Indexed OCR Text
Pages 421-440
الموطأ
کتابُ القِراضِ
ما جاء فى القراضٍ
الاستذکار
کتابُ القراضٍ
بابُ ما جاء فى القِرَاضِ
قال أبو عمرَ: أما أهلُ الحجازِ يسمُونه القِرَاضَ، وأهلُ العراقِ لا
يقولون: قِراضًا. البتةَ. وليس عندَهم كتابُ قراضٍ، وإنما يقولون :
مُضاربةً ، وكتبُ المُضاربةِ. أخَذوا ذلك مِن قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِي
اُلْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ اٌلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ
[المزمل: ٢٠]. وفى قولِ الصحابةِ بالمدينةِ (١) لعمرَ فى قصتِه
مِن فَضْلِ اٌللَّهِ﴾
القبس
کتابُ القِراض
القِراضُ عقدٌ كان فى الجاهليةِ، وأقرَّه الإسلامُ، وفعَله النبيُّ نَّهِ قبلَ
البعثِ؛ قارَضَتْه خديجةُ فقَبِل قِراضَها، وخرج به إلى الشامِ، ويُعِث النبيُّ وَه
ولم يُتْكِرْه فى شريعةِ الإسلامِ حتى اسْتَأْثَرَ اللهُ به إليه، وأهلُ الحجازِ يُسَهُونه
قِراضًا ، وأهلُ العراقِ يُسئونه مُضارَبَةً ، وقيل فى الأولِ: إنه مأخوذٌ مِن القرضِ،
وهو القطعُ، كأنه قطَع للعاملِ جزءًا من مالِه، أو قطَعه كلَّه للعاملِ عن نفسِه .
(١) سقط من: ح، هـ.
(٢) ينظر سيرة ابن هشام ١٨٧/١، ١٨٨.
٤٢١
١٤٢٧ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن زيدِ بنِ أُسلمَ ، عن أبيه ،
الموطأ
أنه قال : خرَج عبدُ اللهِ وعُبيدُ اللهِ ابنا عمرَ بنِ الخطابِ فى جيشٍ إلى
الاستذكار مع ابنَيْه: لو جعلتَه قِرَاضًا(١) . ولم يقولوا: مُضاربةً. دليلٌ على أنها لغتُهم،
وأن ذلك هو المعروفُ عندهم .
(٢ والقِراضُ مأخوذٌ مِن الإجماع الذى لا خلافَ فيه عندَ أحدٍ مِن أهلِ
العلم، وكان فى الجاهليةِ فأقرّه الرسولُ بَّهِ فى الإسلام)، (" ونقَلتْه
الكافةُ (٤عن الكافةِ) كما نَقَلت الديةَ وغيرَها" .
مالكٌ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن أبيه ، قال: خرَج عبدُ اللهِ وعبيدُ اللهِ ابنا
عمر بن الخطاب فی جیش إلى العراق، فلما قفَلا مؤًّا على أبى موسى
القبس وقيل: هو مأخوذٌ من المساواةِ، يُقالُ: قارَض فلانٌ فلانًا . إذا ساواه. وفى
حديث أبى الدَّرْداءِ: قارِضِ الناسَ ما قارَضُوكَ) ، فإنك إن تَرَكْتَهم لم
يَنْزُكوك(١) . وقيل فى المُضارَبةِ: إنها مأخوذةٌ مِن الضَّرْبِ فى الأرضِ . وقيل : إنها
مأخوذةٌ مِن: ضرَب معَه فى سَهْمهٍ. أى فى الرِّبحِ .
وأدخل مالكٌ فيه أصلا قضاءً عمر على أبى موسى وعلى وَلَدَيْه ، حسَبَ ما
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٢٧) وهو الأثر التالى.
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ.
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ، م.
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل .
(٥) قال ابن الأثير : أى إن سابيتَهم ونلتَ منهم سبوك ونالوا منك، وهو فاعلت من القرض. النهاية
٤١/٤.
(٦) أبو نعيم فى الحلية ٢١٨/١ .
٤٢٢
الموطأ
العراقِ ، فلمَّا قفَلا مرًا على أبى موسى الأشعرىِّ، وهو أميرُ البصرةِ ،
فرّب بهما وسهَّل ثم قال: لو أقْدِرُ لكما على أمرٍ أَنَّفَتُكما به لفعَلْتُ.
ثم قال : بلى، هلهنا مالٌ من مالِ اللهِ أُريدُ أن أَبعَثَ به إلى أميرٍ
المؤمنين، فأسْلِفُكَماه، فتَتاعان به مَتَاعًا مِن متاع العراقِ ، ثمّ تَبِيعانِه
ء
بالمدينةِ ، فَتُؤَدِّيان رأسَ المالِ إلى أمير المؤمنين ويكونُ الرَّبْح لكما .
فقالا : وَدِدْنا. ففعَل، وكتب إلى عمرَ بنِ الخطابِ أن يأخُذَ منهما
المالَ. فلمَّا قَدِما باعا فأُرْبِحًا، فلمَّا دَفَعا ذلك إلى عمرَ قال: أكلَّ
الجيش أَسْلَفَه مثلَ ما أَسْلَفَكما؟ قالا : لا . فقال عمرُ بنُ الخطابِ : ابنا
أميرِ المؤمنين، فأسْلَفَكما، أَدِّيا المالَ ورِبْحَه. فأمَّا عبدُ اللهِ فسكَت،
الأشعرىِّ، وهو أمير البصرة، فرَّب بهما وسهَّل، ثم قال: لو أقدِرُ لكما الاستذكار
على أمرٍ أنفعُكما به . ثم قال : بلى ، هلهنا مالٌ مِن مالِ اللهِ أُريدُ أن أبعثَ به
إلى أمير المؤمنين، فأَسْلِفُكماه، فتَبتاعان به متاعًا مِن متاع العراقِ ، ثم
تَبِيعانِه بالمدينةِ ، فَتُؤدِّيانِ رأسَ المالِ إلى أمير المؤمنين، ويكونُ لكما
الربح. فقالا : ودِدْنا . ففعَل، وكتَب إلى عمرَ أن يأخذَ منهما المالَ ، فلما
قدِما باعا فرَبِحا، فلما دفَعا ذلك إلى عمرَ ، قال : أكلَّ الجيشِ أسلَفه مثلَما
أسلَفكما؟ قالا: لا. فقال عمرُ بنُ الخطابِ: ابنا أمير المؤمنين
نَصَّه فى هذا الكتابِ . فإن قيل: كيف جاز لعمرَ أن يَنْقُضَ قَضاءَ أبى موسى وهو القبس
أميرٌ مِن الأمراءِ؟ قلنا: إذا كان الإمامُ أَعْدَلَ مِن الأميرِ تعيَّن عليه أن ينظُرَ فى أقْضِيَةِ
٤٢٣
الموطأ وأما ◌ُبيدُ اللهِ فقال: ما يَنْبَغى لك يا أميرَ المؤمنين هذا، لو نقَص المالُ
أو هلَك لضَمِنَّاه. فقال عمرُ: أَدِّياه. فسكَت عبدُ اللهِ وراجَعَه عبيدُ
اللهِ ، فقال رجلٌ مِن جُلساءِ عمرَ: يا أميرَ المؤمنين ، لو جعلتَه قِراضًا ؟
فقال عمرُ: قد جعلتُه قِراضًا. فأخَذ عمرُ رأسَ المالِ ونصفَ ربحِه،
وأخَذ عبدُ اللهِ وعُبيدُ اللهِ ابنا عمرَ بنِ الخطابِ نصفَ ربح المالِ .
الاستذكار فأسلَفكما، أَدِّيَا المالَ ورِبْحَه. فأما عبدُ اللهِ فسكَت ، وأما عبيدُ اللهِ فقال:
ما ينبغِى لك يا أميرَ المؤمنين هذا، لو نقَص المالُ أو هلَك لضَمِنَّاه . فقال
عمرُ: أَدِّيَاه . فسكّت عبدُ اللهِ وراجَعه عبيدُ اللهِ، فقال رجلٌ مِن جُلَساءٍ
عمرَ: يا أميرَ المؤمنين، لو جعلتَه قِرَاضًا؟ فقال عمرُ: قد جعلتُه قِرَاضًا .
فأخَذ عمرُ رأسَ المالِ ونصفَ ربحِه، وأُخَذ عبدُ اللهِ وعبيدُ اللهِ ابنا عمرَ بنِ
الخطابٍ نصفَ ربح المالٍ(١).
القبس عُمَّالِهِ. جوابٌ ثانٍ: لم يعترِضْ قطَّ عمرُ ولا غيرُه قضاءَ أميرٍ؛ لفَضْلِهِم وعَدَالتِهم،
ولكنه لمّا كانت هذه النازلةُ فى وَلَدَیْ عمر ، خشِی ما خشِی وقال ما قال ، فزال
عن الرِّييةِ بعظيمٍ ورعِه، وبَّأَ نفسَه وائْتَيْه وأميرَه عن التُّهَمَّةِ. إذا ثبت هذا، فإنه
يجوزُ القراضُ بالذهب والفضةِ إذا کانا مشگو گیْنٍ بلا خلافي ، فإن كانا تِبْرًا(٢) أو
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/١٤ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٤٢٩).
وأخرجه الشافعى ٣٣/٤، ٣٤، والبيهقى ١١٠/٦، ١١١، والبغوى فى شرح السنة (٢١٨٣)
من طريق مالك به .
(٢) التبر: هو الذهب والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فإذا ضربا كانا عينًا. النهاية
١٧٩/١٠.
٤٣٤
الموطأ
قال أبو عمرَ: هذا اجتهادٌ مِن عمرَ رضى اللهُ عنه؛ لأنهما ابناه، الاستذكار
وحابَاهما أبو موسى الأشعرىُّ بما أعطاهما، فاجتهد للمسلمين فى ذلك
نقارًاً ، ففى ذلك اختلافٌ كثيرٌ بينَ العلماءِ فى المذهبِ، وهلهنا غريبةٌ ، وهى أن القبس
قِراضَ الناسِ فی الجاهلية وصدر الإسلام لم یکنْ مَسْگوگًا، وإنما كان تِیرًا
ونقارًا، فعَجِبتُ للشافعيِّ ولعلمائِنا، كيف متَعوا ذلك، وجوازُه فى الشرعِ إنما
انْعَقَّد بغيرِ مسكوكٍ ؟! قالت الشافعيةُ ومَن ساعَدَهم مِن علمائنا: إنما امْتَنَع
القِراضُ بغيرِ المسكوكِ؛ لأن العاملَ يحتاجُ إلى عملٍ فى بَيِعِ النُّقْرَةِ حتى تعودَ سَكّةً
فتصير كالمقارضة( بعَرَضِ. قلنا : ليس هذا کالعرضِ ، علی ما یأتی بیانُه إن
شاء اللهُ تعالى؛ وذلك أن العلماءَ اتَّفَقوا على أنه لا يجوزُ القِراضُ بالعُرُوضِ ، إلا
الأوزاعىَّ وابن أبى ليلى، واخْتَاجًا بأن ما كان ثمنًاً) فى البيع جاز القراضُ به
كالنَّقْدَيْنِ، وعوَّل سائرُ العلماءِ على مسألةٍ أَصُولِيَّةٍ اخْتَلَف الناسُ بزَغْمِهم فيها ،
وهى مُتَّفَقٌّ بينَ العلماءِ عليها، فافْهَمُوها وادَّخِرُوها؛ وهى النظر فى المآلِ(٢)،
قالوا: إنْ قارَضَه بعَرَضٍ فباعَه العاملُ بمائةٍ ، ثم اتَّجَر فيه حتى صار المالُ مائَةً
وخمسين، ثم دَعاه إلى المُقاسَمَةِ فقال له : خَلِّصْ رأسَ المالِ كما يَلْزَمُ، ونقتِمُ
رِبحَ المالِ. فجاء لِيَشْتَرِىَ ذلك العَرَضَ فوجَدَه بمائةٍ وخمسين، فإنه يَشْتَرِیه
فِيَذْهَبُ ربحُه ويَعْضِى عملُه باطلًا، وهذا ما لا جوابَ لهم عنه .
(١) نقار: جمع نُقْرة، وهى القطعة المذابة من الذهب والفضة، وهى السبيكة. التاج (ن قر).
(٢) فى م: ((كالمعاوضة)).
(٣) فى م: ((كالقرض)).
(٤) سقط من : م .
(٥) فى ج، م: ((المال)).
٤٢٥
الموطأ
الاستذكار واحتاطَ لهم كما فعَل بعمالِه، (إذ شاطرهم أموالَهم) احتياطًا لعامةِ المسلمين.
القبس
تَّبِينٌ: أكْثَر مالكٌ فى القراضِ ، وقسّم أبوابَه على خمسةَ عشرَ بابًا ، وأكْثَر فى
التفريعِ، وكان له به اهتمامٌ؛ لأنها كانت نازِلْتَهم، ومِن أَصُولِه المسألةُ التى
قَوَّرْناها فى أن القراضَ لا يجوزُ بالعروضِ، وقال أبو حنيفةً: يجوزُ القِراضُ
بالعرَضِ ، بأن يقولَ له: بع هذا، فإذا بِعْتَه فأنت فيه مُقارِضٌ . قلنا : هذا لا يجوزُ؛
لأنه إن باع بأَجْرةٍ فهو قِراضٌ وإجارةٌ ، والقراضُ لا يَتْضافُ إليه عَقْدٌ آخرُ إجماعًا،
وإن باع بغيرِ أَجرةٍ كان قد شرَط عليه زيادةً فى العملِ، ولا يجوزُ بإجماعٍ أن
يَشْتَرِطَ ربُّ المالِ زيادةً فى العملِ على العاملِ فى القِراضِ .
وبالجملةِ فإِن مَبْنَى القراضِ على الرفقِ، وألَّ تُغَيِّرَ له هيئةٌ على ما وُضِع فى
الأصلِ له ، ولا تكونَ فيه زيادةٌ ، ومِن ذلك أكْلُ العاملِ منه بالمعروفِ، وذلك على
الاعتبارِ فى السفرِ والخَضَرِ ، وهذه عادةً رجَع فيها العلماءُ علی زَعمِهم إلى مذهبٍ
مالكِ فى اعتبارِ العادةِ ، ويجوزُ له أن يَشْتَرِطَ على العاملِ ما يعودُ بالمنفعةِ له فى الربحِ،
وبما يَرْجو صيانةً المالِ أو نماءَه، كأن يقولَ له: لا تَشْتَرِ إلا سلعةً كذا . فإن قال له:
على ألَّا تَشْتَرَىَ إلا من فلانٍ. فإن كان فلانٌ مُتَسِعَ الحالةِ ، عظيمَ التجارةِ ، كأبى
سعيدِ الحَدّادِ وأبى مالكِ الفقيهِ ، فإنه يجوزُ عندَ علمائِنا ، ويكونُ بمنزلةِ أن يُعیِّنَ له
سلعةً کثیرةً الوجود () نافقةً(٤) فی البيع والابتياع(٥) ؛ ولذلك قال علماؤنا : إنه متی
كان فى المالِ خسارةٌ ، ولو ذهَب جميعُه، لم يكنْ على العاملِ شىءٌ، فإن كانت
الخسارةُ بزيادةٍ على رأسِ المالِ، لزِمت العاملَ ولم يكَنْ لربِّ المالِ منها شىءٌ .
(١ - ١) ليس فى الأصل.
(٢) فى ج، م: ((المال)).
(٣) فى د: ((الجودة)). والمثبت من ج، م، ونسخة على حاشية د.
(٤) فى ج، م: ((نافعة)). ونافقة: رائجة مرغوب فيها . ينظر اللسان (ن ف ق).
(٥) فى م: ((الانتفاع)).
٤٢٦
الموطأ
١٤٢٨ - وحدثنى عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ،
عن جَدِّه، أن عثمانَ بنَ عفانَ أعْطاه مالًا قِراضًا يعمَلُ فيه على أن الربح
بينهما .
مالك، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن جدِّه، أن عثمانَ بنَ الاستذكار
عفانَ أعطاه مالًا قِرَاضًا يعمَلُ فيه على أن الربحَ بينَهما(١) .
قال أبو عمرَ : أصلُ هذا البابِ إجماعُ العلماءِ على أن المضاربةَ سُنَّةٌ
معمولٌ بها مسنونةٌ قائمةٌ. وروى عن عمرَ بنِ الخطابِ ، وعائشةً، وابنِ
مسعودٍ ، وابنِ عمرَ ، أنهم كانوا يقولون : انَّجِروا فى أموالِ اليتامى لا تأكلُها
الزكاةُ(١). وكانوا يُضارِبون بأموال اليتامى. وقد رُوِى عن النبيِّ وَ لِّ أنه
قال: ((ابتَغوا فى أموالِ اليتامى لا تأكلُها الزكاةُ)). أو (٢) قال: ((لا تُذْهِبُها
الزكاةُ »(٤) . وهو حديثٌ مرسلٌ.
ورؤَى عمرُو بنُ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: خطَب رسولُ اللهِ
وَّهُ الناسَ وقال: ((ألَا مَن ولى مالَ يتيم فليَنَّجِرْ له فيه ولا يتركُه فتأكلَه
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/١٤ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٤٣٠).
وأخرجه البيهقى ١١١/٦ من طريق مالك به.
(٢) ينظر ما تقدم فى الموطأ (٥٩٠، ٥٩٢).
(٣) فى الأصل، هـ، م: ((و).
(٤) أخرجه الشافعى ٢٨/٢، وعبد الرزاق (٦٩٨٢)، والبيهقى ١٠٧/٤ من حديث يوسف
ابن ماهك مرفوعًا .
٤٢٧
الموطأ
ما يجوزُ فى القِراضِ
١٤٢٩ - قال مالك: وجهُ القِراض المعروفِ الجائزِ، أن يأخُذَ
الرجلُ المالَ من صاحبِهِ على أن يعمَلَ فيه، ولا ضَمانَ عليه، ونَفَقةٌ
العاملِ فى المالِ، فى سَفَرِه؛ من طعامِه وكِسْوتِه، وما يُصلِحُه
بالمعروفِ، بقَدْرِ المالِ إذا شخَص فى المالِ ، إذا كان المالُ يحمِلُ
ذلك، فإن كان مُقِيمًا فى أهلِه، فلا نفقةً له فى المالِ، ولا كِسوةً.
الاستذكار الزكاةُ))(١).
وهذه الآثار وما کان مثلها عمّن ذ گزناه مِن الصحابةِ تَدُلَّ علی جوازِ
القِرَاضِ، وفيما ذكّرنا مِن إجماع العلماءِ واتفاقِ الفقهاءِ أئمةِ الفَتْوى على
جوازِ القِرَاضِ حُبَّةٌ كافيةٌ شافيةٌ . وباللهِ التوفيقُ .
بابُ ما يجوزُ فى القِرَاضِ
قال مالكٌ : وجهُ القِرَاضِ المعروفِ الجائزِ، أن يأخذَ الرجلُ المالَ مِن
صاحبِه على أن يعملَ فيه ، ولا ضمانَ عليه، ونفقةُ العاملِ من المالِ فى
سفرِه ؛ مِن طعامِه، وكِسوتِه، وما يُصلِحُه بالمعروفِ، بقدرِ المالِ إذا
القبس
(١) أخرجه الترمذى (٦٤١)، والدارقطنى ١١٠/٢، والبيهقى ١٠٧/٤ من طريق عمرو بن
شعيب به .
٤٢٨
الموطأ
شخَص (١) فى المالِ، إذا كان المالُ يحمِلُ ذلك، فإن كان مُقِيمًا فى الاستذكار
أهلِه ، فلا نفقةً له فى المالٍ ولا كسوةَ(٢).
قال أبو عمرَ: أما قولُه فى وجهِ القِرَاضِ الجائزِ المعروفِ: أن يأخذَ
الرجلُ مِن الرجلِ المالَ على أن يعمَلَ فيه ، ولا ضمانَ عليه.
ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن المُقارِضَ مَؤْتمَنٌّ، لا ضمانَ علیہ فیما
يَتَلَفُ (٢) مِن المالِ مِن غيرِ (٤ جنايةٍ منه فيه، ولا استهلاكٍ له، ولا تَضْبِيعِ.
وهذه سبيلُ الأمانةِ وسبيلُ الأُمَاءِ .
وكذلك أجمعوا أن القِرَاضَ لا يكونُ إلا على جزءٍ معلومٍ مِن الربحِ؛
نصفًا كان أو أقلَّ أو أكثرَ.
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن قيسٍ بنِ الربيعِ، عن أبى محصينٍ، عن
الشعبىِّ، عن عليٍّ، قال فى المُضاربةِ: الوَضِيعةُ(١) على ربِّ المالِ،
والربح على ما اصطلحوا عليه .
القبس
(١) شخص: سافر. التاج ( ش خ ص).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٤٣١) .
(٣) فى ح، هـ، م: ((يتلفه)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((خلابة منه)).
(٥) عبد الرزاق (١٥٠٨٧).
(٦) الوضيعة: الخسارة. النهاية ١٩٨/٥.
٤٢٩
الموطأ
ورواه الثوریُّ، عن أبى محُصينٍ، عن عليٌّ (١) . وروِی ذلك عن قتادةَ ،
الاستذكار
وابن سيرينَ ، وأبى قِلابةَ، وجابرِ بنِ زيدٍ ، وجماعةٍ(٢) . ولا أعلم فيه خلافًا
إلا أن يشترِطَ ربُّ المالِ على العاملِ الضمانَ(١) ، فإن اشتَرط ذلك عليه؛
فقال مالك : لا يجوزُ ذلك القِرَاضُ، وثُردُّ إِلی قِرَاضٍ مثله . وقد روى عنه :
إلى أُجرةِ مثلِه. وهو قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: المُقارضةٌ
جائزةٌ والشرطُ باطلٌ .
وأما قولُه : ونفقةُ العاملِ مِن المالِ فى سفرِه. إلى آخرٍ كلامِه، فإن الفقهاءَ
اختلفوا فى ذلك ؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما: يُنْفِقُ العاملُ مِن المالِ
إذا سافَر ولا يُنْفِقُ إذا كان حاضرًا . إلا أن مالكًا قال: إذا كان المالُ کثیرًا يَحمِلُ
ذلك ونحوَ ذلك. وقال الثورىُّ: يُنْفِقُ ذاهبًا، ولا يُنْفِقُ راجعًا. وقال الليثُ بنُ
سعدٍ : یتغدًّی فی المِصْرِ ولا يتعشّى . وقال الشافعىُّ : لا يُنفِقُ فى سفرِه ولا فی
حَضَرِه إلا بإذنِ ربِّ المالِ . وقال أصحابُه : فى المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ ؛ أحدُها هذا .
والآخرُ مثلُ قولٍ مالكِ. والآخرُ، يُنْفِقُ فى المصرِ بقدرٍ ("ما بينَ" نفقةِ السفرِ
والحضرِ. وله فى فرضٍ نَفَقتِه قولان؛ أحدُهما ، أنه يَفْرِضُ له النفقةَ. والثانى،
لا يَفْرِضُ له ويُنفِقُ هو . والمشهورُ عن الشافعىِّ أنه لا يُنْفِقُ فى الحضرِ. وهو قولُ
القبس
(١) عبد الرزاق (١٥٠٨٧).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٠٨٥، ١٥٠٨٨، ١٥٠٨٩).
(٣) سقط من : ب .
(٤ - ٤) سقط من: ح، هـ.
٤٣٠
الموطأ
الاستذكار
مالكٍ، وأبى حنيفةً، والثورىِّ .
وقال ابنُّ القاسم : إذا كان للعاملِ فى القِراضِ أهلِ فى البلدِ الذى يسافر
إليه، ( وأهلٌ فى البلدِ الذى يسافرُ منه٢١ ، فلا نفقةً له فى ذهابِه ولا
رُجُوعِه . وقال أشهبُ : له النفقةُ فی ذهابه وژُجوعه ) ، ولا نفقةً له فى
مُقامِه عندَ أهلِه . ولم يختلِفْ قولُهما أنه لا نفقةً له إذا كان مُقيمًا فى أهلِه .
وهو قولُ مالكٍ.
وقال ابنُ المؤَازِ: قال لى عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الحكم فى الذى
يأخذُ المالَ ببلدِه وهو يريدُ الخروجَ إلى بلدٍ آخرَ " فى حاجةٍ ويريدُ
بذلك "التّجْرَ بذلك٣) المالِ، قال: أحَبُّ إلينا ألا تكونَ له نفقةٌ،
كالذى يكونُ بغيرِ بلدِه ) فيتجهّزُ يريدُ الرجوعَ إلى بلدِه، فأعطاه
رجلٌ مالًا قِراضًا، " فإنه لا نفقةً له فيه، وإنما النفقةُ للذى يخرجُ)
(٢ فى(٤) القِراضِ خاصةً، وكالذى يخرجُ إلى الحجّ أنه لا نفقةً له.
قال ابنُ المؤَّازِ: وروَى ابنُ القاسمِ عن مالكِ فى التاجرِ له المالُ
ويأخُذُ مالًا قِرَاضًا) ويخرجُ فى السفرِ، أنه يلزُمُ القِرَاضَ حصتَه مِن
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، م.
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ .
(٤) فى الأصل: ((من))، وفى م: ((من أجل)).
٤٣١
الموطأ
الاستذكار نفقةٍ العاملِ .
وقال قتادةُ : النفقةُ فى الربح، والربح على ما اصطلحوا عليه،
والوضيعةُ فى المالِ (١) . وقال ابنُ سيرينَ: ما أَنفَق الضارِبُ(١) على نفسِه
فهو دَيْنٌ عليه (١). وقال إبراهيم: يأكلُ ويلبَشُ بالمعروف(٤). وقال
الحسنُ: يأكلُ بالمعروفِ(4) .
قال أبو عمرَ: القياسُ عندى ألا يأكلَ المقارِضُ) فى سفرٍ ولا
حضرٍ؛ لإجماعِهم(١) على أنه لا يجوزُ القراضُ على جزءٍ مجهولٍ مِن
الربحِ، وهو إذا أطلق له الإنفاقَ لم تكنْ حصتُه مِن الربح ولا حصةُ ربِّ
المالِ معلومةً، وأيضًا فإنه ربما اغتَرقت النفقةُ كثيرًا مِن المالِ ولم يكنْ
ربعٌ. ولمَّا أجمَع الجمهورُ أنه لا يُتْفِقُ فى الحضرِ وهو يتعبُ فى الشراءِ
والبيعِ وينصَبُ، كان كذلك فى السفرِ. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٨١).
(٢) فى الأصل، ب، م: ((المضارب)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٨٢).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٨٣).
(٥) فى الأصل: ((المتقارض)).
(٦) فى الأصل، م: ((ولا)).
٤٣٢
الموطأ
قال مالكٌ : ولا بأسَ بأن يُعِينَ المُتَقارِضان، كلُّ واحدٍ منهما
صاحبه على وجهِ المعروفِ ، إذا صحَّ ذلك منهما .
قال مالكٌ: ولا بأسَ بأن يشترىَ ربُّ المالِ ممَّن قارَضَه بعضَ ما
يشترى من السّلَع، إذا كان ذلك صحيحًا، على غيرِ شرطٍ .
قال مالكٌ: ولا بأسَ بأن يُعِينَ المُتقارِضان كلّ واحدٍ منهما صاحبه الاستذكار
على وجهِ المعروفِ إذا صحَّ ذلك منهما .
قال أبو عمرَ: هذا إذا كان على غيرٍ شرطٍ فى عَقدِ القِراضِ، فإن
اشتَرطه فسَد عندَ جميعهم. والعملُ الخفيفُ بغيرِ شرطٍ كما(١) قال
مالكٌ، لا يختلفونَ فى أنه لا بأسَ به .
قال مالكٌ: ولا بأسَ بأن يشترىَ ربُّ المالِ ممن قارَضه بعضَ ما
يشترِى مِن السِّلَع إذا كان ذلك صحيحًا على غيرِ شرطٍ .
قال أبو عمرَ : اختلفوا فى ذلك أيضًا؛ فقال مالكٌ فى المُضاربِ يبتائحُ
مِن ربِّ المالِ: لا يُعجِبُنى(٢)؛ لأنها إن صحَّت مِن هذين أخافُ ألا تَصِعَّ
مِن غیرِهما ممن يُقارِضُ . وقال أبو حنيفةً : ذلك جائزٌ . وقال الشافعىُّ : إذا
كان مما يتغابنُ الناسُ فيه (١) ، فلا بأسَ به. والبيعُ منه كالشراءِ عندَهم سواءٌ .
القبس
(١) ليس فى : الأصل، ح ، هـ ، م .
(٢) بعده فى الأصل: ((من رأس المال)). وينظر المدونة ١٢٤/٥.
(٣) غبن بعضهم بعضًا: أى غلب ونقص. ينظر الوسيط ( غ ب ن ).
٤٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٨/١٧ )
قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ وإلى غُلامٍ له مالًا قِراضًا،
الموطأ
يَعْمَلان فيه جميعًا: إن ذلك جائزٌ لا بأسَ به، لأن الربحَ مالٌ لِغُلامِه ،
ولا یکونُ الربڅ للسّيِّدِ حتی ینْتَزِعَه منه ، وهو بمنزلةٍ غيرِه من كَسْبِه .
الاستذكار
قال مالكٌ فی رجلٍ دفَع إلی رجلٍ مالاً قِرَاضًا وإلى غلام له يعملان فيه
جميعًا : إن ذلك جائزٌ لا بأسَ به ؛ لأن الربحَ مالٌ لغلامِه، لا يكونُ الربح
للسيدِ حتى ينتزعَه منه، وهو بمنزلةٍ غيرِه مِن كسبِه .
وهذه أيضًا اختلف فيها؛ فقال مالكٌ فى ((الموطاً)) ما ذكرنا ، وروَى
عنه ابنُ القاسم وغيرُه ذلك المعنى. وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً،
وأصحابُهما : إذا شرّط للعاملِ ثُلُثَ الربحِ، ولربِّ المالِ ثُلُثَ الربحِ، ولعبدٍ
ربِّ المالِ ثُلُثَ الربح ، علی أن یعملَ العبدُ معه، کان ذلك جائزًا ، فكان
لربِّ المالِ الثُّلُثان وللعاملِ الثُّلُثُ .
قال أبو عمرَ: هذا على أصلِهما أن العبدَ لا يملكُ شيئًا . وقولُ مالكِ
على أصلِه فى أن العبدَ يَصِحُ مِلْكُه لِما بيدِهِ مِن المالِ ما لم ينتزِعْه منه سيدُه .
وقد مضَى القولُ فى هذه المسألةِ فى موضعِها(١).
وقال الليثُ : لا بأسَ أن يشترطَ ربُّ المالِ عملَ عبدِه مع العاملِ فى
المالِ، ولا يجوزُ له أن يشترِطَ عملَ عبدِ المضاربِ (١، ولو اشترَط عملَ
عبدِ المُضارب١٢ِ شهرًا أو أقلَّ أو أكثرَ، كان له أجرُ مِثْلِه، والقِرَاضُ على
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ١٤٨/١٦ - ١٥٣.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
٤٣٤
الموطأ
ما لا يجوزُ فى القراضِ
١٤٣٠ - قال يحيى : قال مالكٌ: إذا كان لرجلٍ علی رجلٍ دَیْنٌ ،
فسأله أن يُقِرَّه عنده قِرَاضًا: إن ذلك يُكْرَهُ حتى يَقبِضَ مالَه، ثُمَّ يُقارِضُه
بعدُ أو يُمسِكُ ، وإنَّما ذلك مَخافةَ أن يكونَ أَعْسَرَ بمالِه، فهو يُرِيدُ أن
يُؤْخِّرَ ذلك على أن يَزِيدَه فيه .
حالِه .
الاستذكار
بابُ ما لا يجوزُ فى(١) القِرَاض
قال مالكٌ: إذا كان لرجلٍ على رجلٍ دَيْنٌ، فسأله أن يُقِرَّه عندَه
قِراضًا : إن ذلك يُكرةُ حتى يقِضَ مالَه، ثم يُقارِضُه بعدُ أو يُمسِكُ، وإنما
ذلك مخافةً أن يكونَ أَعسَرَ بمالِهِ، فهو يريدُ أن يؤخِّرَ ذلك عنه على أن
تزيده فيه .
قال أبو عمرَ : قد بيَّن مالكٌ العلةَ عنده فی کراهية ما کړه مِن القراضِ
بدَيْنٍ على العاملِ. وكذلك لا يجيزُ(١) أن يقولَ لرجلٍ: اقبِضْ ما لى على
زيدٍ مِن الدَّيْنِ، واعمَلْ به قراضًا. وهو عندَه قراضٌ فاسدٌ ؛ لأنه ازداد عليه
فيما كلَّفه مِن قبضِه . وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ أن يقولَ لغريمِه : اعمَلْ لى
القبس
(١) فى الأصل، ح، هـ: ((من)).
(٢) فى الأصل، م: ((يجوز)).
٤٣٥
الموطأ
الاستذكار بما لى عليك مِن المالِ قراضًا. لأن ما فى الذمةِ لا يعودُ أمانةً حتى يقبضَ
الدَّيْنَ، ثم يصرفَه إليه(١) على وجهِ الأمانةِ، ولا يبرأُ الغريمُ مما عليه إلا
يإبرائِه أو القبضِ منه أو الهبةِ له. وقولُ أبى حنيفةً فى ذلك نحوُ قولٍ
الشافعىّ .
واختلفوا إِن عَمِل الذى عليه الدَّينُ بما عليه قراضًا ، بعدَ اتفاقِهم أنه لا
يصلحُ القراضُ فى ذلك، فقال الشافعىُّ : ما اشتَرى وباع فهو للعاملِ
المِذْيانِ ، له ربحُه وخسارته . وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكِ ، وابن القاسمِ .
ولصاحبِ الدينِ دَيْنُه على ما كان . وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ : ما اشترى
وباع فهو للآمِرِ ربِّ الدَّيْنِ، وللغريم المضاربِ أجرُ مثله. وهو قولُ
اُشھب . وأصلُ اُبی حنیفةً ، وأبی یوسف ، ومحمدٍ ، فی المِدْیان یأمُرُه ربُّ
الدينِ أن يشترىَ له فيه شيئًا بعينه ، أنه يَبرأُ مِن دَيْنِه إذا اشتراه له ، وإن أمَره أن
يشترِىَ له شيئًا بغيرِ عِينِهِ، أنه لا يبرأُ حتى يقبِضَ الآمِرُ الشىءَ المُشترَى .
وأجاز الشافعىُّ والكوفىُ ، إذا قال له : اقبِضْ ما لى على فلانٍ ، واعملْ به
قِراضًا. أن يكونَ قراضًا إذا ("قبضه؛ لأنه٢) لم يجعلْ قبضَ المالِ شرطًا فى
المُضاربةِ، وإنما وكّله بقبضِه، فإذا حصَل بيدِه كان مضاربةً . واختلف
قولُ ابنِ القاسمِ وأشهبَ فى الذى له الوديعةُ يقولُ للذى هى عندَه : اعمَلْ
القبس
(١) ليس فى : الأصل ، ح ، هـ ، م .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((جعله إذا)).
٤٣٦
قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ مالاً قِراضًا، فهَلَك بعضُه قبلَ أن الموطأ
يعمَلَ فيه، ثم عمِل فيه فرَبح، فأراد أن يجعَلَ رأسَ المالِ بقيةً المالِ ،
بعدَ الذى هلَك منه قبلَ أن يعمَلَ فيه ، قال: لا يُقبَلُ قولُه ، ويُجبّر رأسُ
المالِ من رِبِه، ثُم يَقْتَسِمان ما بقِى بعدَ رأس المالِ على شرطهما من
القِراض
بها قِراضًا. فكرِهه ابنُ القاسم ولم يُجِزْه، وكرِهه أشهبُ، وأجازه إذا الاستذكار
وقَع. وقال ابنُّ المَوَّازِ: لا بأسَ به. وهو قولُ سائرِ الفقهاءِ؛ لأنها أمانةٌ
کلُّها .
قال مالكٌ فى رجلٍ دفَع إلى رجلٍ مالًا قِراضًا، فهلَك بعضُه قبلَ أن
يعملَ فيه، ثم عمِل فيه فربح، فأراد أن يجعلَ رأسَ المالِ بقيةً المالِ
بعدَ الذى هلَك منه قبلَ أن يعملَ فيه ، قال: لا يُقبلُ قولُه، ويُجبرُ رأسُ
المالِ مِن ربحِه، ثم يقتسمان ما بقِى بعدَ رأسِ المالِ على شرطِهما مِن
القِراضِ .
قال أبو عمرَ: لم يَقبلْ قولَه ، فلذلك ألزمه أن يُجبرَ رأسَ المالِ. وهذا
يدلُّ على أنه لو قَبِل قولَه، وصَحَّ أن بعضَ المالِ تلِف قبلَ أن يَشرَعَ فى
العملِ به، لم يكنْ رأسُ المالِ إلا الذى بقِى بعدَ التاوى (١).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الباقى)). والتاوى: الهالك. ينظر المصباح المنير (ت وى).
٤٣٧
الموطأ
قال مالكٌ: لا يصلُحُ القِراضُ إلا فى العينِ من الذهبِ أو الوَرِقِ ،
ولا يكونُ فى شىءٍ من العُرُوضِ والسّلَعِ .
الاستذكار
وفى ((المدونةِ)) فى الرجلِ العاملِ يخسرُ فى المالِ، ثم يخبِرُ ربّه
فيُصَدِّقُه، ويقولُ له: خُذْ ما بقى عندَك مالًا قِراضًا، واستأنفِ العملَ .
فيعملُ على ذلك ويربح، قال ابنُّ القاسم: ليس قولُه بشىءٍ حتى
يُفاصِلَهُ(١)، ويقبضَ منه مالَه، ويَنْقَطِعَ(٢) القِراضُ الأُولُ بينَهما، ثم يَردَّه
إليه قِراضًا ثانيًا، وإلا فهو على القِراضِ الأُولِ، ويَجبرُ الخَسارةَ مِن
الربحِ. قال: وكذلك بلَغنى عن مالكٍ. وذكّر ابنُ حبيبٍ، قال:
أصحابُ مالكِ كلُّهم على أنه يلزمُه ذلك القولُ، ويكونُ رأسُ المالِ ما
ذكّر وما رضِی به من ذلك. وروَی عیسی بنُ دينارٍ، أن أشهبَ كان
يقولُ: الذى أَسقَط عنه ساقطٌ، والباقى هو رأسُ المالِ . قال عيسى:
وهو أُحَبُّ إلىّ.
قال أبو عمرَ: مسألةٌ مالكِ فى هذا البابٍ مِن («الموطأُ)) أولَى بهذا
الجواب، وعليه جمهورُ الفقهاءِ، وهو الصوابُ إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ.
قال مالك: لا يَصلحُ القِرَاضُ إلا فى العينِ مِن الذهبِ أو الوَرِقِ ، ولا
يكونُ فى شىءٍ مِن العُروضِ والسِّلَعِ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يفاضله)). ويفاصله: يفض ما بينهما من شركة. ينظر الوسيط (ف ص ل).
(٢) فى الأصل، م: ((يجمع).
٤٣٨
١
الموطأ
قال أبو عمرَ : اختلف الفقهاءُ فى صفةِ المالِ الذى يجوزُ به القِرَاضُ؛ الاستذكار
فقال مالكٌ فى ((الموطأُ)) ما ذكّرناه، وزاد فى غيرِهِ: ولا بالفُلُوسِ. وقولُ
مالكِ فى ذلك كلّه كقولٍ الليثِ، والثورىِّ، والشافعيِّ، وأبى حنيفةً.
وقال ابنُّ أبى ليلَى: يجوزُ القِرَاضُ بالعُرُوضِ. وقال : إذا دفَع إليه ثوبًا على أن
يبيعَه ، فما كان مِن ربح فبينَهما نصفين ، أو أعطاه دارًا بينَهما ويؤاجِرُها على
أن أجرَها بينَهما نصفين، جاز، والأجرُ والربح بينَهما نصفين. قال: وهذا
بمنزلةِ الأرضِ المزارعةِ، والنخل المعاملة). وقال محمدُ بنُ
الحسنِ : يجوزُ القِراضُ بالفُلوسِ النافقةِ كالدنانيرِ والدراهم.
قال أبو عمر : القراضُ بالمجهول لا يجوزُ عندَ جمیعھم، و کذلك
لا يجوزُ عندَهم أن يؤخذَ الربح إلا بعدَ محُصُولٍ (٤) رأسِ المالِ، فلما
كانت العُروضُ تختلِفُ قِيَمُها وأثمانُها، عاد القِرَاضُ إلى جهلٍ رأسٍ
المالِ وإلى جهلِ الربح أيضًا، ففسَد القِراضُ على ذلك. ولا يجوزُ عندَ
جميعِهم أن يقولَ: بع عبدَك ◌ْعلى أن يكونَ ثمنُه الذى تبيعُه به ثمنًا
ليسِلْعتى هذه°). لأن ذلك مجهولٌ، وجائزٌ عندَهم أن يقولَ": اشترِ لى
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((المزارعة والأرض المعروفة)).
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ.
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((كالنفقة بالدنانير)).
(٤) فى ح، هـ، م: ((حضور)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((الذی له أن يبيعه به ثمنا یسعی هذه))، وفی م: «الذی له أن يبيعه به ثمنا
لسعی هذا)).
٤٣٩
الموطأ
الاستذكار بدراهمِك هذه عبدًا بعينه. فلذلك جاز القِراضُ بالعينِ، ولم يَجُزْ
بالعُروضِ. واللهُ أعلمُ .
واختلفوا فى القِرَاضِ بنُقَرِ الذهبِ والفضةِ؛ فروَى أشهبُ عن
مالكِ، قال: يجوزُ القِراضُ بالنقرِ مِن الذهبِ والفضةِ؛ لأن الناسَ قد
تقارَضوا قبلَ أن يُضربَ الذهبُ والفضةُ. قال ابنُ القاسم: سمِعتُ
أن مالكًا يُسهِّلُ فى القِرَاضِ بنقرِ الذهبِ والفضةِ ويُجِيزُه ، ولا
يُجِيزُ) القِراضَ بالمَصُوغ. وقَد رَوى عنه ابنُ القَاسِم أيضًا كَرَاهِيَةً
١"راضٍ بِنُقَرِ الذهبِ والفِضَّةِ (١) فى ((المُدَوَّنَةِ))، و «العُتبيَّةِ))، وزاد فى
(العُثُمَّةِ)): فإن نزَل ذلك لم يُفسخْ، ويُقَوُ(٤) عَلى مَا شَرَطَ مِن الرِّبْح.
وقال اللَيْثُ: لا يَجُوزُ القَراضُ بالنُّقَرِ، وَلا يَجُوزُ إلا بمثاقيلِ الذّهَبِ
والفضَّةِ. وهو قَولُ الشَّافِعِيٌّ، والكَوفىّ. وروَى يحبى عن ابنِ القاسمِ:
إن كان ذلك فى بلدٍ يجزئُُ فيه الذهبُ والفضةُ غيرَ مَضْروبَيْن فلا بأسَ،
وإن كان ببلدٍ لا يجزئُ ذلك فيه فهو مكروه، وإذا تفاضَلا ردَّ مثلَ وزن
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) فى ح، هـ، م: ((يجوز)).
(٣) بعده فى الأصل: ((يجزه))، وفى م: (( یجیزه).
(٤) فى ب: ((نقر))، وفى ح، م: ((بعد))، وفى هـ: ((يعد).
(٥) فى م: ((ثمنا قبل)).
٤٤٠