٍ مِن التابعين،
وروى مثلُ قولِ الحجازيِّين، عن عمرَ، وعثمانَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (٣).
وهو أصحُ ما قيل فى ذلك من جهةِ الأثرِ ومِن جهةِ النظرِ أيضًا؛ لأن
المشترىَ لا يجِبُّ أن يخرُجَ مالُه عن یدِه بغیرِ طيبٍ نفسٍ منه إلا بیقینٍ
يجبُ التسليم له .
وروى ابنُ عیینةً، عن عمرو بنِ دینارٍ، عن أبی بکرِ بنِ حفصٍ
القبس
(١) فى هـ: ((بسقبه)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٢١ بلفظ: ((الجار أحق بشفعة جاره)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((وغيرهم)).
والآثار تقدم تخريجها ص ٦٢٢، ٦٢٣.
٦٣٢
الموطأ
قال یحیی : قال مالك ، فی رجل اشتری شقصًا مع قوم فی أرضٍ
بِحَيَوانٍ؛ عبدٍ أو وَليدَةٍ ، أو ما أشبه ذلك من العُروضِ، فجاء الشَّريكُ
يأْخُذُ بشُفعتِه بعدَ ذلك، فوجَد العبدَ أو الوليدةَ قد هلكا ، ولا يعلَمُ أحدٌ
قَدْرَ قِيمَتِها ، فيقولُ المُشْترِى : قيمةُ العبدِ أو الوليدةِ مائةُ دينارٍ . ويقولُ
صاحبُ الشفعةِ : بل قيمتُهما خمسون دينارًا .
الاستذكار
ابنِ "عمرَ بنِ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ)، أن عمرَ كتَب إلى شريحٍ، أن اقْضٍ
بالشفعة للجارِ. فكان يقضى بها(١) . وسفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ،
قال: كتَب إلينا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، إذا مُدَّت الحدودُ فلا شفعةً . قال
إبراهيمُ : فذكّرتُ ذلك لطاوسٍ، فقال: لا ، الجارُ أحقُّ(٣).
قال مالكٌ ، فی رجل اشتری شِقْصًا مع قوم فی أرضٍ بحیوانٍ ؛ عبدٍ أو
وليدةٍ ، أو ما أشبه ذلك مِن العروضِ، فجاء الشريكُ يأخُذُ بشُفعتِه بعدَ
ذلك، فوجَد العبدَ أو الوليدةَ قد هلكا ولا يعلمُ أحدٌ قَدْرَ قيمتِهما، فيقولُ
المُشترى: قيمةُ العبدِ أو الوليدةِ مائةُ دينارٍ. ويقولُ صاحبُ الشُّفعةِ : بل
قیمته خمسونَ دینارًا .
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((غياث)).
(٢) ذكره ابن حزم فى المحلى ٣٥/١٠ عن ابن عيينة به.
(٣) تقدم تخريجه ص ٦٢٣ .
٦٣٣
قال مالكٌ: يَحلِفُ المُشترى أن قيمةً ما اشتَرَى به مائةُ دينارِ ، ثُم
الموطأ
إن شاءً أن يأخُذَ صاحبُ الشُّفعةِ أَخَذ، أو يتركَ ، إلا أن يأتىَ الشَّفيعُ
بَيَِّةٍ أن قيمةَ العبدِ أو الوليدةِ دونَ ما قال المُشترِى .
قال مالكٌ: يحلِفُ المُشترى أن قيمةَ ما اشترى به مائةُ دینارٍ ، ثم إن
الاستذكار
شاء أن يأخذَ صاحبُ الشفعةِ أَخَذ، أو يتركَ ، إلا أن يأتىَ الشفيعُ ببيّنةٍ أن(١)
قيمةَ العبدِ أو الوليدةِ دونَ ما قال المُشترِى .
قال أبو عمرَ : الشفيعُ طالبٌ آخذٌ ، والمُشترى مطلوبٌ مأخوذٌ منه،
فوجب أن يكونَ القولُ(٢) قولَ المشترِى مع يمينِه؛ لأنه مُدَّعَى عليه،
والشفيعُ مُدَّع ولا بينةَ له، ولو كانت له بينةً أَخَذ بها . وعلى هذا القولِ
جمهور الفقهاءِ. وهو قولُ الشافعىّ والکوفیین. وقد خالَف فى ذلك بعضُ
التابعين . وجعَل القولَ قولَ الشفيع ؛ لوجوبِ الشفعة له، وجعَل المُشترىّ
مُدَّعيًا فى الثمنِ أو قيمته إن كان عرضًا؛ لأنه آخذٌ له . والقولُ الأولُ أولى
بالصوابِ لما ذكرنا . وباللهِ توفيقُنا. وكذلك لو اختَلف المُشترِى والشفيعُ
فى مبلغِ الثمنٍ، ولم يكنْ لواحدٍ منهما بينةٌ، كان القولُ قولَ المُشترِى؛
لأنه المطلوبُ بالشفعةِ، والمأخوذُ منه الشِّقْصُ، ولو أقامَ كلَّ واحدٍ منهما
البينةَ على ما ادَّعى، ففيه قولان للفقهاءِ؛ أحدُهما : البينةُ بينةُ الشفيع .
القبس
(١) فى ب: ((مائة دينار)).
(٢) فى م: ((العدل)).
٦٣٤
الموطأ
والآخَرُ: البينةُ بينةُ المشترِى. وكذلك لو أقام كلُّ واحدٍ منهما البينةَ على
ما ادَّعاه، مِن ثمنِ العَرْضِ الذى هو ثمنَّ للشفعةِ .
الاستذکار
وأما اختلافُ أصحابٍ مالكِ فى هذه المسألةِ، وفى سائرِ مسائلٍ
الشفعةِ فكثيرٌ لا يُحصى كثرةً؛ ففى ((المدونةِ)) قال ابنُ القاسم: القولُ
قولُ المشترِى مع يمينِه، إذا اختَلفا فى ثمنِ الشِّقْصِ وكان قد أتَى بما
يُشبِهُ، فإِن أَتَى بما لا يُشبِهُ وأَتْىَ الشفيعُ بما يُشبِهُ، فالقولُ قولُه مع يمينِه،
ومَن أتَى منهما ببينةٍ قُضِى له ، فإن أتَيا جميعًا بالبيئةِ ، فإن تكافأ فى العدالةِ
سقَطتا، وكان القولُ قولَ المشترى ، وإن لم يتكَافَا قُضى بأعدلهما. وقال
سحنونٌ: البينةُ بينةُ المُشترِى؛ لأنها زادَت علمًا. وروَى أشهبُ عن
مالك ، قال : إذا كان المُشتری ذا سلطانٍ فالقولُ قولُه فى الثمنِ بلا یمینٍ ،
لأن مثلَه يُرغَبُ فى الثمنِ عندَه، وإن لم يكنْ فأرَى عليه اليمينَ . وقال
أشهبُ : القولُ قولُ المشترِى مع يمينِه إذا ادَّعى ما لا يُشبِهُ، فإن ادَّعى ما
يُشبهُ فالقولُ قولُه بلا يمينٍ . وذكر ابنُ حبيبٍ عن مُطرّفٍ ، أنه قال: القولُ
قولُ المُشترِى مع يمينِه ، إذا ادَّعى ما لا يُشبِهُ وأَتَى بالسَّرَفِ؛ لأنه مُدَّعًى
عليه .
قال ابنُ حبيبٍ: إنما يكونُ القولُ قولَ المُشترِى ما لم يأتِ بِالسَّرَفِ ،
فإن أتَى بِالسَّرَفِ رُدَّ إلى القيمةِ، وخُيِّرَ الشفيعُ؛ فإن شاء أخَذ وإن شاءَ
ترَك .
القبس
٦٣٥
:
قال مالكٌ: مَن وهَب شِقْصًا فى دارٍ أو أرضٍ مُشترَكةٍ ، فأُتّابَه
الموطأ
الموهوبُ له بها نَقدًا أو عَرْضًا فإِنَّ الشُّرَكاءَ يأخُذونها بالشَّفعةِ إِن
شاءوا، ويَدفَعون إلى الموهوبِ له قيمةَ مَثُويتِه دنانيرَ أو دراهمَ .
قال مالكٌ: ومَن وهَب هِبةً فى دارٍ أو أرضٍ مُشترَكةٍ، فلم يُثَبْ
منها ولم يطلُبْها ، فأراد شريكه أن يأخُذَها بقيمتِها ، فليس ذلك له ما لم
يُقَبْ ، فإن أُثِيبَ فهو للشَّفيعِ بقيمةِ الثوابِ .
قال مالكٌ: مَن وهَب شِقْصًا فى أرضٍ أو دارٍ مشتركةٍ، فَأَتَابَه(١)
الاستذکار
الموهوبُ له بها نقدًا (٢) أو عرضًا، فإن الشركاءَ يأخذونها بالشفعةِ إِن
شاءوا، ويدفَعون إلى الموهوبِ له قيمةً مثويتِه دنانيرَ أو دراهمَ .
قال مالكٌ: ومَن وهَب هبةً فى دارٍ أو أرضٍ (١) مشتركةٍ، فلم يُثَبْ
منها ، ولم يطلئها ، فأراد شريكه أن يأخُذَها بقيمتها ، فليس ذلك له ما لم
يَتَبْ عليها، فإن أثيب فهو للشفيعٍ بقيمةِ الثوابٍ .
قال(٥) أبو عمرَ : قد كان مالكٌ فى صدرٍ مِن عمرٍه يرى فى الهبةِ الشفعةً
وإن كانت لغيرِ ثوابٍ ؛ لأنه انتقالُ مِلْكِ ، ثم رجع عن ذلك ولم يرَ فى الهبةِ
القبس
(١) فى الأصل: ((فأتى بها))، وفى ح، هـ: ((فأتى به)).
(٢) فى ح، هـ: (عينا)).
(٣) فى الأصل، ح، هـ: ((عرض).
(٥) من هنا سقط فى المخطوط ح، هـ، ينتهى ص ٦٣٨.
٦٣٦
الموطأ
الاستذ کار
لغيرِ ثوابٍ شفعةً . ذكّر ذلك عنه ابنُ عبدِ الحكم . وأما الهبةُ للثوابِ ، فهى
عندَه كالبيعِ وفيها الشفعةُ ، لم يختلفْ قولُه فى ذلك ولا قولُ أصحابِهِ ، إلا
أنهم اختلفوا فيه لو أن الموهوبَ له أثاب الواهبَ بأكثرَ مِن قيمةِ الشِّقْصِ
الموهوبِ ؛ فقال ابنُ القاسم: لا يأخُذُه إلا بقيمةِ الثوابِ كلُّه . قال: ولهذا
يَهَبُ الناسُ الهباتِ. ولم يذكُرْ فَوْتًا (١)، بل قال ذلك مُجْملًا.
وقال أشهبُ : إذا أَثَابَه أكثرَ مِن قيمتِه قبلَ أن يدخُلَ الهبةَ فوتٌ(٢)،
فليس للشفيع أن يأخُذَه إلا بجميع الثوابٍ أو يتركّه(١) ، وإن كان بعدَ
الفَوْتِ فله أن يستشفعَ بقيمةِ الشِّقْصٍ فقط . وأما الشافعىُّ فالهبةُ للثواب
عندَه باطلٌ مردودةٌ؛ لأنها عندَه مِن بابٍ (٤ بيع بثمن٤ٍ) مجهول، وسيأتى
ذلك فى بابِ الهباتِ(٥)، إن شاء اللهُ(٦). ولا شفعةً (٧ عندَ الشافعىِّ" فى
الهبةِ للثوابٍ ؛ لأنه مردودٌ مِن فعلٍ مَن فعَله . وأما الكوفيُّون فيُجِيزون الهبةً
للثوابِ ويُمضُونها؛ أتِباعًا لعمرَ بنِ الخطابِ ("وغيرِهِ مِن الصحابةِ
مرضاةُ اللهِ عليهم الذين رُويت عنهم إجازتُها ، وسنذكُرُ ذلك فى
القبس
(١) فى م: ((قوتا)).
(٢) فى الأصل، م: ((قولان)).
(٣) فى الأصل، م: ((شركه)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((بيع وثمن))، وفى م: ((البيع بثمن)).
(٥) سيأتى فى شرح الأثر (١٥١١) من الموطأ .
(٦) بعده فى الأصل، م: ((قال)).
(٧ - ٧) فى الأصل، م: ((للشافعى)).
(٨ - ٨) سقط من: م.
٦٣٧
الموطأ
قال مالك ، فى رجل اشتَرَى شِقْصًا فى أرضٍ مُشترَكَةٍ بثمنٍ إلى
أجلِ، فأراد الشَّريكُ أن يأخُذَها بالشُّفْعةِ. قال مالك: إن كان مَلِيًّا فله
الشفعةُ بذلك الثمنِ إِلى ذلك الأجلِ، وإن كان مَخُوفًا ألَّا يُؤْدِّىَ الثمنَ
إلى ذلك الأجلِ، فإذا جاءهم بحَمِيلٍ مَلِىٌّ ثِقَّةٍ مِثلِ الذِى اشتَرَى منه
الشِّقْصَ فِى الأرضِ المُشترَكةِ، فذلك له.
الاستذكار موضعِه (١) إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ. ولكنهم لا يَرَون فى الهبةِ للثوابٍ شفعةٌ ؛
لأنها عندَهم هبةٌ ليست ببيع، وكذلك لا شفعةً عندَهم فى صداقٍ ولا
أُجرةٍ ولا يُعْلٍ ولا ◌ُلعٍ، ولا فى شىءٍ صُولِح عليه مِن دمِ عَمْدٍ .
قال مالكٌ، فى رجلِ اشترى شِقْصًا فى أرضٍ مشتركةٍ بثمنٍ إلى أجلٍ،
فأراد الشريكُ أن يأخُذَها بالشفعةِ. قال مالكٌ: إن كان مَليَّا فله الشفعةُ
بذلك الثمنٍ إلى ذلك الأجل، وإن كان مخُوفًا أَلَّا يؤدِّىَ الثمنَ إلى ذلك
الأجلِ ، فإذا جاءهم بحَميلٍ مَلىٍّ ثقةٍ مثلِ الذى اشتَرَى منه الشِّقْصَ فى
الأرضِ المشتركةِ ، فذلك له (٥) .
قال أبو عمرَ : لم يختلفْ قولُ مالك وأضحابه فى هذه المسألةِ علی ما
ذگره فی « موطئه)) ، إلا أنهم اختلفوا فى الذى يشتری شِقْصًا مِن رَبْع بثمنٍ
إلى أجلٍ، فلا يقومُ الشفيعُ حتى يَحِلُّ الأُجلُ على المُشترى ؛ فذكّر ابنُ
القبس
(١) سيأتى فى شرح الأثر (١٥١١) من الموطأ.
(٥) هنا انتهى السقط من المخطوط ح، هـ، والمشار إليه ص ٦٣٦.
٦٣٨
الموطأ
قال مالك : لا تَقطَئُ شفعةً الغائبِ غَیبتُه ، وإن طالتْ غیبتُه ، ولیس
لذلك عندَنا حَدٌّ تُقْطَعُ إليه الشفعةُ .
الاستذكار
حبيبٍ، عن ابنِ الماجشونِ أنه قال: يأخُذُّها الشفيعُ ويكونُ الثمنُ عليه
مؤسّلًا إلى مثلِ ذلك الأجلِ الذى كان على المُشترى. وقال أصبغُ: لا
يأْخُذُّه الشفيعُ بالشفعةِ إلا بثمنٍ حالٌّ. وأما الشافعىُّ فقال، فيما ذكّر عنه
المُزنيُّ: إن اشتَرَى النَّصيبَ (١) مِن الدارِ أو سائرِ الرِّبَاعِ والأرضِ بثمنٍ إلى
أجلِ، قيل للشفيع: إن شئتَ فعجّلِ الثمنَ وتعجَّلِ الشفعةَ، وإن شئتَ
فدَعْ حتى يحلَّ الأجلُ. وقولُ الكوفتّين فى ذلك نحوُ قولِ الشافعىِّ .
وذگر عبد الرزاق(٢)، عن الثوریِّ، أنه سُئل عن رجل باع مِن رجلٍ
أرضًا فيها شفعةٌ لرجلٍ إلى أجلٍ ، فجاء الشفيعُ فقال: أنا آخذُها إلى أجلِها .
قال: لا يأخُذُها إلا بالنقدِ؛ لأنها قد دخلت فى ضمانِ الأولِ. قال
سفيانُ: ومنَّا مَن يقولُ: تُقَرّ فى يدِ الذى ابتاعها، فإذا بلَغ الأجلَ أخذَها
الشفیخُ .
قال مالكٌ: لا تَقطَعُ شفعةً الغائبِ غیبتُه، وإن طالتْ غیبتُه ، ولیس
لذلك عندَنا حدٍّ تُقطعُ إليه الشفعةُ .
القبس
(١) فى ح، هـ: ((النصيف)).
(٢) عبد الرزاق (١٤٤٢٢).
٦٣٩
الموطأ
الاستذكار
قال يحيى: قلتُ لابن القاسم: هل ترى الإسكندريةَ - يعنى مِن
مصرَ - غَيْبةً، وهو يبلُغُه ان صاحبه قد باع، فیقیمُ علی ذلك المشترى
سنينَ؛ العشرةَ ونحوَها، ثم يأتى بعدَ ذلك يطلُبُ الشفعةَ؟ فقال ابنُ
القاسم : هذه غَيبةٌ لا تقطعُ على المُشتری شفعته، وإن بلغه ذلك ، فنری
للسلطان أن يكتبَ إلى قاضى البلدِ الذى هو به أن يُوقفَه، ويُعلِمَه أن
شريكه قد باع، فإما أخَذ وإما ترَك . قال ابنُّ القاسم: لا أرَى ذلك على
القاضى إلا أن يطلُبَ ذلك المُبتامع، فيكتبُ له القاضى الذى بمكانِه إلى
قاضى البلدِ بما ثبت عندَه مِن اشترائِه، وما يطلبُ من قطعِ الشفعةِ عنه
فيوقفُه؛ فإما أَخَذ وإما ترَك، فإن ترَك فلا شفعةً له. قال: قلتُ لابنٍ
القاسم : فما ترى القُرْبَ الذى يقطعُ الشفعةَ؟ قال: ما وقَّت لنا مالكٌ
" فيه شيئًا، قد١) تكونُ المرأةُ الضعيفةُ والرجلُ الضعيفُ على البريدِ ، فلا
يستطيعُ أن ينهضَ ولا يسافرَ، فلم يحُدَّ لنا حدًّا، وإنما فيه اجتهادٌ
للسلطان علی أفضلٍ ما یری .
قال أبو عمرَ: أما شفعةُ الغائبِ ، فإن أهلَ العلم مجمعون على أنه إذا
لم يعلم ببيع الحصةِ التى هو فيها شريكٌ مِن الدُّورِ والأُرَضين، ثم قدم،
فعلِم فله الشفعةُ مع طولٍ مدةٍ غَيبتِه . واختلفوا إذا علِمٍ فى حالِ الغَيبةِ ، فقال
القبس
(١ - ١) فى ح: ((فلا))، وفى هـ: ((قد)).
٦٤٠