Indexed OCR Text

Pages 441-460

الموطأ
ومن البُوع ما يجوزُ إذا تفاوَتَ أمرُه وتَفاحَش ردُّه، فأمَّا الرِّبا
فإنه لا يكونُ فيه إلا الرَّدُّ أبدًا، ولا يجوز منه قليل ولا كثيرٌ، ولا
يجوزُ فيه ما يجوزُ فى غيره؛ لأن الله تبارك وتعالى قال فى كتابه :
﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٢٧٩].
١
الاستذكار
ذلك فی نصيبه، ثم يقسمان ما بقى .
واختلف ابنُ القاسمِ وأشهبُ فى القِراضِ بالفُلوسِ ؛ فأجازه أشهبُ ولم
يُجِزْه ابنُّ القاسم، قال: لأنها تُحوَّلُ إلى الفسادِ والكُسَادِ .
مسألةٌ وقَعت فى هذا البابٍ مِن رواية يحيى فى ((الموطأُ))، قال
مالكٌ : ومِن البيوع ما يجوزُ إِدا تفاوتَ أمرُه وتفاحَش ردُّه ، فأما الربا فإنه لا
یکونُ فیه إلا الرُّ أبدًا ، ولا يجوزُ منه قليلٌ ولا کثیرٌ، ولا يجوزُ فیه ما يجوزُ
فى غيرِه؛ لأن الله تعالى قال فى كتابه: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
قال أبو عمرَ: هذا قولٌ صحيحٌ فى النظرِ وصحيحٌ مِن جهةِ الأثرِ ،
فمَن قادَهُ(١) ولم يضطرِبْ فيه فهو الحبرُ الفَقِيهُ . وما التوفيقُ إلا باللهِ ، عليه
توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم .
القبس
(١) فى ب: ((فاته)).
٤٤١

الموطأ
ما يجوزُ من الشرطِ فی القِراض
١٤٣١ - قال يحيى: قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ مالًا
قراضًا، وشرّط عليه: ألَا تَشتَرِىَ بمالى إلا سِلعَةً كذا وكذا. أو يَنْهاه
أن يشترىَ سلعةً باسمِها .
قال مالك: من اشتَرَط على مَن قارَض أَلَا يَشترىَ حيوانًا أو سلعةً
باسمِها ، فلا بأسَ بذلك. قال: ومَن اشتَرَط على مَن قارَض ألا يَشترىَ
إلا سلعةً كذا وكذا، فإن ذلك مكروة ، إلا أن تكونَ السلعةُ التى أُمَرَه
ألا يَشترىَ غيرَها كثيرةً موجودةً، لا تُخْلِفُ فى شتاءٍ ولا صيفٍ ، فلا
بأسَ بذلك.
الاستذكار
بابُ ما يجوزُ مِن الشرطِ فی القِرَاضِ
قال مالكٌ فی رجل دفعإلی رجل مالا قراضًا، وشرط علیه ألا يشترى به إلا
سلعةً كذا وكذا ، أو يَنْهاه أن يشترىَ سلعةً باسمِها ، قال مالكٌ: مَن اشتَرط
على مَن قارَض ألَّ يشترِىَ حيوانًا أو سلعةٌ باسمِها ، فلا بأسَ بذلك(١).
قال: ومَن اشتَرط على مَن قارَض ألا يشترِىَ إلا سلعةً كذا وكذا، فإن
ذلك مكروة، إلا أن تكونَ تلك السلعةُ التى أمَره ألا يشترىَ غيرَها موجودةً
لا تُخْلِفُ فى شتاءٍ ولا صيفٍ ، فلا بأسَ بذلك .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/١٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٤٣٨).
٤٤٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: اختلف الفقهاءُ فى المُقارِضِ يشترِطُ عليه ربُّ المالِ الاستذكار
خُصُوصَ التصرفِ ؛ فقولُ مالكِ ما وصَفنا . وقال الشافعىُّ : لا يجوزُ أن
يُقارِضَه ويشترطَ عليه (١) أَلَّا يشترِىَ إلا مِن فلانٍ، أو إلا سلعةً واحدةً
بعينها، أو يشترِىَ نخلاً أو دوابَّ، فإن فعَل فذلك كلَّه فاسدٌ . وإن اشترط
أن يشترِىَ صِنْفًا موجودًا فى الشتاءِ والصيفِ، فذلك جائزٌ. وقال أبو
حنيفةً: إذا شرّط على المُقارِضِ ألا يشترِىَ إلا مِن فلانٍ، (٢أو لا يشترِىَ"
إلا الرقيقَ، أَو على ألا يبيعَ ولا يشترىَ إلا بالكوفةِ ، (٢ كان ذلك٣) على ما
شرَّط ، ولا ينبغِى أن يتجاوزَه ، فإن تعدَّاه ضمِن.
قال أبو عمرَ: قولُ مالكِ رحمه اللهُ فى هذا البابِ أَعدَلُ الأقاويل
وأوسطُها؛ لأنه إذا قصَر العاملَ على ما لا يوجدُ إلا نادرًا غِبًّا ، فقد حالَ بينَه
وبينَ التصرفِ ، وهذا عندَ الجميعِ فسادٌ فى عقدِ القِراضِ، وإذا أطلَقه على
صنفٍ موجودٍ لا يُعدمُ، فلم يَحُلْ بينَه وبينَ التصرفِ. ومذهبُ مالكِ
والشافعيّ فى هذا البابِ سواءٌ. ومَن اشتَرط عندَهما على العاملِ فى
القِراض ألا يشترىَ إلا سلعةً بعينها - يعنى عينَ صنفٍ - أو ألا يشترِی إلا
مِن فلانٍ ، أو يُؤَقِّتَ فى القِرَاضِ وقتًا ويضربَ له أجلًا، فالقِرَاضُ فى ذلك
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((إلا)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((وهذا عند الجميع فساد فى عقد القراض)).
٤٤٣

الموطأ
قال مالكٌ فى رجل دفَع إلى رجلٍ مالا قراضًا، واشتَرَط عليه فيه
شيئًا مِن الربح، خالصًا دونَ صاحبِه: فإن ذلك لا يصلُحُ وإن كان
دِرِهَمًا واحدًا، إلا أن يَشتَرِطَ نصفَ الربح له ونصفَه لصاحبِه ، أو ثُلُثَه
أو رُبُّعَه، أو أقلَّ مِن ذلك أو أكثرَ، فإِذا سمَّى شيئًا مِن ذلك، قليلًا أو
كثيرًا، فإن كلَّ شىءٍ مِن ذلك حلالٌ، وهو قراضُ المسلمين .
قال: ولكن إن اشتَرَط أن له مِن الربح درهمًا واحدًا فما فوقه،
خالصًا دونَ صاحبِه، وما بَقِى مِن الربح فهو بينَهما نِصفَيْن ، فإن ذلك
لا يصلُح، وليس على ذلك قراضُ المسلمين.
الاستذكار كلُّه فاسدٌ. وسيأتى حكم القِرَاضِ الفاسدِ فى موضعِه إن شاء الله .
قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ مالًا قِرَاضًا، واشترط عليه شيئًا مِن
الربحِ خالصًا دونَ صاحبِه : فإن ذلك لا يصلُحُ وإن كان درهمًا واحدًا ، إلا
أن يشترِطَ نصفَ الربح له ونصفَه لصاحبِه ، أو ثُلَثَّه أو رُبُعَه، أو أقلَّ مِن ذلك
أو أكثر، فإِذا سَمَّی شيئًا مِن ذلك قليلا أو کثیرًا، فإن كلَّ شىءٍ مِن ذلك
حلالٌ، وهو قِراضُ المسلمين. قال: ولكن إن اشترط أن له مِن الربح
درهمًا فما فوقَه، خالصًا له دونَ صاحبِهِ، وما بقِى مِن الربحِ فهو بينَهما
نصفين، فإن ذلك لا يصلُحُ، وليس على ذلك قِرَاضُ المسلمين .
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ خلافًا أنه إذا اشترط العاملُ أو ربُّ المالٍ على
القبس
٤٤٤

الموطأ
ما لا يجوزُ من الشرطِ فى القراضٍ
١٤٣٢ - قال يحيى: قال مالك: لا ينبغى لصاحبِ المالِ أن
يَشتَرِطَ لنفسِه شيئًا مِن الربحِ خالصًا دونَ العاملِ، ولا ينبغى للعاملِ أن
يَشترِطَ لنفسِه شيئًا مِن الربح خالصًا دونَ صاحبِهِ، ولا يكونُ مع
القِراضٍ بيعٌ، ولا كِراءٌ، ولا عملٌ، ولا سَلَفٌ، ولا مَرْفِقٌ، يَشترِطُه
أحدُهما لنفسِه دونَ صاحبِه، إلا أن يُعِينَ أحدُهما صاحبَه على غيرِ
شرطٍ، على وجهِ المعروفِ، إذا صحَّ ذلك منهما، ولا ينبغى
صاحبِه شيئًا يختصّ به من الربح معلومًا؛ دينارًا أو درهمًا أو نحوَ ذلك، ثم الاستذكار
يكونُ الباقى " من الربح " بينَهما نصفين، أو على ثُلُثٍ أو علی رُبُع، فإن
ذلك لا يجوزُ؛ لأنه يصيرُ النصيبُ بتلك الزيادةِ مجهولاً ، ولا يجوزُ عندَ
جميعِهم ذلك؛ لأن الأصلَ فى القِرَاضِ ألا يجوزَ إلا على نصيبٍ معلومٍ،
ولا تُخالَفَ به سُنَّةٌ. وبالله التوفيقُ.
بابُ ما لا يجوزُ مِن الشرطِ فى القراضِ
قال مالكٌ : لا ينبغِى لصاحبِ المالِ أن يشترطَ لنفسِه شيئًا مِن الربحِ
خالصًا دونَ العاملِ، ولا ينبغى للعاملِ أن يشترِطَ لنفسِه شيئًا مِن الربح
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، وفى الأصل، م: ((فى الربح)).
٤٤٥

الموطأ
للمُتَقارِضَيْن أن يَشترِطَ أحدُهما على صاحبِه زيادةً، من ذهبٍ ولا
فضَّةٍ ولا طعامٍ ، ولا شىءٍ مِن الأشياءِ ، يَزْدادُه أحدُهما على صاحبِه .
قال: فإن دخَل القراضَ شىءٌ مِن ذلك، صار إجارةً، ولا تصلُحُ
الإجارةُ إلا بشىءٍ ثابتٍ معلوم ، ولا ينبغى للذى أخَذ المالَ أن يَشتَرِطَ ،
مع أخذه المالَ أُن ◌ُکافئ ولا یُولِّیَ مِن سلعتِه أحدًا ، ولا یتولّی منها شيئًا
لنفسِه . قال: فإذا وَفَر المالُ وحَصَل، عَزَلَ رأسَ المالِ ، ثُمَّ اقتَسما
الربحَ على شرطِهما، فإن لم يكنْ للمالِ ربحٌ، أو دخلتْه وَضِيعةٌ ، لم
يَلْحَقِ العاملَ مِن ذلك شىءٌ، لا مِمَّا أَنْفَق على نفسِه، ولا مِن
الوَضِيعَةِ، وذلك على ربِّ المالِ فى مالِه. والقراضُ جائزٌ على ما
تَراضَى عليه ربُّ المالِ والعاملُ؛ مِن نصفِ الربحِ، أو ثُلُثِهِ، أو رُيُّعِه،
أو أقلَّ مِن ذلك أو أكثرَ .
الاستذكار خالصًا دونَ صاحبِهِ، ولا يكونُ مع القِرَاضِ بيع ولا كِرَاءٌ ولا عَمَلٌ ولا
سَلَفٌ ولا مَرْفِقٌ يشترطُه أحدُهما لنفسِه دونَ صاحبِه ، إلا أن يُعِينَ أحدُهما
صاحبه علی غیر شرط على وجهِ المعروفِ إذا صحّ ذلك منهما ، ولا ینبغِی
للمُتقارِضَيْن أن يشترِطَ أحدُهما على صاحبِهِ زيادةً مِن ذَهَبٍ ولا فضةٍ ولا
طعام ولا شیءٍ مِن الأشياءِ یزدادُه أحدُهما علی صاحبه. قال : فإن دخل
القِرَاضَ شىءٌ مِن ذلك صار إجارةً، ولا تصلُحُ الإجارةُ إلا بشىءٍ ثابتٍ
معلوم، ولا ينبغى للذى أخَذ المالَ أن يشترطَ مع أخذِه المالَ أن يُكافِئ ولا
القبس
٤٤٦

الموطأ
يُولِّىَ مِن سلعةٍ أحدًا، ولا يتولّى منها شيئًا لنفسِه، فإذا وفَر المالُ الاستذكار
وحصل(١)، عزَل رأس المالِ ثم اقتسما الربح علی شرطهما ، فإن لم یکنْ
للمالِ رِبْع أو دخَلتْه وضيعةٌ ، لم يَلْحَقِ العاملَ مِن ذلك شىءٌ، لا مما أنفَق
على نفسِه ولا مِن الوَضِيعةِ، وذلك على ربِّ المالِ فى مالِه، والقِراضُ
جائزٌ على ما تراضَى عليه ربُّ المالِ والعاملُ مِن نصفِ الربح أو ثُلُثِهِ أو
رُيُعِه، أو أقلَّ مِن ذلك أو أكثرَ(٣).
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم معنى هذا البابِ كلِّه واضحًا فيما مضَى مِن
کتاب القراض فی الباب الذی قبلَ هذا وفی الذی قبله . والذى لا يجوزُ مِن
الشرطِ فى القِرَاضِ عندَ مالكِ وأصحابِه أشياءُ كثيرةٌ ؛ منها أن يزدادَ أحدُ
المُتقارِضَيْن على صاحبِه زيادةً على الحصةِ التى تعامَلا عليها مِن الربحِ،
على ما ذكّر مالكٌ فى هذا البابِ وفى الذى قبلَه. ومنها أن يعطيَه المالَ
قِرَاضًا على الضمانِ، أو على أن يعملَ به إلى أجَلِ، أو يدفعَ إليه المالَ على
قِرَاضٍ مبهم(٢)، أو يشترِطَ عليه ألا يشترى إلا مِن فلانٍ ، أو مِن متاعٍ فلانٍ،
أو من عملٍ فلانٍ، أو على ألا يتَّجِرَ(٤) إلا فى حانوتٍ بعينه، أو على أن
يشترىَ به سلعةً غيرَ موجودةٍ فى الأغلبِ تُخْلِفُ فى شتاءٍ أو فى صيفٍ ، أو
القبس
(١) فى الأصل، ح، هـ، ب: ((حصله)).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٤٣٢) .
(٣) في م: ((منه)).
(٤) فى م: ((يتحرى)).
٤٤٧

الموطأ
قال مالكٌ : لا يجوزُ للذى يأخُذُ المالَ قِراضًا أن يَشترِطَ أن يعمُلَ
الاستذكار على أن يُسلِفَ أحدُهما صاحبَه سَلَفًا، أو على أن يبيعَ أحدُهما مِن صاحبِه
سلعةً ، أو يَهَبَ له هِبَةً، أو على ألا (١) يُنْفِقَ منه إن سافَر، أو على أن يضعَ
عنه نصفَ النفقةِ، أو على أن يُتْفِقَ ولا يكتسِىّ، أو على أن يكتسِىّ ولا
يُنْفِقَ، أو على أن يدفعَ إليه مالَئِن؛ أحدُهما على النصفِ والآخرُ على
الثلثٍ، أو على أن(٢) يَخْلِطَهما، أو على أن يجعلَ معه حافظًا يحفظُ عليه ،
أو غلامًا أو ولدًا يُعَلِّمُه له، أو على أن يشترِطَ زكاةَ الربح فى المالِ ، أو زكاةَ
المالِ فى الربح، أو على أن يبتاعَ بالمالِ دوابَّ يطلبُ نسلَها، أو شجرًا
يطلبُ ثمرتها ، أو على أن يشترى بالمال سلعةً يخرج بها إلى بلدٍ يبيعُها
به) ، أو يَقْدَمُ بها مِن البلدِ الذى ابتاعها فيه .
ومِن هذه الوجوهِ ما اختلف فيه أصحابُ مالكٍ وغيرُهم مِن العلماءِ،
ومنها ما ◌ُردُّ إلی قِراضٍ مثله إن وقع، ومنها ما يُردُّ إلى أجرة مثله. نذ کژُ مِن
ذلك كله ما حضرنا ذ کرُه بعون الله عزَّ وجلّ إن شاء اللهُ تعالی بعد ذکرِنا ما
رسَمه مالكٌ رحمه اللهُ فى هذا البابِ .
قال مالكٌ : لا يجوزُ للذى يأخذُ المالَ قِرَاضًا أن يشترِطَ أن يعمَلَ فيه
سنينَ لا يُنْزَُ منه. قال: ولا يصلحُ لصاحبِ المالِ أن يشترِطَ أنك لا تَرُدُّه
القبس
(١) فى ح، هـ: ((أن)).
(٢) بعده فى الأصل، م: ((لا)).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ.
٤٤٨

الموطأ
فيه سنِين لا يُنْزَعُ منه. قال: ولا يصلُحُ لصاحبِ المالِ أن يَشترِطَ أنك
لا تَرُدُّه إلى سنِين؛ لأجل يُسَمِّيانه، لأن القِراضَ لا يكونُ إلى أجلِ،
ولكن يدفَعُ ربُّ المالِ مالَه إلى الذى يعمَلُ له فيه، فإن بَدا لأحدِهما أن
بتگگ ذلك والمالُ ناضٍ لم يَشْتَرِ به شيئًا ، تر که، وأخذ صاحبُ المالِ
مالَه. وإن بَدا لربِّ المالِ أن يَقبِضَه بعد أن يَشتَرِىَ به سلعةٌ ، فليس
ذلك له حتى يُباعَ المتامُ ويصيرَ عَينًا، فإن بدا للعامِلِ أَن يُؤْدَّه وهو
عَرْضٌ، لم يكنْ ذلك له حتى يَبِيعَه فيرُدَّه عينًا كما أخَذه .
إلى سنينَ. لأُجَلِ يُسَمِّيَانِه؛ لأن القِراضَ لا يكونُ إلى أَجَلِ، ولكن يدفعُ الاستذكار
ربُّ المالِ مالَه إلى الذى يعملُ له فيه، فإن بدا لأحدِهما أن يتُكَ ذلك
والمالُ ناضٍ(١) لم يشترِ به شيئًا، ترَكه، وأُخَذ صاحبُ المالِ مالَه، وإن بدا
لربِّ المالِ أن يقبِضَه بعدَ أن يشترِىَ به سلعةٌ ، فليس ذلك له حتى يُباع
المتاعُ ويصيرَ عَيْنًا، فإن بدا للعاملِ أن يَؤُدَّه وهو عَرْضٌ، لم يكنْ ذلك له
حتى يبيعَه فيَرُدَّه عَيْنًا كما أُخَذه .
قال أبو عمرَ: أما القِراضُ إلى أجلٍ، فلا يجوزُ عندَ الجميع، لا
إلى "سَنةٍ ولا إلى" سنينَ معلومةٍ، ولا إلى أجلِ مِن الآجالِ، فإن وقَع فُسِخَ
ما لم يَشرَع العاملُ فى الشراءِ بالمالِ ، فإن كان ذلك مضَى، رُدَّ إلى قِرَاضٍ
القبس
(١) الناض: المال الصامت من الدراهم والدنانير. الاقتضاب ٢٨٨/١.
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ .
٤٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/١٧)

الموطأ قال مالكٌ: ولا يصلُحُ لمن دفَع إلى رجلٍ مالًا قِراضًا أن يَشترطَ عليه
الزكاةَ فى حصَّتِهِ مِن الربح خاصَّةً ؛ لأن ربَّ المالِ إذا اشتَرَط ذلك ،
فقد اشتَرَط لنفسِه فَضْلًا من الربح ثابتًا فيما سَقَط عنه مِن حصةِ الزكاةِ
التى تُصیئه من حصتِه .
الاستذكار مثلِه عندَ مالكِ. وأما الشافعىُّ، فيُرَدُّ عندَه إلى أُجرةٍ مثلِه١)، وكذلك كلٌّ
قِرَاضٍ فاسدٍ. هذا قولُه وقولُ عبدِ العزيزِ بنِ أبى سلمةَ المَاجِشونِ . وأما أبو
حنيفةً، فقال فى المضاربةِ إلى أجلٍ : إنها جائزةٌ إلا أن يتفاسَخا.
وأجمعوا أن القِراضَ ليس بعقدٍ لازِم، وأن لكلِّ واحدٍ منهما أن
يبدوَ له فيه ويفسخَه ، ما لم يَشْرَع العاملُ فى العملِ بالمالِ، أو
يشترٍ له به متاعًا أو سِلَعًا، فإن فعَل لم يَفسَخْ حتى يعودَ المالُ
ناضًّا عَيْنًا .كما أخَذه.
قال مالكٌ: ولا يصلُحُ لمَن دفَع إلى رجلٍ مالًا قِراضًا أن يشترِطَ عليه
الزكاةَ فى حصتِه مِن الربح خاصةً ؛ لأن ربَّ المالِ إذا اشتَرط ذلك ، فقد
اشتَرط لنفسِه فضلاً مِن الرّبْح ثابتًا فيما سقَط عنه مِن حصة الزكاةِ التى
تصیبه فى حصَّتِه .
قال أبو عمرَ : هذا قولُ الشافعيّ؛ لأنه يعودُ إلى أن تكونَ حصَّةُ العاملِ
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
٤٥٠

الموطأ
ولا يجوزُ لرجلٍ أن يشترطَ على مَن قارَضه ألََّ يَشترىَ إلا من
فُلانٍ ، لرجلٍ يُسَمِّیه ، فذلك غير جائز، لأنه يصير له رسولا بأجر ليس
بمعروف .
وربِّ المالِ مجهولةً؛ لأنه لا يدرِى كم(١) يكونُ المالُ(٢) فى حينٍ وجوبٍ الاستذكار
الزكاةِ ؛ لأنه قد يُمكِنُ أن يَتْوَى المالُ كلُّه أو بعضُه بالخسارةِ أو آفاتٍ
الدهرِ. وفى ((المدونةِ )) قال ابنُ القاسم: جائزٌ أن يشترطَ أحدُهما على
صاحبه أن یکون علیه ز کاةُ الربح ؛ لأنه يرجئ إلى نصیبٍ معروفٍ . وفی
((الأسديَّةِ))(٣) عن ابن القاسم، أنه لا يجوزُ أن يشترطَ العامِلُ على ربِّ
المالِ زكاةً الربح، كما لا يجوزُ له أن يشترِطَ عليه زكاة المال . وروَی
أشهب عن مالكِ أن ذلك لا يجوزُ. وقال أشهبُ: هو جائزٌ؛ لأنه
يعودُ "إلى الأُجراءِ» .
قال أبو عمرَ: هذا فى زكاةِ الربح لا فى زكاةِ المالِ .
قال مالكٌ: ولا يجوزُ لرجلٍ أن يشترِطَ على من قارَضه ألا يشترِىَ إلا
القبس
(١) فى الأصل، م: ((لمن))، وفى ح: ((كما)).
(٢) بعده فى الأصل: ((فيه)).
(٣) الأسدية: نسبة إلى أسد بن الفرات؛ فإنه حين قدم إلى مصر أتى ابن وهب وقال له: هذه كتب
أبى حنيفة. وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك، فأبى وتورع، فذهب بها إلى ابن القاسم،
فأجابه بما حفظ عن مالك، وبما يعلم من قواعد مالك، فشُمَّيت هذه المسائل بالأسدية. ينظر ترتيب
المدارك ٤٦٩/٢، وسير أعلام النبلاء ٢٢٦/١٠.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((الأجزاء)).
٤٥١

الموطأ
الاستذكار من فلانٍ، لرجلٍ يُسمِّيه، فذلك غيرُ جائزٍ؛ لأنه يصير له رسولًاً (١) بأجر
ليس بمعروف .
وقد تقدَّم القولُ فى هذه المسألةِ . وقد اتَّفَق الشافعىُّ ومالكٌ أن العاملَ
إذا عمل على ذلك رُدّ إلى أُجرَةٍ مثلِه. وقد اختلف أصحابُ مالكِ فيما يُرَدُّ
من القِراضِ الفاسدِ إلى قراضٍ المثلِ ، وما يُرَدُّ منه إلى أجرةِ المثل ؛ فقال ابنُ
ءِ
القاسم: كلَّ ما دخَله التَّزَيِّدُ والتحجيرُ فإن العاملَ يُرَدُّ فيه إلى أجرةِ مثلِه ،
ويكونُ فى ذلك كلِّه أجيرًا، حاشا مسألتين، فإنهما خرَجَتا عن أصلِه ؛
إحداهما : العاملُ يشترطُ عليه ضمانَ مالِ القراضِ ، فقال: يُردُّ إلى قراضٍ
مثلِه ممن لا ضمانَ عليه . والمسألةُ الثانيةُ ، إذا ضرَب أجلاً فإنه يُرَدُّ إلى
قِرَاضٍ مثلِهِ . وسائرُ ذلك مِن هذا البابِ خاصةً يكونُ أجیرًا ، وما عدا التزيُّدَ
والتحجيرَ، فإنه يكونُ فيه على قراضٍ مثلِه. " وذكَر ابنُ حبيب عن(١)
أشهبَ وابنِ المَاجِشونِ، (أنهما قالا: يُردُّ فى القِراضِ الفاسدِ كلِّه إلى
قِراضٍ مثلِه. قال: و" قال ابنُ الماجشونُ": القِراضُ الفاسدُ كلُّه
يُرَدُّ (٤ العاملُ فيه٤) إلى أُجرةِ المثلِ. وهو قولُ أبى حنيفةً والشافعيِّ فى
القبس
(١) فى م: ((أجيرا)).
(٢ - ٢) سقط من: ح.
(٣) فى الأصل: ((و)).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل.
٤٥٢

الموطأ
قال مالكٌ فى الرجلِ يدفَعُ إلى رجلٍ مالا قراضًا، ويشترطُ على الذى
القِراضِ الفاسدِ، أنه يُرَدُّ العاملُ فيه إلى أَجرةِ مثلِه، والمالُ كلُّه وربحُه لربِّ الاستذكار
المالِ . وذكر ابنُ خُوازِ بندادَ ، قال : الأصلُ مِن قولٍ مالكِ فى القِراضٍ
ءُ
الفاسدِ أنه يُردُّ إلى أجرةِ المثل إلا فى مسائلَ يسيرةٍ ، مثلَ القراضِ على جزء
مجهولٍ من الرِّبْح، والقراضِ إلى مدةٍ، والقراضِ بعَرْضٍ، والقراضٍ
على الضمانِ . قال: وأظنُّ ذلك كلَّه استحسانًا، والأصلُ فيه الردُّ إلى أجرةٍ
المِثْلِ .
قال أبو عمر : قد اختلف قول مالك فى القراض الذی ◌ُشترطُ فيه على
العاملِ ضمانُ المالِ ؛ فمرةً قال: يُردُّ إلى قِرَاضٍ مثلِه. ومرةً قال : ثُرُّ إلى
أُجرةٍ مثله. وهو قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: المُضاربةُ جائزةٌ والشرطُ
باطلٌ .
وأما القِراضُ إلى أجلِ فأجازه الكوفيون ، وقالوا : المُضاربةُ جائزةٌ إلا
أن يتفاسَخا. وقال مالك والشافعيُّ: لا يجوزُ. إلا أن مالكًا قال: إن
وقَعتِ رُدَّت إلى قراضٍ المثلِ. وقال الشافعىُ: إن أخَذ المالَ قِراضًا إلى
أجلٍ فُسِخ القراضُ، فإن عمل على ذلك رُدَّ إلى أُجرةِ مثلِه .
وقال مالكٌ فى هذا البابٍ من «الموطأ)» فى الرجلِ يدفعُ إلى رجلٍ مالًا
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
٤٥٣

الموطأ دفَع إليه المالَ الضَّمانَ، قال: لا يجوزُ لصاحبِ المالِ أَن يَشترطَ فى
مالِهِ غيرَ ما وُضع القراضُ عليه وما مضَى من سُنَّةِ المسلمين فيه، فإن
نَما المالُ على شرطِ الضَّمانِ ، كان قد ازْداد فى حقّه من الربح مِن
أجلِ مَوْضِعِ الضَّمانِ، وإنَّما يَقْتَسمان الربحَ على ما لو أعطاه إياه على
غيرِ ضمانٍ ، وإن تَلِفِ المالُ لم أرَ على الذى أَخَذه ضمانًا؛ لأن شرطَ
الضمانٍ فى القِراضِ باطلٌ .
قال يحيى : قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ مالا قراضًا، واشْتَرَط
الاستذكار قِرَاضًا، ويشترطُ على الذى دفَع إليه المالَ الضمانَ، قال: لا يجوزُ
لصاحبِ المالِ أن يشترطَ فى مالِهِ غيرَ ما وضِع القِراضُ عليه وما مضَى من
سُنَّةِ المسلمین فیه، فإن نما المالُ علی شرطِ الضمان ، كان قد ازداد فی
حقِّه من الربح من أجلِ موضع الضمانِ، وإنما يقتسمان الربحَ على ما لو
أعطاه إِيَّاه على غيرِ ضمانٍ، وإن تلِف المالُ لم أرَ على الذى أخَذه ضمانًا؛
لأن شرطَ الضمانِ فى القِراضِ باطلٌ .
قال أبو عمرَ : السُّنَّةُ المُجتمعُ عليها فى القِراضِ أنْ التَّوَى فى المالِ من
ربِّ المالِ ، وأن الربحَ بينَهما على شرطِهما، وما خالَف الشُّنَّةَ فمردودٌ
إليها. قال عمرُ بنُ الخطابِ : رُدُّوا الجَهالاتِ إلى السُنَّةِ (١).
قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ مالًا قِرَاضًا، واشتَرط عليه ألا يبتاعَ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٥٤/١٤، ٢٥٥.
٤٥٤

الموطأ
عليه ألَّ يَتَاعَ به إلا نخلاً أو دَاوبَّ، يطلُبُ ثمرَ النخلِ أو نَسْلَ
الدّواب، ويحپسُ رِقابها . قال مالك : لا يجوزُ هذا، ولیس هذا مِن
سُنَّةِ المسلمين فى القِراضِ ، إلا أن يَشترىَ ذلك ثمَّ يبيعَه كما يُباعُ غيرُه
من السّلَعِ.
قال مالكٌ: لا بأسَ أن يَشتَرِطَ المُقارِضُ على ربِّ المالِ غُلامًا
يُعِينُه به ، على أن يقومَ معه الغلامُ فى المالِ ، إذا لم يَعْدُ أن يُعينَه فی
المالِ ، لا يعينُه فى غيرِه .
إلا نخلاً أو دوابَّ، يطلُبُ ثمرَ النخلِ أو نسلَ الدوابِّ ويحبِسُ رِقَابَها ، فإن الاستذكار
هذا لا يجوزُ ، ولیس مِن سُنّةِ المسلمین فی القِرَاضِ ، إلا أن يشترى ذلك ثم
يبيعَه كما يَبيعُ غيرَه من السِّلَعِ .
قال أبو عمرَ: هذا قولُ سائر الفقهاءِ؛ لأن القِراضَ بابٌ مخصوص
خارجٌ عن الإجاراتِ والبيوع ، فلا يُتجاوزُ به سُنَتُه، ولا يُقاسُ علیه غیرُه ،
كما لا يُقاسُ على العَرَايا غيرُها؛ لأنها سُنَّةٌ، ورُخْصةٌ مخصوصةٌ من
المُزَابنةِ خارجةٌ عن أصلِها ، فلا تَقَعُ ولا تنعقِدُ إلا على سُنَّتِها، فإن اشتَرى
النخلَ للتمْرِ لا للبيعِ، والدوابَّ للَّسْلِ لا للبيعِ، لم یصِحَّ ذلك، و کان له
فيما اشتراه أجرةُ مثلِه، وكانت(١) الدوابُّ والنخلُ لربِّ المالِ.
قال مالكٌ: لا بأسَ أن يشترطَ العاملُ على ربِّ المالِ غلامًا يُعِينُه على
القبس
(١) فى الأصل: (( كان التمر و)).
٤٥٥

الموطأ
القِراضِ فى العُرُوضِ
١٤٣٣ - قال يحيى: قال مالكٌ: لا ينبغى لأحدٍ أن يُقارِضَ أحدًا
الاستذكار أن يقومَ معه الغلامُ فى المالِ ، إذا لم يَعْدُ أَن يُعِينَه فى المالِ ، لا يُعِينُه فی
غيره .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم معنى هذه المسألةِ فى شرطِ المُقارِضِ عملَ
عبدِ ربِّ المالِ ، وهل يستحِقُّ العبدُ لذلك نصيبًا من الربح من أجلٍ عملِهِ،
أو يستحِقُّه سيدُه، فيما تقدَّم من كتابِنا هذا فى القِرَاضِ . وقال ابنُ القاسمِ
فى العاملِ فى القِرَاضِ يشترِطُ على ربِّ المالِ الغلامَ والدابةً: إن ذلك
جائزٌ فى القِراضٍ، وغيرُ جائزٍ فى المُساقاةِ. وقال سُحنونٌ: لا يجوزُ
ذلك فى القِراضِ ولا فى المُساقاةِ . وهو الصوابُ إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ؛
لأنها زيادةٌ ازدادها العاملُ "على قدرٍ حصتِه). وقد مضَى من قولهم
وقول غيرهم أن ذلك غير جائزٍ، وعلّتُهم أن تلك الزیادةً لو کانت درهمًا
ربما لم يكنْ فى المالِ رِبِحْ سِواها، فصار ذلك إلى المجهولِ والغَرَرِ .
وباللهِ التوفيقُ .
بابُ القِرَاضِ فى العُرُوضِ
قال مالكٌ: لا ينبغى لأحدٍ أن يُقارِضَ أحدًا إلا فى العينِ، ولا تنبغى
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
٤٥٦

الموطأ
إلا فى العينِ، ولا تنبغى المُقارَضةُ فى العُرُوضِ؛ لأن المقارضةً فى
الغُروضِ إنَّما تكونُ علی احدٍ وجھیْن، إمّا أن يقول له صاحبُ
العَرْضِ : خُذُّ هذا العرضَ فِعْه، فما خرَج مِن ثمنِه فاشْتَرِ به وبع على
وجهِ القِراضِ. فقد اشتَرَط صاحبُ المالِ فضلًا لنفسِه من بيع سلعتِه
وما يَكْفِيه من مَثُونتِها . أو يقولَ: اشْتَرِ بهذه السلعةِ وبِعْ، فإذا فَرَغتَ
فابْتَعْ لى مثلَ عَرْضِى الذى دَفَعتُ إليك، فإن فضَل شىءٌ فهو بينى
وبينَك . ولعلَّ صاحبَ العرضِ أن يَدْفَعَه إلى العاملِ فى زمانٍ هو فيه
نافِقٌ كثيرُ الثمنِ، ثم يُدَّه العاملُ حينَ يُرُدُّه وقد رخُص ، فيَشْتَرِيَه بِثُلُثِ
ثمنِهِ أو أقلَّ مِن ذلك، فيكونَ العاملُ قد ربح نصفَ ما نقَص من ثمنٍ
العَرْضِ فى حِصَّتِه من الربحِ. أو يأخُذَ العرضَ فى زمانٍ ثمنُه فيه قليلٌ ،
فيعمَلَ فيه حتى يكثُرَ المالُ فى يَدَيْه ، ثم يَغْلوَ ذلك العَرْضُ ويرتفِعَ ثمنُه
حین یژُدُّه، فیشْتَرِیَه بكل ما فی یدَيْه، فيذهَبَ عملُه وعلاجه باطلًا ،
المُقارضةُ فى العُروضِ؛ لأن المُقارضةً فى العُرُوضِ إنما تكونُ على الاستذكار
وجهين ؛ إما أن يقولَ له صاحبُ العَرْضِ : خذْ هذا العرضَ فيِعْه، فما خرَّج
من ثمنِهِ فاشترِ به، وبع على وجهِ القِراضِ. فقد اشتَرَط صاحبُ المالِ
فضلاً لنفسِه من بيع سلعتِه وما يَكفيه من مَثُونتِها . أو يقولَ : اشترِ بهذه
السلعةِ وبِعْ ، فإذا فرَغتَ فابتعْ لى مثلَ عَرْضى الذى دفعتُ إليك ، فإن فضَل
شىءٌ فهو بينى وبينَك . ولعل صاحبَ العرضِ أن يدفعه إلى العاملِ فى زمانٍ
القبس
٤٥٧

الموطأ فهذا غَرَرٌ لا يصلُحُ. فإن جُهِل ذلك حتى يَعْضِىَ ، نُظِرِ إلى قدرٍ أجرٍ
الذى دُفِع إليه القِراضُ ، فى بَيْعِه إِيَّاه وعلاجِه ، فيُعْطاه ، ثم يكونُ المالُ
قِراضًا من يومَ نَضَّ واجتَمَع عَيْنًا، ويُرَدُّ إلى قِراضٍ مثلِه .
الاستذكار هو فيه نافقٌ كثيرُ الثمن، ثم يَرُدَّه العاملُ حينَ يَؤُدُّه وقد رَخُص، فيشترِیَه
بثلُثِ ثمنِه أو أقلّ من ذلك، فيكونَ العاملُ قد ربح نصفَ ما نقَص من ثمنٍ
العرضِ فى حصته من الربح، أو يأخُذَ العرضَ فى زمانٍ ثمنُه فيه قليلٌ،
فیعمل فیه حتی یکثُر المالُ فی یدیہ، ثم يغلو ذلك العرضُ وپرتفعَ ثمنُه حین
يردُّه، فيشترِيَه بكلٌ ما فى يدَيه ، فيذهبَ عملُه وعلاجه باطٌلا ، فهذا غررٌ لا
يصلُحُ، فإن مجهِل ذلك حتى يمضىَ، نُظِرِ إلى قَدْرِ أجرِ الذى دُفِع إليه
القِراضُ فى بيعِه إِيَّاه وعلاجِه فيُعطاه ، ثم يكونُ المالُ قِراضًا من يومَ نَضَّ
واجتَمع عينًا، ويُرَدُّ إلى قِراضٍ مثلِه(١).
قال أبو عمرَ : قد بيَّن مالكٌ رحِمه اللهُ فى هذا البابِ معنى الكراهيةِ
للقِراضِ بالعروضِ بيانًا شافيًا، لا يُشكِلُ على من له أدنى تأملٍ . وقد تقدَّم
من أقوالِ الفقهاءِ فى المالِ الذى تجوزُ فيه المضاربةُ ما أغنَى عن تكرارِه
هلهنا .
ولا خلافَ بينَهم فى أن القِراضَ جائزٌ بالعينِ من الذهبِ والوَرِقِ .
واختلفوا فى القِراضِ بالفُلُوسِ وبالنقرِ على ما قد ذكرناه فى صدرِ هذا
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/١٤ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٤٣٦).
٤٥٨

الموطأ
الکراءُ فی القراض
١٤٣٤ - قال يحيى: قال مالك فى رجلٍ دفَع إلى رجل مالاً
قِراضًا، فاشتَرَى به مَتاعًا فحمَله إلى بلدٍ لتجارةٍ، فبار علیه وخاف
الثّقْصانَ إِن باعه ، فتَكارَى عليه إلى بلدٍ آخرَ فباع بنُقْصانٍ ، فاغتَرَق
الكِراءُ أَصلَ المالِ كُلُّه، قال مالكٌ: إن كان فيما باع وَفاءٌ لِلكراءِ،
فيسَبيلِ ذلك، وإن بَقِى مِن الكراءِ شىءٌ بعدَ أصلِ المالِ، كان على
العاملِ ولم يكنْ على ربِّ المالِ منه شىءٌ يُتْبَعُ به، وذلك أن ربَّ المالِ
الكتاب. والحمدُ للهِ. وذكّرنا عن ابن أبى ليلَى أنه أجاز القِراضَ الاستذكار
بالعُرُوضِ، وقد بان وهَنُ قولِه بما ذكرناه هنالك(٢)١)، وما ذكّره مالكٌ
رحمه اللهُ هنا يَبِينُ به أنه لا وجهَ لقولِه يصِحُ إن شاءُ اللهُ عزَّ وجلّ .
بابُ الكِراءِ فى القِراضِ
قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ مالًا قِراضًا، فاشتَرى به متاعًا ،
فحمّله إلى بلدٍ لتجارةٍ ، فبار عليه، وخاف النُّقْصانَ إِن باعه، فتكارَی علیه
إلى بلدٍ آخرَ، فباع بنُقْصانٍ ، فاغتَرق الكراءُ أَصلَ المالِ كلَّه ، قال مالكٌ:
إن كان فيما باع وفاءٌ للكِراءِ فبسبيلٍ ذلك ، وإن بقى من الكِرَاءِ شىءٍ بعدَ
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) تقدم ص٤٣٨ - ٤٤٠.
٤٥٩

الموطأ إنَّما أمَرِه بالتجارةِ فى مالِه، فليس للمُقارَضِ أَن يَتْبَعَه بما سوى ذلك
مِن المال ، ولو کان ذلك يُتبغُ به ربُّ المالِ لکان دَیْنًا علیه من غیرِ
المالِ الذى قارَضَه فيه، فليس للمُقارِض أن يحمِلَ ذلك علی ربِّ
المالِ .
الاستذكار أُصلِ المالِ كان على العاملِ، ولم يكنْ على ربِّ المالِ شىءٌ منه ◌ُتَبَعُ به،
وذلك أن ربَّ المالِ إنما أمره بالتجارةِ فى المالِ ، فليس للمُقارَضِ أن
يَتْبَعَه(١) بما سِوى ذلك من المالِ، ولو كان ذلك يُتَعُ به رَبُّ المالِ ، لكان
دَيْنًا عليه من غيرِ المالِ الذى قارَضه فيه، فليس للمُقارَضِ أن يَحمِلَه على
ربِّ المالِ(٢) .
قال أبو عمرَ: لستُ أعلَمُ فيما ذكَره مالكٌ خلافًا، وهو أصلٌ
و(٢) إجماعٌ. ومذهبُ مالكِ فى العاملِ يشترِى من مالِ المُضاربةِ شيئًا،
ثم ينفِقُ مِن مالِهِ فى كِراءٍ أو صَبْغِ ، أنه يرجعُ بالكِرَاءِ ، ولا ربحَ فيه . هذا
قولُه وقولُ أكثرٍ أصحابِه. وأما الصَّبْغُ، فربُّ المالِ مُخيّرٌ عندَهم؛ إن
شاء وزَن (٤) ما صبَغ به ويكونُ ذلك فى القِراضِ، وإن شاء كان
القبس
(١) فى الأصل، ح، هـ: (یبیعه).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١٤ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٤٦٥).
(٣) فى ح، هـ: ((أو)).
(٤) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((دفع)). وينظر المدونة ٩٥/٥، ٩٦.
٤٦٠