Indexed OCR Text

Pages 241-260

الموطأ
يحيى بنُّ سعيدِ الأنصارىُّ(١) ، ومالكُ بنُ أنسٍ وأصحابُه. وهو قولُ عمرَ بنِ التمهيد
عبدِ العزيزِ()، وبوضعِ الجَوائحِ كان يقضِى رضِى اللَّهُ عنه . وبه قال أحمدُ
ابنُ حنبلٍ، وسائرُ أصحابِ الحديثِ، وأهلُ الظاهرِ. إِلَّ أنَّ مالكًا
وأصحابَه ومجمهورَ أهلِ المدينةِ يُراعُون الجائحةَ، ويعتَبِرُون فيها أن تبلُغَ
ثُلثَ الثمرةِ فصاعدًا ، فإن بلَغَتِ الثُّلُثَ فصاعدًا حَكَمُوا بها على البائعِ،
وجعَلوا المصيبةَ منه، وما كان دُونَ القُلُثِ أَلْغَوه ، وكانت المصيبةُ عندَهم
فيه مِن المبتاع، وجعَلوا ما دونَ الثُّلُثِ تَبَعًا لا يُلْتَفَتُ إليه، وهو عندَهم فى
حكم التافهِ اليسيرِ ؛ إذ لا تَخْلُو ثَمَرَةٌ من أن يتَعَذَّرَ القليلُ من طِيِها ، وأن
يَلْحَقَها فى اليَسِيرِ منها فسادٌ، فلمَّا لم يُرَاعِ الجميعُ ذلك التَّافِهَ الحقِيرَ،
كان ما دونَ الثُّلُثِ عندَهم كذلك .
وذكر عبدُ الرَّزَّاقِ(٣)، عن معمرٍ قال: كاد أهلُ المدينةِ أَلَّ يَسْتَقِيموا
فى الجائِحَةِ ، يقولون: ما كان دونَ الثُّلُثِ فهو على المشْتَرِى إلى
الثُّلُثِ، فإذا كان فوقَ ذلك فهى جائحَةٌ. قال: وما رأيتُهم يجعَلون
الجائحةَ إلَّا فى الثمارٍ. قال: وذلك أَنِّى ذكَرْتُ لهم البَّ(٤) يَخْتَرِقُ،
والرَّقِيقَ يموتون. قال معمرٌ: وأخبرنى مَن سمِع الزهرىَّ، قال: قلتُ
القبس
(١) أخرجه سحنون فى المدونة ٣٢/٥.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٤٠).
(٣) عبد الرزاق (١٥١٥٤)، ووقع فيه: ((كان أهل المدينة يستقيمون فى الجائحة)).
(٤) فى ك ١، ق: ((البر)).
٢٤١
( موسوعة شروح الموطأ ١٦/١٦ )

الموطأ
التمهيد له: ما الجائحةُ؟ قال: التّصْفُ .
ورؤَى حسينُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ضُمیرَةً، عن أبيه، عن جدِّه، عن علیّ
قال: (١ الجائحةُ الثّلُثُ فصاعدًا يُطُّرَحُ عن صاحبِها، وما كان دُونَ ذلك
فهو عليه. قال١): والجائحَةُ الرّيحُ، والمطرُ، والجَرَادُ، والحَرِيقُ(١).
والمرَاعاةُ عندَ مالكِ وأصحابِهِ ثُلُثُ الثمرةِ لا ثُلُثُ الثمن، ولو كان ما
بَقِى مِن الثَّمَرَةِ وفاءً لرأسٍ مالِه وأضعافَ ذلك، وإذا كانت الجائحَةُ أَقلَّ مِن
ثُلُثِ الثمرةِ، فمُصِيبتُها عندَهم مِن المشتَرى ولو لم يكنْ فى ثَمَنِ ما بَقِىَ إلَّا
درهم واحدٌ. وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ وسائرُ مَن قال بوَضْعِ الجوائحِ مِن
العلماءِ، فإنَّهم وضَعوها عن المبتاع فى القليلِ والكثيرِ ، وقالوا : المصِيبةٌ
فى كلّ ما أصابتِ الجائحَةُ مِن الثِّمارِ على البائع، قليلًا كان ذلك أو
کثیرًا . ولا معنی عندهم لتحدید الثلثِ ؛ لأُنَّ الخبر الوارد بذلك ليس فيه ما
يدلَّ على خُصوصٍ شىءٍ دونَ شىءٍ، وهو حديثُ جابٍ، عن النبيِّ وَّهِ،
من رواية أبى الزبيرِ وروايةِ سُلَیمانَ بنِ عَتیقٍ ، وقد ذكرناهما .
قال أبو عمرَ: كان بعضُ مَن لم يرَ وضعَ الجوائحِ يتَأوَّلُ حديثَ
سليمانَ بنِ عَتِيقٍ عن جابرٍ أنه على الندبِ ، ويقولُ: هو كحَديثٍ عمرةً فی
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥١٥٥) من طريق حسين بن عبد الله به.
٢٤٢

الموطأ
:
الذى تبيَّن له النُّقصانُ فيما ابتَاعَه من ثمرِ الحائطِ حينَ قال رسولُ اللَّهِ التمهيد
وَالِهِ : (تَأَى الَّا یفعَلَ خيرًا))(١). يعنى ربّ الحائط ، و کان یتأؤَّلُ فی حدیثِ
أبى الزبيرِ ، عن جابرٍ ، أنه محمولٌ على بيعٍ ما لم يُقْبَضْ، وما لم يُقْتَضْ
فمُصيبتُه عندَهم من بائعِه . وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك فى وضعِ الخَراجِ ،
خَراج الأرضِ، ثُريدُ كِراءَها، عمَّن أصاب ثمرَه أو زَرْعَه آفَةٌ . وقال
بعضُهم: معناه معنى حديثٍ أنسٍ سواءً، إلَّ أن أنسًا ساقَه على وجهِه،
وفَهِمَه بتمامِه. وهذه التَّأويلاتُ كلُّها خلافُ الظاهِرِ، والظاهرُ يُوجِبُ
وضعَ الجوائح إِن ثَبَت حديثُ سليمانَ بنِ عَتِيقٍ، وأمَّ الأُصُولُ فتشهدُ
لتأويلِ الشافعىّ . وباللَّهِ التوفيقُ.
وأمّا جملةُ قولٍ مالكِ وأصحابِهِ فى الجوائح، فذكّرَ ابنُّ القاسم وغيرُه
عن مالكِ فيمَن ابتاع ثمرةً فأصابتَها جائحةٌ، أنها مِن ضَمانِ البائعِ إذا
كانت الثُلُثَ فصاعدًا ، وإذا كانت أقلَّ مِن الثُّلُثِ لم تُوضَعْ عن المشترِى،
وكانت المصيبةُ منه فى النَّخلِ والعنبِ ونحوهما. قال: وأما الوردُ ، والياسَمِينُ،
والرُّمَّانُ، والتّفَّاح، والخَوُْ، والأُتْرِجُ(٢)، والموزُ، وكلُّ ما يُجَنَّى
بطئًا بعدَ بطنٍ مِن المقائىُّ(١) وما أشبهها، إذا أصابَت شيئًا مِن ذلك
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٣٣٩).
(٢) فى الأصل، ق: ((الأترنج)). والأترج: شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره
كالليمون الكبار، وهو ذهبى اللون، ذكى الرائحة، حامض الماء. الوسيط ( أترج ).
(٣) المقاشئ ، جمع مقتأة - بفتح الثاء ، وضمها لغة - : موضع القثاء الذى تُزرع فيه وتنبت .
وأرض مَقْتَأة: ذات ◌ِنَّاء. المصباح المنير والتاج (ق ث أ).
٢٤٣

الموطأ
التمهيد الجائحَةُ، فإِنَّه يُنظَرُ إِلى المَقثأةِ كم نباتُها مِن أولِ ما يَشتَرِى إلى آخرِ ما
يَنْقَطِعُ ثمرتُها فى المُتعارفِ ، ويُنظرُ إِلى قِيمتِها فى كلِّ زمانٍ على قَدْرٍ نَفَاقِه
فى الأسواقِ ، ثم يُمتَثلُ فيه أن يُقسّمَ الثَّمَنُ على ذلك .
واختلَفَ أصحابُ مالكِ فى الحائطِ يكونُ فيه أنوائح مِن الثِّمارِ فُجامح
منها نوعٌ واحدٌ، فكان أشهَبُ وأصبَغُ يقولان: لا يُنظرُ فيه إلى الثمرةٍ ،
ولكن إلى القِيمَةِ، فإن كانتِ القيمةُ التُّلُثَ فصاعدًا وُضِع عنه . قال ابنُ
القاسِم: بل يُنظَرُ إلى الثمرةِ. على ما قدَّمنا عنهم. وكان ابنُ القاسم أيضًا
یَرَى الشَّرَقَ جائحةً ، وخالَفَه أصحابُه والناسُ . وقال ابنُ عبدِ الحكم ، عن
مالكٍ: مَن اشتَرَى حوائطَ فى صَفَقاتٍ مختلفةٍ، فَأُصيب منها ثُلُثُ
حائطٍ ، فإنها تُوضَعُ عنه، ولو اشتَرَاها فى صَفَقَةٍ واحدةٍ ، فلا وضِيعةً له إلَّا
أن يكونَ ما أصابَتِ الجائحةُ ثُلُثَ ثَمَرٍ جميع الحوائطِ . وقال مالكٌ فى
الثُقولِ كلِّها، والبَصَلِ، والجَزَرِ ، والكَّاثِ، والفُجْلِ، وما أشْبَهَ ذلك: إِذا
اشتَرَاه رجلٌ فأصابَته جائحةٌ ، فإنَّه يُوضَعُ عن المشترى كلُّ شىءٍ أصابته به
الجائحَةُ، قلَّ أو كَثُرَ. قال: وكلُّ ما يَيِس فصار تَمرًا(١) أو زَبِيبًا وأمكّنَ
قِطَاقُه، فلا جائِحَةً فيه. قال: والجَرَادُ، وَالنَّارُ، والبَرْدُ، والمَطَرُ، والطَّيرُ
الغالِبُ، والعَفَنُّ، وماءُ السماءِ المُترَادِفُ المفسِدُ، والسَّمُومُ، وانقطاعُ
القبس
(١) فى ك ١: ((ثمرا)).
٢٤٤

الموطأ
ماءِ العُيُونِ، كلَّها مِن الجَوَائح، إلّ الماءَ فيما يُسقَى، فإِنَّه يُوضعُ قليلُ ذلك التمهيد
وكثيرُه؛ لأَنَّ الماءَ مِن سببٍ ما يُياحُ، ولا جائِحَةً فى الثَّمَرِ إذا يَیِسَ . قال
ابنُ عبدِ الحَكَم ، عن مالكِ: ولا جائِحَةً فى ثَمَرٍ عندَ جَدَادِه، ولا فی زَرْعِ
عندَ حَصَادِهِ . قال: ومَن اشتَرَى زَرعًا قد استُحصِدَ ، فَتَلِف ، فالمصيبةُ مِن
المشتری وإن كان لم يحصدْه .
حدَّثنی أحمدُ بنُ سعید بن بشر(١)، قال: حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
أبى دليم ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: سمِعتُ سُحنُونًا قال فى الذى
يشتَرِى الكَرمَ وقد طاب ، فيُؤَخِّرُ قِطافَه إلى آخِرِ السَّنَةِ ليكونَ أكثرَ لِثَمَنِه ،
فتُصِيبُه جائحةٌ أنه لا جائحةً فیه، ولا يُوضئُ عن المشتری فیه شىءٌ، قال :
وكذلك الثَّمَرُ إذا طاب كلُّه، وترَكّه للغَلاءِ فى ثَمَنِهِ . قال: وليس التِّينُ
كذلك؛ لأنَّه يَطِيبُ شيئًا بعدَ شىءٍ، وما طاب شيئًا بعدَ شىءٍ وُضِع عنه .
قال أبو عمرَ: أجاز مالكٌ رحِمه اللهُ وأصحابُه بيعَ المَقَائِىُّ إذا بَدَا
صَلاحُ أوَّلِها، وبيعَ البَاذِنْجَانِ، والْيَاسَمِينِ، والمَوْزِ، وما أشبه ذلك،
استِدلالاً بإجازَةِ رسولِ اللَّهِ وَلِلّهِ بِيعَ الثِّمارِ حينَ يَبْدُو صَلامحُها، ومعنَاه
عندَ الجميع أن يَطِيبَ أولُها ، أو بيدُوَ صَلامحُ بعضِها، وإذا جاز ذلك عندَ
الجميع فى الثِّمارِ، كانت المقائِىُّ وما أشبهَها ممَّا يُخلَقُ شيئًا بعدَ شىءٍ ،
القبس
(١) فى ك ١: ((بسر)). وفى ق: ((بشير)).
٢٤٥

الموطأ
التمهيد ويَخرُجُ بطئًا بعدَ بطنِ كذلك، قِياسًا ونَظَرًا؛ لأنَّه لما كان ما لم يَبْدُ
صلاحُه مِن الحائطِ ومِن ثَمَرِ الشجرِ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلاحه فى البيعِ من ذلك ،
كان كذلك بَيعُ ما لم يُخلَقْ مِن المقائِىِّ وما أشبَهَها تَبَعًا لِمَا خُلِقَ وطاب ،
وقياسًا أيضًا على بيع مَنافع الدَّارِ وهى غيرُ(١) مَخْلُوقَةٍ ، ولأنَّ الضرورةَ تُؤَدِّى
إلى إجازَتِه. وقولُ المزنيّ فى ذلك كقولٍ مالكٍ وأصحابِه سواءً. وأمَّا
العِرَاقِيُّونَ ، والشافعىُّ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبل، وداودُ بنُ علىّ ، فإنَّهم
لا يُجِيزُونَ بیعَ المقائِى، ولا بيعَ شىءٍ مما يخرُجُ (١ بطًا بعدَ بطنِ بوَجْهِ مِن
الوجوهِ ، والبيعُ عندَ جميعِهم فى ذلك مفسوعٌ إلا أن يقعَ البيئُ فيما ظهَر
وأحاطَ المبتاعُ برُؤْيَتِه، وطابَ بعضُه . وحُّتُهم فى ذلك نهىُ رسولِ اللهِ
وَّر عن بيعِ ما لم يُخلَقْ، ونهُه عن بيعِ ما ليس عندَك(٣)، ولأَنَّها أعيانٌ
مقصودةٌ بالشِّراءِ ليست مَرئيَّةً ، ولا مُستقرَّةً فى ذمَّةٍ ، فَأَشْبَهَتْ بِيعَ السِّنِينَ
المَنْهِىَّ عنه . وباللَّهِ التوفيقُ .
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى ك ١: ((يخلق)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٠٠، ٢٠١، وسيأتى تخريجه ص ٥٢٨، ٥٢٩.
٢٤٦

١٣٣٥ - مالكٌ، عن أبى الرِّجالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الموطأ
حارثةً ، عن أُمُّه عمرة بنت عبد الرحمن، أن رسولَ اللهِ پآ نھی عن
بيعِ الثمارِ حتى تنجُوَ من العاهةِ .
قال مالكٌ: وبيعُ الثمارِ قبلَ أن يبدوَ صلاحُها من بيعِ الغَرَرِ .
مالكٌ ، عن أبى الرِّجَالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ حارثةَ بنِ النعمانِ ، التمهيد
عن أُمِّه عَمْرَةَ بِنتِ عبدِ الرحمنِ، أَنَّ رسولَ اللهِ بَلَهَ نَهَى عن بيعِ الثمارِ
حتى تَنْجُوَ من العاهةِ(١).
قال أبو عمرَ: لا خِلافَ عن مالكِ فيما عَلِمْتُ فى إرْسَالٍ هذا
الحدیث ، وقد ژُوِی مُشتَدًا من هذا الوجه وغيره .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِىُّ، قال :
حدَّثنا خارِجَةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ بنِ زيدٍ بنِ ثابتٍ ، عن أبى الرِّجَالِ ،
عن أُمُّه عَمْرَةَ، عن عائشةَ قالت: نَهَى رسولُ اللهِ وَّر عن بيعِ الثَّمَرِ حتى
يَنْجُوَ من العاهَةِ(٢) .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٦٠)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٩ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٥٠٠). وأخرجه الشافعى ٤٧/٣، والبيهقى فى معرفة السنن (٣٣٩٦)
من طريق مالك به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٣/٤ من طريق القعنبى به، وأخرجه أحمد ١٦٠/٤٢
(٢٥٢٦٨) من طريق خارجة به، وأخرجه أحمد ٤٠/ ٤٧٠، ٢٦٥/٤١ (٢٤٤٠٧،=
٢٤٧

الموطأ
التمهيد
حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ أحمدَ بنِ منيٍّ (١)، قال: حدَّثنا هشامُ(١) بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا
أبو صالحٍ، قال : حدَّثنَى اللَّيْثُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى ذِئْبٍ، عن عثمانَ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ سُراقَةً، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ بَلْهِ نَّهَى عن بيعِ
الثمارِ حتى تَنْجُوَ من العاهَةِ. قال ابنُ سُرَاقَةَ: فسألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ،
متى ذلك؟ قال: طُلُوعَ النَِّيًّا(٣) .
وقد رَوَى أبو سعيد الخدرىُّ، عن النبيِّ وَّهِ مثلَ هذا اللفظِ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴾ِ نَهَى عن بيع الثمارِ حتى تَذْهَبَ عاهَتُها . من حديثِ ابنِ
أبي ليلى، عن عَطِيئَّةً، عن أبى سعيدٍ(٤) .
ورُوِىّ عن النبيِّ بَّهِ من وُجُوهٍ كثيرةٍ كُلَّها صِحاحٌ ثابتةٌ، أَنَّ
رسولُ اللهِ وَلَ نَهَى عن بيع الثِّمَارِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها، وحتى
تُزْهِىَ، وحتى تَحْمَرُّ، وحتى تُطْعَمّ، وحتى تَخْرُجَ من العَاهَةِ. ألفاظٌ
القبس
= ٢٤٧٤٤)، وابن عدى ١٥٩٥/٤ من طريق أبى الرجال به.
(١) تقدم فى ٣٨٩/١، وورد اسمه هناك أحمد بن محمد بن منير.
(٢) فى ى، م: ((هاشم)). وينظر تاريخ بغداد ٤/١٣.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٣٥، ٢٣٦ من طريق ابن أبى ذئب.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ١٩٢، ١٩٣، والبزار (١٢٩١ - كشف) من طريق ابن أبى
لیلی به .
٢٤٨

الموطأ
كلُّها مَحْفُوظَةٌ، ومَعْناها واحِدٌ (١) . والمعنَى فيها أن تَنْجُوَ من العَاهَةِ، التمهيد
وهى الجائِحَةُ فى الأُغْلَبِ؛ "لا أنّ) الثّمارَ إِذا بَدَا صَلاحُها نَجَتْ من
العَاهَةِ مجمْلَةً واحدةً، ولكنَّها إذا بَدَا طِيئُها كان أَقْرَبَ إلى سَلامَتِها ،
وقَلَّمَا يكونُ شُقوطُ ما يَشْقُطُ منها إِلَّا قبلَ ذلك. ثم ما اعْتَراها من
جائِحَةٍ من السماءِ أو غيرِها، فقد مَضَى القولُ فى ذلك كلِّه،
واخْتِلافُ العلماءِ فيه، فى بابٍ مُمَيْدِ الطّوِيلِ، من کِتابِنا هذا(٣)، فلا
وجه لإعادَتِه ههُنا .
وقد رَوَی ◌ُهَيْبُ بنُ خالِدٍ ، عن عِسْلٍ بنِ سفیانَ ، عن عطاءٍ ، عن أبى
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إذا طلَعتِ النُّرَيَّا صَبَاحًا، رُفِعَت
العامةُ عن أهلِ التَلَدِ))(٤) . وقد ذكرنا هذا الخبرَ، ومضى القولُ فيه، فى
بابٍ مُحمَيْدٍ الطويلِ أيضًا. والحمدُ للهِ. وطُلُوعُ التَُّيَّا صباحًا لاثْتَتَىْ عَشْرَةَ
لَيْلَةٌ تَعْضِی من شهرٍ أَیَّارٍ، وهو شَهْرُ مَایُه .
وفى هذا الحديثِ مع قولِهِ وَّهِ فى حديثٍ محُمَيْدٍ، عن أنسٍ:
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٢٢٩ - ٢٣١، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٣٩.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((إلا أن))، وفى ى، م: ((لأن)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) ينظر ما تقدم ص ٢٣٢ - ٢٤٦.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٣٦.
٢٤٩

الموطأ
التمهيد ((أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، فَبمَ يَأْخُذُ أحَدُ کم مالَ اخیهِ؟)) - دليلٌ واضحٌ
على جوازٍ بيع الثمارِ كلّها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها على القَطْع فى وقتِها (١) ؛ لأنَّها
إذا قُطِعَتْ فى الوَقْتِ أَمِنَتْ فيها العَاهَةُ ، ولم يَمْنَع اللهُ المشْتَرِىَ شيئًا أرادَه .
ومِن هذا جوازُ بيعِ القَصِيلِ(٢) وشِئْهِه على القَطْعِ، وهذا أمرٌ لم يُخْتَلَفْ
فيه. قال مالكٌ: لا يجوزُ بيعُ الثِّمارِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها إلّا على القَطْعِ،
وكذلك القَصِيلُ. وهو قولُ ابنٍ أبى ليلى، والثورىِّ، والأُوْزَاعِيِّ،
والليثِ، والشافعىّ. قال مالك والشافعىُّ: فإذا اشتَرَى الثمرةَ بعدَ بُدُوِّ
صَلاحِها، فسَواءٌ اشْتَرَط تَبْقِيَّتَها أو لم يَشْتَرِطْ، البيعُ صحيح. وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه : يجوزُ بيعُ الثمارِ قبلَ بُدُوِّ الصلاحِ وبعدَ بُدُوِّ الصلاحِ إذا
لم يَشْتَرِطِ التَّْقِيَةَ ولا القَطْعَ، ولكنْ باعها وسكَت ، وإن اشْتَرَطَ تَثْقِيَتَها
بطَل(٢) العقدُ، سواءٌ باعها قبلَ بُدُوِّ الصلاح أو بعده. وقال محمدُ بنُ
الحسنِ: إذا تَنَاهَى عِظَمُه، فَشَرَط تَوْكَه، جاز اسْتِحْسانًا().
قال أبو عمرَ: جعَل أبو حنيفةً قولَه وَالّ: ((حتى تَنْجُوَ من العاهَةِ)) .
رَدَّا لقولِه: ((حتى يَبْدُوَ صَلامحُها)). فقال ما ذَكَوْنا، واحتَجَّ أيضًا بالنَّهْي
عن بيعِ الغَرَرِ. وجَعَل مالكٌ وجمهورُ الفقهاءِ ذلك كلَّه مَعْنَى واحِدًا،
القبس
(١) القصيل: هو الشعير يُجَزَّ أخضر لعلف الدواب . المصباح المنير ( ق ص ل ).
(٢) فى ى، م: ((الوقت)).
(٣) فى ى، م: ((فسد)).
(٤) فى ى: ((استحبابا)).
٢٥٠

١٣٣٦ - مالك، عن أبي الزنادِ، عن خارجةَ بنِ زيد بن ثابتٍ ، الموطأ
عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، أنه كان لا يبيعُ ثمارَه حتى تطلُعَ الثُّريًّا .
وحَمَلوه على الأَغْلَبِ فى أنَّها تَسْلَمُ حينَئِذٍ فى الأَغْلَبِ. واللهُ أعلمُ . التمهيد
والحُجَّةُ لمالكِ ، والشافعيِّ، ومَن قال بقَوْلِهما، عُمومُ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ:
﴿وَأَحَّ اللَّهُ اُلْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. مع قولِ رسولِ اللهِ وَله: (( حتى يَبْدُوَ
صَلاحُهَا)). و((حتى)) غايَةٌ. ويَقْتَضِى هذا القولُ أَنَّه إِذا بَدا صَلاحها جاز
بَيْعُها جَوازًا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ شَرَط التَّثْقِيَةَ أَو لم يَشْتَرِطْ . واللهُ أعلم . وقد سُئِل
عثمانُ البَِّىُّ عن بيع الثَّمَرِ قبلَ أن يُزْهِىَ ، فقال: لولا ما قال الناسُ فيه ما
رَأيْتُ به بَأْسًا .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ ، عن زيدٍ بنِ الاستذكار
ثابتٍ؛ أنه كان لا يَبيعُ ثِمارَه حتى تطلعَ القُّرِيًّا (١) .
وقال مالكٌ فيما روَى ابنُّ القاسم عنه: لا بأسَ أن يُباعَ الحائطُ ، وإن
لم يُزْهِ(٢)، إذا أَزْهَى ما حولَه مِن الحِيطَانِ، وكان الزمانُ قد أُمنت فيه
العامةُ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٦١)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٩ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٥٠٣).
(٢) فى ح، م: (يره).
٢٥١

قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا فى بيع البِطِّيخِ والقِتَّاءِ والخِزيزِ والجزَرِ ،
توطا.
أُن بيعہ إذا بدا صلاحه حلال جائزٌ ، ثمّ یکونُ للمشتري ما ینُتُ حتی
قال ابنُ القاسم: أحَبُّ إِلىَّ ألا يبيعَه حتى يُزْهِىَ؛ لنهى رسولِ اللهِ وَله
کار
عن ذلك، ولا أُراه حرامًا .
قال أبو عمر : قول مالك صحیح علی ما ذكرنا فی أُولِ هذا البابِ مِن
ذهابِ العامةِ بطلوع(١) الثُّريًّا ، على ما فى حديث زيد بن ثابتٍ ، وليس فيه
أنه أَزْهَی حائطُه .
قال مالكٌ : وإذا كان فى الحائطِ أنوائٌ مِن الثمارِ؛ كالتينٍ، والعنبٍ،
والُمَّانِ ، فطاب أولُ جنسٍ منها، تبع ذلك وجذَّه، ولم تَيغ منه غيرَه ما لم
يَطِبْ شيء منه . وهو قولُ الشافعىِّ .
وقال مالكٌ فى آخرٍ هذا البابِ: الأمرُ عندَنا فى بيعِ البِطِّخِ والقِثَّاءِ
والخِزِيزِ(١). والجَزَرِ، أن بيعَه إذا بدَا صلاحُه حلالٌ جائزٌ، ثم يكونُ
للمُشترِى ما يَنْبتُ حتى ينقطعَ ثمرُه ويَهْلِكَ، وليس فى ذلك وقتٌ
(١) فى ح، هـ، م: ((بأول طلوع)).
(٢) الخزبز: نوع من البطيخ، أملس مدوَّر الأرؤس مُنَقَّط، كأنه الأخضر من الحنظل، رقيق
الجلد، وهو البطيخ السندى، ومنهم من يجعل كل بطيخ خريزا، وكلام مالك يقتضى أنه ليس
البطيخ نفسه. الاقتضاب ١٧٥/٢، ١٩٠.
٢٥٢

٠
..
ينقطِعَ ثمَرتُه ويَهلِكَ ، وليسَ فى ذلكَ وقتٌ يُؤَقَّتُ، وذلك أن وقتَه الموطأ
معروفٌ عندَ الناسِ، وربَّما دخَلته العاهةُ فقطَعت ثمَرتَه قبلَ أن يأْتِىَ
ذلك الوقتُ ، فإذا دخَلته العاهةُ بجائِحةٍ تبلُغُ الثلثَ فصاعدًا، كان
ذلك موضوعًا عن الذی ابتاعه .
يُؤَقَّتُ(١) ، وذلك أن وقتَه معروفٌ عندَ الناسِ، وربما دخَلته العاهةُ فقطَعت الاستذكار
ثمَّرتَه قبلَ أن يأتىَ ذلك الوقتُّ، فإذا دخَلته العاهةُ بجائحةٍ تبلغُ الثلثَ
فصاعدًا، كان ذلك موضوعًا عن الذى ابتاعَه .
قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى هذه المسألةِ ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه
بما رسمه فی کتابه «الموطاً)). ومِن أحسنٍ ما يُحتجُ لهم به فى ذلك أن
السُّنَّةَ ورَدت بالنهي عن بيع الثمارٍ حتى يبدوَ صلامحها، فإذا بدا صلامح
أولها جاز بيعُ جميعِها بطِيبٍ أوَّلِها، ولولا طِيبُ أوَّلِها لم يَجُزْ بيعُها ،
فكذلك بيعُ ما لم يُخلقْ فى المَفْتَأةِ(٢) مِن البِطَّيِخِ والقِنَّاءِ يكونُ تَبَعًا لِمَا خُلق
مِن ذلك ، كما كان ما لم يَطِبْ مِن الثمرةِ تَبَعًا لِمَاطابَ ، ومحكمُ الباذنجانِ ،
والمَوزِ ، والياسمينِ - وما أشبه ذلك كلَّه - حُكْمُ المَقَائِىُّ عندَهم.
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ح، هـ.
(٢) فى م: ((المقائئ)).
٢٥٣

الموطأ
ما جاء فى بيعِ العَرِيَّةِ
وأما الشافعىُّ فلا يجوزُ عندَه بيعُ شىءٍ مِن ذلك إلا بطنًا بعدَ بطنٍ، ولا
الاستذكار
یجوزُ عندَه بيئُ شیءٍ لم يُخْلَقْ ، ولا بیئُ ما خُلِق ولم يُقدَرْ علی قبضِه فى
حينٍ البيعٍ ، ولا بيعُ ما خُلق وقُدر عليه إذا لم يُنظر إليه قبلَ العقدِ ، و كذلك
بيعُ كلِّ مغيَّبٍ فى الأرضِ؛ مثلَ الجَزَرِ والفُجْلِ والبصلِ .
وليس ذكرُ الجَزَرِ فى هذه المسألة فى أکثر ((الموطآتِ)) ؛ لأنه بابٌ
آخرُ، نذكرُه فى بابٍ بيعِ الغائبِ والمغيَّبِ فى الأرضِ إن شاء اللهُ
عزَّ وجلَّ . وقولُ الكوفيِّين فى بيعِ المَقائِىُّ كقولِ الشافعىِّ. وهو قولُ أحمدَ
وإسحاقَ؛ لأنه من بيعٍ ما لم يُخْلَقْ عندَهم وبيعِ الغَرَرِ .
التمهيد
القبس
وأما :بابُ بيعِ العَرَايا
فيُخَرَّجُ على القاعدةِ الخامسةِ فى استثناءِ المعروفِ من المغابنةِ والمكارمةِ
مِن الربا ، وقد رُوى عن مالكِ أن بيعَ العَرِيَّةِ لا يجوزُ إلا بالدنانيرِ والدراهمِ، وهذا
(١) فى ج: ((المعاينة)).
٢٥٤

١٣٣٧ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن زيدِ بنِ الموطأ
ثابتٍ، أن رسولَ اللهِ وَّلَهِ أَرْخَصَ لصاحبِ العربيَّةِ أن يبيعَها بخَرْصِها.
مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِ
أرْخَص لصاحبِ العَرِيَّةِ أن يبيعَها بخَرْصِها(١).
عادي
التمهید
صَلىالله
وَسيلا
هكذا رَوَى هذا الحديثَ فى ((الموطأُ)) جماعةُ الرواةِ فيما علِمتُ ، لم
يَتْبنى على مسألةٍ من أصولِ الفقهِ اختلَف فيها قولُه، وهى إذا جاء خبرُ الواحدِ القبس
معارِضًا لقاعدةٍ مِن قواعدِ الشرعِ، هل يجوزُ العملُ به أم لا؟ فقال أبو حنيفةً: لا
يجوزُ العملُ به. وقال الشافعىُّ: يجوزُ(١) . وتردَّد مالكٌ فى المسألةِ، ومشهورُ
قوله والذى عليه المعوّلُ ، أن الحدیثَ إذا عضَدَتْه قاعدةً أخری قال به ، وإن كان
وحدَه ترَكه؛ ولهذا قال فى مسألةٍ غَسلِ الإناءِ من ولوغ الكلبِ ) : قد جاء هذا
الحديثُ ولا أدرى ما حقيقتُه. لأن هذا الحديثَ عارض أصلين عظيمين ؛
أحدُهما: قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]. قال
مالكٌ: يؤكَّلُ صيدُه، فكيف يُكْرَهُ لُعابُه؟. الثانى: أن علَّةَ الطهارة هى الحياةُ،
وهى قائمةٌ فى الكلب .
وأما حديثُ العَرايا ، فإن صدَمتْه قاعدةُ الربا عضَدتْه قاعدةُ المعروفِ .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٥٧)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٩ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٥٠٥). وأخرجه أحمد ٤٩٤/٣٥ (٢١٦٢٧)، والبخارى (٢١٨٨)،
ومسلم (٦٠/١٥٣٩) من طريق مالك به، وعند أبى مصعب ومسلم: ((بخرصها من التمر)).
(٢) بعده فى ج، م: ((العمل به)).
(٣) تقدم حديث الموطأ (٦٤).
٢٥٥

الموطأ
التمهيد يزيدوا على : أن تَبِيعَها بخَرْصِها .
ورواه اللیثُ بنُ سعدٍ ، عن یحیی بن سعیدٍ ، عن نافع ، عن ابنِ عمرَ ،
قال: حدثنى زيدُ بنُ ثابتٍ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّهِ أَرْخَصَ فى بيع العرايا(١)
بِخَرْصِهَا تمرًا(١).
وعند یحیی بن سعیدٍ فی العَرایا أيضًا حدیثُه عن بشِیرِ بنِ یَسارٍ ، عن
سَهْلِ بنِ أبى حثمَةَ. وقد ذكّوْناه فى بابٍ داودَ بنِ الحصَيْنِ مِن هذا
الکتاب .
وروی الأوزاعُ ، وُونُشُ ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، عن
زيد بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أَرْخَص فى بيعِ العَرَايَا بَالرُّطَبِ(٤).
والمحفوظُ فى هذا الحديثِ وغيرِه فى العَرَايا ذكرُ التَّهْرِ لا ذکرُ
الُّطَبِ. وقد مضَى القولُ فى محكم العَرَايا ومَعانِيها، وما للعلماءِ مِن
الأقاويل فى ذلك مُسْتؤعبًا فى بابٍ داودَ بنِ الحصينِ مِن كتابنا هذا(٥) ، فلا
القبس
(١) فى ن: ((العربية))، وأشار فى الحاشية إلى أنه فى نسخة: «العرايا)).
(٢) أخرجه مسلم (٦٣/١٥٣٩)، والنسائى (٤٥٥٣)، وابن ماجه (٢٢٦٩) من طريق الليث
به .
(٣) سیأتی تخريجه ص ٢٦٤.
(٤) سیأتی تخريجه ص ٢٧٩.
(٥) سيأتى ص ٢٥٩ - ٢٨٢.
٢٥٦

١٣٣٨ - مالك، عن داودَ بنِ الحُصَينِ، عن أبى سفيانَ مولَى ابنِ الموطأ
أبى أحمدَ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لّهِ أَرْخَصَ فى بيع العرايا
بخَرْصِها ؛ فيما دونَ خمسةٍ أوسُقٍ ، أو فى خمسةٍ أوسُقٍ . يشُكُّ داودُ،
قال : خمسةٍ أو دُونَ خمسةٍ .
قال مالكٌ: وإنما تباعُ العرايا بخَرْصِها من التمرِ، يُتَحَرَّى ذلك
ويُخْرَصُ فِى رءوسِ النخلِ، وليستْ له مَكيلةٌ، وإنما أُرْخِصَ
فيه؛ لأنه أُنزِلَ بمنزلةِ التولية والإقالةِ والشِّركِ ، ولو كان بمنزلةٍ غيرِه
من البيوع، ما أشرَك أحدٌ أحدًا فى طعام حتى يَستوفِيّه، ولا أقاله
منه، ولا ولاه أحدًا حتى يقبضَه المبتاعُ .
التمهيد
وجه لإعادةِ ذلك هلهنا .
مالكٌ، عن داودَ بنِ الخُصَيْنِ، عن أبى سفيانَ مَوْلَى ابنِ أبى أحمدَ ،
عن أبى هريرةً، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِلّهِ أَرْ خَص فى بيع العَرايَا بِخَرْصِها فيما دُونَ
خمسةٍ أوْسُقٍ ، أو فى خمسةٍ أوْسُقٍ . يشُكُّ داودُ ، قال : خمسةٍ ، أو دونَ
.(١)
خمسةٍ().
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٥٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٩ظ، ٤و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٥٠٦). وأخرجه أحمد ١٧٥/١٢ (٧٢٣٦)، والبخارى
(٢١٩٠، ٢٣٨٢)، ومسلم (١٥٤١)، وأبو داود (٣٣٦٤)، والترمذى (١٣٠١)، والنسائى
(٤٥٥٥) من طريق مالك به .
٢٥٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٧/١٦)

الموطأ
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطّأُ)) عندَ جماعَةِ رُوَاتِه فيما عَلِمْتُ .
التمهيد
ورواه عثمانُ بنُ عمرَ ، عن مالك ، عن داود ، عن أبى سفيان ، عن جابر بنِ
عبدِ اللهِ، عن النبيِّ وَّه(١). فأخْطَأُ فيه، والصَّوابُ ما فى ((الموطّاً)). وأبو
سفيانَ هذا مدنيٌّ، اسْمُه قُزْمَانُ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ فيما روَى، وهو مَوْلَى عبدِ اللهِ
ابنِ أبى أحمدَ بنِ جحشِ الأسَدِىِّ، واسمُ أبى أحمدَ بنِ جحشٍ عبدُ(٢) بنُ
جحش، وهو أخو زينب بنت جحشٍ زوج النبيِّ ◌َلتر، قد ذكرناه وإخوته
فى كتابِنا فى (( الصحابَةِ)) (١) . قال مُضْعَبُ الزُّيتْرِىُّ فى أبى سفيانَ مولی ابنِ
أبى أحمدَ هذا: قالوا: هو مَوْلَّى لبنى عبدِ الأَشْهَلِ، وكان له انقطاعٌ إلى
عبدِ اللهِ بنِ أبی أحمد بن جحش ، فنُسِب إليه . روَى عن أبى هريرةَ ، وأبى
سعيدٍ، وكان مُكاتَبًا، وكان يُصَلِّى لبنى عبدِ الأَشْهَلِ فى رمضانَ
وفيهم قومٌ قد شَهِدُوا بدرًا والعقبةَ يُصَلُّونَ خلفَه. (٤وأمَّا أبو سفيانَ
الذى يَرْوِى عن جابرٍ، فاسْمُه طلحةُ بنُ نافِع، ليسَ له ذِكرٌّ فى
(الموطأُ))".
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٠/٤ من طريق عثمان بن عمر والقعنبى، عن مالك،
عن داود، عن أبى سفيان، عن أبى هريرة .
(٢) فى ك ١، م: ((عبيد)). وينظر الاستيعاب ١٥٩٣/٤.
(٣) الاستيعاب ٨٧٧/٢، ١٥٩٣/٤، ١٨٠٧، ١٨١٣، ١٨٤٩.
(٤ - ٤) سقط من: ك ١، س.
٢٥٨

الموطأ
التمهيد
وأمَّا العَرَايا، فواحِدُها عَرِيَّةٌ، والجمعُ عَرَايَا، ومَعْناها عَطِيئَّةُ ثَمَرِ النَّخْلِ
دونَ الرّقابِ ، كانتِ العَرَبُ إِذا دهَمَتْهم سَنَةٌ تطَوَّعَ أهلُ النخلِ منهم على
مَن لا نخلَ له فيُعطِيهُ(١) مِن ثَمَرٍ(٢) نَخْلِه(٣)، فمنهم المُكْثِرُ ومنهم المُقِلُّ.
ولهم عَطَايا مَنافِعُ لا تُمْلَكُ بشىءٍ منها رَقَبَةُ الشىءِ الموهوبِ(٤)؛ منها
الإِفْقَارُ، والإِخْبَالُ، والإِعْرَاءُ، ومنها المِنْحَةُ، كانوا إذا أعْطَى أَحَدٌّ منهم
صاحِبَه ناقَةٌ أو شاةً مِن غَنَمِه يشْرَبُ لبنَها مَرَّةً، قيل: مَنَحَه . فإن أَعْطاه دائَّةً
يَرْتَفِقُ بِظَهْرِها ، ويُكْرِى ذلك ويَنْتَفِعُ به، قيل: أُخْبَلَه . فإن أعطاه شيئًا مِن
الإِبِلِ يَرْكَبُه مَرَّةً، قيل: أَفْقَرَه ظهرَ جَمَلِه، أو ناقَتِه، أو دائَتِه . فالعَرَايَا فى
ثَمَرِ النخلِ، وتكونُ عندَ جَماعَةٍ مِن العلماءِ فى النخلِ والعِنَبِ وغيرِهما (٥)
مِن الثمارِ، والمِنْحَةُ فى ألبانِ النَّوقِ والغنم، والإِخْبالُ فى الدَّوابُ،
والإِفْقارُ فى التُّوقِ والإِبِلِ، والإِطْرَاقُ أن يُعْطِيَه فحلَ غَنَمِه أو إبلِه لحملِه
على نِعاجِه أو نُوقِه، والإِسْكانُ أن يُشْكِنَه بَيْتًا له مُدَّةً. لا يَمْلِكُ بشىءٍ
مِن هذا كُلُّ رَقَبَةَ ما يُعْطَى. ومِن هذا البابِ عندَ أَصْحابِنا العُمْرَى،
وخالَفَهم فى ذلك غيرُهم، وقد ذكّرْنَا ذلك فى مَوْضِعِه مِن كتابنا
القبس
(١) فى م: ((فيعطونه)).
(٢) فى س: ((تمر)).
(٣) فى م: ((نخلهم)).
(٤) فى ك ١: ((الموقوف و))، وفى م: ((الموقوف)).
(٥) فى ك ١: ((غيرها)).
٢٥٩

الموطأ
التمهيد هذا (١).
وقال الخليلُ بنُ أحمدَ(٢) رحِمَه اللهُ : العَرِيَّةُ مِن النخلِ التى تُغْزَلُ عن
المساوَمَةِ عندَ بيع النخلِ، والفِعْلُ الإِعْراءُ، وهو أن يَجْعَلَ ثمرةَ عامِها
لمحتاج. وقال غيرُه: إنَّما قيل لها: عَرِيَّةٌ لأَنَّها تُعَرَّى مِن ثَمَرِها قبلَ
غيرِها مِن سائرِ الحَوائطِ . وقال ابنُ قتيبةَ: العَرِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن العَارِيَّةِ،
وهى عارِيَّةٌ مُضَمَّنَةٌ بِهِبَةٍ، فالأصلُ مُعَارٌّ، والثمرةُ هِبَةٌ. فهذا معنى لفظٍ
العَرِيَّةِ فى اللغةِ؛ وذلك أنَّ الرجلَ منهم كان يُغْطِی جارَه أو المسكينَ ،
مَن كانَ، نَخْلَةً مِن حائطِه أو نَخَلاتٍ يَجْنِى ثمرَها، فيقولُ: أَعْرَيْتُ
نَخْلَتى أو نخلى فلإِنًا. وكانوا يُمْتَدَحُونَ بذلك، قال بعضُ شعراءٍ
(٣)
الأنصارِ(٣) :
ولكنْ عَرَايا فى السِّنين الجَوَائِحِ
ليست بسَنهَاءَ ولا رُمَجْبِيَّةٍ
ويُْوَى : فى السِّنِين المواحِلِ. والسنْهاءُ مِن النخلِ التى تَحْمِلُ سنةً
وتحولُ سنةً فلا تَحْمِلُ، وذلك عَيْبٌ فى النخلِ ، فَوَصَف نخلَه أنَّها ليست
كذلك، ولكنَّها تَحْمِلُ كلَّ عامٍ. والرُِّيَّةُ هى التى تَمِيلُ لضَغْفِها فتُدْعَمُ
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٥١٣) من الموطأ .
(٢) العين ٢٣٤/٢.
(٣) البيت لسويد بن الصامت، وهو فى غريب الحديث لأبى عبيد ١/ ٢٣١، ١٥٤/٤،
ومجالس ثعلب ٩٤/١، واللسان ( رج ب، ج وح، س ن هـ، ع ر ی).
٢٦٠