Indexed OCR Text

Pages 361-380

الموطأ
فيها بعدَ الفراغ مِن القول فى معنَى المزابنةِ عندَهم، فى هذا الباب إن التمهيد
شاء اللَّهُ .
أمَّا مالكٌ رحِمه اللَّهُ، فمذهبه فى المزابنةِ أنَّها بيعُ كلِّ مجهولٍ
بمعلومٍ مِن صنفٍ ذلك، كائنًا ما كان، سواءٌ كان ممَّا يجوزُ فيه
التَّفاضُلُ أم لا؛ لأنَّ ذلك يصيرُ إلى بابِ المخَاطَّرَةِ والقِمارِ، وذلك
داخلٌ عندَه فى معنَى المزَابَنَةِ. وفشَرَ المزَابَنَةَ فى ((الموطأ))(١) تفسيرًا
يوقَفُ به على المرادِ مِن مَذهَبِه فى ذلك، وبيَّنه بيانًا شافيًا يُغنى عن
القول فيه، فقال: كلَّ شىءٍ مِن الجُزافِ لا يُعلمُ کَیلُه ولا وزنُه ولا
عدده، فلا يجوزُ ابتیاُه بشىءٍ من الگتْلِ أو الوزن أو العددِ . یعنی مِن
صنفه، ثم شرح ذلك بکلام معناه : کرجلٍ قال لرجلٍ له تمرّ فی رءوسِ
شَجْرِه، أو صُبرَةٌ مِن طعامٍ أو غيرِهِ؛ مِن نَوَى، أو عُضْقُرٍ(٧)، أو پِزْرِ
كَثَّانٍ ، أو حبٌّ باٍ(٣)، أو زَيْتُونٍ، أو نحوِ ذلك: أنا آخُذُ زَيْتُونَك بكذا
وكذا ربُّعًا أو رِطلًا مِن زَيتٍ أَعصِرُها، فما نَقَص فعَلَىَّ، وما زاد فلى.
القبس
(١) الموطأ عقب الحديث (١٣٤٩).
(٢) العصفر : نبات صيفى ، يستعمل زهره تابلًا ، ويستخرج منه صبغ أحمر يصبغ به الحرير
ونحوه. الوسيط (عصفر).
(٣) البان: شجر لِحَبِّ ثمره دهن طيب، واحدته بانة. التاج (ب ون).
٣٦١

الموطأ
التمهيد وكذلك حَبُّ البَانِ أو السّمْسِمِ بكذا وكذا رِطْلًا مِن البَانِ أو دُهنٍ(١)
الجُلجُلانِ، أو كَوْمَكَ بكذا وكذا مِن الزَّبيبِ كيلاً معلومًا، ما زادَ فلى،
وما نَقَص فعلىَّ. وكذلك صُبَرُ العُصفُرِ أو الطعام وما أَشَبَ هذا كلَّه . قال
مالكٌ: فليسَ هذا ببيع، ولكنَّه من المخاطَرَةِ والغررِ والقمارِ، فيَضمَنُّ له
ما سمَّى مِن الكيلِ أو الوزنِ أو العددِ على أنَّ له ما زاد ، وعليه ما نَقَص،
فهذا غَرَرٌّ ومُخاطَرَةٌ. وعندَ مالكِ أنَّه كما لم يَجُزْ أن يقولَ له : أنا أَضمَنُ
لك مِن كَرْمِكَ كذا وكذا مِنِ الزَّبيبِ معلومًا، ومِن زَیتونِكَ كذا وكذا
مِن الزيتِ معلومًا، ومِن صُبرَتِكَ فى القُطنِ أو العُصفُرِ أو الطعامِ كذا
وكذا وَزنًا أو كَيلاً معلومًا. فكذلك لا يجوزُ أن يشترِىَ شيئًا مِن ذلك
كلِّه مجهولًا بمعلوم مِن صِنْفِه، مما يجوزُ فيه التفاضُلُ وممَّا لا يجوزُ.
وقد نصّ على أنه لا يجوزُ بیئُ الزیتون بالزيتِ، ولا الجلُلانِ بِدُهنِ
الجُلجُلانِ، ولا الزُّبِدِ بالسّمنِ، قال: لأَنَّ المزابَنَةَ تدخُلُه. ومن المزَابَنَّةِ
عندَه بيعُ اللحمِ بالحَيوانِ مِن صنفِه، ولو قال رجلٌ لآخَرَ: أنا أَضمَنُ لكَ
مِن جَزُورِكَ هذه أو مِن شاتِكَ هذه كذا وكذا رِطْلًا؛ ما زادَ فلى، وما
نَقَصَ فعلىَّ. كان ذلك مُزَابَنَةً، فلمَّا لم يُجزْ ذلك، لم يُجزْ أن يشتروا
القبس
(١) سقط من: م.
٣٦٢

الموطأ
الجَزُورَ ولا الشاةً بلحم؛ لأنَّهم يَصِيرُون عندَه إلى ذلك المعنَى. التمهيد
وسنذگگ ما للعلماءِ فی بیع اللحم بالحيوانِ فی بابٍ زيد بن أسلم (١) إِن
شاءَ اللَّهُ .
وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : لو أنَّ رجلًا قال لصاحبِ البَانِ: اعصِرْ
حَبِّكَ هذا، فما نقَصَ مِن مائةٍ رِطلٍ فعلىٍّ، وما زاد فلى . فقال له : إِنَّ
هذا لا يَصلُحُ. فقال: أنا أشترى منك هذا الحبُّ بكذا وكذا رِطلًا مِن
البَانِ . لدخَلَ فى المزَابَنَةِ ؛ لأَنَّه قد صار إلى معناها إذا كان البَانُ الذى
اشتَرَى به حَبَّ البَانِ قد قامَ مَقامًا لم يكنْ يجوزُ له مِن الضَّمانِ الذى
ضَمِنَه فى عَصرِ البَانِ . قال إسماعيلُ: ولو أنَّ صاحِبَ البَانِ اشتَرى
معلومًا بمعلُومٍ مِنِ البَان مُتَفَاضِلًا، لجازَ عندَ مالكٍ؛ لأَنَّه اشتَرَى شيئًا
عرَفه بشىءٍ قد عرَفه، فخرَج مِن بابِ القِمَارِ. قال أبو الفَرَج: وكذلك
السَّمْسِمُ بدُهنِه إذا كان معلُومَينٍ، فإن كان معلومًا بمجهولٍ لم يجُزْ.
وقد اختلف قولُ مالكِ فى غزلِ الكَتَّانِ بثوبٍ الكتَّانِ ، وغزلِ الصُّوفي
بثوبٍ الصوفِ، وتحصيلُ مذهَبِهِ أنَّ ذلك يجوزُ نقدًا إذا كان ذلك
معلُومًا بمعلُومٍ. وقال أبو الفرجِ: إذا أُريد بابتياعِ شىءٍ مِن المجهولِ
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٣٨٩) من الموطأ .
٣٦٣

الموطأ
التمهيد الانتفاعُ به لوَقتِه، وكان ذلك ممَّا جَرَت به العادةُ، جازَ بيعُه، كَلَبَنِ
الحَلِيبِ بالمخِيضِ(١) إذا أُريد بالحَلِيبِ وقتُه، وكالقَصِيلٍ(٢) بالشعيرِ إذا
أُريد قطْعُ الفَصِيلِ لوقتِهِ، وكالتَّمرِ بالبَحِ إذا مجدّ(٢) البَحُ لوَقْتِه، (٤ لا بأسَ
٥
بذلك كلِّهُ). قال : وكذلك لا بَأْسَ ببيع ما خرَجَ عن أنْ يكونَ مَضْمُونًا
مِن المَجْهُولِ، كَدُهْنِ البَانِ المُطَيِّبِ بحَبّه، وكالشَّعِيرٍ بالفَصِيلِ الذى لا
يكونُ منه شَعِيرٌ. واختلَفَ قولُ مالكِ فى النَّوَى بالثَّعْرِ، فيما ذكر ابنُ
القاسمِ ؛ فَمَرَّةً كَرِهَه وجعَلَه مُزَابَنَةً، وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ : لا بَأْسَ
بذلك. قال ابنُ القاسمِ: لأَنَّه ليس بطعامٍ. قال أبو الفرَجِ: ظَنَّ ابنُ
القاسم أنه ليسَ مِن بابِ المُزَابَةِ فَاعْتَلَ أنه ليس بطَعامٍ، والمنعُ منه أشبَهُ
بقوله .
قال أبو عمرَ : لم يَختلِفْ قولُ مالكِ أنه لا يجوزُ شِراءُ السَّمْسِم أو(١)
الزَّيْتُونِ على أنَّ على البائع عصرَه ؛ قال مالكٌ: لأَنَّه إنَّما اشْتَرَى منه ما
يَخْرُجُ مِن زَيْتِه ودُهْنِهِ . وأجازَ بيعَ القَمح على أنَّ على البائع طَحْنَه . قال ابنُ
القبس
(١) المَخيض: فعيل بمعنى مفعول. يقال: مخَضت اللبن مخضًا: إذا استخرجت زُبده بوضع الماء
فيه وتحریکه، فهو مخيض. المصباح المنير ( م خ ض).
(٢) الفصيل: هو الشعير يجزّ أخضر لعلف الدواب. المصباح المنير (ق ص ل).
(٣) فى ك ١: ((أخذ)).
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) فى ك١: (( و)).
٣٦٤

الموطأ
D:O
القلسم : قال لى مالك: فيه معمزٌ()، وأرجو أن يكُونَ خَفِيقًا ب، وقال التعهيد
إسماعيلُ : كُلَكَّ مالكًا كانَ عندَهما "فخرج من القمح(٣) معلومًا لا يُتفاوَتُ
إلّا قَريتا؛ فأخرجه مِن بامِ المُؤَابِتَق، وجعّلَه مِن بابٍ بيع وإجارةٍ، كمَنٍ
ابتاغ مِن رجل ثوبًا على أن يَخيطَه له.
قال أبو عمرَ : قد أَوْرَدْنَا مِن أصُولٍ مَذْهَبٍ مالكِ فى المُزَابَنَةِ ما
يُوقَفُ به على المُرَادِ والبُغْيَةِ. واللهُ أعلمُ .
وأمَّا الشَّافعىُّ فقال: جِمَاعُ المُزَابَةِ أَن يُنظرَ كلَّ ما عُقِدَ بَتْعُه وفى
الفضلِ فى بَعضِه ببعضٍ يدًا بيدِ ربًا، فلا يجوزُ منه شىءٌ يعرفُ بشيءٍ منه
مُجزافًا، ولا جُزَافًا بُجزَافٍ مِن صِنْفِه، وأمَّا أن يقولَ: أضمنُ لكَ صُبْرَتَك
هذه بعِشْرِين صاعًا؛ فما زادَ فَلِى، وما نَقصَ فَعَلىَّ تَمامُها . فهذا مِن القِمَارِ
والمُخاطَرَةِ ، وليسَ مِن المزابَنَةِ .
قال أبو عمرَ : ما قدَّمْناہ عن أبی سعیدِ الخُدْرِئِّ، وابنِ عمرَ ، وجابٍ
فى تفسيرِ المُزَابَةِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَه الشَّافِعِىُ، وهو الذى تدُلُّ عليه الآثارُ
القبس
(١) فى م: ((غرر). والمثبت موافق لما فى المدونة ٤/ ٢٩٨.
(٢ - ٢) فى ك ١: ((يحتاج منه بقمح)).
٣٦٥

الموطأ
التمهيد المرفوعةُ فى ذلك. ويشهدُ لقولِ مالكِ - واللَّهُ أعلمُ - أصلُ معنَى
المُزَابَةِ فِى اللُّغَةِ (١)؛ لأَنَّه لفظٌّ مأخوذٌ مِن الزَّئْنِ، وهو المُقَامَرَةُ والدَّفعُ
والمُغالبةُ(٢)، وهى(٢) معنَى القِمَارِ والزِّيادةِ والنَّقْصَانِ أيضًا، حتى لقد قالَ
بعضُ أهلِ اللَّغَةِ: إِنَّ القَمَرَ مُشْتَقٌّ مِن القِمَارِ؛ لِزِيَادَتِهِ ونُقْصَانِهِ. فالمُزَابَةُ
والقِمَارُ والمُخاطَرَةُ شىءٌ مُتداخلٌ حتى يُشْبِهَ أن يَكُونَ أصلُ اشْتِقَاتِها
واحدًا. واللَّهُ أعلم. تقولُ العربُ: حَرْبٌ زَبونٌ . أْ ذاتُ دَفْعٍ وقِمَارٍ
ومُغَالَبَةٍ. وقال أبو الغُولِ الطُّهَوىُّ(٤):
فَوارِسَ لا يَمَلُّونَ المَنَايَا إذا دَارَتْ رَحِى الْحَرَّبِ الزَّبُونِ
وقال " لقيطُ بنُ يَعمَرْ) الإيادِىُّ(٦):
القبس
(١) بعده فى م: «المخاطرة).
(٢) فى ك ١: ((المغابنة)).
(٣) فى م: ((فى).
(٤) البيت فى حماسة أبى تمام ١/ ٦١.
(٥ - ٥) فى النسخ: (معمر بن لقيط)). وينظر الأغانى ٣٥٥/٢٢، وفى الشعر والشعراء
١٩٩/١: ((لقيط بن معمر)).
(٦) البيت من قصيدة له فى الأغانى ٣٥٨/٢٢ وروايته:
فى الحرب يختتل الرئبال والسبعا
فساوروه فألفوه أخا علل
عبل الذراع أبيا ذا مزابنة
فى الحرب لا عاجزا نِکْسا ولا ورعا
وينظر تفسير غريب الموطأ ٣٧٥/١، ٣٧٦ والتعليق عليه .
٣٦٦

الموطأ
عَبْلَ الذِّرَاعِ أَبِّا ذا مُزَابَنَةٍ فِى الْحَبِ يَخْتَيِّلُ الرَّثْبَالَ والشّبُعاً(١) التمهـ
وقال معاويةٌ (٢):
ولو زَبَنَتْه الحَّبُ لم يَتَرَمْرَم
ومُسْتَعْجِبٍ مَّا رأى مِن أَنَاتِنَا
وروَى مالكٌ(٤)، عن داودَ بنِ الخُصينِ، أَنَّه سمعَ سعيدَ بنَ المسيَّبِ
يقولُ: كانَ مِن مَيْسِرٍ أهلِ الجاهليةِ تَيُ اللَّحمِ بِالشَّاةِ والشّاتَيْنِ. فأخبَرَ سعيدٌ
ابنُ المسيبِ أنَّ ذلك ميسرٌ، والميسرُ القمارُ، فدخلَ فى معنَى المُزابَنَةِ .
قال أبو عمرَ : مِن أحسنٍ مَا رُوىَ فى تفسيرِ المُزابنةِ وأرفعِه ما ذکرنَاه
ممَّا رَوَاهُ حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ".
قال أبو عمرَ : فهذا جليلٌ مِن الصحابةِ قد فشَرَ المُزْابَنَةَ بنحوِ (٦) ما
فشَرّها مالكٌ فى ((مُوَطَّئِهِ)) سواءً(٧). فأمَّا المُحَاقَلَةُ فللعلماءِ فيها ثلاثةُ
القبس
(١) عبل الذراع: ضخمه، يختل: الختل والتخاتل: التخادع، الرئبال: من أسماء الأسد والذئب.
اللسان (خ ت ل، رأیل، ع ب ل ).
(٢) البيت لأوس بن حجر، ديوانه ص ١٢١.
(٣) ترمرم: إذا حرك فاه للكلام. الصحاح (ر م م).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٣٩٠).
(٥) هنا ينتهى الاختصار فى النسخة س، والمشار إليه ص٣٥٩ .
(٦) فى ك١، م: ((على نحو)).
(٧) جاء بعده فى س أثر ابن عمر المتقدم ص٣٥٩ من طريق ابن جريج ، عن موسى بن عقبة
إلى قول المصنف: وأوضحه فى ذلك .
٣٦٧

الموطأ
التمهيد أقوالٍ؛ منهم مَن قال : معنَاها ما جاء فى هذا الحديثِ مِن كراءٍ
الأرضِ بالحِنطَةِ. قالُوا: وفى معنَى (١كِرَاءِ الأرضِ بالحِنطَةِ فى تَأْوِيلٍ
هذا الحديثِ، كِرَاؤُها بجَمِيعِ أنواعِ الطَّعامِ على اخْتِلافِ أنواعِه".
قالُوا: فلا يجوزُ كِرَاءُ الأرضِ بشىءٍ مِن الطّعامِ، سواءً كان ممَّا يخرجُ
منها وتُزْرَع فيها، أو (" من غيرِ ذلك٢) مِن سائرٍ صُنُوفِ الطَّعامِ المَأْكُولِ
كلِّه والمَشرُوبِ، نحوِ العسلِ والزيتِ والسَّمنِ، وما أشبه ذلك من
كلِّ ما يُؤْكلُ ويشربُ؛ لأنَّ ذلك عندَهم فى معنَى تَيع الطّعامِ بالطّعامِ
نساءً، وكذلك لا يجوزُ كِرَاءُ الأَرضِ عندَهم بشىءٍ ممَّا يخرجُ منها
وإن لم يكُنْ طَعَامًا مأكُولًا ولا مَشرُوبًا سِوَى الخَشَبِ والقَصَبِ
والحطبِ ؛ لأَنَّه عندَهم فى معنَى المُزائَنَةِ، وأصلُه عندَهم النهى عن
كِرَاءِ الأرضِ بالحنطَةِ. هذا هو المحفُوظُ عن مالكِ وأصحابِه. وقد
ذكَر ابنُ سُحنُونٍ عن المغيرةِ بنِ عبدِ الرحمنِ المَخزُومِيِّ المَدَنىِّ ، أنه
لا بأسَ بكِرَاءِ الأرضِ بطعامٍ لا يخرجُ منها .
وروَى يحتّى بنُ عمرَ عن المغيرةِ، أن ذلك لا يجوزُ، كقولٍ
القبس
(١ - ١) فى س: ((الحنطة المذكورة فى تأويل هذا الحديث جميع الطعام على اختلاف
أنواعه ).
(٢ - ٢) سقط من: م.
٣٦٨

الموطأ
سائرٍ أصحابٍ مالكِ. وممَّن قال بالجملةِ التى قدَّمنا عن مالكِ التمهيد
وأصحابِهِ؛ ابنُ القاسم، وابنُ وهبٍ، وأشهبُ، ومُطرّفٌ، وابنُ
الماجشون، وابنُ عبدِ الحكم، وأصبغُ، كلَّهم يقُولُونَ: لا تُكْرَى
الأَرضُ بشىءٍ مما يخرجُ منها ؛ أُكِلَ أو لم يُؤْكلْ، ولا بشىءٍ ممَّا
يُؤْكلُ ويُشربُ؛ خرَجَ منها أو لم يخرُجْ منها (١).
وذكرَ ابْنُ حبيبٍ أنَّ ابْنَ كِنَانَةً كانَ يقولُ : لا تُكْرَى الأَرضُ
بشىءٍ إِذا أُعِيدَ فيها نَبَتَ، ولا بأسَ أن تُكْرَى بما سِوَى ذلك مِن
جميع الأشياءِ ؛ ممَّا يُؤْكَلُ ومِمَّا لا يُؤْكَّلُ، خرَجَ منها أو لم يَخرُجْ
منها. قال : وكان ابنُ نافعٍ يقولُ: لا بأسَ أن تُكرّى الأرضُ بِكُلٌ
شىءٍ مِن طَعامِ وغيرِه ؛ خرَج منها أو لم يخرُجْ منها ما عَدَا الحِنطَةً
وأخوَاتِها ؛ فإنَّها المُحَاقلةُ .
وأجمَعَ مالكٌ وأصحابُه كلُّهم أنَّ الأرضَ لا يجوزُ كِراؤُها على
بعضٍ ما يخرُجُ منها ممَّا يُزْرِعُ فيها، ثُلْنَا كان أو رُبْعًا أو (٢ جزءًا ما)
كان؛ لأنه غَررٌ ومُحاقلةٌ، وقد نَهى عن ذلك كلِّه رسولُ اللهِ وَته .
القبس
(١) بعده فى س: ((حاشا الحطب والحشيش وما لا صنعة فيه للآدميين)).
(٢ - ٢) فى م: ((جزافً)).
٣٦٩
(موسوعة شروح الموطأ ٢٤/١٦ )

الموطأ
التمهيد وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلم : معنَى المُحاقَّلَةِ دفعُ الأَرْضِ على الثُّلُثِ
والرُّبُعِ وعلى جزءٍ ممَّا يخرُجُ منها. قالُوا : وهى المُخابرةُ أيضًا، فلا
يجوزُ لأحدٍ أن يُعطِىَ أرضَه على جزءٍ مما يخرُجُ منها ؛ لنّهي رسولِ اللهِ
وَلّ عن ذلك، ولأنَّه مجهولٌ، ولا يجوزُ الكِرَاءُ، « إلّا بشىءٍ معلومٍ).
قالُوا: وكِرَاءُ الأرضِ بالذهبِ والوَرِقِ وبالغُروضِ كلِّها(٢)؛ الطّعامِ وغيرِهِ
ممَّا يَتبتُ فى الأرضِ وممَّا لا يَتْبُتُ فيها جائزٌ؛ كما يجوزُ كِرَاءُ
المنازلِ، وإجارَةُ العبيدِ. هذا كلُّه قولُ الشافعيّ ومَن تابَعَه، وهو قولُ
أبى حنيفةً، وداودَ . وإليه ذهبَ محمدُ بنُ عبدِ الحكمِ .
وقال آخرون: المحَاقَلَةُ بيعُ الزَّرع فى سُنبلِه بعدَ أن يشتدَّ
ويَسْتَحصِدَ(٢) بالحنطةِ.
ذكَر الشافعىُّ، عن "سعيدِ بنِ سالم، عن ابنِ نجريج، قال: قلتُ
لعطاءٍ : ما المحاقلةُ؟ قال : المحاقَلَةُ فى الحَرْثِ كَهَيئَةِ المُزَابَنَةِ فى النَّخلِ
سَواءً، وهو بيعُ الزرعِ بالقمحِ. قال ابنُ جريجٍ : قلتُ لعطاءٍ: فَسَّرَ لكم
القبس
(١ - ١) فى س: (إلا معلومًا)، وفى م: ((بشىء معلوم)).
(٢) بعده فى ك ١: ((سوى)).
(٣) أحصد الزرعُ واستحصد: إذا حان حصاده. المصباح المنير (ح ص د).
(٤ - ٤) فى النسخ: ((ابن عيينة)). والمثبت مما سيأتى ص ٣٨٠.
٣٧٠

الموطأ
جابِرٌ المحاقَلَةَ كما أخبرتَنى؟ قال: نعَم (١).
التمهيد
قال أبو عمرَ : وكذلك فَشَرَ المحَاقَلَةَ سعيدُ بنُّ المسيَّبِ فى حَديثِه
المرسَلِ فى ((الموطأً)(٢)، إلَّا أنَّ سعيدَ بنَ المسيبِ جمَع فى تأويلٍ
الحديثِ الوَجهَين جميعًا، فقال: والمُحاقَلَةُ اشْتِراءُ الزَّرع بالحِنطَّةِ،
واستِكراءُ الأرضِ بالحِنطَةِ. وإلى هذا التَّفسيرِ فى المُحاقَّلَةِ ؛ أَنَّه تَيْعُ
الزَّرعِ فِى سُنيلِه بالحِنطةِ دونَ ما عَدَاه، ذهَبَ اللَّيْثُ بنُ سعدٍ،
والثورىٌّ، والأُوزاعىُّ، والحسنُ بنُّ حىٍّ، وأبو يُوسفَ، ومحمدٌ. وهو
قولُ ابنِ عمرَ، وطاوسٍ. وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ. وكلُّ هؤلاءٍ لا
يَرَونَ بأسًا أن يُعطِىَ الرَّجُلُ أرضَه على مجزءٍ ممَّا تُخرِجُه نحوَ الثُّلُثِ
والرُُّعِ؛ لأَنَّ المُحاقََّةَ عندَهم فى مَغْنَى المُزْابَةِ، (وأنَّها فى٣) بيعِ الثَّعْرِ
بالتَّمرِ، والحنطَّةِ بالزَّرعِ .
قالوا : ولمّا اختُلفَ فى المحاقَلَةِ كانَ أُولَى ما قيل فى معنَاها ما
تأوَّلنَاه مِن بَيْعِ الزَّرع بالحِنطَةِ. واحتَجُوا على صِحَّةٍ ما تأوَّلوه وذهبوا
إليه مِن إجازَةِ كِرَاءِ الأرضِ يبَعضٍ ما يخرُجُ منها، بقِصَّةٍ خَيبرَ، وأَنَّ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٨٠.
(٢) الموطأ (١٣٤٩) .
(٣ - ٣) فى س: (أنه)).
٣٧١

الموطأ
٠ ١
٠
٠٠
٠٠
التبيهِه رسولَ اللهِ وَِّهِ عامَلَ أهلَها على مشَطْرِ إِما تُخْرِ بُه أَرْضُهم، وتُملِرُهُمْ ..
عين وقد قال أحمدُ بن حنبلٍ: عدمتُ رَافع بنِ تَحَدِيج فى التَّهْىِ عِنْأَكِرَاءِ
المَوَازِعُ: مُضْطَرِبُ الألفاظِ ولايَصِحُ، وَالِقُولُ بقِضَّةٍ خَيَرَ أَوْلَى.
(٢)
وَاخْتَجَّ بعضُ مُنْ لَم يُجِرُّ كَرَاءُ الأرضِ ببعضِنَّ مَا يخرجُ مَنْهَا أَنَّ قِصَّةً
تُثِيرُ منشوخَةُ بنهى رسول اللّهِ وَله عن المُخبرَةِ؛ لأنَّ لَفَظَ المُخَابَرَةِ
مَأْخُوذٌ مِنْ خَيْرَ؛ وذلكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ،فِّله لكَا عَامَلَ أَهْلَ خيبرُ على ما
ذُكَزْنَا قِيلَ : حَابَ رَسُولُ اللهِ ﴿ أَهْلَ خَيْرَ. أى: عامَلَهم فى أرضٍ
تخيوإنه لا
وقال الشافعىُّ فی قولِ ابنِ عمرَ : كنا نُخابِرُ ولا نَرَی بذلك بأُسّا حتی
أخبرنا رافُ بنُ خَدیج أن رسولَ اللهِ ێ نَھی عنها(٢) . أى: كنا نُكرِی
الأرضَ ببعضٍ ما يخرُجُ منها . قال: وفى ذلك نَسخٌ لسُنَّةِ خَيبرَ. قال : وابنُ
عمرَ روَى قِصَّةً خَيبرَ، وعَمِلَ بها حتى بلَغَه أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ نَهَى بعدَ
ذلكَ عنها .
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٤٣) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٤٤٦).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٤٦) من الموطأ .
٣٧٢

التمهيد
قال أبو عمرَ : أما المحاقلةُ فمأخوذةٌ عندَ أهل اللغة من الجڤْلِ ، وهى
الأرضُ البيضاءُ المزروعةُ(١) تقولُ لِهِ الْعِربي: الْقَراحِ() والحقلُ مقَالُ:
حاقَل فلانٌ فلانًا. إذا زارَعه، كما يقال: خاضَرِهِ . إذا باتَعِهِ شيئًا أخضرَ.
وقد نهى رسولُ اللَّهِ وَاله عن المخاضرة، وهی بیُ الثمارِ قبلَ أن٣) يبدوَ
صلائحها، وكذلك يقال : حاقَل فلانٌ فلانًا. إِذا بايعه زرعًا بحنطةٍ ،
بالخ
وحاقَلَه أيضًا. إذا أكرَى منه الأرضَ ببعض ما يخرجُ منهَا، كِما يقال:
زارَعه. إذا عامَله فى زرع. وهذا يكونُ من اثنين فى أمرِينٍ مِخْتلِفَين، مثلَ
بيعِ الزرع بالحنطةِ، واكتراءِ الأرضِ بالحنطةِ؛ لأنَّك لا تستطِيعُ أن تشتقَّ
من الاسمين جميعًا اسمًا واحدًا للمفاعلة، وإن اشتقَقْتَ مِن أحدِهما
للمفاعلةِ لم يُستدلّ على الآخِرِ ، فلم يكنْ بدٌّ مِن الاثنين. هذا كلُّه قولُ ابن
=(٥)
قتيبةً ) وغيرِه .
لك
وأمَّا المخابرةُ، فقال قومٌ: اشتقاقُها من خيبرَ. على ما قِدَّمنا ذكره.
حسب*
شيسبب
القبس
(١) فى ك ١، س: ((المزرعة)).
(٢) فى النسخ: ((البراح)). والمثبت من غريب الحديث لابن قتيبة ٣٩٤/٣"
(٣ - ٣) فى م: ((نهى عن بيع الثمار حتى)).و« ٣١٥ كلها شرع يته٠ ٢٫٦(٢)
(٤) أخرجه البخارى (٢٢٠٧) من حديث أنس بن مالك، وأخريجه. التنسائى،(٣٨٩٢)من
حديث جابر بن عبد الله. ٣٦٥/١٠) جل : (٨٠٢٤٠) ٢٢١٨٥٢ مها جما (٢)
(٥) ينظر غريب الحديث لابن قتيبة ١٩٤٨٨ ((٨٣) نسحق: ٢/٩/١) رجل تاج
٣٧٣٠

الموطأ
٠
التمهيد وقال آخرون: هى مشتقّةٌ من الخِبرِ، والخِبرُ حرثُ الأرضِ وعملُها . وزعَم
من تأوَّلَ فى المخابرةِ هذا التأويلَ أنَّ لفظَ المخابرةِ كان قبلَ خيبرَ ، ولا
دليلَ على ما ادَّعَى من ذلك. واللَّهُ أعلمُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ نُصيرٍ (١)، وخَلَفُ بنُ أحمدَ، وعبدُ الرحمنِ
ابنُ يحيى، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ،
قال : حدَّثنا نصرُ بنُ مرزوقٍ(١)، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدّثنا
حمَّادُ بنُّ سلمةً، عن أيوبَ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَهـ
نهى عن المحاقَّلَةِ ، والمزابَةِ ، والمخابرَةِ ، والمعاوَمَةِ، وهى بيعُ السِّنينَ.
قال: والمخابرةُ أن يدفعَ الرجلُ أرضَه بالقُّلُثِ والرئْعِ(٣).
قال أبو عمرَ: المخابَرَةُ عندَ جمهورٍ أهلِ العلم على ما فى هذا
الحديثِ مِن كِرَاءِ الأرضِ بجزءٍ ممَّا تُخرِجُه، وهى المزارعةُ عندَ
جميعِهم. فكلّ حديثٍ يأتى فيه النهى عن المزارعةِ، أو ذكرُ المخابرةِ ،
فالمرادُ به دفعُ الأرضِ على الثُّلُثِ والرّبُع، واللَّهُ أعلمُ، فَقِفْ على ذلك
القبس
(١) فى م: ((نظير). وينظر الصلة ٢/ ٤٩٩.
(٢) فى م: ((مروان)). وينظر ترتيب المدارك ١٦٩/٥.
(٣) أخرجه أحمد ٢٥٨/٢٢ (١٤٣٥٨)، ومسلم (٨٥/١٥٣٦)، وأبو داود (٣٤٠٤)،
والترمذى (١٣١٣)، والنسائى (٤٦٤٨) من طريق أيوب به، وليس عندهم تفسير المخابرة.
٣٧٤

الموطأ
واعرِفْه. وسيأتى القولُ مُستوعَبًا فى كِرَاءِ الأرضِ بما للعلماءِ فى ذلك التمهيد
من الأقاويلِ، وما روَوا فى ذلك مِن الآثارِ، مُمَهَّدًا فى بابٍ رَبيعةً فى
كتابنا هذا إن شاء اللَّهُ تعالى(١).
والبيعُ في المزابنةِ إذا وقَع؛ كتمرٍ بِيعَ بِرُطَبٍ، أو زبيبٍ بِيعَ بعَنَبٍ،
و کذلك المحاقلةُ؛ کزرع بِعَ بحنطةٍ، صُبرَةً أو گيلا معلومًا ، أو ثمرٍ بِيعَ
فى رءوسٍ النخلِ مجزافًا بكيلٍ مِن الثَّمرِ معلومٍ، فهذا كلَّه إذا وقَع فُسِخ إن
أُدْرِك قبل القبضِ أو بعده ، فإن قُبِض وفات رجَع صاحبُ الثَّمرِ بِمَكِيلَةٍ تَمرِه
وحسَبَهُ " على صاحبِ الرُّطبِ، ورجَعَ صاحبُ الرُّطبِ على صاحبٍ
التَّمرِ بِقِيمَةٍ رُطبِه يومَ قبضَه بالغًا ما بلَغَ. وكذلك يرجعُ صاحبُ النخلِ
وصاحبُ الزرعِ بَقِيمَةِ تمرِه وقِيمَةِ زرعِه على صاحبِ المكيلَةِ يومَ قبَضَ
ذلك بالغًا ما بلَغَ، ويُرجِعُ صاحبُ المَكِيلَةِ بِمَكيلَتِه فى مثلِ صفةٍ ما قَبَضَ
منه .
قال أبو عمرَ: کلَّ مَن ذكّرنا فى هذا البابٍ مِن العلماءِ على اختلافٍ
مَذاهبهم، مَن كَرِه المزَارَعَةَ منهم ومَن أجازها ، كلّهم مُتُّفِقون على جوازٍ
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٤٤٦) من الموطأ .
(٢) فی م: ((و)).
(٣) فى م: (جنسه).
٣٧٥

١٣٤٩ - مالكٌ، عن ابن شهاب، عن سعيدٍ بنِ المسئَّبِ ، أن
الموطأ
رسولَ اللهِ وَ لَّ نهَى عن المُزابنةِ والمُحاقلةِ. والمُزابنةُ اشتراءُ الثمَّرِ
بالتْرِ ، والمُحافلةُ اشترَاءُ الزرعِ بالحنطةِ ، واستكراءُ الأرضِ بالحنطةِ .
قال ابنُّ شهابٍ : فسألتُ سعيدَ بنَ المسئَّبِ عن استكراءِ الأرضِ
بالذهِبٍ والوَرِقٍ ، فقال: لا بأسَ بذلك . قال يحيى: قال مالك : نھَى
وَاخ عن المُزابنةِ.
رسولُ اللهِ
التمهيد المساقاةِ فى النخل والعنب، إلا أبا حنيفةً ( وزُفَرَ، فإنَّهما كَرِهَاها، وزَعَما ؟
أنَّ ذلك منسوخ بالنهي عن المخابرة ، وخالفَ أبا حنيفةً أصحابُه وغيرُهم
"{لَّ ژُقر)». وسیأتی ذکر المساقاة فى باب ابن شهاب ، عن سعيد بنِ
المُسيَّبِ إن شاءَ اللَّهُ تعالى(٣).
مالكٌ، عَن ابْنِّ شَهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ
نهى عن المزابنة والمحاقلةِ. والمزابنةُ اشتِراءُ الثمَرِ بالتعْرِ، والمحاقلةُ
اشتراءُ الزرعِ بالحنطةِ، واستكراءُ الأرضِ بالحنطةِ(٤) .
القبس
نصفاً:
(١ - ١) فى س: ((فإنه كرهها وزعم)).
(٢ - ٢) سقط من: س.
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٤٣) من الموطأ .
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٧٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٥/٩و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٢٥٢٠). وأخرجه الشافعى ٣/ ٦٢، وسحنون فى المدونة ٥٤٤/٤ من طريق مالك
به .
٣٧٦

وتفسيرُ المُزابنةِ ؛ أن كلّ شىءٍ من الجُزافِ الذى لا يُعلَمُ كيلُه وعلا الموطأ
وزنُه ولا عددُه، ابتِيعَ بشىءٍ مسمَّى من الكَيلِ أو الوزنِ أو العَدَدِ مُ
وذلكَ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ يكونُ له الطعامُ المُصَّرُ الذى لا يُعلَمُ
كَيلُه من الحِنطةِ أو التعْرِ أو ما أشبه ذلك من الأطعمةِ ، أو يكونُ للرجلِ
السلعةُ من الخَبَطِ ، أو النَّوَى أو القَضْبِ، أو العُصْفُرِ، أو الكُوْسُفِ ، أو
هكذا هذا الحديثُ مرسلٌ فى ((الموطأ )) عندَ جميع الرُّواةِ ، التمهيد
وكذلك رواه أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه، ورواه أحمدُ بنُ أبى طَيْبةَ،
عن مالكٍ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، عن
النبيِّ ◌َ(١).
وجاء فيه من تفسيرِ المزابنةِ والمحاقلةِ ما فيه مَقْنَعٌ لمن فهِم، ولا
خلافَ علِمتُه فى هذا التّأويلِ، وهو أحسنُ تفسيرٍ فى المزابنةِ والمحاقلةِ
وأعمّه. وقد مضى فى كتابنا هذا مِن تفسير المزابنة والمحاقلة فی باپ
داودَ بنِ الحصينِ ما يُغنى عن إِعادتِه " هلهنا، وقد تقدَّم فى بابٍ ربيعةً مِنَّا
القولُ فى كراءِ الأرضِ مستوعَبًا(). والحمدُ للهِ.
القبس
(١) ذكره الدارقطنى فى العلل ١٨٤/٩ عن أحمد بن أبى طيبة به.
(٢ - ٢) سقط من: م. وينظر ما تقدم ص ٣٥٨ - ٣٧٣.
(٣) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٤٤٦) من الموطأ .
٣٧٧
٤

الموطأ الكَثَانِ ، أو القَرِّ ، أو ما أشبه ذلك من السّلَعِ، لا يُعلَمُ گیلُ شیءٍ من
ذلك ولا وزنُه ولا عددُه، فيقولُ الرجلُ لربِّ تلك السّلعةِ: كِلْ سِلعتَكَ
هذه ، أو مُرْ مَن ێکیلُها ، أو زِن من ذلك ما يُوزَنُ ، أو اعدُدْ من ذلك ما
کان ◌ُعَدُّ ، فما نقص من کذا و کذا صاعًا - لتسمية يُسمِيها - أو وزنِ
كذا وكذا رِطْلًا، أو عددٍ كذا وكذا، فما نقَص من ذلك فعلىَّ غُرْمُه
حتى أُوفِيَّكَ تلك التسميةَ، فما زاد على تلك التسميةِ فهو لى ، أضمَنُ
ما نقَص من ذلك ، على أن يكونَ لی ما زاد . فليس ذلك بيعًا، ولكنه
المُخاطَرةُ والغَرَرُ، والقِمارُ يدخُلُ هذا؛ لأنه لم يشترِ منه شيئًا بشىءٍ
أُخرَجه، ولكنه ضَمِن له ما سُمِّىَ من ذلك الكَيلِ أو الوزنِ أو العددِ ،
على أن يكونَ له ما زاد على ذلك ، فإن نقصتْ تلك السّلعةُ من تلكَ
التسمية، أخَذ من مالٍ صاحبِهِ ما نقَص بغيرِ ثمنٍ، ولا هِبَةٍ طيّبةٍ بها
نفسُه، فهذا يُشبِهُ القِمارَ، وما كان مِثلَ هذا من الأشياءِ فذلك يدخُلُه .
قال مالكٌ: ومن ذلك أيضًا أن يقولَ الرجلُ للرجلِ له الثوبُ :
أضمَنُ لك من ثوبِك هذا كذا وكذا ظِهارةَ قَلَتْسُوةٍ ، قَدْرُ كلِّ ظهارةٍ
كذا وكذا - لشىءٍ يُسمِّيه - فما نقَص من ذلك فعلىَّ غُوْمُه حتى
أُوْفِيَّكه، وما زاد فلى . أو أن يقولَ الرجلُ للرجلِ : أَضمَنُ لك من ثيابِك
هذه كذا وكذا قميصًا، ذَرعُ كلِّ قميصٍ كذا وكذا، فما نقَص من
التمهيد
وقد روَى النهىَ عن المزابنةِ والمحاقلةِ عن النبيِّ وَلِ جماعةٌ من
القبس
٣٧٨

ذلك فعلىَّ غُوْمُّه، وما زاد على ذلك فلى . أو أن يقول الرجل للرجل له الموطأ
الجلودُ من جلودٍ البقرِ أو الإبلِ: أُقْطِّعُ جلودَك هذه نِعالًا - على إمام
يُريه إيَّهِ - فما نقَص من مائةٍ زوج فعلىَّ غُرْمُه، وما زاد فهو لى بِما
ضَمِنتُ لكِ. وممَّا يُشبِهُ ذلك؛ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ عندَه ◌َبُّ
البانٍ : أَعْصِرُ حَبَّكَ هذا، فما نقَص من كذا وكذا رِطلًا فعلى أن
أُعطيَكَه، وما زاد فهو لى. فهذا كلُّه وما أشبهَه من الأشياءِ أو ضَارَعه،
من المُزابنةٍ التى لا تصلُحُ ولا تجوزُ. وكذلك أيضًا إذا قال الرجلُ
للرجل له الخَبَطُ، أو التَّوَى، أو الكُرْشُفُ، أو الكَتَّانُ، أو القَضْبُ، أو
العُضفُرُ: أبتائحُ منك هذا الخَبَطَ بكذا وكذا صاعًا من خَبَطٍ - لخَبَطٍ
مِثل خَبْطِه - أو هذا النَّوَى بكذا وكذا صاعًا من نوّى مثلِه. وفى
القُصْفُرِ، والكُرْسُفِ، والكَتَّانِ، والقَضْبِ، مِثلُ ذلك. فهذا كلُّه
يرجعُ إلى ما وصَفْناه من المُزَابنةِ .
:
جنيه
التمهيد
الصَّحابةِ؛ منهم جابرٌ()، وابنُ عمرَ(٢)، وأبو هريرة(١)، ورافع بنُ خَدیج،
وكلَّ هؤلاءِ سمِع منه سعيدُ بنُ المسيَّبِ. فاللَّهُ أعلمُ. وقد يكونُ العالِمُ إِذا
اجتمع له جماعةٌ عن النبيِّ وَلَه أو غيرِه فى حديثٍ واحدٍ، يُؤْسِلُه إلى
المغزىِّ إليه الحديثُ، ويستثقِلُ أن يُسنِدَه أحيانًا عن الجماعةِ الكثيرةِ ، ألا
ـا
القبس
(١) تقدم تخريجه ض ٣٦٠ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٥٩ .
(٣) أخرجه أحمد ١٩٤/١٦ (١٠٢٧٩)، والنسائى (٣٨٩٣).
٢١٢٢٠٠ يجانها (٥)
٣٧٩

الموطأ.
التمهيد ترقى إلى ما ذكره فى نصْفَرٍ هَذَا الْقُّجْوَانِ عِنّ ◌َرَاهِيمِ الثَّكَِّىَ، لَّه ◌َيْ لَهُ.
هوة تقول +جمال عبدُ اللهِ برُ شيعوي ومية لقسمى من التحدث عنه؟ فقال.
إذا أستفى لك الحديث فقد حدثفى منا شفبت له عنه شؤون لم أُسْخ
لك أخذا فالحكم الّفتجدَّ فيه جماعةٌ هذا أو معناه كلام: إبراهيمً؟: نائب
(تخلَّنَا مُّهَيُ بَّ نَصْرِ، قَال ◌ْ مُحدَّثَنَا فَاتِهِمْ بِرُ أَصَبَعْ، قَالَ؛ حَدَّثَنَة آبَرُ
وضَّاع، قَالَ: مُحدَّته أبو بكرِ برُ أبى شيبةً ا قال ◌َ حدَّثنَه أبو الأخوضُ، عن
طارقٍ، عَنْ شعيلٍ من المسئِِّ، عن رافع بنِ مَتَدِيجِ قَالَ: أَنْهَى عْ فُولُ اللهِ وَّل
عن المحاقلةٍ والمزابنة في وقال: ((إنَّما يورعُ ثلاثةٌ؛ رجلٌ له أرض فهو يَزْرَعُها،
ورِجِلْ مُتِحٍ أوضًّا فهو يَزْرَيُ مَا مُنح مور جلّ ◌ِتِكِوَى أرضًا يَذْجِبِ أوْ فِضَّةِ)) إليه
خلّ أخبرنا أحمدُ بنُ عِيدِ اللَّهِ قال: أنباله الميمونُ بنُ حمزةَ، حدَّثُنَا
الطحاوىُّ، حدَّثنا المزني، حدَّثنا الشافعى، أنبأنا سِعِيدُ بنُ سالم، عن إبن
جريج، أنَّه قال لغطاءٍ. ما المحاقلةُ؟ قال: المحاقلةُ فى الزرع كهيئةٍ
الجزابية فى النخل ، سواء،بيخ الزَّرع بالقمح، قال ابنُ +جريج .. فقلتُ
لعطائه: فشر لكم تجابرة فى المحافظة كما أخبرتنى؟ قال :ٍ،نعم(٤)٢٠١١
القبس
٠٠٠
(١ - ١) فى ص ٤: ((أسندنا لكم)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٣١/١.
(٣) ابن أبى شيبة ٨٥/٧، ١٢٨، ١٢٩. وأخرجه أبو داود (٣٤٠٠)، والنسائي (٣٨٩٩)،
وابن ماجه (٢٤٤٩) من طريق أبى الأحوص به .
(٤) الشافعى ٣/ ٦٢.
(٦٥٨٩) الحال:(٥٧٢٠١) :٢٢١٥٥ حما سيداً (٢)
٣٨٠